Friday, January 12, 2018

الجبهة الشمالية التحدّي الأكبر الذي ستواجهه إسرائيل سنة 2018

الجبهة الشمالية التحدّي الأكبر الذي ستواجهه إسرائيل سنة 2018
Israel Defense، 11/1/2018


الجبهة الشمالية التحدّي الأكبر الذي ستواجهه إسرائيل سنة 2018

Image result for ‫عمير رابابورت - محلل عسكري‬‎
عمير رابابورت - محلل عسكري

•كانت سنة 2017 هادئة نسبياً بالمنظور الأمني الإسرائيلي، لكن نهايتها شهدت توترات حادة على الجبهات المتعددة.  

1. إيران والجبهة الشمالية: 
•تشكل الجبهة الشمالية التحدّي الأكبر الذي تواجهه إسرائيل وعلى ما سيبدو ستواجهه خلال سنة 2018. الأحداث الداخلية الغريبة التي تجري في لبنان (بما في ذلك فرار رئيس الحكومة سعد الحريري ثم عودته، في أواخر 2017) تسرق من حزب الله قدرا كبيرا من الاهتمام، على حساب العدو الإسرائيلي، غير أن الخطوات الإيرانية التي تشمل أيضا إنشاء قاعدة ثابتة على الأراضي السورية، تحمل أهمية عظمى: فإيران تتجهز لتصعيد تهديداتها ضد إسرائيل تحسبا لاحتمال تعرض منشآتها النووية للهجوم. ولذا يشكل التواجد الإيراني الرسمي على الأراضي السورية خطرا جسيما لا مثيل له. 
•التخوف الأكبر هو من قيام إيران مستقبلاً بنقل بطاريات دفاعات جوية متطورة جدا وصواريخ حديثة، برية وبحرية، تحدّ من حرية الحركة البحرية والجوية. وستمثل هذه الخطوة بداية حرب كبيرة بالصواريخ.    
•تدور، من وراء الكواليس وفي أنحاء متعددة من العالم، اتصالات سياسية واسعة جداً ترمي إلى منع الوجود الإيراني الدائم في سورية. وقد وظفت إسرائيل جهودا هائلة في واشنطن بغية تنبيه الولايات المتحدة إلى هذه الأخطار (المحدقة بالجار الآخر في المثلث الحدودي ـ الأردن) بيد أن الأميركيين لا يبدون اهتماما خاصا بسورية. 
•روسيا هي الطرف المسيطر في سورية عقب انتصار بشار الأسد في الحرب الأهلية. ويقول الروس لكل واحد من الأطراف المعنية الأخرى ما يودّ سماعه منهم (بما في ذلك إسرائيل)، بينما يفعلون ما يخدم المصالح الروسية (التي تنسجم في هذه المرحلة بصورة جيدة مع المصالح الإيرانية). ولذلك قال رئيس الحكومة الروسية إن الوجود الإيراني في سوريا شرعيّ، بعد أسبوعين فقط من زيارة وزير الدفاع الروسي إلى إسرائيل وإبدائه الكثير من الوديّة (والقليل جدا من الخطوات العملية ضد التوسع الإيراني). 
•لكنّ التصعيد الكلامي انتقل إلى الأفعال. فطبقا لما نشر يبدو أن إسرائيل تسعى، بخطوات عملية، لإحباط محاولة إنشاء القاعدة الإيرانية، بما في ذلك بواسطة الهجمات المباشرة. هذا هو على الأقل السياق المرجح لقراءة وفهم التقارير الإعلامية التي تحدثت عن تعرض المعسكر الإيراني المُقام هذه الأيام بالقرب من مدينة الكسوة، شمالي دمشق، إلى غارات جوية وهجمات برية في نهاية سنة 2017. والملفت أن إسرائيل لا تعتمد، خلال الأشهر الأخيرة، سياسة واضحة ومثابرة بشأن تحمل المسؤولية عن الهجمات في سورية. فهي تُعلن مسؤوليتها في بعض الأحيان، بينما "لا تعقيب" في أحيان أخرى.  
•إن الهجمات المنسوبة إلى إسرائيل في سورية، سواء على الأرض أو من الجو، ما تزال مصحوبة بجهود دبلوماسية مكمِّلة غايتها التوضيح (لسورية بالأساس) أن إسرائيل ستواصل الإصرار على عدم قيام قاعدة إيرانية في سورية. لكن المشكلة أن الإيرانيين ليسوا أقل إصراراً وتصميماً. إنهم يرغبون في جني ما يعتبرونه ثمار الانتصار في الحرب الأهلية السورية التي ضحّوا فيها بالدماء (دماء مقاتلين لبنانيين من حزب الله بشكل أساسي).   
•حتى نهاية 2017، كان يبدو أن التموضع الإيراني في لبنان (بمصادقة روسية) قد أصبح حقيقة ناجزة غير قابلة للارتداد. في ضوء ذلك فإن هضبة الجولان السورية ستكون جزءا لا يتجزأ من أي جبهة شمالية من الآن فصاعداً، وليس لبنان وحده فقط. وطالما بقيت إيران وإسرائيل متمترستين في مواقفهما، سيبقى التوتر في تصاعد مستمر. ويبدو أن القصة ما زالت بعيدة جدا عن الانتهاء. 
•هل موجة الاحتجاجات الجماهيرية التي انفجرت في نهاية 2017 ضد سياسة نظام الملالي هي التي ستُحدث التغيير في السياسة الإيرانية؟ من الصعب التكهن. وهل ستشهد سنة 2018 إلغاء الاتفاق النووي بين إيران والدول الست العظمى [مجموعة الدول 5+1]؟ هنا أيضاً من الصعب التكهن.    
2.أنفاق وطائرات من دون طيار من غزة:  
•منذ بداية 2018، ثمة توتر شديد أيضا على الجبهة مع قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حركة "حماس". ثمة في هذه الجبهة أيضا تدخل إيراني عميق. فإيران تحوّل مبالغ طائلة من الأموال، وخاصة لتنظيم الجهاد الإسلامي الذي تطالبه "بالمقابل" بتسخين الأوضاع. أما التنظيم الذي يحكم في قطاع غزة، "حماس"، فليس معنياً بفتح جبهة فورية في مقابل إسرائيل الآن، بينما يبذل كل ما في استطاعته للاستعداد للحرب المقبلة.  
•كان اتفاق المصالحة بين "حماس" في قطاع غزة وحركة "فتح"، التي تسيطر في الضفة الغربية، الحدث المؤسِّس بالنسبة للفلسطينيين في سنة 2017. لكن المؤشرات العملية على هذه المصالحة قليلة جداً ولا تتجسد في ما يزيد عن وجود مراقبين من جانب السلطة الفلسطينية في المعابر الحدودية غير النشطة إطلاقاً تقريباً المحيطة بقطاع غزة. 
•ثمة تخوف في إسرائيل من أن حركة "حماس" تعكف على إعداد مفاجأة كبيرة جدا استعدادا للمعركة المقبلة قد تكون على شكل أسطول من الطائرات من دون طيار المزودة بأسلحة وذخائر ليتم إطلاقها نحو إسرائيل، ولذا تُبذل في إسرائيل جهود كبيرة من أجل توفير ردود مناسبة للمفاجآت المحتملة، وفي مقدمها بصورة أساسية مفاجأة المعركة السابقة (عملية "الجرف الصامد"، 2014) ـ الأنفاق التي تخترق الأراضي الإسرائيلية.  
•إن الرد على الأنفاق هو تكنولوجي (تطوير وسائل تكنولوجية لكشف الأنفاق، تحت قيادة وإشراف "مديرية تطوير الوسائل القتالية والبنى التحتية" في وزارة الدفاع) وهندسي: خلال سنة 2018 ستنهي الأجهزة الأمنية حملة واسعة للكشف عن الأنفاق وبناء جدار تحت الأرض بتكلفة بضعة مليارات من الشيكلات. 
•أعمال البناء الواسعة تخلق في حد ذاتها توترا شديدا، إذ إن اقتراب قوات الجيش الإسرائيلي من أي نفق يزيد من احتمال التصعيد الشامل، مثلما بدأت حرب "الجرف الصامد" بسبب تفجير الجيش الإسرائيلي نفقاً تحت الأرض. وقد تنجر الأطراف إلى مواجهة عسكرية هي غير معنية بها أصلاً.


3. حرب دينية وإرهاب أفراد: 
•في نهاية سنة 2017 قال رئيس "جهاز الأمن العام" ["الشاباك"] نداف أرغمان إن الهدوء النسبي السائد في الضفة الغربية مخادع، ذلك أن التوتر تحت السطح ملموس جداً، كما قال. ثمة انخفاض في عدد العمليات، لكن السبب المركزي لذلك هو النجاح في إحباط مئات العمليات، بما في ذلك الكبيرة والقاسية جداً. وأضاف أرغمان، خلال تقرير قدمه في الكنيست، إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ضعيف جداً وإنه في حال حصول تغيير في السلطة فليس من المستبعد أن تسيطر "حماس" على الضفة الغربية أيضا مثلما حدث في قطاع غزة. ولا يتوقع "الشاباك" أن يستمر اتفاق المصالحة ويصمد لفترة طويلة. هذا السيناريو الذي عرضه أرغمان يشكل كابوساً بالنسبة إلى حركة "فتح": تدرك الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن التنسيق والتعاون الأمنيين في إحباط العمليات العسكرية ضد إسرائيل لا ينبعان من محبة إسرائيل، إنما من الخشية من تنامي قوة "حماس" ومن احتمال سيطرتها على السلطة بواسطة انقلاب عسكري دموي كالذي حدث في قطاع غزة سنة 2007. هذا هو الخوف الذي تجري تغذيته من حين إلى آخر.  
•في الإجمال الأخير، ما يزال التنسيق الأمني بين قوات الأمن الفلسطينية وجهاز "الشاباك" قائما ومستمرا وقد ساعد بدرجة كبيرة في محاصرة وتقليص موجة إرهاب الأفراد التي بلغت ذروتها في بداية سنة 2017. وقد تصرفت إسرائيل بحكمة واضحة في معالجة هذه الموجة، إذ امتنعت عن فرض حصار شامل وقاس على المدن الفلسطينية فأتاحت للجمهور الفلسطيني إمكان مواصلة حياته الطبيعية كالمعتاد. 
•في المقابل، ساعد جمع المعلومات الاستخباراتية على نطاق واسع من المصادر العلنية (وخصوصاً من شبكات التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية) في الوصول مسبقاً إلى أشخاص كانوا يخططون ويعتزمون تنفيذ عمليات عدوانية، ثم في إحباط مخططاتهم. 
•من جهة أخرى كان بيان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نهاية سنة 2017 بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها، بمثابة صب الزيت على النار. فالقدس مسألة حساسة جدا ومن شأن إعلان ترامب هذا إدخال عناصر الحرب الدينية على الصراع، السياسي والجغرافي في جوهره. إن إرهاب الأفراد (الذي قد ينفذه يهود أيضاً ضد مواقع إسلامية حساسة) قد يُشعل حريقا واسعا خلال سنة 2018، ولا سيما إذا ما وقعت عملية قاسية.  
4. ثروة استراتيجية: مصر والأردن والسعودية:
• ليس كل شيء سلبيا. فقد وقعت سنة 2017 أيضاً أحداث إيجابية بالنسبة لإسرائيل من الناحية الاستراتيجية. فحقيقة أن إيران تبني محورا شيعيا ذا تتابع إقليمي وترسل أذرعها إلى جميع الجهات (بما في ذلك الحرب الدامية في اليمن) تؤدي إلى بناء وتوحيد محور سنّي معتدل في مواجهتها. 
•بالنسبة لإسرائيل، ثمة أهمية قصوى للتحالف الاستراتيجي مع جارتيها من الشرق والغرب، الأردن ومصر، لكن حليفاتها الأبعد أيضا، وفي مقدمها السعودية، هي جزء أساسي من المحور المناوئ لإيران. ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي يحكم البلاد فعليا، يثبت أنه قائد شجاع مصمم على لجم التهديد الإيراني ولا يتردد في محاربة التنظيمات الإرهابية السنية، وخاصة "داعش" (الذي مني بهزيمة ماحقة خلال السنة الأخيرة) و"القاعدة". كما أن التعاون المتواصل بين إسرائيل وقوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية الذي ذكر آنفا ليس مفهوما ضمنا.  
•يمرّ لبنان بتحولات داخلية تجعل من الصعب على حزب الله القيام بأي عمل استفزازي ضد إسرائيل من دون إثارة الطوائف الأخرى ضد الشيعة في لبنان (الذين يخشون ردة فعل إسرائيلية قاسية). وإجمالاً فإن حقيقة فهم الصراع مع إسرائيل واعتباره أكثر فأكثر، واحدا فقط من سلسلة صراعات دولية لا نهائية، وليس الصراع الأساسي والأوحد، تخدم المصلحة الإسرائيلية بصورة كبيرة. 
5. الحرب السيبرانية: 
•ما يميز بداية سنة 2018 هو حقيقة أن ثمة ما بين الحروب الكبيرة معركة متواصلة لا تتوقف، يدور جزء منها في الواقع المادي الملموس (هجمات منسوبة إلى إسرائيل ضد مخازن للأسلحة في سورية مثلا) بينما يجري الجزء الأكبر منها إلكترونيا في المجال العنكبوتي. في هذا المجال تتصاعد هذه المعركة وتتسع باستمرار. والجيش الإسرائيلي يلائم نفسه لها ويواصل بناء وتعزيز قسم الحوسبة كذراع مركزية بكل ما للكلمة من معان، تجمع ما بين العناصر الدفاعية وبناء القوة. وبينما تتوزع المهمات الهجومية على عدة أجسام في الجيش وأجهزة الاستخبارات الأخرى، تبقى مهمة جمع المعلومات بواسطة الشبكة العنكبوتية حصرية لشعبة الاستخبارات العسكرية ["أمان"]. وهذه هي التوزيعة القائمة حتى بداية سنة 2018 على الأقل.    

•على الصعيد المدني تم في نهاية سنة 2017 استكمال إجراء جدي ومهم جداً، حيث قررت الحكومة توحيد جميع الوحدات العاملة في المجال السيبراني في وحدة واحدة أنيطت بها المسؤولية الشاملة عن مختلف النواحي المتعلقة بالحرب السيبرانية في المستوى المدني، بدءاً ببلورة السياسة وبناء القوة التكنولوجية وانتهاء بالدفاع العملاني في المجال السيبراني. وقد تحقق هذا بعد أن كانت هذه المنظومة حتى الآن مكونة من وحدتين اثنتين، لكن وسط توزيعة مسؤوليات ومهمات فيما بينهما: "الطاقم السيبراني القومي" الذي أقيم سنة 2012 وكان مسؤولاً عن قيادة الاستراتيجيا والسياسة القومية وبناء القوة التكنولوجية في المجال السيبراني في إسرائيل، و"السلطة القومية للدفاعات السيبرانية" التي أقيمت سنة 2016 كجسم تنفيذي مركزي للدفاع السيبراني في إسرائيل يعمل إلى جانب "الطاقم السيبراني القومي"، كجزء من المنظومة السيبرانية القومية. واستمراراً لتوحيد الوحدات المتعددة، تقرر أيضاً تعيين يغئال أونا رئيساً للمنظومة السيبرانية القومية الجديدة. وأونا الذي أشغل في السابق منصب رئيس قسم "سيبرانية الإشارات" في جهاز الأمن العام ["الشاباك"]، تقلد في الأشهر الأخيرة رئاسة وحدة التقنيات السيبرانية في "المنظومة السيبرانية القومية". وسيحل أونا الآن مكان د. أفيتار متانيا، الذي تولى إنشاء "المنظومة السيبرانية القومية" ورئاستها خلال السنوات الست الأخيرة.      

Thursday, January 11, 2018

إسرائيل تخوض مواجهة خفية ضد إيران في سورية

إسرائيل تخوض مواجهة خفية ضد إيران في سورية
يديعوت أحرونوت"، 10/1/2018

إسرائيل تخوض مواجهة خفية ضد إيران في سورية

Image result for ‫أليكس فيشمان‬‎
أليكس فيشمان - محلل عسكري
•ليس مبالغة القول إن هناك مواجهة خفية تقوم إسرائيل بخوضها ضد إيران في الأرض السورية، وهي تخرج رويداً رويداً إلى العلن. وسواء أخذت إسرائيل على عاتقها المسؤولية عن الهجمات التي تقع على الأراضي السورية أم لا، مثلاً كتلك التي بلّغ عنها الجيش السوري أول أمس، لم يعد الأمر بهذه الأهمية. ونحن ملزمون بأن نعتاد على فكرة أن إسرائيل تدير مواجهة عسكرية تبدو منضبطة حتى الآن مع منظومة عسكرية إيرانية آخذة بالترسخ في سورية. ومن المعقول الافتراض أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية - الأمنية الذي عقد خلال الأيام الأخيرة سلسلة اجتماعات ناقش فيها السياسة الإسرائيلية التي يجب اتباعها في الجبهة الشمالية حيال سورية ولبنان وإيران في ضوء آخر الأوضاع فيها، توصل الى هذا الاستنتاج بالضبط. 
•في السنة الأخيرة أكثرَ قادة المؤسسة الأمنية من الحديث عن إمكان أن تقيم إيران قواعد جوية وبحرية وبرية في سورية، وأن تفعّل فرقة من الميليشيات الشيعية ضد إسرائيل. وهذه تهديدات لا يمكن لإسرائيل أن تتجاهلها، لكنها في واقع الأمر لا تشكل تحدياً عسكرياً حقيقياً، فالمشكلة المركزية في الجبهة السورية هي إقامة منظومة كثيفة من صواريخ أرض - أرض وصواريخ دقيقة تبدأ في لبنان وتمتد حتى جنوب الجولان وتغطي كل أراضي إسرائيل. ومثل هذا السيناريو سيجعل إسرائيل تقف أمام تحدٍّ أمني لم تعرف مثيلاً له من قبل. بموازاة ذلك يبني الإيرانيون جبهة صواريخ في قطاع غزة ستلزم الجيش الإسرائيلي بتقسيم جهوده في القتال في كل ما يتعلق بالسلاح الصاروخي من الشمال ومن الجنوب.
•حتى الآن لم تنجح إسرائيل في تعطيل منظومة الصواريخ والقاذفات الصاروخية المنتشرة منذ سنوات في لبنان. والصراع الذي تديره، وفقاً لوسائل إعلام أجنبية، يستهدف منع تحول منظومة الصواريخ التي بحيازة حزب الله في لبنان إلى منظومة دقيقة. 
•أما في سورية فيمكن التقدير أن الإيرانيين لا يزالون في بداية عملية إقامة منظومة صواريخ مشابهة أكثر كثافة بالاستناد إلى صناعة محلية موجودة وإلى الجسر البري من إيران إلى سورية عبر العراق. إن ما تحتاج إيران إليه من أجل استكمال هذه المنظومة هو الزمن والمال. وإذا لم يكن الروس والأميركيون قادرين، أو أنهما لا يرغبان، في كبح ذلك بطريقة دبلوماسية لا يبقى أمام إسرائيل سوى العمل بنفسها. 
•لا يمكن بعد اليوم الاختباء خلف أقوال غامضة وتلميحات. إن ما يجري في الجبهة الشمالية هو حرب بكل معنى الكلمة. وعلى العدو أن يعرف ذلك، والأهم هو أن على الجمهور في إسرائيل أن يستوعب وأن يستعد.
•وفقاً لادعاءات الجيش السوري، جرت الهجمة الأخيرة التي قام بها سلاح الجو الإسرائيلي ضد مجمع عسكري بالقرب من القطيفة [ريف دمشق] حيث كانت في الماضي ألوية صواريخ سكود السورية. وعلى ما يبدو، يتم في هذه المنطقة تركيز القاذفات الصاروخية، والصواريخ، ومصانع الإنتاج، والمخازن المخصصة لسورية ولبنان. ويدور الحديث عن منظومة واحدة سبق لوزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أن عرّفها بأنها "الجبهة الشمالية" قائلاً: "لم يعد بعد الآن وجود لسورية ولبنان كل على حدة، بل يوجد سور ناري إيراني ممتد من البحر الأبيض المتوسط وحتى جنوب الجولان. وسيتواصل القتال ضد هذه المنظومات بقوة متفاوتة ترتبط بمستوى الرد السوري - الإيراني وبسلوك حزب الله. وإذا لم يتراجع أحد ما هناك فقد تنشب حرب". 

•حالياً لا توجد مؤشرات إلى أي تراجع من جانب إيران، بل على العكس، فعلى الرغم من التظاهرات الأخيرة في هذا البلد كانت السنتان الأخيرتان الأكثر نجاحاً من ناحية نظام آيات الله في نشر الثورة الإسلامية. وإذا كان الإنجاز المركزي للحرس الثوري الإيراني حتى سنة 2015 وجد تعبيره في لبنان، ففي السنتين الأخيرتين نجحت إيران في إحكام قبضتها على العراق وأفغانستان وسورية واليمن وفي تعميق نفوذها في عُمان وفي البحرين. ونظام طهران، ولا سيما الحرس الثوري، موجود في حالة نشوة بسبب إحساس النصر في سورية. ويعتزم الإيرانيون ترجمة الانتصار في سورية إلى إنجازات اقتصادية وبالأساس استراتيجية. وما زلنا نذكر تصريح حسين سلامة نائب قائد الحرس الثوري أنه في الاستراتيجيا الإيرانية لم تعد إسرائيل منذ الآن تُعتبر تهديداً لأن حزب الله بات متفوقاً عليها. وسواء أكان هذا صحيحاً أو لا، فالإيرانيون يؤمنون بذلك ويتصرفون بناء عليه ويضعون أمام حكومة إسرائيل تحدياً سياسياً وأمنياً من الدرجة الأولى.

المحافظات تقود الوسط في احتجاجات إيران

المحافظات تقود الوسط في احتجاجات إيران
المرصد السياسي 2908

المحافظات تقود الوسط في احتجاجات إيران

 4 كانون الثاني/يناير 2018
اندلعت شرارة التظاهرات الأخيرة المناهضة للنظام في إيران في المحافظات الطرفية للبلاد، التي كانت بدورها مسرحاً لغالبية حالات الوفاة المعلنة. ولا يزال زخم التظاهرات على أشده في المحافظات الحدودية وليس في طهران، لا سيما في الشمال الغربي والجنوب الغربي من البلاد. ويشير اندلاع التظاهرات الواسعة الانتشار في أماكن مختلفة من البلاد - بما فيها المناطق الريفية وخارج المدن الكبرى - إلى أن هذا الحراك سيضع النظام أمام تحديات أكبر بكثير من تلك التي طرحتها احتجاجات "الحركة الخضراء" عام 2009، والتي تركّزت في طهران وتمتعت بقيادة واضحة يمكن كبتها وإخضاعها مباشرة.
وعلاوةً على ذلك، تشمل الاحتجاجات الحالية عنصراً عرقياً كان غائباً خلال انتفاضة عام 2009 ومن شأنه أن يسبب مشاكل إضافية للنظام. وعلى الرغم من أن هذا العامل ليس سوى أحد المظالم العديدة التي أججت حماسة المتظاهرين، إلّا أنّ حدة الاحتجاجات في المحافظات الحدودية تشير إلى أن ما يجري قد يطلق شرارة اضطرابات عرقية خطيرة. وتؤدي مظالم الأقليات إلى تفاقم المظالم الاقتصادية التي هي أكثر حدة في المحافظات من تلك في العمق الفارسي. وقد ظهر في مقاطع فيديو تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي والتي أفادت التقارير أنها مسجلة خلال العديد من التظاهرات، أن المشاركين يستخدمون لغات الأقليات على غرار اللغة الكردية والأذربيجانية ليرددوا شعارات تبجل الفخر العرقي. وانطلاقُا من هذا الواقع، على المراقبين الأجانب إيلاء المزيد من الاهتمام للعامل العرقي عند محاولتهم التنبؤ بالتطورات المستقبلية في إيران وتقييم استقرار النظام وثباته.
هيكلية المحافظات والتركيبة العرقية 
تتألف إيران من 31 محافظة (بالفارسية: استان)، لكل منها محافظ تعيّنه الحكومة المركزية. وفي حالات عديدة، لا يكون هؤلاء المسؤولون من أبناء المناطق التي يتولون حكمها كما أنهم لا يتحدثون اللغة المحلية. ويقع ثلث المحافظات عند الحدود مع دولة أجنبية واحدة على الأقل، ويتشارك معظم سكانها الأصول العرقية، وغالباً ما تجمعهم روابط أسرية بهذه الدول. وفي بعض المحافظات، تنافس التعاملات التجارية المباشرة مع الدول المجاورة التجارة مع مركز إيران أو حتى تتخطاها.
إن غالبية سكان معظم المحافظات الحدودية هم من غير الفارسيين، في حين أن وسط إيران فارسي عموماً (على الرغم من أن نصف سكان طهران نفسها مكوّن من أقليات). وفي المجموع، تشكّل الأقليات العرقية أكثر من نصف إجمالي عدد سكان البلاد البالغ 82 مليون نسمة، وفقاً للتقييمات الأكاديمية الرئيسية. وأكبر مجموعة من هذه الأقليات هي تلك المكونة من الأذربيجانيين (حوالي 24 مليون)، تليها الأكراد (8 ملايين)، واللور [أو لُر أو الأكرد الفيلية] (3 ملايين)، والعرب (3 ملايين)، والتركمان (3 ملايين)، والبلوش (3 ملايين).
مظالم الأعراق والمحافظات
يمكن للهوية العرقية أن تضطلع بمجموعة واسعة من الأدوار في إيران. فالعديد من المواطنين المنتمين إلى الأقليات يعرّفون أنفسهم تعريفاً تاماً على أنهم إيرانيون، وأن هويتهم العرقية هي ذات أهمية سياسية ضئيلة. وفي الواقع، تنحدر بعض أهم ركائز النظام من مجتمعات الأقليات بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، الذي هو من أصول أذربيجانية. غير أنه بالنسبة للكثيرين غيرهم، تُعتبر الهوية العرقية أساسية، وربما تتنامى رغبتهم في الانفصال بسبب مجموعة من سياسات النظام التي تؤثر على مجتمعاتهم على الصعيد المحلي والخارجي، وبسبب وسائل الإعلام الحكومية التي لا تنفك تعامل الأقليات بازدراء.
وفيما يخص الاضطرابات المندلعة حالياً، تدلّ مؤشرات عديدة على أن الانتماء العرقي أصبح عاملاً مهماً. فعلى سبيل المثال، انطلقت الاحتجاجات في الأساس من مدينة مشهد، التي تضمّ شريحة واسعة من التركمان وتقع على بعد ساعتين بالسيارة من الحدود مع تركمانستان. ومن هناك امتدت الاحتجاجات إلى العديد من المدن الصغيرة في الشمال الغربي والجنوب الغربي من البلاد، ومعظمها في المناطق الكردية والعربية. ولم تبدأ الاحتجاجات الكبيرة في طهران إلا في اليوم الثالث، كما اندلعت مظاهرات كثيرة في وسط البلاد في مجتمعات تسكنها الأقليات (مثلاً مدينة كرج التي يهيمن عليها الأذربيجانيون خارج العاصمة).
بالإضافة إلى ذلك، فإن عشرات التعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد أظهرت المحتجين في بعض المحافظات وهم يطلقون مطالب عرقية - قومية مترافقة مع موسيقى في الوقت الذي يرددون فيه شعارات بلغات الأقليات مثل اللغة الأذربيجانية والكردية والعربية. وقد أصدرت عدد من المنظمات الأجنبية التي تنادي بحقوق الأقليات العرقية تصريحات مؤيدة للاحتجاجات، ولكن ليس من الواضح إلى أي مدى تمثل هذه المنظمات المواطنين فعلياً على الأرض. ومهما كانت الحالة، يبدو أن مطالب [الجماعات] العرقية تمثّل محركاً قوياً لشرائح واسعة من السكان التي قد لا تكون ناشطة سياسياً.
كما تواجه المحافظات صعوبات اقتصادية أكثر من تلك في وسط البلاد. فمعدلات الدخل والخدمات الاجتماعية في المناطق المحيطة هي في مستويات أدنى، ومعدلات البطالة في مستويات أعلى، ويعاني العديد من السكان تحديات صحية ومعيشية باهظة ناجمة عن الأضرار البيئية. وسواء كان هناك ما يبرر ذلك أم لا، غالباً ما تحمّل مجتمعات المحافظات مسؤولية هذا الضرر على سياسات الحكومة المركزية.
فضلاً عن ذلك، لا يسمح النظام للأقليات العرقية باستخدام لغاتهم الأصلية في الأماكن الرسمية مثل المحاكم والمدارس، في انتهاك للحماية الدستورية. وربما نتيجةً لذلك، يقول العديد من مواطني الأقليات في المدن الكبرى إن الفارسية هي لغتهم الوظيفية الأقوى.  
يُذكر أن الاحتجاجات الحالية ليست الإشارة الأولى إلى المعارضة في المحافظات الحدودية. فقد نَفذت عناصر من الاقليات العرقية عدداً من العمليات الإرهابية المحلية خلال الأشهر القليلة الماضية، بما فيها الهجمات الكردية على مبنى البرلمان وضريح الخميني في طهران خلال حزيران/يونيو الماضي، فضلاً عن الهجمات المتكررة ضد حرس الحدود في الشمال الغربي.
وفي غضون ذلك، يتجاوز عدد الإعدامات القضائية التي نُفذت في المناطق الكردية والبلوشستانية إلى حدّ كبير المتوسط الذين يشهده وسط إيران. وبينما يدّعي النظام أن هذه الإعدامات تتعلق بجرائم مثل تهريب المخدرات، إلّا أنّ وتيرتها غير المتناسبة تشير إلى أن السلطات ربما تلجأ إليها من أجل قمع نشاط المعارضة. بالإضافة إلى ذلك، اغتيل رئيس منظمة شتات كبرى تدافع عن حقوق العرب في إيران في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بينما كان يغادر منزله في هولندا. ولم تتبنَ طهران المسؤولية عن تلك العملية، ولا يوجد دليل دامغ على تورطها فيها، ولكن ليس هناك أي مشتبه بهم آخرين.       
كما هناك تداعيات محلية لسياسة إيران الخارجية تجاه الدول المجاورة. فعلى سبيل المثال، أدّت مساعي النظام لمعاقبة حركة الاستقلال الكردية في العراق في الخريف الماضي إلى إثارة السخط والاستياء في أوساط الأكراد الإيرانيين. بالإضافة إلى ذلك، قامتعاد أعداد أكبر من الأذربيجانيين الإيرانيين برحلات سياحية مستأجرة إلى جمهورية أذربيجان المجاورة خلال العام الماضي، وقد يكون بعضهم قد تأثر بتجربة الاستمتاع بلغتهم وثقافتهم الأم بعيداً عن القيود المفروضة عليهم في إيران.
كيف سيرد النظام؟
تتمثل قواعد اللعبة الاعتيادية التي يمارسها النظام للتعامل مع المعارضة العرقية وفي المحافظات في تحميل الأجانب مسؤولية بروزها في الوقت الذي يسعى فيه إلى تحريض المجموعات المحلية ضدّ بعضها البعض. وقد سبق أن ألقى خامنئي اللوم على الأعداء الخارجيين في اندلاع الاحتجاجات الحالية. غير أنه في الحقيقة، يبدو جلياً أن الاضطرابات في المحافظات الإيرانية ناشئة من الداخل.  
وكانت إثارة النزاع بين المجتمعات المحلية قد عادت بفائدة كبيرة على النظام الإيراني في الماضي، لذلك قد تحاول طهران الآن مفاقمة التوترات الكردية - الأذربيجانية - لا سيما في محافظة أذربيجان الغربية حيث تعيش هاتان المجموعتان معاً ولديهما شكاوى ضدّ بعضهما البعض. كما يمكن للنظام استمالة المشاعر القومية الإيرانية في أوساط النخبة الاقتصادية والسياسية. ويشمل ذلك نخب المعارضة - التي عندما واجهت احتمال اندلاع نزاع عرقي في الماضي، لم تكن العديد من هذه الشخصيات مستعدة للمخاطرة بسيطرتها على المحافظات أو هيمنة اللغة الفارسية لصالح معالجة مشاكل الأقليات أو تحقيق الإصلاح الديمقراطي.  
أما بالنسبة لآفاق التحرك الدولي، فلطالما دعم الغرب حق الشعوب في التظاهر بشكل سلمي في بلدان مختلفة - ويكمن التحدي في كيفية جعل هذا الدعم فعالاً. وفي الثاني من كانون الثاني/يناير، أوضحت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي أن واشنطن تحض مجلس الأمن الدولي على مناقشة الردود المحتملة إزاء الوضع في إيران. وتتمثل طريقة أخرى لدعم الشعب الإيراني في البث الدولي الذي يمنحهم معلومات موثوقة عما يجري في بلدهم، لموازنة الرقابة والتضليل في المحطات الإخبارية التابعة للنظام. وحتى الآن، لم تكن أي من "صوت أمريكا" و"إذاعة أوروبا الحرة"/"راديو ليبرتي" فعالة بشكل كبير في هذا الصدد، وخاصةٍ في بث أخبار تستهدف إيران بلغات غير الفارسية. ونظراً إلى المحفزات العرقية القوية على ما يبدو خلال الاضطرابات الأخيرة، يجب أن تدرس هاتان المحطتان زيادة برامجهما بلغات الأقليات.     

البروفيسور بريندا شيفر هي زميلة أقدم في "مركز الطاقة العالمي" التابع لـ "المجلس الأطلسي"، وأستاذة مساعدة في "مركز الدراسات الأوروبية الأوراسية والروسية وأوروبا الشرقية" في "جامعة جورج تاون"، ومؤلفة كتاب "الحدود والإخوة: إيران وتحدّي الهوية الأذربيجانية" ( "إم آي تي بريس"، 2002).

الشعب الإيراني مستاءٌ بشدة من السياسة الخارجية لبلاده

الشعب الإيراني مستاءٌ بشدة من السياسة الخارجية لبلاده
صفحات رأي ومقالات

الشعب الإيراني مستاءٌ بشدة من السياسة الخارجية لبلاده

 "فورين بوليسي"
2 كانون الثاني/يناير 2018
يلقى القادة الإيرانيون نجاحات كبيرة في الشرق الأوسط. فقد ساعدوا على حفظ نظام الرئيس السوري بشار الأسد، في حين يحكم «حزب الله» قبضته على لبنان. وتعمل الميليشيات الشيعية الرئيسية في العراق دون التزام أو رقابة، وتتمتع بنفوذ على حكومة بغداد. بالإضافة إلى ذلك، تُعدّ الأسلحة التي توفرها إيران، بما في ذلك الصواريخ، وسيلةً رخيصةً تمكّن الحوثيين في اليمن من استنزاف السعوديين. ويتصدّر قائد «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني قاسم سليماني الواجهة في جميع أنحاء العالم العربي، مما يعطي الانطباع بأنه لا يمكن هزيمة إيران وحلفائها.
لقد سعت الجمهورية الإسلامية إلى استغلال وتسويق هذه الصورة التوسعية لها في المنطقة. فقد تحدث المرشد الأعلى السيد علي خامنئي عن لبنان وسوريا والعراق معتبراً أنها جزء من جبهة الدفاع الإيرانية. وفي هذا السياق، أعلن مستشاره المقرّب علي أكبر ولايتي عندما كان في لبنان في تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم أنّ لبنان وفلسطين وسوريا والعراق هي جزء من منطقة المقاومة التي تقودها إيران.
ولكن هناك تكلفة للتوسع الإيراني، وأصبحنا نراها الآن. فالمواطنون الإيرانيون يتظاهرون في جميع أنحاء البلاد في المدن الكبيرة والصغيرة على السواء. وقد بدأت الاحتجاجات في 28 كانون الأول/ديسمبر في مشهد، ثاني أكبر المدن الايرانية، وانتشرت في مختلف أنحاء البلاد لتشمل قزوين وكرج ودورود وقم وطهران. ولا يبدو أن الطبقة المتوسطة الحضرية قد نزلت وحدها إلى الشوارع، بل رافقتها أيضاً الطبقة المتوسطة الدنيا والطبقة الفقيرة. وانتشرت اللافتات التي تنتقد الفساد، وهتف بعض المتظاهرين بشعارات ضدّ خامنئي ومنها "الموت للديكتاتور". كما احتجّ المتظاهرون ضدّ تكاليف المغامرات الإيرانية في الخارج: وكان من أوائل الهتافات "لا غزة و لا لبنان أفدي روحي لإيران".
ويبدو أن الشكاوى الاقتصادية قد دفعت هذه الاحتجاجات في البداية. وبعد انخفاض الدعم على السلع الأساسية مثل الخبز، ارتفعت الأسعار، مما كان لها تأثيراً كبيراً على الإيرانيين ذوي الدخل المنخفض. ونتيجة لذلك، فشل عدد من المؤسسات الائتمانية، وفقد الكثيرون مدخّراتهم. وقد أدت الضغوط التضخمية إلى تخفيض قيمة العملة الإيرانية وتقليص أجور المواطنين. وصحيح أنّ الفوائد الاقتصادية المتوقعة من الاتفاق النووي لم تتحقق بالكامل، لكن ذلك لا يوفر سوى جزء بسيط من الحل للمشاكل الاقتصادية الإيرانية. فالاقتصاد الإيراني يُدار بشكل سيّء منذ فترة طويلة. كما أنّ دور «الحرس الثوري الإسلامي» والائتمانات الدينية الكبيرة، المعروفة باسم "بنياد"، تُحدث اضطرابات في الاقتصاد الإيراني وقد تؤثر على نصف "الناتج المحلي الإجمالي" للبلاد.
ولا شيء من هذا يعني أن الجمهورية الإسلامية في رمقها الأخير، فهي أبعد ما تكون عن ذلك. ولكن، بالنسبة لنظام يفاخر بالسيطرة ويَذكر تماماً ما أسقط الشاه محمد رضا بهلوي، لا يمكن له الاطمئنان من رؤية المحتجين يتدفقون إلى الشوارع. وحتى أن بعض المتظاهرين يطالبون بإجراء استفتاء وهو صدى للاستفتاء الذي أجراه النظام الجديد بعد شهرين من ثورة عام 1979 ليوفر لنفسه الشرعية.
ولم يتلكأ النظام أبداً عن استخدام القوة والإكراه للحفاظ على نفسه. ولا يزال مرشّحان للرئاسة من انتخابات عام 2009 قيد الاقامة الجبرية، وهما رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبي، لأنهما طعنا بنتائج التصويت التي تمّ التلاعب فيها على الأرجح. ولربما كانت الاحتجاجات قد هزّت النظام في عام 2009، ولكن من خلال الاعتقالات وممارسة الوحشية، والجهود التي بُذلت لتفتيت المعارضة، سادت الغلبة للنظام في النهاية.
ولا شك في أنّ أحد الأسباب التي دفعت خامنئي إلى السماح لحسن روحاني بالفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 2013 وإكمال الاتفاق النووي كان فهمه بأن حملة القمع التي شُنت عام 2009 وما تلاها من انكماش اقتصادي قد أضعفا شرعية نظامه. وكان من المهم استعادة الشعور بأن التغيير ممكن. وعندما تتاح للشعب الإيراني فرصة التعبير عن آرائه، فسيصوت إجمالاً لتحرير المجتمع في الداخل وتطبيع العلاقات في الخارج.
ومع ذلك، تشهد إيران اليوم أشدّ الاحتجاجات منذ عام 2009. ولم تثر نتائج الانتخابات هذه الموجة من التظاهرات، وإنما جاءت بسبب المظالم الاقتصادية وعدم الرضا العام. وحتى لو كانت على نطاق أصغر من احتجاجات عام 2009، إلّا أنها تبدو أكثر انتشاراً، وخلافاً لسابقاتها يقودها الآن أولئك الذين يعيشون في المحافظات الريفية، والمتعاطفون عادةً مع النظام. وفي هذا السياق، تمّ نشر عبر منصة التواصل الاجتماعي "تيلغرام" المستخدمة على نطاق واسع في إيران، الأخبار حول الاحتجاجات ويبدو أنها تمنح الزخم للمحتجين، ولكن بطبيعة الحال، سرعان ما أوقفها النظام.
فما الذي يتعين على للولايات المتحدة فعله؟ في حزيران/يونيو 2009، كنتُ أعمل في إدارة الرئيس باراك أوباما كمستشار خاص لوزيرة الخارجية حول إيران، وشاركتُ في عملية صنع القرار. ولأننا كنا نخشى أن نسقط بين أيدي النظام والمصادقة على زعمه بأنه كان يتم تحريض المتظاهرين من الخارج، اعتمدنا موقفاً معتدلاً.
وبالنظر إلى الماضي، كان ذلك قراراً خاطئاً. كان ينبغي علينا أن نسلط الضوء على ما كان يقوم به النظام ونحشد جهود حلفائنا للحذو حذونا. كان ينبغي علينا أن نبذل قصارى جهدنا لتوفير الأخبار من الخارج وتسهيل التواصل في الداخل. كان بإمكاننا أن نحاول بذل المزيد من الجهد لإيجاد بدائل لوسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي كان سيجعل من الصعب على النظام منع بعض هذه المنصات.
ففي ذلك الوقت، أسر الرئيس أوباما أعين العالم بأجمعه. وكان سيجد أنه من السهل نسبياً حشد الدعم من أجل حقوق الإنسان والحقوق السياسية للشعب الإيراني. ومن الواضح أن الرئيس دونالد ترامب لا يتمتع بهذا الموقف القوي على الصعيد الدولي، كما لا يُنظر إليه على أنه مدافع عريق عن حقوق الإنسان.
ومع ذلك، فإن الدرس الذي أَسْتخلصه من عام 2009 هو أنّه لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تقف مكتوفة الأيدي. بل يتعين على الإدارة الأمريكية بواقع الأمر أن تحيط علماً بالاحتجاجات من دون مبالغة، وتلفت الانتباه إلى المظالم الاقتصادية الكامنة وراء التظاهرات، والتي تتفاقم بالتأكيد جرّاء مغامرة إيران في الشرق الأوسط. ويتساءل المتظاهرون عن سبب إنفاق أموالهم في لبنان وسوريا وغزة - وعلى الإدارة الأمريكية أن تقدّر هذه المبالغ التي تنفقها الجمهورية الإسلامية فعلاً. وفي هذا الإطار، تنفق إيران على «حزب الله» وحده ما يقدّر بأكثر من 800 مليون دولار في السنة، وتصل تكاليف دعم نظام الأسد إلى عدة مليارات من الدولارات.
وحتى الآن التزم الاتحاد الأوروبي، ولا سيما فرنسا وألمانيا، الصمت إلى حد كبير. ولن يستجيب لنداءات الرئيس ترامب، ولكن ينبغي عليه الدفاع عن حقوق الإنسان، وخاصة حقوق أولئك الذين يشاركون في الاحتجاجات السلمية ويواجهون الآن أعمال قمع أشد صرامةً من قبل النظام.
وفي هذا الصدد، قال الرئيس ترامب إنه يريد مواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة. ولكن في هذه المرحلة، لم تفعل إدارته سوى القليل جداً لجعل الإيرانيين يدفعون ثمن أعمالهم الإقليمية. وحتى في سوريا، التي تشكّل محوراً لجهود إيران لتوسيع نطاق سيطرتها، لا تملك الإدارة الأمريكية استراتيجية معادية للجمهورية الإسلامية.
ومن المفارقات، أن الرأي العام الإيراني يعبّر بوضوح بأنه ضاق ذرعاً من التكاليف التي تتكبّدها البلاد من توسّعها في المنطقة. ومن شأن تسليط الضوء على هذه التكاليف أن يزيد من استياء الشعب. وكلما رأى النظام الإيراني أن مغامراته الخارجية قد تهزّ ركائزه في الداخل، كلما أصبحت تصرفاته أكثر اعتدالاً على الأرجح.

دينيس روس هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في معهد واشنطن.

هل من سياسة متسقة للاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الإيرانية؟

هل من سياسة متسقة للاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الإيرانية؟

هل من سياسة متسقة للاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الإيرانية؟


متاح أيضاً في English
5 يناير/كانون الثاني 2018
بعد مرور أيام على انطلاق المظاهرات والاحتجاجات ووقوع ضحايا مدنيين نتيجة الاشتباكات مع قوات الأمن، أصدر الاتحاد الأوروبي (من خلال المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية فيديريكا موغيريني) بيانات تحثّ على "ضبط النفس"، معلنًا أنه "يقوم برصد الوضع" بعد المحادثات التي أجراها مع السلطات الإيرانية" و"يأمل بضمان الحق في التظاهر السلمي وحرية التعبير ".
وأعرب وزيرا الخارجية البريطاني بوريس جونسون والألماني سيغمار غابرييل عن أملهما بأن يتمتع المتظاهرون بالحق في الاحتجاج سلميًا وضرورة احترام الحكومة الإيرانية هذه الحقوق.
ويمكن النظر إلى هذه التصاريح في الأوساط الرفيعة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بأنها تعكس بدقة المعضلة التي يواجهها أعضاء الاتحاد الأوروبي نتيجة الاضطرابات الحالية في إيران. فبعد استثمار رأس المال الدبلوماسي بقدر كبير في اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة قبل عامين (ومذّاك بيع السلع إلى إيران بقيمة 10 مليارات دولار في عام 2016 وحده)، إلى جانب محاولة تخطّي صدمة وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية الذي أثار ارتباكات في الاتفاقات السياسية حول العالم، فإنّ أقلّ ما يحتاج إليه الاتحاد الأوروبي حاليًا هو عرقلة محتملة أخرى لمصالحه في الشرق الأوسط.
ويجوز أيضًا مقارنة نهج الاحتجاجات هذه في إيران مع أزمات أخرى اتخذ فيها الاتحاد الأوروبي موقفًا معينًا. ولا وجود لسياسة مشتركة (أو نهج مشترك) في ما يختص بهذه الأحداث، باستثناء تكرار سياسات الاتحاد الأوروبي الأساسية المعنية بحقوق الإنسان على سبيل المثال. بخلاف ذلك، يتم النظر في كل حالة على حدة، أو على الأقل هكذا يجب أن يكون الاجراء المتّبع. وبالمقارنة، يأتي النهج الحذر إزاء الأحداث في إيران نتيجة الاستثمارات الاقتصادية والسياسية الرئيسية بعد الاتفاق النووي. في الواقع، يحاول الاتحاد الأوروبي الحصول على كل شيء في الوقت عينه، وهو نهج نادرًا ما يكون ناجحًا.
وعلاوة على ذلك، مع توخّي كل من المملكة المتحدة وألمانيا ودائرة العمل الخارجي الحذر في تصريحاتها لتجنّب إثارة غضب النظام في طهران (مثلاً مطالبة "جميع الأطراف المعنية بالامتناع عن العنف" وكأن الأسلحة موزعة بالتساوي لدى جميع الأطراف)، فقد اقتربت أكبر كتلة ديمقراطية من الدول في العالم من الانصياع للأوامر التي وُضعت في موسكو ودمشق وأنقرة، حيث أوضح فحوى الرسائل أن هذه هي إمّا "مسائل داخلية" (موسكو) أو نتائج "التدخلات الأمريكية والصهيونية (حماس وتركيا).
لم تتحقق المكاسب الاقتصادية المتوقعة بعد اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة، وحتى لو تمّ الاعتقاد في بروكسل بأن الصفقة ستغيّر فعلاً السياسة الإقليمية الإيرانية، ينبغي الآن تجاهل هذا الاعتقاد. مقارنة بالرئيس السابق أحمدي نجاد، قد ينظر البعض إلى الرئيس روحاني على أنه "معتدل"، ولكن يبقى مجال المناورة لديه محدوداً للغاية، لا سيّما وأنّ الحرس الثوري الإسلامي الإيراني - بدعم من الخامنئي والمتشددين في النظام - متجذّر في الاقتصاد. إنّ تاريخ الأنظمة الاستبدادية في الإصلاح الذاتي هو محبطٌ نوعًا ما، ولا دلائل حقيقية حتى الآن على أن أفكار الرئيس روحاني الخاصة بالإصلاحات الاقتصادية ستبصر النور.
وبالرغم من الاستثمار بشكل هائل في الاتفاق النووي والتحدّيات الكثيرة التي تلوح في الأفق، يصعب على الاتحاد الأوروبي (وقد أظهرت موغيريني بشكل خاص حرصها على المضي قدمًا في علاقات أكثر سلاسة مع طهران) التراجع والضغط على إيران للامتناع عن استخدام العنف.
والمضحك المبكي هو أنّ هذا ما يستطيع الاتحاد الأوروبي القيام به، إذا أراد. ولولا الضغوطات والعقوبات الخارجية، لما دخلت إيران أبداً المحادثات النووية أساسًا، إذ أنّها تعتمد بشدة على أوروبا للتجارة والاستثمارات. ولكن حتى الآن، سيطغى الاقتصاد على أيّ تعدٍّ على حقوق الإنسان في إيران، لأنّ النظام (كما هو متوقع) سيضيّق الخناق على المتظاهرين أكثر وأكثر. ونظرًا إلى أنّ إمكانية النفاذ إلى ما يجري محدود (على الرغم من امتلاك الكثير من الإيرانيين اليوم الهواتف الذكية أكثر من عام 2009)، سيحافظ الاتحاد الأوروبي على مسافة معينة حتى انتهاء الأزمة الأخيرة.
ويبقى أمام الاتحاد الأوروبي بديل وحيد آخر وهو اعتماد موقف أمريكي أكثر حزماً. ولكن بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين واشنطن وبروكسل، فإنّ ذلك لن يحدث الآن على الأقل. وحتى لو حدث أمر مماثل، فإنّ نوع الضغط الذي يمكن تطبيقه سيكون بشكل عقوبات جديدة، إنما تبقى المشكلة في تحديد نوع العقوبات التي يجب فرضها. لا فرصة أمام الاتحاد الأوروبي للمسّ باتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة وإيجاد أدوات لإلحاق الضرر بالنظام (وبشكل خاص الحرس الثوري الإسلامي الإيراني وأصوله الاقتصادية)، من دون التعرّض للشعب الإيراني.
يتألّف الاتحاد من 28 بلدًا (وربما 27 في القريب العاجل) ولم يسبق أن اتخذ موقفًا متماسكًا ومتزامنًا بشأن قضايا السياسة الخارجية الكبيرة والهامة، باستثناء المواقف التي يقررها قاسم مشترك أقل شأنًا. وليس بالضرورة من شيء غريب أو خطأ في هذه المسألة، بل على العكس، فهي تعكس الحقيقة الواضحة الكامنة في أنّ الاتحاد الأوروبي وبالرغم من أفكاره المشتركة بشأن الديمقراطية وسيادة القانون والمسائل الاجتماعية المتعلقة بحرية التعبير والرعاية الصحية وما إلى ذلك، إلّا أنّ الآراء تبقى متباينة بشأن مسائل السياسة الخارجية.
ينطبق ذلك بشكلٍ خاص على الشرق الأوسط، وهذا أمر معلوم. وبالتالي، وبحسب البلد والمنطقة، كانت بعض بلدان الاتحاد الأوروبي المحددة (مثل فرنسا أو المملكة المتحدة) تصدر القرارات وإمّا تتماشى معها الدول الأخرى أو لا.
وتعكس التصرفات المتأنية مع إيران حتى الآن هذا الواقع، وقد يكون من الأفضل أن يعترف الاتحاد بهذا الواقع والتصرف على أساسه، بدلاً من محاولة الظهور بمظهر ممثل السياسة الخارجية الجاد و"الوسيط النزيه" (الآن بعد أن باتت هذه الوظيفة متاحة!)، وفي فعل ذلك عزل الدول الصديقة التي تبذل مجهودًا ضئيلاً، والفشل في استرضاء المناهضين من خلال "التدخل" المستمر في القضايا المحلية.
لن يكون الاتحاد الأوروبي قادراً على دعم المتظاهرين في إيران بمصداقية، والحفاظ في الوقت عينه على علاقات ثابتة مع النظام. فالفكرة المتمثّلة بأنّ اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة سيفتح إيران اقتصاديًا ويخفف من النظام القمعي، تشوبها العيوب منذ البداية. ويبقى الأمل في أن تساعد الاحتجاجات الأخيرة على التوصل إلى نظرة أكثر واقعية في بروكسل.

التظاهرات في إيران: ردود فعل عربية فاترة وسخط جماهيري على إيران

التظاهرات في إيران: ردود فعل عربية فاترة وسخط جماهيري على إيران

التظاهرات في إيران: ردود فعل عربية فاترة وسخط جماهيري على إيران


متاح أيضاً في English
5 يناير/كانون الثاني 2018
فيما تستمرّ تظاهرات الشارع ضدّ النظام في إيران، اتّسمت ردة فعل الإعلام العربي الرسمي حتّى الآن بالتحفّظ بشكل مفاجئ.  فعلى سبيل المثال، لم تحثّ افتتاحية بارزة هذا الأسبوع لعبد الرحمن الراشد على الموقع الإلكتروني الإعلامي السعودي الرئيسي "العربية" على تغيير النظام، بل بالكاد دعت إلى تغييرات سياسية في طهران.
قد يعكس هكذا تحفّظ مخاوف عربية راسخة من تظاهرات شعبية "معدية" تؤدّي إلى تكرار الربيع العربي المشؤوم بغالبيته والذي تلي التحرك الأخضر الإيراني في منتصف العام 2009 بعد أكثر من سنة بقليل. كما قد تشير إلى عدم استقرار مفهوم حول اتجاه الاضطرابات الإيرانية الحالية. غير أنه من الأرجح أنّ الحذر العربي الرسمي نابع من مخاوف من الثأر الإيراني من أي شماتة أو تدخّل خلال هذه الأزمة.
وبالرغم من ذلك، وراء هذه المقاربة الرسمية الخجولة، يستطيع معظم القادة العرب التأكّد من أنّ شعوبهم لا تكنّ أي تعاطف تجاه النظام الإيراني. فعلى العكس، يظهر استطلاعان منفصلان أجريا العام الماضي من قِبَل " معهد واشنطن" ومؤسسة "زغبي الدولية" كرهاً عربياً شعبياً كبيراً حيال الحكومة الإيرانية- على الصعيدَين العام وذلك المرتبط بسياساتها ووكلائها الإقليميين المعيّنين. لذا، فإن اتخاذ خطوات جديدة من قبل الإدارة الأمريكية ضد النظام الإيراني ستحظى بدعم عربي شعبي واسع.  أمّا الاستثناءات الرئيسية الوحيدة لهذه القاعدة فهي ما يقارب المليونَي شخص من المواطنين الشيعة في لبنان وحوالي أل 400 ألف شخص في البحرين الذين عادةً ما يعبّرون عن آراء موالية جدّاً لنظرائهم القادة السياسيين الشيعة سواء داخل إيران أو خارجها.  
تتّسم وجهات النظر حيال "سياسات إيران الحالية في المنطقة" بكونها سلبية بشكل كبير في معظم البلدان العربية التي قمت باستطلاعها مؤخراً لـ" معهد واشنطن". ويشمل هذا ما يزيد عن 80 إلى 90 بالمئة من الجمهور في مصر والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة. وعلى وجه الخصوص في البلدان الثلاثة الأخيرة، وحتّى وسط أقليّاتها الشيعية، فقد عبّر أقلّ من نصفهم عن رأي موالٍ للسياسة الإيرانية.
ولكن خلافاً لذلك، تُعتبر الآراء تجاه سياسات إيران أكثر استقطاباً بكثير من حيث الطائفة في لبنان والبحرين حيث يشكّل العرب الشيعة أكثرية أو غالبية من مجموع أهل البلاد. ففي لبنان مثلاً، يقول 82 بالمئة من الشيعة، لكن 7 بالمئة فقط من السنّة، إنّهم يؤيّدون هذه السياسات، أمّا وسط المسيحيين فالنسبة هي في الوسط بمجموع يبلغ 37 بالمئة. وعلى نحو مماثل، تؤلّف وجهات النظر الإيجابية حيال سلوك إيران الإقليمي في البحرين 68 بالمئة من الشيعة، مقابل مجرّد 2 بالمئة من السنّة في هذه الجزيرة الصغيرة لكن الاستراتيجية.
وعلى نحو لافت، تتّسع المعارضة الشعبية العربية الغالبية لإيران لدرجة تأييد احتمال تشكيل تحالف مع إسرائيل ضدّ هذا العدوّ المشترك. ففي شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، سأل استطلاع لـمؤسسة "زغبي الدولية"، التي لا يستطيع أحد اتهامها بالتحيّز لإسرائيل، ستة جماهير عربية مختلفة حول "تحالف بين إسرائيل والحكومات العربية... لمكافحة التطرّف ومحاربة التدخّل الإيراني في المنطقة". في مصر، قالت نسبة 59 بالمئة إنّ "هذا قد يكون "مرغوباً" إن نفّذت إسرائيل مبادرة السلام العربية ووضعت حدّاً لاحتلالها للأراضي الفلسطينية". أمّا في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وحتّى العراق، فقد أكّد نصف الجمهور على هذا الرأي. في حين كانت النسب أقلّ بقليل فقط في البلدَين الآخرَين المستطلعَين: 40 بالمئة في لبنان و35 بالمئة في الأردن.
كما اتّسمت المواقف حيال سياسات إيرانية معيّنة في سوريا والعراق بالسلبية بشكل واسع، وذلك بحسب آخر استطلاع لـمؤسسة "زغبي الدولية". وتؤكّد غالبية ثابتة في الأردن وغالبيّات كبيرة في مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، إنّها تعارض دور إيران في كل من سوريا والعراق. إلّا أنّ المثير للاهتمام هو أنّ العراقيين أنفسهم يعارضون بشكل كبير دور إيران في بلادهم، وذلك بهامش 46 إلى 36 بالمئة. ويعارضون دور إيران في سوريا بهامش أكبر بكثير: 55 إلى 22 بالمئة.
كما أنّ الآراء في الخليج حيال سياسات إيرانية أخرى والرد الأمريكي المرغوب به عليها هي جديرة بالذكر أيضاً. ففي ما يتعلّق بخلاف الدول العربية مع قطر، يظهر استطلاع "معهد واشنطن" أنّ الغالبيات في السعودية والإمارات العربية المتحدة وحتّى قطر نفسها يتّفقون على أنّ "الأهمّ في هذا الوضع هو التوصّل إلى أقسى درجة من التعاون العربي ضدّ إيران". ولدى سؤالهم عن أولويّاتهم حيال السياسة الأمريكية الخارجية، اختارت أكثريّة من السعوديين والإماراتيين خيار "زيادة معارضتها العمليّة لتأثير إيران ونشاطاتها الإقليمية". لقد وضعوا هذا الهدف في مقدّمة كافة المسائل الأخرى المذكورة: فلسطين أو اليمن أو مكافحة الإرهاب أو مجرّد التخفيف من التدخّل الأمريكي في المنطقة. 
كانت المواقف الشعبية العربية ككل حيال حليفَين إقليميين رئيسيين لإيران، وهما "حزب الله" والحوثيون في اليمن، سلبية بشكل متوازٍ، وذلك وفقاً لاستطلاع "معهد واشنطن". ففي مصر والأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين، قال 80 إلى 90 بالمئة إنّهم يعارضون الحركتَين. وبشكل ملحوظ في البلدَين الأخيرَين، يتشارك هذا الرأي السلبي المواطنون الشيعة أيضاً وبشكل كبير. وفقط في لبنان تعكس هذه المواقف تجاه وكيل إيران المحلّي هذا الانقسام الطائفي؛ إذ يؤكّد 88 بالمئة من اللبنانيين الشيعة تأييدهم لـ “حزب الله"، في حين تقول النسبة العالية نفسها تقريباً من سنّة البلاد، 85 بالمئة، إنّها تعارضه.
من حيث المنهجية، شمل كل من استطلاعات "معهد واشنطن" ومؤسسة "زغبي الدولية" مقابلات خاصة وجهاً لوجه مع عيّنات وطنية تمثيلية تتألّف من حوالي 1000 مشارك في كل بلد. استخدم استطلاع " معهد واشنطن " منهجية عينية أرجحية جغرافية متعددة المراحل ونموذجية. أمّا استطلاع مؤسسة "زغبي الدولية"، وبحسب ممثّلها الرسمي جايمس زغبي، فقد استخدمت تقنية عينية حصصية موثوقة بشكل أقل. تتوفّر التفاصيل المنهجية الكاملة لاستطلاع " معهد واشنطن " من الكاتب نفسه عند الطلب.

قدرة الجهاز القسري الإيراني ومبتغاه

قدرة الجهاز القسري الإيراني ومبتغاه
المرصد السياسي 2909

قدرة الجهاز القسري الإيراني ومبتغاه

 5 كانون الثاني/يناير 2018
اتّبع قمع الانتفاضة الأخيرة في إيران نمطاً مألوفاً، وتفاقم فوراً بعد توسع رقعة الاحتجاجات في مدن وبلدات متعددة. وقد تكررت هذه السلسلة من عمليات التمرد والقمع عدة مرات في ظل عهود آيات الله، حيث كان النظام ينجح في إخمادها في كل مرة. وسيرتبط مصير الاحتجاجات الحالية مباشرة بقدرة الجهاز القسري الإيراني ومبتغاه؛ لذلك فإن فهم هيكلية هذا الجهاز وعملياته الداخلية أمراً ضرورياً.
التسلسل الهرمي على الصعيد الوطني والمحلي
تتأّلف الفروع الأمنية والعسكرية والقضائية الرئيسية للجهاز القسري الإيراني من الشرطة (نیروی انتظامی جمهوری اسلامی ایران، أو "ناجا")، و"الباسيج"، و «الحرس الثوري الإسلامي». وتخضع الشرطة لسيطرة وزارة الداخلية، التي وضعها الدستور تحت سلطة الرئيس. ومع ذلك، يتم تعيين رئيس الشرطة ("ناجا") من قبل المرشد الأعلى، ويشغل هذا الرئيس منصب القائد الأعلى للقوات المسلّحة الإيرانية، مما يحدّ بشكل فعّال من سلطة وزير الداخلية في المسائل المتعلّقة باللوجستيات والمعدات والدعم.
وتبدأ التركيبة العمودية لـ "ناجا" بقيادة الشرطة الوطنية. وفي أدنى مستوى منها، يكون لكلّ مقاطعة مقرّ قيادة واحد تخضع له كافة مراكز الشرطة. ويكون لكلّ مدينة بدورها دائرة تأديبية واحدة (ناحیه انتظامی) تدير مراكز الشرطة المحلية، وتسمّى عادة "كالانتارى" في المناطق الحضرية و "پاسگاه انتظامی" في المناطق الريفية، كما وصف ذلك باحثون آخرون. وعلى الرغم من بعض الاختلافات المحلية، سيحظى كلّ مركز شرطة إيراني نموذجي بنائب للوقاية، ونائب للاستخبارات، ونائب للتفتيش، ونائب للعمليات ومسؤول في الشرطة القضائية من بين مسؤولين آخرين.
ويتألف أفراد الشرطة حالياً من كوادر (ضباط) ومجنّدين (أي الأشخاص الذين يقضون سنتين من خدمتهم العسكرية الإلزامية في الـ "ناجا"). ووفقاً لقائد السابق الجنرال أحمدي مقدم، تبلغ نسبة المجنّدين 45 في المائة. وعلى الرغم من عدم توافر إحصاءات رسمية عن حجم القوة، تشير التقديرات المختلفة إلى أنّ العدد الإجمالي لأفراد الشرطة يتراوح بين 100,000 و 200,000 فرد. بالإضافة إلى ذلك، يعمل أكثر من100,000  شخص في المنظمات التابعة لـ "ناجا" مثل "مكتب الخدمات الإلكترونية للشرطة" (ويعرف أيضاً باسم "پلیس +١٠"  أو "الشرطة + ١٠"). وهي تضمّ 41,000  موظف في شركات الحماية والمراقبة التي توفّر الأمن لأكثر من 4,600 حيّ.
أمّا بالنسبة لـ "الباسيج" فقد أصبحت أكبر منظمة ميليشيا مدنية في العالم، إذ ينتمي إليها نحو خمسة ملايين عضو موزّعين على أربعة وعشرين فرعاً ومقسّمين على أربع فئات رئيسية، هي: الفئة العادية، والنشطة، والكوادر، والفئة الخاصة. وتشكّل المنظمة شبكة عنقودية تتألف من قواعد "الباسيج" والمقاطعات والمناطق. وبالرغم من أنّ القواعد هي أدنى مستوى تنظيمي، إلاّ أنّ وجودها البارز (50,000  موقع في جميع أنحاء إيران) يجعلها العمود الفقري الحقيقي للقاعدة الشعبية لـ "الباسيج". وتتحكّم كل مقاطعة من مقاطعات المقاومة في "الباسيج" بعشرة إلى خمسة عشر قاعدة وهي موطن لقوات الأمن والقوات العسكرية المحلية. وتخضع هذه المقاطعات بدورها لسيطرة الفروع الإقليمية التابعة لـ «الحرس الثوري». وتبعاً لحجمها، تضمّ بعض المدن أكثر من منطقة تابعة لـ «الحرس الثوري» (على سبيل المثال، طهران).
ويقيناً أنّ أعضاء "الباسيج" لا يشاركون جميعاً في عملية القمع السياسي. ومع ذلك، تضمّ المنظمة عدة وحدات أمنية وعسكرية مؤلّفة من أعضاء فاعلين أو متطوّعين، من بينها "كتائب الإمام علي الأمنية". ويخضع هؤلاء الأفراد للتدريب وفق أساليب خاصة مثل استخدام الأسلحة والدراجات النارية المخصّصة لقمع الاضطرابات. ويندرج بعض أعضاء "الباسيج" الناشطين في كتائب التدخّل السريع المعروفة بـ"بيت الُمُقدَّس"، وهم مسؤولون عن الدفاع عن المنشآت الحيوية في أحيائهم.
ويُعتبر «الحرس الثوري الإسلامي» بحدّ ذاته نظاماً لامركزياً نوعاً ما، مع وجود عشرة مقرّات إقليمية يقود كلّ منها مجموعة من القوات الإقليمية (سپاه استانی). وقد أعيدت هيكلتها على هذا النحو منذ عدّة سنوات لتتمكّن من العمل بشكل مستقلّ، وتدافع عن النظام ضد كل من الحروب العالية الحدّة والتحديات الداخلية المنخفضة الحدّة مثل التمرّد. ويقوم جميع أفراد القوات البرية التابعة لـ «الحرس الثوري» و"الباسيج" بتقديم التقارير إلى القوات الإقليمية التابعة لـ «الحرس الثوري». أمّا مهام كلّ قوّة فتشمل الدفاع عن حدودها الإقليمية وقمع الاضطرابات، ويقوم بذلك لواء أمن (يگانه - امنيت) يتألف من القوات البرية التابعة لـ «الحرس الثوري» ووحدات "الباسيج".
وفي الواقع، تم توجيه القوات البرية أساساً للقضاء على الفوضى الداخلية منذ بداية الألفية الحالية. وتم تكريس الجيش النظامي للدفاع عن حدود إيران الخارجية. وتتشابه بعض وحدات القوات البرية مع وحدات الجيش التقليدية، في حين يتم تدريب وحدات أخرى على القيام بمهمّات سرية وحروب غير متناظرة، ولكن يتألّف معظمها من كتيبة مشاة خفيفة مدرّبة ومجهزة للحفاظ على الأمن الداخلي.
"الدولة البوليسية" الإيرانية
تضمّ إيران أكثر من سبعة عشر جهازاً أمنياً مختلفاً، مع ثلاث هيئات رئيسية مشتركة في الاستخبارات الداخلية، هي: وزارة الاستخبارات، وجهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري»، وشرطة الاستخبارات والأمن العام ("پافا")، التي هي فرع من فروع "ناجا". وتخضع كلّها لإشراف المرشد الأعلى بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى الرغم من الصراعات على السلطة القائمة بين هذه الهيئات، إلّا أنها عادة ما تعمل معاً لحماية النظام.
وقد تغلغلت هذه المنظمات داخل المجتمع الإيراني من خلال شبكتين رئيسيتين هما "حراسات" وجهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري». وأنشأت وزارة الاستخبارات فروعاً لـ "حراسات" في كل منظمة مدنية وجامعة في البلاد، وكلّفتها بتحديد التهديدات الأمنية المحتملة. ووفقاً لبعض التقارير يقوم مسؤولو "حراسات" بمراقبة الموظفين (على سبيل المثال، عن طريق رصد اتصالاتهم)، والعمل كمخبرين، والتأثير بإجراءات التوظيف والفصل من الخدمة.
ولدى جهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري» أيضاً شبكته الاجتماعية الواسعة، المعروفة بموظفي استخبارات "الباسيج" (ستاد خبری بسیج)، والمنتشر أفرادها في كافة مقاطعات "الباسيج" البالغ عددها 4,000 مقاطعة. وكما هو الحال مع "حراسات"، يعمل ضباط استخبارات "الباسيج" كعيون النظام وآذانه من خلال مراقبة أنشطة المواطنين وحفظ الملفات حول الناشطين المحليين.
