Monday, January 27, 2014

السلفيون قادمون

السلفيون قادمون

Mon, 01/27/2014 -

بقلم: عمير ربابورات

كانت حياة الجيش الإسرائيلي والشاباك في الماضي أبسط: خلف كل صاروخ كان عنوان تنظيمي واضح، حماس عموما، وتمر أوامر الإطلاق في شبكة اتصالات يسهل رصدها. حاليا تغيرت الأمور. الصواريخ التي أطلقت هذا الأسبوع من سيناء نحو إيلات كانت مفاجئة، وكذا معظم الصواريخ من غزة إلى النقب. والقاسم المشترك بين الأحداث الأخيرة في الجنوب هو أن متطرفين إسلاميين يعدون أنفسهم جزءا من الجهاد العالمي هم من نفذوها. والجيش الإسرائيلي يتعامل مع ظاهرة مشابهة في الشمال. عبوات ناسفة على السياج في هضبة الجولان، إطلاق صواريخ من لبنان بل إطلاق رصاص قناصة نحو موقع رأس الناقورة، جميعها نفذتها منظمات جهادية ترى في حزب الله كفارا ضعفاء.

وكان يمكن أن تكون الأوضاع أسوأ. فالتنظيم، الذي مركزه غزة، وكشفه الشاباك وأعلن عنه الأربعاء الماضي، مرتبط بالقاعدة. وبحسب الشاباك فإن جهاديا متطرفا من القطاع تواصل مباشرة مع زعيم القاعدة أيمن الظواهري، واستخدم في القدس والسامرة ثلاث قنوات موازية كانت ستنفذ سلسلة هجمات. إحدى القنوات كلفت بتنفيذ عملية متزامنة في مباني الأمة والسفارة الأميركية في تل أبيب.

وقد رد الجيش هذا الأسبوع بقصف جوي واغتيالات في القطاع، لكن تقدير إن كنا نقترب من جولة قتال أخرى يتطلب فهم الصورة بأسرها وهي تختلف عن السنوات الماضية. وبالعودة لعام 2012 فإن المنظمة الحاكمة للقطاع منذ 2007 خرجت من "عمود السحاب" متضررة، وطولبت من الإخوان المسلمين، حكام مصر حينها، بوقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل. وكانت للتنظيم المصري الذي يعتبر حماس فرعا قضايا أهم على جدول الأعمال من التصادم مع إسرائيل.

وازداد وضع حماس من حينها سوءا، حيث تدفع حاليا ثمن ما يجري في مصر وسوريا. فدعم حماس للمتمردين في سوريا أغضب إيران التي أوقفت تقريبا نقل الأموال والأسلحة لهذا التنظيم. وإذا لم يكن هذا كافيا، فإن انقلابا وقع في مصر وسيطر الجيش الذي يحتقر الإخوان المسلمين وحلفاءهم في غزة، ويخوض حربا لا هوادة فيها ضد منظمات الجهاد العالمي التي تمركزت في سيناء بعد سقوط حكم حسني مبارك.

والواقع أن معظم مطلقي النار الأخيرة هم من السلفيين الذين يرفضون تماما التقدم ويريدون إعادة الخلافة الإسلامية التي أعقبت عهد النبي محمد. وهم يدعون للجهاد ضد الكفار من اليهود والمسيحيين وحتى المسلمين ممن ليسوا على طريقتهم. والجيش المصري يرى في سلفيي قطاع غزة وسيناء العدو الرقم واحدا. في عدة حالات في الشهور الأخيرة ذبح الجهاديون في سيناء عشرات الجنود المصريين وهم في طريقهم لقضاء إجازاتهم. والإهانة كانت كبيرة وكذلك رغبة المصريين في الثأر.

إذاً لماذا تزداد النيران في الجنوب الآن؟ ربما لأن الردع الذي حققته "عمود السحاب" تآكل، لكن ثمة صلة بين هذه الزيادة وعدة مصالحات عقدتها حماس مؤخرا. وتضمنت المصالحات اتصالات سرية مع إيران لكن أثر ذلك محدود ميدانيا الآن. والأهم محاولات حماس "الصلح" مع الجهاد الإسلامي والمنظمات السلفية (التي لفرط تطرفها تنشق بسرعة مذهلة. فهناك بضع مئات من الجهاديين السلفيين في القطاع لكنهم ينتمون لعشرات المنظمات الجهادية المختلفة).

