Friday, September 14, 2018

تشكيلات جديدة في الجنوب تنذر باندلاع صراع إقليمي

تشكيلات جديدة في الجنوب تنذر باندلاع صراع إقليمي

تشكيلات جديدة في الجنوب تنذر باندلاع صراع إقليمي

يشهد الجنوب السوري تحولات ميدانية واسعة يمكن أن تفضي إلى صراع إقليمي طويل الأجل، حيث يثور القلق في عمّان وتل أبيب إزاء تملص الروس من التزاماتهم وإخلائهم المواقع التي سلمتها لهم المعارضة لصالح النظام، حيث تؤكد مصادر عسكرية مطلعة (10 أغسطس) عدم وفاء بوتين بإنشاء نقاط تفتيش في مناطق إستراتيجية سبق وأن تعهد بتأمينها لمراقبة خط فض الاشتباك في الجولان المحتل.

وكانت وزارة الدفاع الروسية قد التزمت بنشر ثمان نقاط لمراقبة خط فض الاشتباك، وإرسال الشرطة العسكرية الروسية للمناطق الحدود السورية الجنوبية مع الأردن وإسرائيل وفقاً لتعهدات قدمها بوتين لترامب في هلسنكي بتاريخ 16 يوليو. كما تعهد بوتين لنتنياهو بإبعاد القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها نحو 85 كم، إلا أنه لم ينفذ تلك التعهدات على الأرض.

ووفقاً للمصادر نفسها؛ فإن منطقة الجولان السوري ،والتي تعد واحدة من أكثر المناطق خطورة وحساسية في الشرق الأوسط، لا تزال خاوية من النقاط الروسية، ويقتصر النشاط العسكري فيها على مرور رتل صغير تابع لقوات النظام، في حين تهيمن فصائل المعارضة التي باتت تعمل إلى جانب النظام، الأمر الذي أثار حفيظة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، ودفعه لمخاطبة الرئيس الفرنسي ماكرون طالباً منه وضع خطة لتوسيع وتسليح مراقبي “الأندوف” ليحلوا كبديل عن الغياب الروسي المثير للتساؤل، متعهداً بإضفاء الولايات المتحدة طابعاً رسمياً على هذا الطلب مع اقتراب طلب التجديد للأندوف في مجلس الأمن بتاريخ 31 أغسطس.

ومن جانبه؛ بادر ماكرون بوضع الطلب الأمريكي أمام الحكومة اللبنانية مقترحاً أن يتم دمج وحدتي قوات حفظ السلام في جنوب لبنان وفي الجولان، مما دفع “حزب الله” للضغط على الحكومة اللبنانية لرفض خطة بولتون-ماكرون، حيث قامت مجموعة مجهولة (4 أغسطس) بإغلاق طريق مجدل زون في جنوب لبنان ونصبوا كميناً لدورية تابعة لليونيفيل وحطموا عربات الدورية ومعداتها. وتمثل هذه الحادثة إنذاراً من “حزب الله” بأن قوات “الأندوف” في الجولان ستعامل بنفس الطريقة الاستفزازية التي عولمت بها قوات “اليونيفيل” في لبنان.

وفي مقابل تشكيل أربعة من فصائل المعارضة في درعا ما أسمته “جيش الثورة” لمحاربة تنظيم “داعش” إلى جانب قوات النظام؛ انخرطت فصائل أخرى إلى تشكيل أنشأته إسرائيل تحت مسمى “جيش الجنوب”، وعلى رأسها ألوية “فرسان الجولان”، و”العز بن عبد السلام” و”سيف الشام”، والتي تنشط في المنطقة منزوعة السلاح داخل الأراضي السورية تحت إشراف إسرائيلي مباشر، حيث تتولى القيادة العسكرية الإسرائيلية تحديد نقاط تمركز هذه القوات وتسهل لها عملية إدارة المشفى الميداني ومخيمات اللاجئين العالقين على الحدود.

وفي ظل رفض تل أبيب ترتيبات إنشاء “جيش الثورة” بالتعاون مع النظام في درعا؛ ترفض موسكو وطهران قيام “جيش الجنوب” بالتعاون مع إسرائيل في القنيطرة، حيث شهدت منطقة فض الاشتباك توتراً بين القوات الروسية وألوية “فرسان الجولان”، إلا أن تل أبيب تبدو مصرة على توظيف هذه القوات في مهام تعزيز سيطرتها على مرتفعات الجولان المحتل، وإنشاء حائط صد محلي في مواجهة القوات الإيرانية، ويتوقع أن تعزز تل أبيب دور “جيش الجنوب” بشكل أكبر من خلال دعمها للبنية التحتية والمرافق العامة في منطقة فض الاشتباك، إضافة إلى دعم البنى الإدارية المحلية.

في هذه الأثناء؛ يدور الحديث عن اتضمام عدد كبير من عناصر “هيئة تحرير الشام” إلى “جيش خالد بن الوليد” المبايع لتنظيم “داعش”، والذي تعرض لهزائم وانكسارات كبيرة في حوض اليرموك، لكنه تمكن من لملمة صفوفه والتقدم في مواقع عديدة في القنيطرة مما ينذر بالمزيد من العمليات العسكرية في المرحلة المقبلة.

ويكمن الطرف الرابع من معادلة الصراع المتنامي في الجنوب السوري في الميلشيات التابعة لإيران، والتي لا تزال مصرة على البقاء في المنطقة رغم الضغوط الهائلة التي تتعرض لها طهران لسحب قواتها من قبل الخصوم والحلفاء على حد سواء.

وترى مصادر أمنية وعسكرية في تل أبيب أن إيران، وليس روسيا، هي الجهة المهيمنة في الجنوب السوري، وأنها لا تزال تُملي خطة ووتيرة العمليات القتالية في المنطقة، وتسيطر على المعابر الحدودية بين سورية وبين العراق ولبنان، وتحدد إعادة تنظيم المناطق وتحديد أولويات القتال، حيث يقوم مستشارون إيرانيون بتوفير الإمكانات الميدانية والعسكرية، وينسقون عمليات القتال البري مع الطلعات الجوية الروسية.

ومن أبرز هذه القوات التي لا تزال تتموضع في العمق السوري:

1- فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والذي يتراوح عدد أفراده ما بين 2000 و5000 مقاتل.

2- قوات الدفاع الوطني السوري، وهي ميليشيات أنشأتها إيران وموّلتها وسلحتها، وتضم نحو 90 ألف متطوع سوري من الطائفتين العلوية والشيعية

3- قوات الدفاع المحلية، وهي وحدات شرطة تعمل في مجالات الحراسة والإدارة المدنية للميلشيات المحلية، ويقدر تعدادها بنحو 50 ألف مقاتل.

4- ميلشيات شيعية من أفغانستان وباكستان، يتراوح تعدادها ما بين 10 آلاف إلى 15 ألفاً.

5- حاميات شيعية ينتمي عناصرها إلى ميلشيات عراقية ولبنانية، تستخدمهم إيران كقوات تدخل سريع في مناطق القتال، وعلى رأسهم “حزب الله” ومرتزقة لا ينتمون إلى ميلشيا بعينها، ويقدر مجموعهم بنحو 30 ألف مقاتل.

وعلى الرغم من التعهدات التي بذلها بوتين لترامب بتحجيم الوجود الإيراني في سوريا؛ إلا أن المصادر العسكرية تشكك في قدرة موسكو ونظام الأسد على إخراج الإيرانيين من الأراضي السورية، خاصة في ظل اندماج ضباط إيرانيين ومقاتلين شيعة في القوات المحلية. وفي هذه الحالة، فإن خيار مهاجمة القوات التابعة لإيران سيكون بيد إسرائيل حتى بعد أن يستكمل الأسد سيطرته على هضبة الجولان السورية، حيث يسود الشعور أن الجنوب السوري سيشهد في المرحلة المقبلة جولة صراع ثانية بين الوكلاء الجدد.

إدلب: تحضيرات عسكرية لمعركة مصيرية

إدلب: تحضيرات عسكرية لمعركة مصيرية

إدلب: تحضيرات عسكرية لمعركة مصيرية


تحدث مصدر عسكري عن تحضيرات يقوم النظام لبدء عملية ضخمة ضد مناطق سيطرة المعارضة في ريف اللاذقية الشمالي، مؤكدة أن جيش النظام قد: “أنهى استعداداته العسكرية واللوجستية لبدء هجوم بري واسع من محاور عدة، لتأمين كامل ريف اللاذقية الشمالي الشرقي المتاخم لريف جسر الشغور غرب إدلب”، ومشيرة إلى أن: “هجوم الطائرات المسيرة المتكرر على قاعدة حميميم، الذي ينطلق من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، سرع باتخاذ قرار العملية العسكرية”.

وحدد المصدر المحاور التي ستنطلق منها قوات الأسد في المعركة، حيث يتوقع أن ينطلق المحور الأول من ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، والثاني من منطقة جورين بأقصى الشمال الغربي لحماة، متوقعاً أن يتركز العمل العسكري للنظام على فتح طريق حلب-اللاذقية.

كما تم رصد تحركات عسكرية للنظام السوري من ريف حلب الجنوبي وتحديداً من بلدة الحاضر في اتجاه مطار “أبو الظهور”، تضمنت رتلين عسكريين يضمان آليات ومجنزرات ومئات العناصر وقد توجه الرتل عبر الطريق الجنوبي عبر طريق “أم الكراميل-براغيتة”.

ووفقاً لمصادر محلية؛ فإن قوات النظام تعمل على تعزيز مواقعها في ريف اللاذقية وتحديداً في منطقة جبل الأكراد عند قرية سلمى، وتقوم بحشد العناصر من القوات الخاصة، تدعمها ميلشيات موالية لإيران تنتشر في عدة محاور بريف اللاذقية هي: سلمى، وربيعة، ومحور غزالة، وصلنفة، والعقابات في محور جب الأحمر، وقمة النبي يونس، وقلعة شلت.

ونقلت مصادر عن مسؤول في “حزب الله” قوله: “سيكون حزب الله حاضرا بقوة كبيرة للمشاركة في القضاء على القاعدة والمقاتلين الأجانب الآخرين والجهاديين المتمركزين في شمال سوريا”.

كما نجح النظام في استمالة الفصائل المتصالحة مع النظام، حيث استقدمت قوات النظام المئات من أبناء البلدات التي صالحت النظام وخاصة في درعا والقلمون وريف حمص الشمالي إلى مطار حماة العسكري وعينت عليهم رئيس المخابرات العسكرية في حماة العميد وفيق ناصر، الذي كان يرئس فرع الأمن العسكري في السويداء، في حين ستردف تلك القوات “ميليشيا النمر” التي يقودها سهيل الحسن.

يأتي ذلك بالتزامن مع حشد “قوات سوريا الديمقراطية” قواتها على حدود حلب وإدلب للوقوف إلى جانب النظام في معركته المرتقبة بإدلب، حيث أكدت مصادر محلية أن حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي” يعمل على دمج ما تبقى من قواته في شمال حلب مع قوات النظام، مشيرة إلى أن الوحدات الكردية تخلت عن شاراتها الخاصة وارتدت الزي الرسمي لقوات النظام.

ووفقاً لمصادر مطلعة فقد توجه العشرات من قوات “قسد” بآلياتهم العسكرية إلى منطقة الكاستيلو والسكن الشبابي القريبتين من دوار ومنطقة الليرمون المحاذية لمناطق سيطرة الفصائل في الريف الغربي لحلب في بلدات كفر حمرة وحريتان.

وأضافت المصادر، أن ميليشيا “قسد” أرسلت نحو ثلاثة آلاف مقاتل إلى مناطق التماس بين قوات النظام وفصائل المعارضة بالتزامن مع وصول نحو ألفي مقاتل من قوات الحرس الجمهوري إلى مدينة تل رفعت شمال حلب.

وتساعد القوات الروسية في أعمال التحضير للمعركة المرتقبة، حيث وصل نحو خمسين عسكرياً روسياً بين ضابط وجندي إلى قاعدة أبو الظهور الجوية تدعمهم أسلحة تكتيكية متوسطة وثقيلة، وذلك للقيام بأعمال الاستطلاع والرصد الميداني الاستباقي الذي تتطلبه معركة إدلب المرتقبة.

ويبدو أن تركيا بدأت تنصاع للضغوط الروسية في ظل توتر علاقاتها مع واشنطن، حيث تحدث وزيرا الخارجية الروسي لافروف والتركي أوغلو عن: “وجود تنظيمات إرهابية في إدلب يجب محاربتها”، وفي تحول لافت للموقف التركي؛ أشار أوغلو إلى أن اتفاق أستانة ونقاط المراقبة التركية، مهمتها: “تحديد الإرهابيين وتحييدهم”، وهو ما يؤكد وجود توافق تركي-روسي على إنهاء “هيئة تحرير الشام”، مع وجود خلافات بين الجانبين حول الآلية التي يتوجب اتباعها لتحقيق هذا الهدف، إذ ترغب تركيا في التوصل إلى حل دبلوماسي مع “هيئة تحرير الشام” يقضي بحل نفسها لتجنيب إدلب هجوماً عسكرياً كبيراً من روسيا والنظام، بينما ترغب موسكو بالتنسيق مع الاستخبارات والجيش التركي لشن معركة مشتركة ضد “هيئة تحرير الشام” لإجبارها على تسليم أسلحتها الثقيلة وحل نفسها، أو توسيع المواجهة حتى إنهائها عسكرياً.

ويبدو أن تركيا ستجد نفسها مضطرة للقيام بعمليات عسكرية ضد الهيئة لإجبارها على حل نفسها أو إنهائها عسكرياً، معتمدة في ذلك على الفصائل المعتدلة للاشتباك مع قوات الهيئة في إدلب، وهو خيار بدأت فيه تركيا فعلياً من خلال توحيد الفصائل تحت راية “جبهة تحرير سوريا”.

ويأتي إخلاء بلدتي الفوعة وكفريا الشيعيتن (17 يوليو) ضمن العمليات التحضيرية للمعركة المرتقبة، حيث فقدت الفصائل ورقة ردع أساسية، في حين تضاءلت حاجة روسيا إلى مساعدة تركيا، مفضلة تشكيل قوات مشتركة من النظام والفصائل المصالحة والأكراد والميلشيات الإيراني، وتعزيز التعاون مع الصين لاستئصال المقاتلين الأويغور، ومقاتلي شمال القوقاز المعادين لروسيا، حيث يرغب الطرفان في تصفية حساباتهما مع هؤلاء الأعداء المحليين بعيداً عن الوطن.

جهود روسية لتعزيز سيطرة النظام عبر ملفي “الإعمار” و”إعادة اللاجئين”

جهود روسية لتعزيز سيطرة النظام عبر ملفي “الإعمار” و”إعادة اللاجئين”

جهود روسية لتعزيز سيطرة النظام عبر ملفي “الإعمار” و”إعادة اللاجئين”

تعكف الدبلوماسية الروسية على خطة شاملة لإقناع الدول العربية والغربية بتقديم المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار وإقامة علاقات طبيعية مع النظام، وذلك كجهد تكميلي للعمليات العسكرية الروسيةالتي أفضت إلى إعادة سيطرة قوات النظام على مناطق عدة.

وجاءت المعونات الفرنسية عبر قاعدة حميميم بدلاً من الأمم المتحدة كاعتراف من الرئيس ماكرون بالهيمنة الروسية على الملف السوري، ورغبة باريس في إقامة علاقات دبلوماسية مع دمشق.

في هذه الأثناء تضغط موسكو على واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي للانضمام إلى جهود إعادة ستة ملايين مهجر سوري إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، حيث أجرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل محادثات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ورئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف تضمنت ملف إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

وتحظى الدبلوماسية الروسية بدعم دول الجوار السوري؛ حيث أكد وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل (20 أغسطس) أن بلاده تؤيد كامل المبادرة الروسية بشأن عودة اللاجئين السوريين، وتراها مبادرة ناجحة، وطالب دمشق بتشجيع عودة اللاجئين من خلال مبادرات مختلفة.

وفي الأردن؛ تدرس الحكومة خطة روسية لإعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، وذلك بالتزامن مع فتح معبر “نصيب” لتشجيع اللاجئين على العودة إلى قراهم في الجنوب السوري في ظل تجاوب ضعيف. وفوجئ مئات المدرسين السوريين في مخيم “الزعتري” مع اقتراب العام الدراسي الجديد بقرار فصلهم من العمل التدريسي دون سابق إنذار من قبل منظمة “يونيسف” بحجة نقص الدعم والتمويل.

وكانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت عن فتح سبعة معابر جديدة لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وذلك بالتزامن مع صدور تقارير إعلامية تركية في شهر أغسطس الجاري تؤكد رغبة أنقرة في إعادة قسم من السوريين اللاجئين، وذلك بالتزامن مع زيارة ممثلين عن وزارتي الخارجية والجيش والمخابرات الروسية تركيا لبحث مسألة عودة اللاجئين، حيث دار الحديث حول خطة تركية لإعادة ما تستطيع من اللاجئين السوريين إلى منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن موسكو قدمت للولايات المتحدة مقترحات حول تنظيم العمل لعودة اللاجئين السوريين وتشكيل مجموعة مشتركة لتمويل إعادة إعمار البنية التحتية السورية. وقال رئيس المركز الوطني لإدارة شؤون الدفاع، الفريق “ميخائيل ميزينتسيف” إن “ما يساعد على تحقيق التقدم في هذا الاتجاه، هو الاتفاقات التي توصل إليها الرئيسان الروسي والأمريكي خلال قمة هلسنكي، والتي شهدت تقديم مقترحات محددة إلى الجانب الأمريكي حول تنظيم عملية عودة اللاجئين إلى الأماكن التي كانوا يعيشون فيها قبل الحرب، حيث تأمل موسكو في التوصل إلى خطة مشتركة مع واشنطن لعودة اللاجئين إلى الأماكن التي كانوا يعيشون فيها قبل النزاع، وخاصة عودة اللاجئين من لبنان والأردن، وتشكيل مجموعة عمل مشتركة روسية-أمريكية-أردنية برعاية مركز عمان للمراقبة، وتشكيل مجموعة عمل مماثلة في لبنان.

ووفقاً لمصادر روسية فإن الولايات المتحدة تدرس اقتراحاً روسياً لتشكيل مجموعة مشتركة لتمويل إعادة إعمار البنية التحتية السورية، وتقدمت من طرفها بمبادرة مع قوى التحالف لتحقيق استقرار المناطق المحررة في سوريا، وحصلت على تمويل سخي من بعض دول مجلس التعاون.

ويبدو أن التمويل الخليجي سيذهب باتجاه تحقيق رغبة روسية-أمريكية مشتركة بمكافأة الأكراد على الدعم الذي قدموه في محاربة تنظيم “داعش” من جهة، وتعاونهم مع النظام من جهة ثانية، حيث تطمح موسكو إلى الحصول على دعم واشنطن وتل أبيب لمشروع إنشاء كيان فيدرالي كردي بتمويل خليجي يحد من نفوذ أنقرة في الشمال السوري.

Wednesday, September 12, 2018

بإمكان الولايات المتحدة المساومة مع روسيا على صفقة صعبة بشأن سوريا

بإمكان الولايات المتحدة المساومة مع روسيا على صفقة صعبة بشأن سوريا
صفحات رأي ومقالات

بإمكان الولايات المتحدة المساومة مع روسيا على صفقة صعبة بشأن سوريا

 "وول ستريت جورنال"
9 أيلول/سبتمبر 2018
أعلن الرئيس السوري بشار الأسد بدء عملية القصف المكثف لاستعادة إدلب، وهي آخر معقل رئيسي لقوات التمرد النظامية. تعج المحافظة الشمالية الغربية بالمدنيين السوريين النازحين داخليًا الذين فروا من مناطق أخرى من البلاد - حلب في كانون الأول/ديسمبر، والغوطة الشرقية في نيسان/أبريل، ودرعا في حزيران/يونيو - تحت وطأة القصف العشوائي الذي أطلقته روسيا والأنظمة السورية. وبحسب مسؤولي الأمم المتحدة، قد يضطر 800 ألف شخص إلى الخروج من المدينة والمحافظة في هذا الهجوم، إلاّ أنه لم يبقَ أمام اللاجئين أماكن كثيرة يذهبون إليها.
في وجه هذه الكارثة الإنسانية الوشيكة، لن يقدّم المجتمع الدولي سوى القليل. ويشار إلى أن إدارة ترامب تحذّر من أنها "سترد على أي هجوم يستخدم فيه النظام السوري الأسلحة الكيميائية". ولكن مع تمركز القوات الروسية واستعدادها للقيام بعمليات قصف بحري وجوي، من غير المرجح أن يلجأ الأسد إلى أسلحة الغاز. وفي هذا السياق، أشار الرئيس ترامب في تغريدة إلى أنه لا يجب على الأسد أن "يستهدف محافظة إدلب بشكل متهور" وحذّر من أن "الروس والإيرانيين سيرتكبون خطأ إنسانيًا فادحًا إذا ما شاركوا في هذه المأساة الإنسانية المحتملة". أمّا الروس فأجابوا بضرب إدلب.
في الوقت عينه، يواصل الإيرانيون ترسيخ "قوات القدس" الخاصة بهم والميليشيات الشيعية في المناطق التي يستعيدها النظام، مغيّرين بذلك التوازن الطائفي على الأرض. وإذا لم يوضع حد لذلك، سيواصل المحور الإيراني-الروسي-السوري تعزيز سلطته في جميع أنحاء المنطقة. كما ينبغي النظر إلى الادعاءات المتعلقة بالاحتكاك بين القوى الثلاث ببعض الشك. ففي حين أن مصالحهم قد تتباعد، إلاّ أنّ الروس لا يبدون أي رغبة في الابتعاد عن الإيرانيين أو الأسد، الذين يستمرون في إنكار استخدام الأسلحة الكيميائية.
ثمة واقع لا لبس فيه يتجلّى في أنّ الروس، وبسبب تقاعس الولايات المتحدة، أصبحوا الحكم الرئيسي في سوريا. وفي حال كانت الولايات المتحدة تريد منع إيران من تعزيز ممرّ برّي من سوريا إلى لبنان والبحر المتوسّط، فعليها أن تعمل من خلال الروس. وفي حال كانت الولايات المتحدة تريد أن تخفّف من مسار التصادم بين إسرائيل وإيران - مع أمل إيران بأن تهدّد إسرائيل عبر سوريا كما تفعل من خلال "حزب الله" في لبنان - فهي تحتاج إلى تعاون روسي. ولكنّ فلاديمير بوتين لا يفعل شيئًا بدون مقابل. ويبقى السؤال ما إذا كانت إدارة ترامب مستعدة لممارسة الضغط المطلوب.
يبدو أنّ الروس يتأرجحون في القول إنّه من غير الواقعي توقّع مغادرة الإيرانيين والميليشيات المتحالفة معهم، والسعي لمعرفة ما يمكن الحصول عليه نتيجة التوسّط في اتفاق مماثل. فخلال الشهر الماضي، قام نيكولاي باتروشيف، أمين سرّ مجلس الأمن الروسي، باقتراح مقايضة لمستشار الأمن القومي الخاص بالسيد ترامب، جون بولتون تتمثل بما يلي: مقابل قيام روسيا بإنشاء منطقة عازلة في سوريا، خالية من الميليشيات الإيرانية والشيعية المناهضة لإسرائيل، ستُسقط الولايات المتحدة العقوبات ضد إيران. ولكنّ السيّد بولتون رفض الفكرة. وأعلن بعد اجتماعه بالسيد باتروشيف عن أنّ الروس يريدون على الأرجح من إيران مغادرة سوريا. ولكن يبدو أنّ الروس مهتمّون أكثر بالتوسط في اتفاقيات محدودة، ومقابل ثمن.
من الناحية النظرية، يجب أن تكون الولايات المتحدة قادرة على عقد صفقة مؤاتية. وبوجود شراكة بين تركيا وإسرائيل، فإنّ موقف الولايات المتحدة أقوى من موقف روسيا. وقد اعترف مسؤولون إسرائيليون مؤخرًا بضرب 200 هدف إيراني في سوريا. لدى تركيا وجود عسكري في إدلب ومحيطها، كما تملك الولايات المتحدة قوات في شمال شرق سوريا. ومعًا، تسيطر الولايات المتحدة وشركاؤها على نحو 40% من الأراضي السورية.
لسوء الحظ، تواجه الولايات المتحدة أزمة في علاقاتها مع تركيا. فقد صعّد الرئيس رجب طيب أردوغان من لهجته في ردّه على العقوبات المفروضة من السيد ترامب ضد احتجاز تركيا للقس أندرو برونسون. ويجري السيد أردوغان محادثات مع الروس لمعرفة ما إذا كان يمكن فرض وقف إطلاق النار في إدلب. إلا أنّ الغارات الجوية الروسية بعد يوم من عقد قمة طهران بين أردوغان من جهة والسيد بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني من جهة أخرى قد تفتح الباب أمام الولايات المتحدة لإعادة ضمّ الرئيس التركي.
يتقاسم البلدان مصلحة استراتيجية في منع إيران وروسيا من توسيع وجودهما في سوريا. ويجب أن تتحقق واشنطن مما إذا كانت أنقرة ترغب في صياغة موقف منسّق تجاه الروس. ومؤخرًا، قام السيد ترامب بتعيين جيمس جيفري الممثل الخاص للوجود الأمريكي في سوريا. وتجدر الإشارة إلى أنّ السيد جيفري هو سفير سابق في تركيا يحظى باحترام السيد أردوغان.
تتشاطر الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل مصلحة في احتواء إيران وميليشياتها الشيعية في سوريا. وتتمتّع روسيا بالقدرة على تحقيق ذلك، إلا أنّها تريد خروج الولايات المتحدة من سوريا في المقابل. وقد تشترط إدارة ترامب انسحابًا أمريكيًا مقابل القيود التالية لنشاط إيران وميليشياتها الحليفة: لا قواعد عسكرية في سوريا؛ الحدّ من صواريخ أرض-أرض؛ عدم تصنيع الصواريخ أو أنظمة التوجيه المتقدّمة في سوريا أو لبنان؛ لا رادارات أو صواريخ دفاعية جوية جديدة من حيث النوعية؛ ومناطق عازلة خالية من أيّ وجود إيراني أو حليف بالقرب من تركيا أو إسرائيل أو الأردن.
لا يمنح السيد بوتين أيّ شيء بدون مقابل. وهذا ما يجب على إدارة ترامب القيام به إذا كانت تريد حماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط

العقوبات قد تؤدي إلى تغيير النظام في إيران، ولكن ماذا بعد ذلك؟

العقوبات قد تؤدي إلى تغيير النظام في إيران، ولكن ماذا بعد ذلك؟

العقوبات قد تؤدي إلى تغيير النظام في إيران، ولكن ماذا بعد ذلك؟


متاح أيضاً في English
7 أيلول/سبتمبر 2018
تشير حرب الكلام التي لا تنفكّ تتصاعد بين إيران والولايات المتحدة إلى أن الشرق الأوسط سيكون على المحك في الأشهر المقبلة مع بدء سريان العقوبات. وقد أكدت الإدارة الأمريكية مرارًا تكرارًا أن "تغيير النظام" و"التدابير العسكرية" ضد إيران ليست على جدول أعمالها، بل ذكرت أن الهدف هو تغيير السلوك، وليس النظام.
ولكن بالرغم من ذلك، لا شكّ في أنّ النظام الإيراني مهدد. إذ يقوم كل من تأكيد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن "الرخاء، والأمن، وحرية الشعب الإيراني هي خسائر مقبولة في المسيرة من أجل تحقيق الثورة"، وتغريدات ترامب الشخصية في هذا الصدد تدلّ على الرغبة في تفكيك الدولة الإيرانية تمامًا. فقد أشار ترامب مؤخرًا إلى أن النظام قد ينهار بسبب سياسة العقوبات الأمريكية. وفي حين أن هذه التصريحات جاءت ردًا على التعليقات التحريضية للنظام الإيراني، إن التهديدات الموجهة إلى الحكومة الإيرانية تبدو حقيقية. فلم تنجح احتجاجات آب/أغسطس الواسعة سوى في زيادة الشعور بأن تغيير النظام مطروح على الطاولة. أمّا على المستوى الإقليمي، فقد دعا الخطاب الأمريكي إلى تساؤلات كثير حول إلى أي مدى ستذهب الولايات المتحدة لتغيير إيران.
إنّ النظام الإيراني قمعي وتوسّعي. ومن المؤكد أنّه إذا غيّر في سلوكياته التي تشمل دعمه للميليشيات الوكيلة ولبرنامج القذائف البالستية، سيفيد الاستقرار الإقليمي والكثير من الأشخاص الذين يعيشون في الشرق الأوسط. ولكن إذا يكمن هدف السياسة الأمريكية في تغيير هذه السلوكيات إلى جانب زعزعة استقرار الدولة نفسها، فإن السياسة الحالية قد تحدث أضرارًا تفوق منافعها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وحتى الاتحاد السوفيتي تعطي انطباعًا بأن واشنطن تعتمد على إحدى الاستراتيجيتين عند محاولة "تغيير السلوك"، ألا وهما: الاحتواء أو تغيير النظام. ويتطلب الاحتواء الصبر والمرونة. فلا تعِد هذه الاستراتيجية بتحقيق انتصار سريع أو سهل. كما يمثل الاحتواء حلاً وسطيًا بين الانفراج والتراجع، حسبما اقترح الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان في الخمسينيات من القرن المنصرم بهدف احتواء الاتحاد السوفيتي. ومع ذلك، لا يبدو أن سياسة العقوبات الحالية مصمَّمة للاحتواء، على الرغم من أهدافها المعلنة. فمن خلال الخروج من الصفقة النووية مع إيران، رفض ترامب فرصة احتواء إيران مستخدمًا المفاهيم نفسها. أمّا العقوبات التي ستُنفّذ في هذا الشهر فتشير إلى أن التداعيات التي ستترتب عليها ستزيد من عدم الاستقرار الإقليمي أكثر مما ستغير سلوك إيران.
ويشار إلى أن الاحتواء بصفته استراتيجية جيوسياسية لوقف التوسع الإيراني يتطلب سياسةً راسخةً وطويلة الأجل، فضلاً عن الحفاظ على نوع من توافق دولي على أهداف الإجراءات المتخذة في حق إيران. ومع ذلك، فإن الانسحاب من الاتفاق النووي قد أحدث شرخًا في العلاقات عبر المحيط الأطلسي، ويبدو أنه ما من توافق حول السلوك المحبذ لإيران لدى الغرب. بالإضافة إلى ذلك، يدعو الاحتواء إلى مستوى معين من المشاركة مع الخصم، غير أن ذلك احتمال غير وارد إن كان بالنسبة إلى ترامب أو إلى إيران. علاوةً على ذلك، إن الارتباك والغموض اللذين يحيطان بالأهداف الإقليمية الأوسع للولايات المتحدة يقلل من احتمال فهم النظام الإيراني لمصالح الولايات المتحدة، ناهيك عن الامتثال لها.
كما يبدو أن سياسة العقوبات في صيغتها الحالية مصمَّمةٌ لتغيير سلوك إيران عبر تغيير النظام. فمن خلال إضعاف النظام عن طريق العقوبات والضغوطات الأخرى، تكون هذه الاستراتيجية قد بدأت أساسًا في إشعال فتيل أزمة اقتصادية قد تحثّ الشعب الإيراني على الإطاحة بقادته. وعلى الرغم من أن التحول السياسي الإيجابي لإيران قد يكون هدفًا جديرًا بالتحقيق، إن التنفيذ الفعلي لهذه الاستراتيجية يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية. فمن خلال جعل الشعب الإيراني رهينةً لأفعال حكومته، تخاطر إدارة ترامب في تقوية موقف النظام.
وفي كلتا الحالتين، لا يزال لدى إيران بعض المنافذ للتبادل الاقتصادي، وقد تزداد أكثر بسبب المنافسة القائمة بين الولايات المتحدة والدول الأخرى - وبالتحديد الصين وروسيا. كما يبدو أن آية الله الخامنئي لم يعد يعتمد على أوروبا لإنقاذ "خطة العمل الشاملة المشتركة"، إذ تبقى الصين وروسيا سوقين يمكن الوصول إليهما. وتشتري الصين وحدها ٦٥٥ ألف برميل يوميًا من إيران، ما يمثّل ٦٠ في المئة من صادرات النفط الإيراني، ما يجعلها مهمةً لفعالية العقوبات الأمريكية. ومع استمرار حرب الولايات المتحدة التجارية مع الصين، من غير المحتمل أن تميل قيادتها إلى المشاركة في الضغط على إيران. ففي الواقع، قد تردّ الصين في حربها التجارية مع الولايات المتحدة من خلال السعي إلى تنمية الاقتصاد الإيراني. وفي السياق عينه، لا تبدو روسيا مهتمةً بالضغط على إيران بشكل خاص، لا سيما بالنظر إلى مصالحهما المشتركة جزئيًا في سوريا.
وبعيدًا عن تفاصيل المسألة الإيرانية، أظهرت الأبحاث حول العقوبات أنّ معدل نجاحها في إحداث تغيير طويل الأمد لسلوك النظام منخفض. فإذا أخذنا العراق وحده كمثال، ندرك حدود العقوبات ضد الأنظمة الاستبدادية ونتائجها المحتملة. فبعد ثلاثة عشر عامًا من العقوبات التي أضعفت دولة العراق، وإنّما فشلت في تغيير سلوكيات الدولة، اختارت الولايات المتحدة في نهاية المطاف التدخل العسكري لتحقيق التحولات السلوكية التي كان من المفترض أن تحققها تلك العقوبات. وبالتالي، فإن فشل العقوبات المحتمل في تغيير سلوك إيران بشكل جوهري قد يجعل التدخل العسكري احتمالاً أكثر جاذبيةً للإدارة، لا سيما إذا استمرت إيران في محاولات توسيع نفوذها في المنطقة.
ونظرًا لاحتمال حصول ركود، قد يبدو تغيير النظام في ضوء ما ذُكر مغريًا. لكن إذا اختارت الولايات المتحدة تغيير النظام الإيراني بالقوة بدلاً من السعي إلى الإصلاح التدريجي، فإن النتيجة ستكون مختلفةً قليلاً عن ثورة "الربيع العربي"، أي سيكون هناك موجة من الثورات تليها عودة سريعة إلى هياكل الدولة القائمة، ولا سيما الجيش. علاوةً على ذلك، إذا شعرت القيادة الإيرانية بالتهديد، فإن حروبها السابقة تُظهر مدى قوة البلاد في القتال والمقاومة. وقد سبق أن استجابت إيران للعقوبات من خلال التهديد المتكرر بإغلاق مضيق هرمز، من دون إظهار أي إشارة على تغيير سلوكها. أمّا استمرار انتشار الوكلاء الإيرانيين في جميع أنحاء المنطقة فهو سبب آخر يدعو إلى قلق بالغ، إذ قد يباشرون بشكل منهجي باستهداف القوات الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. كما أنه ليس من الحكمة أن ننسى برنامج إيران النووي، إذ وُضعت "خطة العمل الشاملة المشتركة" أساسًا لوقفه.
وحتى إن ازدادت جاذبية فكرة تغيير النظام بصفتها "حل حاسم" لمشكلة مستعصية، على إدارة ترامب أن تتذكر أن استراتيجية الاعتماد على تغيير النظام للتأثير على سلوك الجهات الحكومية غالبًا ما تزيد من هذا السلوك. فلدى الولايات المتحدة تاريخ طويل في تغيير الأنظمة - بتكاليف متفاوتة – إلاّ أن هناك نتيجة واحدة تعيد نفسها مرارًا وتكرارًا، ألا وهي "الفوضى". فحقيقة استراتيجية تغيير النظام هي أنها لا تعتمد على التخلص من نظام استبدادي فحسب، بل أيضًا على استبداله بنظام صديق. ويشار إلى أن اهتمام الولايات المتحدة بتشكيل حكومات صديقة في المنطقة أدّى إلى محاولات فاشلة في العراق وأفغانستان، ما أحدث حالةً من عدم الاستقرار تزدهر فيها أنشطة المجموعات الإرهابية. أمّا إذا واجه ترامب هذا القرار، فعليه أن يفهم أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمّل حرب أخرى في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، يجب أن تركّز الاستراتيجية الأمريكية المتكاملة، بصفتها بديل لمواجهة التحديات الإيرانية الإقليمية، على ممارسة الضغوطات الذكية من خلال العمليات العسكرية والأنشطة الاستخبارية والعقوبات الموجّهة. . كل هذا لا يعني أن الولايات المتحدة يجب أن تمنح إيران حرية التصرف كما تختار.  لذلك، وعوضا عن محاولة تغيير النظام، يجب أن تعمل واشنطن على الحد من مستوى الخطر الذي تشكله إيران وذلك من خلال  التركيز على أهداف ضيقة مثل ردع المبادرات الإيرانية المزعزعة للاستقرار، والحد من الأنشطة الإيرانية الخبيثة واعتراض أي شحنات أسلحة ترسلها إيران إلى وكلائها

الغاز الإسرائيلي يقترب من الشاطئ، لكن التحديات مستمرة

الغاز الإسرائيلي يقترب من الشاطئ، لكن التحديات مستمرة
المرصد السياسي 3013

الغاز الإسرائيلي يقترب من الشاطئ، لكن التحديات مستمرة

 7 أيلول/سبتمبر 2018
تحت أنظار مجموعة صغيرة من المتظاهرين البيئيين المخيمين على الشاطئ الإسرائيلي "دور"، يضع المهندسون اللمسات الأخيرة على خط أنابيب مخصص لحقل "لڤياثان" البحري للغاز الطبيعي التابع لإسرائيل. وسيتم وصل الخط الواقع بين تل أبيب وحيفا بشبكة تنقل أساساً الغاز من حقل غاز "تامار" الأصغر حجماً إلى محطات توليد الطاقة والمنشآت الصناعية المنتشرة في جميع أنحاء إسرائيل. وعلى بعد ثلاثين ميلاً إلى الشرق، يعمل مهندسون آخرون على خط أنابيب سيعبر إلى الأردن، حيث من المتوقع أن يولّد غاز "لڤياثان" القسم الأكبر من الطاقة الكهربائية في المملكة ابتداءً من عام 2020.
وقد تمت مناقشة بدائل أخرى مختلفة فيما يتعلق بالغاز الإسرائيلي، ومنها خط أنابيب محتمل تحت سطح البحر يصل إلى قبرص واليونان وإيطاليا، إلا أن مسارات [نقل الغاز من] حقل "لڤياثان" التي بات إنجازها قريباً هي أكثر الخيارات الواعدة للمستقبل القريب. كما يمكن تطوير حقول أصغر حجماً في المنطقة الاقتصادية الحصرية البحرية لإسرائيل، لكنها أقل حجماً بكثير من نطاق حقل "لڤياثان"، في حين يُعتبر التنقيب عن الغاز في المنطقة الشمالية محدوداً بسبب عدم وجود حدود بحرية معترف بها مع لبنان. والآن بعد أن أصبح الاستغلال الكامل لحقل "لڤياثان" حقيقة واقعة، فإن الأسئلة التي تطرح نفسها هنا، ما هي خيارات التصدير التي يقدمها، وما هي العقبات التي قد تبرز لإحباطها؟
الوضع الحالي لـ "لڤياثان"
على الرغم من صغر حجم احتياطات الغاز الإسرائيلية على الصعيد العالمي، إلا أن الأرقام المرتبطة بحقل "لڤياثان" قد تغير قواعد اللعبة في المشرق. ففي بداية أيلول/سبتمبر الحالي، وصفت الشركة الأمريكية "نوبل إينرجي" هذا الحقل الذي اكتشفته عام 2010، بأنه "خزان رائع". ويُقدَّر أنّه يحتوي على أكثر من 22 تريليون قدم مكعب من الغاز. ولوضع هذا الرقم في سياقه الصحيح، يضم حقل "تامار" 10 تريليونات قدم مكعب فقط من الغاز، إلا أنه يؤمّن حوالي 60 في المائة من الطاقة الكهربائية لإسرائيل وسيستمر في القيام بذلك لسنوات عديدة.
وبالتالي، عندما يبدأ تشغيل حقل "لڤياثان"، فسيُمكّن إسرائيل بأن تصبح دولةً مصدّرةً للغاز. وقد سبق وأن تم مد خطوط الأنابيب من "لڤياثان" الذي يقع على بعد 80 ميلاً تقريباً من الشاطئ وعلى عمق 6 آلاف قدم؛ وتنتظر هذه الخطوط وصلها بمنصة إنتاج يجري استكمالها حالياً في تكساس. ومن المقرر أن يتم جر إطار المنصة عبر المحيط الأطلسي قريباً، لينطلق في رحلته في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر ويصل في بداية العام المقبل. وحينما يكون على مسافة تقرب من ستة أميال من الشاطئ، سيتم تحميله بوحدات معالجة من أجل تنظيف الغاز وتجفيفه قبل وصوله إلى الشاطئ.
الخلاف والجدل
على الرغم من الاحتمالات التي يشكلها توفير الغاز الإسرائيلي لأمن الطاقة، فإن تطوير احتياطياته قد تَميَّز بنقاش مفعم بالحيوية على المستويين السياسي والعام. وكان من المزمع أساساً أن يبدأ تشغيل حقل "لڤياثان" في عام 2017. وتمت تهدئة المخاوف الأولية بشأن هيمنة شركة "نوبل إينرجي" في قطاع الغاز عندما قامت الشركة ببيع بعض من أسهمها في حقول أخرى وقلصت حصتها في حقل "تامار". كما أثار شركاؤها الإسرائيليون، بمن فيهم شركة "ديليك"، جدلاً سياسياً أيضاً، حيث زعم المعارضون أن اتحاد الشركات كان يتفاوض على سعر مرتفع جداً للغاز.
وفي غضون ذلك، يدّعي أنصار حماية البيئة - بمن فيهم المخيّمون على شاطئ "دور" وبضعة آلاف من المتظاهرين الآخرين الذين تجمعوا في وسط تل أبيب في الأول من أيلول/سبتمبر وفقاً لبعض التقارير - أن وضع منصة غاز على مسافة قريبة جداً من الشاطئ يُعتبر أمراً خطيراً بما أن السائل المكثف المستخرج في عملية التنظيف قد يتدفق نحو المياه المحلية. وفي المقابل، يدافع هؤلاء عن منشأة عائمة تقع مباشرةً فوق حقل "لڤياثان". ومع ذلك، يبدو أن مجموعة من الاعتبارات الهندسية والأمنية تتفوق على حججهم، إذ يعتقد البعض أن خطر السائل المكثف مبالغاً فيه وأنه سيتم التخفيف منه من خلال التدابير الخاصة بالسلامة. فالمنصة المزمع تثبيتها تُعتبر أكثر عملية بكثير من منشأة عائمة ويجب أن تكون قريبةً من الشاطئ قبل انخفاض قاع البحر بصورة حادة. كما يمكن الدفاع بشكل أفضل عن منصة قريبة من الشاطئ ضد الصواريخ والتهديدات البحرية. على سبيل المثال، خلال حرب غزة عام 2014 سقطت صواريخ «حماس» بالقرب من شاطئ "دور"، كما أنّ الترسانة الضخمة لصواريخ «حزب الله» في لبنان هي أكثر قرباً.
وثمة مصدر قلق آخر هو واقع إمكانية رؤية المنصة من الشاطئ، خاصة بالنسبة لبعض الأشخاص الذين يعيشون في البلدة الراقية "زخرون يعقوف" الواقعة على هضبة ساحلية. ولكن السكان يعيشون هناك منذ عقود ولديهم نظرة مماثلة قريبة تجاه محطة توليد الكهرباء في "الخضيرة" التي تعمل على الفحم الحجري ومداخنها الأربعة العملاقة. ومن المتوقع أن تَغلق هذه المحطة أبوابها في غضون أربع سنوات. إن النظرة الأكثر تمثيلاً لمستقبل الطاقة في إسرائيل، هو محطة "حاغيت" لتوليد الطاقة التي تعمل على الغاز، والتي يمكن رؤيتها أيضاً من بلدة "زخرون يعقوف" ولكنها تقبع في رقعة مخفية في التلال الشرقية.
إعادة العمل بخطوط الأنابيب القديمة
بما أن تطوير حقل "لڤياثان" لن يكون مجدياً من الناحية الاقتصادية إلا إذا استطاعت إسرائيل تصدير معظم الغاز الذي يحويه، فمن الضروري تأمين طرق [نقله] إلى الأردن ومصر. ويُجنّب استخدام خطوط الأنابيب القائمة نفقات إنشاء خطوط أنابيب جديدة أو بناء محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال على الساحل، الأمر الذي سيولّد مخاوف بيئية أخرى. وسيكون جزء خط الأنابيب الذي يمتد إلى الأردن جديداً، إلا أنه سيستخدم حق المرور الذي تم إنشاؤه أصلاً من خلال خط الأنابيب القديم الممتد من كركوك إلى حيفا الذي كان يصدّر النفط العراقي بين عامي 1935 و1948، وهو السبب الذي دفع إلى بناء مصفاة في حيفا، التي هي الأكبر في إسرائيل حالياً.
وعند وصوله إلى الأردن، سيتصل الغاز المتدفق الآتي من حقل "لڤياثان" بـ "خط أنابيب الغاز العربي" القديم الذي كان ينقل إمدادات من مصر إلى الأردن وسوريا ولبنان حتى عام 2013، عندما أدّت الفوضى السياسية في القاهرة إلى تعطيل عمليات التصدير. ويبدو أن الخطة تعتمد حالياً على إرسال الغاز من حقل "لڤياثان" إلى مصر عبر هذا الطريق الدائري، نزولاً باتجاه خليج العقبة وصعوداً عبر شبه جزيرة سيناء. ويُعدّ عكس اتجاه المضخات وإعادة تأهيل خط الأنابيب أقل تكلفةً بكثير من بناء خط أنابيب جديد.
ومن التطورات المحتملة الأخرى اقتراح يقضي بإرسال الغاز الإسرائيلي من حقل "تامار" (ولاحقاً من حقل "لڤياثان") إلى مصر على طول "خط أنابيب غاز شرق المتوسط" القديم الذي كان يُستخدم لإرسال الإمدادات من العريش إلى عسقلان حتى عام 2013. ففي 30 آب/أغسطس، صرّح الرئيس التنفيذي لشركة "ديليك" أساف بارتفلد أن "المفاوضات حول شراء خط أنابيب شركة «إي إم جي» مستمرة". وفي 5 أيلول/سبتمبر، صرح رئيس مجلس إدارة شركة "نوبل إينرجي" ديفيد ستوفر أن "العمل جارٍ على تعزيز الوصول إلى مصر" وأن "التحديثات والأخبار" المتعلقة بتلك الجهود ستصبح متوفرة "عما قريب".
التحديات المستقبلية
يذكّر تعطّل تدفق الغاز المصري إلى إسرائيل والأردن بعد الإطاحة بنظام مبارك بأنّ ترتيبات الطاقة الناشئة في المنطقة هي دائماً عرضة للمخاطر السياسية. ومنذ ذلك الحين أصبحت إسرائيل أحد مورّدي الغاز الأكثر موثوقية للأردن، ووفقاً لشركة "نوبل إينرجي"، لم تؤدي الاكتشافات البحرية الأخيرة في مصر إلى تقليل الطلب المحلي للغاز الذي لا ينضب على ما يبدو. ومع ذلك، لا يزال الرأي العام في البلدين سلبياً للغاية تجاه إسرائيل، ويُعد التعاون في مجال الغاز هدفاً متكرراً لهذا الاستياء.
ويبدو أنّ الحكومة المصرية الحالية على استعداد تام لشراء الغاز الإسرائيلي، غير أن الطريق المفترض لمثل هذه الإمدادات شمال سيناء - لا يزال يشكل مصدر قلق أمني. فقد تعرض جزء خط الأنابيب الواقع في سيناء لهجمات الجهاديين منذ خمسة أعوام، وفي حين تدّعي القاهرة أنها جددت جهود مكافحة الإرهاب هناك، إلّا أن عليها أن تُظهر نجاحاً طويل الأمد.
كما أن التوترات المستمرة بين إسرائيل، و«حماس» و«حزب الله» يمكن أن تنفجر وتفضي إلى جولة جديدة من الأعمال العدائية في أي وقت. وقد تمكنت الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية من تفادي أضرار كبيرة في البنى التحتية في الجولات السابقة، إلا أنها قد تفشل في النزاعات المستقبلية مع مواجهتها المزيد من القذائف (أو قذائف أكثر دقة).
ومع ذلك،  يبدو أن مشروع حقل "لڤياثان" قد أوشك أخيراً على الانتهاء. ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، هناك سبب إضافي للاحتفال وهو أن هذا المشروع يجمع بين الأعمال والتقنية الأمريكية وبين الجهود الدبلوماسية الهادئة التي تقوم بها واشنطن لمساعدة شركائها الإقليميين على العمل معاً.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشن

آية الله خامنئي: الانتقال من ولاية الفقيه إلى السيطرة العسكرية

آية الله خامنئي: الانتقال من ولاية الفقيه إلى السيطرة العسكرية

آية الله خامنئي: الانتقال من ولاية الفقيه إلى السيطرة العسكرية


متاح أيضاً في English
7 أيلول/سبتمبر 2018
بعد مرور حوالي أربعين عامًا على بداية الجمهورية الإسلامية، فشِلَ هذا المشروع. فأقرّ آية الله خامنئي بعدم وجود دولة إسلامية في إيران. كما أن المجتمع الإيراني ليس إسلاميًّا بشكلٍ مطلق ومثلما أرادته الثورة: بالأحرى، تتبع الحكومة الإيرانية القواعد الإسلامية وتطبّقها على المجتمع وحسب. فمع إعادة فرض الحظر والعقوبات الدولية والمحلّية على إيران، تبدّل الآن هدف الجمهورية الإسلامية من التوسّع إلى حماية المصالح الوطنية الإيرانية في حين يدخل البلد في أضعف حقبةٍ عرفها في الذاكرة الحديثة. وإلى جانب بناء الضغوطات الدولية، يفتقر النظام الإيراني أكثر فأكثر إلى دعم شعبه الخاص. فإذا استمرّت العقوبات الاقتصادية ضد سكّان إيران، قد يختبر البلد في نهاية المطاف ثورةً تقودها الحاجة إلى اللوازم الأساسية.
سبق أن مارست الاحتجاجات الكبيرة في عددٍ من المدن والمناطق الضغطَ على الحكومة حتى تعيد تقويم استراتيجيّتها السياسية: ففيما باستطاعة الحكومة أن تحدّ من نمو الاحتجاجات نوعًا ما عبر الإيعاز الديني وباستخدام القوة، إلا أنها تعجز عن إيقاف التحرّك كلّيًّا. وفي غضون ذلك، يستهدف الخطاب السائد في الاحتجاجات النظام السياسي في البلد وقيادته مباشرةً، مع التركيز على الفساد الممنهج فهذه الاحتجاجات غير مركزية، وهي توجّه الخطابات إلى النظام السياسي وقائد البلاد، وليس إلى القوى الخارجية. أمّا جذور الأزمة في إيران، فهي مترسّخة في التاريخ، وتنبع من الفساد المنهجي. وفيما شكّلت العقوبات الأمريكية محفّزًا، فهي لم تقم إلا بالمساعدة على إظهار الأزمة الاستراتيجية العميقة التي يعاني منها النظام. فقد أنشأ النظام الإسلامي هذا النوع من عدم الاستقرار، بسبب اعتماده على العقيدة وسوء إدارته للأموال وإنشائه للحكومات الموازية.
يشير أيضًا واقع اقتراب آية الله خامنئي بسرعة من نهاية عمره الطبيعي إلى أن هذه الاحتجاجات تعلن عن بداية نهاية حقبةٍ. ففي التاريخ الإيراني، من الصعب تصوّر شخصيةٍ سياسية جعلت هويتها الشخصية الخاصة ترتبط بهوية البلد أكثر منه. وفيما قاد آية الله الخميني الثورة، قاد خامنئي البلد لثلاثين عامًا، ما جعل النظام يرتبط بشخصيته الخاصة. وخامنئي نفسُه مدركٌ لهذا الواقع، ويمكن القول إنه يقدّر قيمة الحفاظ على الدولة ككيانٍ موحّد أكثر من الحفاظ على طابعها الإسلامي. وقد يفسّر هذا الموقف الاهتمام الواضح الذي يُبديه آية الله بدعم تطوير حكومةٍ عسكرية أكثر منه بالبنية الحالية عند وفاته.
لا يعني ذلك أن آية الله خامنئي يريد إضعاف النظام الحالي لولاية الفقيه، أو أنه سيقوم بذلك، إلا إذا أصبح يعتقد أن هذا النظام غير قادر على الحفاظ على وحدة البلد. بالأحرى، قد تدفعه تخوفاته من التهديدات الخارجية لاستقرار البلد إلى وضع سلامة البلد في عهدة بنيته العسكرية، واعتبار أن هذا الفرع من النظام مجهّزٌ بالشكل الأفضل للقيام بذلك.
يبدو أصلًا أن مثلّث النظام – أي خامنئي بصفته المرشد الأعلى، والقوّات العسكرية الإيرانية، وحكومة إيران – يسير في هذا الاتجاه.فسيطرة الجيش على الخطابات السياسية للحكومة، ومواصلة أنشطة "فيلق القدس" داخل البلد وخارجه، فضلًا عن التغيير في لهجة حسن روحاني التي أصبحت تؤيّد القوات العسكرية بدلًا من استنكارها، كل ذلك يبدو مرتبطًا باعتماد وجهة نظر المرشد ومحاولة سلوك هذا المنحى الضيّق.
في هذا الوقت، يبدو أن آية الله خامنئي ينفّذ خطةً استراتيجيةً قائمةً تخفّف وطأة الانشقاق الداخلي وتضمن في الوقت نفسه استقرار الدولة:
فتفاقمت مشكلة الفساد التي بدأت قبل الثورة بشكلٍ خارجٍ عن السيطرة. وتمسّكت السلطات الدينية والإدارية الآن بفكرة "معاقبة المفسِد" كسبيلٍ لإعادة توجيه التركيز العام. ففي هذه الحالة، تسمح تهمة "الفساد" في الواقع بفصل العناصر ’الفاسدة‘ الفردية في محاولةٍ لجعل غضب المحتجّين ينصبّ على النّخَب الإدارية والمصرفيين بدلًا من النظام الإسلامي وآية الله خامنئي.
في الوقت نفسه، تحاول الحكومة الإيرانية إيجاد سبلٍ غير رسمية مع البلدان المجاورة لتسهيل استيراد السّلع إلى داخل إيران من نقاطها غير الرسمية الأوسع نطاقًا ولتفادي المجاعة. وبهدف تحقيق ذلك، تم منح السلطة إلى المحافظين في المناطق الحدودية لإيران من أجل صرف النظر عن عمليات التهريب.
ويعمل "مجلس الأمن القومي الإيراني" على رفع الحظر عن مهدي كروبي ومير حسين موسوي، اللذين قادا "التحرّك الأخضر" وهما حاليًّا تحت الإقامة الجبرية، وذلك في محاولةٍ واضحة لضم العناصر التحررية "إلى الصفوف". فيبدو أن هذا الاهتمام الواضح بضم زعماء المعارضة يشير إلى تطوّر الإحساس بالوحدة الوطنية الذي يمكن أن يستعيد دعم الشعب للنظام السياسي. وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة اتخاذ إجراءات صارمة ضدّ المتظاهرين الأفراد.
بسبب عقوبات الولايات المتحدة، تعتمد إيران على إنشاء علاقات اقتصادية ثنائية مع العراق وتركيا وروسيا والصين والهند من أجل الاستمرار في دعم نفسها. كما تحاول إيران تطوير علاقات عسكرية وأمنية أكثر متانةً من خلال تعاونها مع تركيا والعراق وأفغانستان وباكستان وروسيا وعمان وقطر من أجل ضمان الاستقرار المحلّي.
المقصود من كل ذلك هو أنّ كلًّا من الحكومة الإيرانية وعدة مواطنين إيرانيين أخذوا على عاتقهم إبعاد الحرب عن موطنهم. فما زالت الحرب الإيرانية-العراقية محفورةً في الذاكرة الجماعية الخاصة بالإيرانيين، وقد يتحوّل ذلك إلى دافعٍ يشجّع على التمتع بقوة عسكرية أكبر داخل الدولة. وسبق أن زاد آية الله خامنئي دعمه لقاسم سليماني، الذي يُعتبَر حاميًا أساسيًّا لمصالح إيران من خلال قيادته لشبكة المقاتلين بالوكالة الواسعة النطاق والتابعة لـ "فيلق القدس" التي ستُبقي حروب إيران بعيدةً عن إيران نفسها.
في حين أن الدولة المركزية قد تكون الآن ضعيفةً، فمجرّد نطاق وقوّة السيطرة التي يتمتع بها "فيلق القدس" في المنطقة المحيطة يسمحان بالتعاون مع حلفاء إيران ومساعدتهم: أي مع "حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن. إلى ذلك، تحافظ إيران على الوجود العسكري الملحوظ عبر وكلائها في كلٍ من سوريا والعراق. وكنتيجة لذلك، ستستمر استراتيجية إيران الدفاعية في الاعتماد على تطوير البنية التحتية للمجموعات المحلّية ودقّتها من أجل حماية مصالح الإيرانيين. فلا تؤدي القوة النسبية لهذه القوات إلا إلى زيادة الشعور بأن الاستقرار في المستقبل سيكون في حوزة القوات العسكرية. وفي غضون ذلك، يحافظ خامنئي على تولّيه السلطة في دولةٍ تزداد هشاشتها يومًا بعد يوم. ويمكن أن يتوقّع المراقبون الخارجيون مواصلة بذل الجهود لإرساء الاستقرار في البلد، لكن لا بد من مراقبة القوات العسكرية بشكلٍ أساسي لتوجّس علامات موازين القوى الجديدة في إيران.

ظهور المرتزقة في المجال السيبراني

ظهور المرتزقة في المجال السيبراني
صفحات رأي ومقالات

ظهور المرتزقة في المجال السيبراني

 "فورين بوليسي"
أيلول/سبتمبر 2018
ظهرت الرسالة النصية الأولى على هاتف أحمد منصور عند الساعة 9:38 من صباح أحد أيام آب/أغسطس الحارة عام 2016. كانت الرسالة غامضة بعض الشيء وباللغة العربية، وقد ورد فيها ما يلي: "أسرار جديدة عن تعذيب الإماراتيين في سجون الدولة" وتبعها رابط تشعبي. وقد بدا كل من الرقم والرسالة، والرسالة المشابهة التي تلقاها في اليوم التالي، غريبًا بالنسبة إلى منصور، وهو ناشط معروف في مجال حقوق الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة. فقاوم وامتنع عن النقر على الروابط.
بدلاً من ذلك، أرسل منصور الملاحظات إلى معهد أبحاث "سيتيزن لاب" التابع لجامعة تورنتو والمتخصص في حقوق الإنسان وأمن الإنترنت. وبعد العمل بالاتجاه المعاكس، وجد الباحثون أن الروابط التشعبية هي جزء من برنامج تجسس متطور تم تصميمه خصيصًا لاستهداف منصور. ولو نقر على الروابط، لحوّل البرنامج هاتفه إلى "جاسوس رقمي في جيبه"، يتتبع تحركاته ويراقب رسائله ويسيطر على كاميرته وميكروفونه، بحسب ما جاء لاحقًا في تقرير "سيتيزن لاب".
لكن الاكتشاف المهم في التقرير لم يكن التكنولوجيا المستخدمة بحد ذاتها، إذ قامت وكالات الاستخبارات في الدول المتقدمة بتطوير برامج تجسس ونشرها حول العالم. فما برز هو أن معهد "سيتيزن لاب" قد تعقّب البرنامج واكتشف أنه يعود إلى شركة خاصة وهي "مجموعة إن أس أو" الإسرائيلية الغامضة. (يتكون الاسم من الأحرف الأولى من أسماء مؤسسي الشركة الثلاثة). وبطريقة ما، تمكنت هذه الشركة الصغيرة نسبيًا من العثور على ثغرة في أجهزة آيفون الجوالة التي تُعتبر من بين أكثر الأجهزة الخليوية أمنًا في العالم، وقد طورت برنامجًا لاستغلالها – وهي عملية مكلفة للغاية وتستغرق وقتًا طويلاً. وفي هذا السياق، كتب باحثو معهد "سيتيزن لاب" في تقريرهم: "لسنا على علم بأي حالة سابقة تم فيها اختراق نظام حماية أجهزة آيفون عن بُعد ليُستخدم كجزء من حملة هجومية موجّهة".
وتُعد إسرائيل رائدةً على المستوى العالمي في قطاع التكنولوجيا السيبرانية الخاص، حيث تملك على الأقل 300 شركة تغطي كافة المجالات بدءًا من الأمن المصرفي وصولاً إلى الدفاع عن البنية التحتية الحيوية. ولكن في حين أن معظم هذه المؤسسات تهدف إلى حماية الشركات من الهجمات الإلكترونية، استغل بعضها هذا الخط الرفيع الفاصل بين القدرات الإلكترونية الدفاعية وتلك الهجومية لتزويد العملاء بخدمات أكثر شرًا. ففي حالة منصور، يُعتقد أن الإمارات العربية المتحدة قد استخدمت أدوات زوّدتها بها شركة "إن أس أو" لمراقبة أشهر المعارضين في البلاد. (ويقضي منصور الآن حكمًا بالسجن لمدة 10 سنوات بسبب نشره "معلومات كاذبة" على حساباته الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي). وفي هذا الإطار، كتب الباحث في مجال السياسات في مؤسسة "راند" ساشا رومانوسكي العام الماضي أنّ "هذه الشركات تقوم بتطبيق تقنيات متطورة أو ربما أكثر تعقيدًا من وكالات الاستخبارات الأمريكية".
ولا تزال خصخصة هذه القدرة الهجومية في مراحلها الأولى. إلا أنها تثير مخاوف واسعة بشأن انتشار بعض الأدوات بالغة القوة وبشأن الطريقة التي تفقد بها الحكومات القدرة على احتكار استخدامها. فعندما تستخدم الأطراف الفاعلة في الدولة الأسلحة الإلكترونية، يكون هناك على الأقل إمكانية التنظيم والمساءلة. ولكن عندما تكون الشركات الخاصة هي الفاعلة، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا. وفي هذا الصدد، تمثّل إسرائيل حالة اختبار جيدة. فهي تقدّم إمدادات ثابتة من مشغلي الإنترنت ذوي الكفاءات العالية الذين يتعلمون المهارة هذه أثناء خدمتهم العسكرية في واحدة من نخبة وحدات الاستخبارات في البلاد - والوحدة 8200 هي الأشهَر بينها – وينتقلون بعد ذلك للعمل في الشركات الخاصة. وقال نداف زافرير، وهو جنرال متقاعد وقائد سابق للوحدة 8200، إنّ الجنود الذين يقضون وقتًا في الخدمة لحماية إسرائيل من الهجمات الإلكترونية ينتهي بهم الحال في معرفة كيفية مهاجمة الطرف الآخر. وأضاف، "من أجل سد الثغرة بين الدفاع والهجوم، يجب أن يكون لديك عقلية المعتدي".
ولم تكن قضية منصور مسألةً منفردة. فوفقًا لمعهد "سيتيزن لاب"، تم استهداف نحو 175 شخصًا من قِبل برامج التجسس التي طورتها مجموعة "إن أس أو" منذ عام 2016، ومن بينهم ناشطون في مجال حقوق الإنسان ومعارضون. ويشار إلى أن شركات إسرائيلية أخرى توفّر منتجات مماثلة. وفي هذا الإطار، قال نيمرود كوزلوفسكي، وهو أستاذ مساعد في "جامعة تل أبيب" ومحامٍ متخصص في الأمن السيبراني: "ما من طريقة أخرى، فمن أجل تأمين الدفاع للشبكة، ينبغي تحديد نقاط الضعف". ثم أضاف: "لقد تم إنشاؤها بناءً على معرفة [إسرائيل] المتعمقة بمكامن الضعف والطرق الهجومية هذه. فنحن على دراية تامة بالأهداف".
فلنأخذ على سبيل المثال أشهر هذه الأهداف المزعومة، أي الهجوم الذي نفذته الوحدة 8200 بالتعاون مع "وكالة الأمن القومي" الأمريكية في عامي 2009 و2010 على منشأة إيرانية لتخصيب اليورانيوم في نطنز. لقد تمكنت الوحدة من نشر فيروس حاسوبي - يطلق عليه اسم "ستوكسنت" – داخل المرفق على الرغم من وجود فجوة هوائية هناك، أي أن المرفق كان منفصلًا عمليًا عن شبكة الإنترنت الواسعة. واستهدف الفيروس نظام التشغيل لأجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم، ما أدى إلى جعلها تتحرك بوتيرة خارجة عن السيطرة وتكسّرها. وعلى ما يبدو، تم اختراق نظام المراقبة أيضًا، إذ لم يلاحظ الإيرانيون بدايةً الضرر الذي كان يحدث.
ولعله ليس من الصدفة أن الكثير من منتجات شركات الدفاع الإلكتروني الإسرائيلية يهدف إلى إحباط الهجمات التي تكون على نمط "ستوكسنت" والتي تهاجم البنية التحتية الحيوية. فتضم هذه الشركات شركة "أبيريو سيستمز" التي يرأسها ضابط مخابرات سابق يدعى ليران تانكمان والتي طورت منتجًا يكتشف التلاعب بالبيانات - "آلة الحقيقة"، كما يسميها تانكمان - في قراءات المستشعِرات في المنشآت الصناعية.
وبالرغم من أن "ستوكسنت" فيروسًا قديمًا ولا يُعمل به الآن سوى كأداة تحليلية، بات اليوم مصدر اهتمام الخبراء في هذا المجال، وذلك لسبب وجيه: لقد كان هجومًا إلكترونيًا ناجحًا للغاية ضد جهة تابعة للدولة، وقد تسبب بأضرار مادية فعلية. وفي هذا الصدد، قال الخبير غابرييل أفنر، وهو مستشار الأمن الرقمي في إسرائيل، "إن عقدًا واحدًا من الزمن في التكنولوجيا هو دهر". ففي أيامنا هذه، تتزايد الهجمات السيبرانية، بحسب ما قال زافرير، وهو القائد السابق للوحدة 8200 ويدير اليوم شركة "تيم 8"، وهي شركة تجمع بين صندوق للمشاريع الرأسمالية وحاضن ومختبر للأفكار. أمّا التطور الذي يقلقه ويقلق وخبراء آخرين فهو انتشار إنترنت الأشياء.
وفي هذا الصدد، قال الخبير بالمسائل المتصلة بالفضاء الإلكتروني في "جامعة هارفارد" بروس شناير: "لقد تحول كل شيء إلى حاسوب: الهاتف والثلاجة وجهاز الميكروويف والسيارة". وتكمن المشكلة في أن شبكة الإنترنت، التي ظهرت في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، قد صُمّمت من دون مراعاة المسألة الأمنية. لذلك، يتسابق الجميع الآن إلى سدّ الثغرات في أنظمة المعلومات (مثل البرمجيات) وأنظمة التشغيل (مثل المنشآت الصناعية المادية) قديمة الطراز أو المكتوبة بشكل سيئ أو غير الآمنة. ثم أضاف شناير، وهو أيضًا مؤلف كتاب "انقر هنا لقتل الجميع: الأمن والصمود في عالم شديد الاتصال: "الهجمات أصبحت أسرع وأسهل وأفضل".
فهل يعني ذلك أننا هالكون جميعًا؟ الإجابة المختصرة هي لا – أو أقله ربما لا. فحتى الآن، إذا وضعنا "ستوكسنت" جانبًا، تُعد الهجمات الإلكترونية الأكثر نجاحًا هي تلك التي استهدفت أوكرانيا وإستونيا وتسببت في أضرار مادية واسعة النطاق. وعلى الرغم من أن هذه الهجمات، التي استهدفت شبكات الطاقة والمؤسسات المالية والوزارات الحكومية، قد تسببت بأضرار فادحة، تم تحديدها ومعالجتها بسرعة نسبيًا. ولم يحصل أي من سيناريوهات "يوم القيامة" التي يرغب بعض الخبراء أو النقاد في التحذير منها - مثل سيطرة المتسللين على سلاح نووي أو طائرة تجارية أو برامج ضارة تتسبب في انهيار وول ستريت.
ويعود ذلك جزئيًا إلى أنه "سيتوفر دائمًا للمتسللين الذين ترعاهم الدولة الموارد التي يحتاجونها"، بحسب تانكمان. "إنما المهم هنا هو إلى أي مدى يسبق القطاع العام [الجهات غير التابعة للدولة]. لن يكون هناك أي "سلاح نووي سيبراني" خلال سنة أو سنتين من اليوم، إذ تكمن المسألة في وتيرة التطور بين المهاجمين والمدافعين. فعليك أن تعمل بدون توقف".
وإذا كان جزء من الخطر نابع من الخط الضبابي الذي يفصل بين الدفاع السيبراني والهجوم السيبراني، يأتي جزء آخر من التمييز شبه المعدوم بين المجالين الالكترونيين العام والخاص. ففي تموز/يوليو على سبيل المثال، أصدرت السلطات الإسرائيلية لوائح اتهام عدة ضد موظف سابق في مجموعة "إن أس أو" ادّعت فيها أنه سرق معلومات حساسة ومسجّلة الملكية وهو في طور مغادرته الشركة. غير أن الموظف الذي لم يُكشف عن اسمه اتُهم أيضًا بمحاولة تقويض الأمن القومي: فقد حاول على ما يبدو بيع المعلومات بمبلغ قدره 50 مليون دولار أمريكي في عملة مشفرة إلى مشترٍ أجنبي على الشبكة المظلمة، وهي جزء شاسع من الانترنت وغير ظاهر يتعذر الوصول إليه من خلال محركات البحث العادية.
ولا تشكّل هذه الحادثة التي كشفتها الشركة بسرعة إلا حالة واحدة من بين العديد من الحالات التي توضح مدى ارتباط المجالين الخاص والعام في الحرب السيبرانية. فالقدرات التي كانت تخص الحكومات وحدها تجد اليوم طريقها إلى الشركات خاصة التي غالبًا ما تكون مجرمة.
وأصبحت شيفرة فيروس "ستوكسنت" متاحةً للعلن الآن. ففي عام 2013، سرق متسللون – يُعتقد أنهم من الجنسية الروسية - سلاحًا إلكترونيًا طورته "وكالة الأمن القومي" مستغلةً نقاط الضعف في "مايكروسوفت ويندوز" ونشروه على الانترنت. وفي أيار/مايو 2017، استخدم متسللون آخرون - ربما من كوريا الشمالية – هذا السلاح لإطلاق هجوم فيروس الفدية على صعيد العالم. ويُعتقد أن الهجوم الذي حمل اسم "واناكراي" قد أصاب 200 ألف حاسوب في أكثر من 150 دولة، ومنها أجزاء رئيسية من "دائرة خدمة الصحة الوطنية البريطانية"، قبل أن يتم إيقافه. وفي قضية منفصلة في عام 2013، أثبتت شركة "مانديانت"، وهي شركة خاصة للأمن السيبراني في الولايات المتحدة، أن المتسللين الذين يعملون لصالح الجيش الصيني يستهدفون الشركات الأمريكية والوكالات الحكومية. وفي عام 2015، قامت وحدة 8200 بحسب التقارير باختراق شركة "كاسبرسكاي لاب" الرائدة عالميًا في برامج مكافحة الفيروسات، كما اكتشفت أن الشركة الخاصة كانت تعمل كبوابة خلفية للمخابرات الروسية إلى عملائها، ومن بينهم أكثر من ٢٠ وكالة حكومية أمريكية.
وفي هذا السياق، قال جنرال إسرائيلي متقاعد ومؤسس شركة "بلو أوشين تكنولوجيز" المتخصصة بالهجمات الالكترونية رامي بن أفرايم: "في العالم المادي للحروب، لطالما عُرف بوضوح ما هو عام: أي الدبابات والقبة الحديدية (أنظمة الدفاع الصاروخي) وطائرات أف- ١٦. وتابع: "أمّا في العالم السيبراني اليوم، فالأمر معقد"، إذ يمكن أن تكون البنى التحتية الحيوية، مثل مرافق الطاقة أو محطات معالجة المياه، مملوكةً للقطاع الخاص، كما هو غالبًا الحال في الولايات المتحدة. ولكنها قد تتسبب في أضرار تطال البلد بأكمله إذا ما تعطلت أنظمتها. وكذلك، تمرّ رسائل تعبئة قوات الاحتياط الإسرائيلية في أوقات الحرب عبر شبكات الاتصالات الخاصة. كما أن إنترنت الأشياء - التي ربطت الكثير من منتجاتنا الاستهلاكية - قد خلقت أيضًا نقاط ضعف هائلة.
وأضاف بن أفرايم، وهو طيار حربي سابق: "إذا كنت ترغب في إنزال طائرة، وإذا كنت ترغب في الحصول على قوة جوية، فأنت لا تدخل من الباب الأمامي، أي قمرة القيادة، بل تنال من المطار والأنظمة اللوجستية. وتذهب خلف أجهزة الآيباد التي يأخذها معهم الطيارون إلى منازلهم". وأضاف بن أفرايم، لم يعد هناك "كيانات قائمة بذاتها –فكلّ شيء أصبح جزءًا من شبكة". وحسبما أخبرني نائب وزير الدفاع في ليتوانيا إدفيناس كيرزا في الخريف الماضي في العاصمة فيلنيوس، في إشارة إلى الإجراءات الروسية ضد الدول السوفيتية السابقة الأخرى: "إن الهجمات تأتي من الداخل – المصارف في تراجع والحكومة غير مستجيبة وهناك حالة عدم استقرار عام..."لا فرق إن تم تحصين الحدود"، كما يقولون، "فنحن سنأتي من الداخل".
قد اختارت إسرائيل على سبيل المثال مكافحة المشكلة على مستوى الدولة عن طريق ربط المجالين العام والخاص، وأحيانًا بكل ما للكلمة من معنى. فمركز البلاد للفضاء السيبراني في مدينة بئر السبع الجنوبية لا يضم حرم التكنولوجيا الجديد التابع للجيش الإسرائيلي فحسب، بل أيضًا مجمع شركات ذات تقنيات عالية ومركز النقب للأبحاث السيبرانية التابع لـ"جامعة بن غوريون" و"المديرية السيبرانية الوطنية" التي تتبع مباشرةً مكتب رئيس الوزراء. وقال المستشار الأمني أفنير بإصرار: "هناك جسر مادي بينهما".
وفي عالم أطلقت فيه مؤخرًا وكالة الأمن الداخلي الإسرائيلية، الشاباك، برنامجًا خاصًا يسرّع بدء التشغيل، فإن التعاون بين المجالَين العام والخاص سيزيد. ففي الواقع، عليها أن تتعاون لتواكب التطورات السريعة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وإنجازات أخرى في القدرات الحاسوبية.
ولم تقم الحرب الالكترونية بتعتيم الخط الذي يفصل بين الهجوم والدفاع فحسب، بل أيضًا مفهوم الملكية السيادية في ما يتعلق بالتطور التكنولوجي - وبالتحديد ما يشكل بالضبط شركة إسرائيلية (أو أمريكية أو صينية). لقد حجبت الإنترنت الحدود، والحرب السيبرانية ليست مستثناة. وكما قال شناير من جامعة هارفارد: "تُصنع الرقائق في (أ) وتُجمّع في (ب) وتكتب البرمجيات في جميع أنحاء العالم من قِبَل 125 فردًا من جنسيات مختلفة". وتبدو هذه الانسيابية شائعةً بشكل خاص في إسرائيل، حيث أنشأت الشركات الأجنبية، التي تملك أموالاً طائلة، مراكز متقدمة لأنشطة الأبحاث والتطوير واشترت الشركات الناشئة المحلية.
وفي حين أن الطبيعة الدولية لتكنولوجيا الحاسوب تعود بفوائد كثيرة، تعقّد عملية التحقق من مصدر الهجوم السيبراني. وبالتالي، إنّ غياب تحديد المصدر يصعّب استجابة الحكومات، وعدم وجود تهديد بالانتقام يجعل الردع عسيرًا، إن لم يكن مستحيلاً. وكتب ديفيد سانجر في مقال نُشر في صحيفة "نيويورك تايمز" مقتبسًا من كتابه "السلاح الأمثل: حرب وتخريب وخوف في عصر الإنترنت": "إنّ السبب في ظهور الأسلحة السيبرانية كأدوات فعالة لكافة الدول مهما كان حجمها يكمن في كونه طريقةً للعرقلة وممارسة السلطة أو النفوذ من دون إشعال حروب ومعارك قتالية".
وفي حين أن القطاع الخاص قد يكون قادرًا على دفع رواتب أعلى لشعبه، ما يجعله يجتذب المواهب والبراعة التكنولوجية، لا تزال الحكومة تحمل ورقةً رابحةً واحدة: القانون. وهذا ما يعيدنا إلى مجموعة "إن أس أو" ومنصور، المعارض الإماراتي. فمن أجل أن تبيع مجموعة "إن أس أو" بشكل قانوني السلاح السيبراني الهجومي الذي استُخدم لاستهداف منصور، كانت بحاجة إلى تصريح من ضابط منظم تصدير الأسلحة الإسرائيلي الموجود في وزارة الدفاع. بهذه الطريقة على الأقل، يتم تنظيم الأسلحة السيبرانية بشكل صارم مثل أنظمة الأسلحة الأخرى التي يبيعها الإسرائيليون لحكومات أجنبية، وحيث لا يكون التعامل إلاّ مع الحكومات. 
وفي هذا الإطار، قال يوفال ساسون، وهو شريك متخصص في تصدير الدفاع في شركة المحاماة "ميتار" الرائدة في إسرائيل: "إن بيع أنظمة كهذه إلى مؤسسات غير حكومية، مثل شركة أو أصحاب نفوذ سياسي غير قانوني إطلاقًا. وتمامًا مثل بيع طائرة بدون طيار أو رشاش، ينظر الضابط المنظم إلى المستخدم النهائي: أي هوية الحكومة وأعمالها. فالأداء الوظيفي اختبار محوري". وفي حالة الإمارات العربية المتحدة ومنصور، نصح بعض المسؤولين في مكتب المنظّم بعدم بيع هذا النظام لدولة عربية، وفقًا للصحيفة اليومية الإسرائيلية "يديعوت أحرونوت". وأفادت بأن الأسلحة الإلكترونية التي وافق عليها المنظمون أخيرًا كانت أضعف من تلك التي اقترحتها شركة "إن أس أو" وقالت إن بعض المسؤولين في وزارة الدفاع يعارضون الصفقة لأن التكنولوجيا كانت تُباع إلى بلد عربي. ونقلت الصحيفة عن مسؤول رفيع المستوى في الوزارة قوله: "من العار أن يمنحوا تصريحًا كهذا".
وقالت شركة "إن أس أو" في بيان لها إنها تمتثل لجميع القوانين ذات الصلة وإنها "لا تشغّل البرنامج لعملائها، وإنما تطوره فقط". قد يكون هذا الفارق مجرد خدعة، ولكنه يقدم مثالاً آخر على الإشكالات المتعلقة بمسألة الدفاع والهجوم، والخاصة والعامة: فيمكن استخدام الأدوات السيبرانية الخاصة نفسها التي تم توظيفها ضد أعداء الدولة مثل الصحفيين والمعارضين، لاعتراض سبيل تجار المخدرات والإرهابيين أيضًا. ففي الواقع، في عام 2016، استعان مكتب التحقيقات الفيدرالي بشركة إسرائيلية منفصلة تُدعى "سيلبريت" لفتح جهاز آيفون الخاص بأحد الإرهابيين المتورطين بتنفيذ هجوم سان برناردينو في كاليفورنيا عام 2015، حيث استخدمت الشركة أداةً سيبرانيةً جديدةً لفتحه بعد أن رفضت شركة "آبل" أن تقوم بذلك. ويقال إن "سيلبريت" تبيع منتجاتها في أكثر من 100 بلد.
وفي حين أن بعض المنتقدين يلومون إسرائيل على السلوك المارق، فإن البلاد ليست بعيدة عن ذلك. فلا يوجد في التجارة العالمية للأسلحة إلاّ قلة من الأولياء، حتى بين الديمقراطيات الغربية. ومن مصلحة الشركات الإسرائيلية الامتثال للقانون وتجنب التجاوزات ومنع وقوع التكنولوجيا في الأيدي الخاطئة. وعلى حد تعبير أفنر، "يمكن جني الكثير من الأموال، وبشكل قانوني. فلمَ العمل إذًا في الظلال؟"
وفي النتيجة، لم تكن "إن أس أو" تعمل في الظلال. فقد وافقت الحكومة الإسرائيلية على الصفقة التي أجرتها شركة خاصة في ما يتعلق ببيع أسلحة سيبرانية متطورة إلى حكومة عربية لديها مبادلات استخباراتية وأمنية. وكان هذا القرار رمزيًا للطريقة التي تغيرت فيها التكنولوجيا والحرب والسياسة بشكل كبير خلال سنوات قليلة فقط. ولطالما كان هناك عمليات تجسس وعمليات إعلامية وهجمات عسكرية، وكذلك الجهات الخاصة التي تبيع الأسلحة في جميع أنحاء العالم (من بينها، في العقود الأخيرة، العديد من الأفراد العسكريين الإسرائيليين السابقين). أمّا الفرق الآن فهو مدى وصول الأدوات السيبرانية الجديدة وسرعتها وانتشارها السهل. "لقد بدأ سباق التسلح السيبراني ذات الأبعاد التاريخية ولكن الخفية"، بحسب سانجر - والسباق عالمي. والجانب السلبي المحتمل واضح: سباق تسلح بدون قواعد أو معايير ومن دون خطوط أمامية واضحة. لكن لا مجال للعودة.
وقال بن أفرايم: "يجب أن نتواضع. لقد بدأنا نفهمه للتو". وأضاف: "إنها ثورة حقيقية. فقبل مئة عام، لم يكن من عنصر جوي للحرب. والآن بات عنصرًا حاسمًا لأي جيش". وقال: "الفضاء الالكتروني أكبر من ذلك حتى. اليوم، تفتح عينيك في الصباح – فتجد نفسك فيه".

نيري زيلبر زميل مساعد في معهد واشنطن ومؤلف مشارك (مع غيث العمري) للمقالة "دولة بلا جيش، جيش بلا دولة: تطور قوات أمن السلطة الفلسطينية، 1994-2018".