إنّ "پافا" (جهاز أمن واستخبارات إيران) مسؤولة عن جمع المعلومات الاستخبارية في الأحياء والنفاذ إلى النقابات الإيرانية، واعتقال أي عامل يُعتبر أنّه يقوم بأعمال مؤذية جداً. وللقيام بذلك، تدير "پافا" شبكة من المخبرين المحليين (مخبر محلي أو کارآگاه محلي) لجمع الأخبار والشائعات، وقد كُلّفت أيضاً بالقيام بأنشطة دينية والتقصّي عن المنازل المستخدمة للعبادة المسيحية.
وتشكّل السلطة القضائية جزءاً رئيسياً آخر من الجهاز القسري الإيراني. وبالإضافة إلى المحاكم العامة، يشمل النظام محكمتين رئيسيتين خارج نطاق الدستور، وهما المحكمة الخاصة لرجال الدين (المسؤولة عن ترهيب رجال الدين المعارضين وإسكاتهم) والمحاكم الثورية الإسلامية (التي تحاكم الجرائم مثل ترويج المعارضة ضد النظام). ولطالما عملت هذه المحاكم الأخيرة على قمع الانتفاضات، بما في ذلك أعمال الشغب التي وقعت في مدينتي مشهد وشيراز عام 1992 (حيث حُكم على بعض المتظاهرين بالإعدام في محاكمات سريعة) و"الحركة الخضراء" عام 2009 (حيث حُكم على الناشطين بالسجن لفترات طويلة).
تكتيكات مختلفة لكل حالة أمنية
على الرغم من أنّ هذه الهيئات القسرية تعمل معاً لضمان بقاء النظام، إلّا أن مهامها تختلف بناء على الحالة الأمنية السائدة في إيران، ويتم تكليفها بواحدة من أربع فئات في أيّ وقت من الأوقات: البيضاء والرمادية والصفراء والحمراء. وترتبط الحالة البيضاء بالنظام العام العادي. أمّا الرمادية فتصبح سارية المفعول عندما تقوّض عناصر المعارضة غير المنظّمة النظام العام بصورة سلمية، دون أيّ دلائل على عمليات مدمّرة. وفي هذه الحالة، تكون الشرطة مسؤولة أساساً عن السيطرة على الوضع والحفاظ على النظام. وتقدّم مكاتب "الباسيج" المساعدة للشرطة من أجل إخماد أيّ إضرابات، في حين يساعد أفراد "حراسات" على جمع المعلومات الاستخباراتية وتحديد هويات المتظاهرين. فعلى سبيل المثال، في الفترة الممتدّة بين 2005 و2006، قمع النظام إضراب سائقي الحافلات من خلال استخدام أعضاء "الباسيج" من مؤسسات حكومية أخرى لنقل الركاب والحفاظ على تدفّق حركة المرور. وإذا ما تفاقمت حدّة هذه الإضرابات، تكون القوة الخاصة لمكافحة الإرهاب (نیروی ویژه پاد وحشت أو "نوپو") التابعة لـ "ناجا" مسؤولة بشكل رئيسي عن إجراءات مكافحة الشغب.
وإذا لم تتمكن الشرطة من السيطرة على حالة معينة وازدادت الأزمة تفاقماً، يستدعي النظام الحالة الصفراء، التي بدأت فيها المعارضة المنظمة أشكالاً أكثر عنفاً من الاحتجاجات مثل الإخلال بالنظام، وإعاقة الوصول إلى الأماكن العامة، والهجوم على المباني العامة. ورداً على ذلك، يتعيّن على "الباسيج" العمل بشكل أوثق مع الشرطة من خلال تكثيف أنشطتهم الاستخبارية وزيادة دورياتهم ومحطات التفتيش التابعة لهم. أمّا ضباط "الباسيج" بالزي المدني فهم مسؤولون عن اختراق المظاهرات، وتحديد هويات النشطاء، وتضليل المتظاهرين. كما ينتشر أعضاء "الباسيج" الآخرون بالقرب من أفراد الشرطة، ويسجّلون أشرطة الفيديو ويهاجمون الناس في بعض الأحيان. وفي بعض الحالات، يستخدمون الدراجات النارية للسيطرة على الشوارع، واحتواء الاضطرابات، وترهيب المتظاهرين، باستخدامهم القوة حسب الحاجة لتفريق الناس.
ويجدر بالذكر أنّ "ناجا" طلبت المساعدة من بعض مقاطعات "الباسيج" بعد توسّع رقعة الاحتجاجات الأخيرة. وعلى الرغم من أنّ الشرطة لم تكن مستعدة تماماً لعمليات السيطرة على الحشود في عام 2009، إلا أنّها أصبحت أكثر استعداداً اليوم، حيث أبلغ بعض شهود العيان عن زيادة كفاءتها. وينطبق ذلك بصفة خاصّة على المدن الكبيرة حيث مارست أنشطة مكافحة الشغب طوال سنوات. أمّا في المدن الأصغر مساحة، فيشارك موظفون عديمو الخبرة أو من ذوي التدريب البسيط في هذه المهام، مما يؤدي إلى وقوع إصابات أكبر بسبب الخوف وعدم الاحتراف المهني.
وأخيراً، إذا فشلت التدابير المذكورة أعلاه في استعادة السيطرة على الأمور، يزداد مستوى الأمن إلى الحالة الحمراء، حيث تُعرّف الأوضاع بأزمة توسّعت فيها رقعة الثورات في كافة أنحاء البلاد وقيام المعارضة باستخدام الأسلحة. وفي هذه الحالة، يسيطر «الحرس الثوري» بشكل كامل على العمليات الداخلية، ويتوجّب على جميع القوات الأخرى العمل مع «الحرس» لاستعادة السيطرة على الأمور. وخلال الاحتجاجات الحالية، أفادت التقارير عن نشر قوات «الحرس الثوري» في ثلاث مقاطعات لسحق المظاهرات.
استغلال الاستياء من الطبقية
لطالما تميّز أعضاء الجهاز القسري الإيراني بحماسهم في قمع المنشقين. ولتجنيد أفراد عسكريين تابعين لـ"ناجا" وأجهزة مماثلة، كان النظام يستمد من "الباسيج" ولسنوات طويلة الأفراد الذين غالباً ما ينحدرون من الأسر التقليدية من الطبقتين الدنيا والوسطى الدنيا، من ذوي المستوى الثقافي الأدنى. ومنذ عام 2000، تم تجنيد جميع أعضاء «الحرس الثوري» من الأسر الراسخة لـ "الباسيج" و «الحرس الثوري»، وتعتمد الشرطة اليوم الاتجاه نفسه. ووفقاً لرئيس "ناجا"، فإنّ أكثر من 80 في المائة من أفراد الشرطة الجدد الذين تم تعيينهم في عام 2007 تم اختيارهم من "الباسيج"، وقد تعهد في عام 2011 بزيادة هذا العدد إلى 100 في المائة. وبالنسبة إلى جهاز الأمن، بما في ذلك وزارة الاستخبارات وجهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري»، فهو يجنّد بشكل رئيسي الأفراد من المدارس الدينية، مع أنه يستمد أيضاً الأفراد من "الباسيج" في بعض الأحيان (والعديد من طلاب الحوزات وأعضاء "الباسيج").
وفي ضوء هذه الخلفية، لم يكن لدى العديد من أفراد الشرطة و"الباسيج" أيّ هواجس حيال القمع الصارم لـ "الحركة الخضراء"، بناء على الكراهية والغضب اللذين شعروا بهما تجاه نشطاء المعارضة الذين اعتبروهم أفراد من الطبقتين العليا والوسطى العليا. ومن غير الواضح مدى تأثير هذه المشاعر خلال الاضطرابات الحالية، وذلك لأنّ المحللين يشيرون إلى أنّ العديد من المتظاهرين في المقاطعات النائية ينحدرون من الطبقات الدنيا نفسها، على عكس ما كان في عام 2009. ولكن النظام حرص على تكملة الخلفية الاجتماعية والاقتصادية المتجانسة لأفراد جهازه الأمني بمستويات هائلة من التلقين من أجل ضمان ولائهم، وإعادة تأكيد معتقداتهم المُحافِظة، وجعلهم أكثر ميلاً لدعم القيادة الدينية ضد أيّ حركة معارضة، بغض النظر عن المنزلة.
وفي النهاية، من غير المرجح أن تنجح الاحتجاجات الأخيرة طالما تحتفظ أجهزة الأمن الإيرانية بالقدرة على القمع والرغبة فيه. ولكن يمكن أن يقوم عدد كبير من المتغيّرات بتقويض كلا العنصرين، من بينها التقسيم الداخلي بين نخب النظام، والاحتجاجات الموسّعة، والضغط الدولي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

سعيد جولكار هو أستاذ مساعد زائر للعلوم السياسية في "جامعة تينيسي" في تشاتانوغا وزميل أقدم غير مقيم لشؤون السياسة الإيرانية في "مجلس شيكاغو للشؤون العالمية".