وقد مارست حماس منذ عمود السحاب سياسة "القبضة القاسية" ضد كل من حاول إطلاق قذائف على إسرائيل، ولم تتورع عن اعتقالهم. ولكن الوضع تغير مؤخرا. صارت القبضة أقل قسوة، ربما بسبب الضغط الاقتصادي والسياسي وربما بسبب الوضع الصعب لسكان غزة: الأسعار الباهظة، وعدم وجود فرص عمل. والنتيجة اتهامات لحماس بالفشل الحكومي والضعف إزاء إسرائيل.

وبنظرة للوراء يبدو أن زيادة إطلاق الصواريخ يعود لحرب إسرائيل ضد الأنفاق التي تحفرها منظمات بينها حماس استعدادا ليوم المواجهة. والأمر يتعلق بأنفاق تعبر الحدود إلى إسرائيل والتي صار الجيش يتعامل بنجاعة أكبر معها مؤخرا. وليس واضحا حتى اليوم من أطلق النار على مستخدم وزارة الدفاع قرب السياج الحدودي لكن الواضح هو أن الجيش نفذ بعدها غارات على مواقع لحماس لتعريفها أنها المسؤولة عن كل هجوم على إسرائيل من القطاع. وبعدها بدأت زيادة العمليات وصار الجيش يرد.

وهذا ما حدث هذا الأسبوع: سلسلة إطلاقات نحو النقب، عدة هجمات إسرائيلية على القطاع، بضمنها اغتيالات. الجيش يرد أساسا ضد حماس، ويدمر بشكل منهجي المواقع التي قامت بتحصين انتاج الصواريخ البعيدة المدى فيها. وأظهرت صور جوية بعد إحدى غارات هذا الأسبوع انفجارات ثانوية، تشير إلى انفجار صواريخ في الملاجئ بعد الغارة.

وبحسب ما ينشر في غزة، فإن إطلاقات هذا الأسبوع نفذتها لجان المقاومة والجبهة الشعبية ومنظمات جهادية. ولا أهمية هنا للانتماء التنظيمي لأن معظم هذه حالات لخلايا مكونة من أقارب أو أصدقاء ينتمون لتنظيمات مختلفة. ناشط جهادي يمكنه أن يأخذ معه صاروخا من تنظيم كان يعمل فيه سابقا، ويطلقه باسم التنظيم الجديد.

وقد جسد وزير الدفاع ورئيس الأركان هذا الأسبوع سياسة صفر احتمال لأي إطلاق نحو إسرائيل. كل إطلاق جوبه برد، لا يهم من أطلقه. حماس أعلنت بشكل قاطع معارضتها للإطلاقات، لكنها لم تعمل بحزم ضد المطلقين، وخلافا للماضي لم تعتقل أحدا. وحتى نهاية الأسبوع بدا أن حماس لم تعد لتعمل بحزم ضد "العصاة" ممن يطلقون النار ويعملون ضد مصلحة حماس في كسب الوقت والهدوء. ورغم ذلك لا يبدو أن عملية كعمود السحاب يمكن أن تأتي سريعا. فإسرائيل ترى أن العدو الأساس لا يزال حماس، وقوة الجهاديين أقل، حتى إن كانت أصعب ملاحظتهم أو ترقب خطواتهم.

وبالتناسب، لو أن العملية المزدوجة في مباني الأمة والسفارة الأميركية في تل أبيب نجحت، لوجدنا أنفسنا في واقع أمني مختلف. والإحباط السريع يشهد على أن الذراع الطويلة للاستخبارات حتى في عهد تطلق فيه الرسائل الأساسية عبر الانترنت. ورغم ذلك في الشاباك قلق كبير من احتمال أن تخلق المنظمات السلفية لنفسها في الضفة الغربية قاعدة على شاكلة القاعدة التي أقاموها في قطاع غزة. كشف التنظيم الأخير جاء بعد حوالي شهر على خوض وحدة مكافحة الإرهاب معركة قتلت فيها سلفيين – رجال جهاد عالمي - من بلدة يطا قرب الخليل.

في الشاباك يؤمنون بأنه عبر أفعال حازمة، لا يزال بالإمكان كبح انتشار الجهاد من غزة إلى الضفة الغربية وإلى شرقي القدس. لكن إذا واصل الجهاديون تعزيز قوتهم في سيناء، وقطاع غزة والحدود الشمالية، فإن الخريطة الأمنية للمنطقة ستتغير بشكل جذري.

Previous Post
Next Post

About Author

0 comments: