Friday, December 7, 2018

المجتمعات الدرزية تواجه انهيارًا إقليميًّا في النفوذ

المجتمعات الدرزية تواجه انهيارًا إقليميًّا في النفوذ

المجتمعات الدرزية تواجه انهيارًا إقليميًّا في النفوذ


متاح أيضاً في English
24 آب/أغسطس 2018
ألزمت الفوضى الإقليمية الأقليةَ الدرزية المتحفّظة إجمالًا بالظهور تحت الأضواء. ففي الشهرين الأخيريْن، أقرّت دولة إسرائيل "قانون الدولة القومية" الجديد الذي أدانه المجتمع الدرزي، وقد تزامن ذلك مع هجومٍ شنّه ما يُدعى بتنظيم "الدولة الإسلامية" على الدروز السوريين. وفي الجوار اللبناني، يواجه زعماء الطائفة عداوةً سياسيةً غير مسبوقةٍ ساهمت في تراجع الدور السياسي لهذا المجتمع في السنوات القليلة الماضية. فتُبرِز هذه الأحداث الهشاشة المتنامية للمجتمع الدرزي وتدهور سلطته، وهو تغييرٌ يرتبط على حدٍ سواء بالديناميات الإقليمية والانحسار الديمغرافي.
الدروز هم أعضاءٌ عرب إثنيون لمجموعةٍ دينية انبثقت عن حركةٍ تؤمن بالألفية في القاهرة، ويُعتبَرون فرعًا من الاسماعيليين المسلمين الذين انتشروا في سوريا بعد مواجهة القمع في مصر. ويعتقد الخبراء أن حجم المجتمع الدرزي يبلغ حاليًّا حوالى مليون عضوٍ بالإجمال ينتشرون في ثلاثة بلدان، مع أكثر من 125 ألف درزي في إسرائيل، وحوالى 250 ألف في لبنان، وحوالى 600 ألف في سوريا. أما الوضع الراهن للدروز عبر بلاد الشام فيختلف بوضوحٍ عن وضعهم في الماضي الحديث، عندما كانت المجموعات الدرزية تتمتع بنفوذٍ واستقلالٍ ملحوظيْن نسبيًّا.
بالفعل، يبدو أن الأقلية الدرزية في بلاد الشام تواجه تحدّياتٍ غير مسبوقةٍ بسبب التغيرات الإقليمية في السنوات القليلة الماضية. ففي تموز/يوليو، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا مثيرًا للجدل إلى حدٍ كبير يُعرَف بـ"قانون الدولة القومية". ونزع هذا القانون عن اللغة العربية صفتها السابقة كلغةٍ رسمية، وشدد على كون إسرائيل موطنًا للشعب اليهودي، ورسّخ في عقول الكثير من المواطنين التمييز بين المواطنين اليهود وغير اليهود. وأثار هذا القانون بشكلٍ خاص سخط الدروز الإسرائيليين، إذ اعتبروه تمييزيًا، وشنّ كبار المسؤولين الدروز من "جيش الدفاع الإسرائيلي" حملةً ضده.
تتناقض هذه الحقيقة الجديدة بشدة مع الوضع الراهن، عندما كان الدروز منخرطين إلى حدٍ كبير في جهاز الدولة. فبحسب دراسة استقصائية أجراها "مركز بيو للأبحاث"، يخدم حوالى 60 في المئة من الرجال الدروز في إسرائيل أو سبق أن خدموا في الجيش الإسرائيلي وهم يشكّلون العناصر الوحيدين من غير اليهود المجنَّدين في "جيش الدفاع الإسرائيلي". فغالبًا ما تصِف الدولة الإسرائيلية والأغلبية اليهودية الدروز بأنهم "الأقلية المفضَّلة"، وتتساوى حاليًّا ميزانيات الرواتب والتعليم في البلديات الدرزية مع المجتمعات اليهودية. ومع ذلك، في حين احتجّ آلاف الدروز في أوائل آب/أغسطس في تل أبيب ضد القانون الجديد، فهو يبقى نافذًا، ما يوحي بالتغيير المحتمل في الوضع السابق للدروز الإسرائيليين.
اختبرت المجتمعات الدرزية مصيبةً خطيرةً أخرى في الجوار السوري، حين شنّ تنظيم "الدولة الإسلامية" هجومًا إرهابيًّا على محافظة السويداء، أسفر عن مقتل أكثر من 250 شخصًا وخطف 36 على الأقل، من بينهم عددٌ كبيرٌ من النساء والأطفال. وحدث هذا الهجوم على خلفية صفقةٍ بين نظام الرئيس بشّار الأسد وتنظيم "الدولة الإسلامية"، سمحت بإخلاء مئات مقاتليه من دمشق إلى البادية وامتدادهم إلى المعقل الدرزي السوري، فازداد عدد المقاتلين في المنطقة إلى حوالى 2500.
فيما يتمتع الدروز السوريون بتاريخٍ طويلٍ من المساهمات العسكرية في سوريا، تم تجريدهم الآن من قدرتهم على الدفاع عن مجتمعاتهم. فمن الميزات الباقية في الذاكرة الجماعية، ثورة القوات الدرزية في القرن العشرين بقيادة السلطان باشا الأطرش ضد السلطات الفرنسية المحلية الإلزامية في منطقة حورانم السورية، التي أدّت إلى انتفاضةٍ على الصعيد الوطني ضد الحُكم الفرنسي.
مع ذلك، أعلَم الناشط السياسي السوري جبر الشوفي الكاتبَ بأنه قبل الهجوم، اتّهم النظام الفصائل الدرزية المناهضة للنظام، على غرار شيخ بلحوس، بالإرهاب في محاولةٍ واضحة لنزع شرعية زعماء المجتمع الدرزي. إلى ذلك، أعلم وفدٌ روسيٌّ المجتمعات الدرزية بوجوب نزع سلاح قوات الدفاع المحلية الخاصة بها وبوجوب أن يتقدّم أكثر من 54 ألف شابٍ درزي إلى الخدمة العسكرية. فتركت هذه التدابير المجتمعات مجرّدة من كافة وسائل الدفاع إزاء الهجوم وأيضًا إزاء أي هجمات مستقبلية في المنطقة.
ينضم إلى هذا الانقلاب في وضع الدروز في سوريا وإسرائيل الاقتتال المدمّر بين الزعيميْن الدرزييْن في لبنان، أي بين النائب طلال إرسلان والنائب وليد جنبلاط، على حصتيْهما من المناصب في الحكومة اللبنانية الجاري تشكيلها. وقد أدّت عائلتا إرسلان وجنبلاط النافذتان دورًا تقليديًّا مهمًّا في التاريخ السياسي اللبناني. فمن بين الإرسلانيين الذين يتحدّرون من الملوك اللخميين في القرن الثالث في جنوب العراق، الأمير توفيق إرسلان الذي كان من أهم الشخصيات خلف إنشاء دولة لبنان الكبير في سنة 1920 وابنه الأمير مجيد، وهو أحد قادة الاستقلال في البلد في سنة 1943. أمّا كمال جنبلاط، وهو عربيٌّ قوميٌّ ومناصرٌ شجاعٌ للقضية الفلسطينية، فقاد حركةً يساريةً قويةً في لبنان تنتقد النظام الطائفي اللبناني وتُعارض النظرة الغربية للطبقة السياسية المسيحية. وقد أدّى ابنه وليد لأكثر من أربعة عقودٍ دورًا محوريًّا في الساحة السياسية اللبنانية وكان يُعتبَر إلى حدٍ كبير صانع ملوكٍ في السياسة اللبنانية.
إلا أن هذا الانشقاق بين العائلتين يسلّط الضوء على وجود تدهورٍ أعمق في النفوذ السياسي الدرزي في لبنان. ويبدو أن هذا الانشقاق امتد ليطال المجموعات السياسية الأخرى، فقد أعلمت بعض المصادر في حزب "التيار الوطني الحر" المسيحي، الذي أسّسه الرئيس الراهن ميشال عون، الصحيفة اللبنانية اليومية "لوريان لو جور" بأنه سيتم ردع تشكيل الحكومة بقدر ما يلزم لتجريد جنبلاط من احتكاره للتمثيل السياسي الخاص بالمجتمع الدرزي.
ورغم أن كلًّا من هذه الأحداث الإقليمية يشكّل تحدّيًا لوجهٍ مختلفٍ من حياة المجتمع الدرزي، فهي كلّها تُظهر كيف يواجه الدروز ضغطًا متزايدًا في أوطانهم. والسببان اللذان أدّيا إلى هذا الانحدار هما: الضغوطات الإقليمية الأكبر والتحديات الداخلية. فتواجه هذه الأقلية واقع منطقةٍ ذات قطبيْن وسط صراعٍ طائفي وسياسي، يضع إيران ضد إسرائيل من جهةٍ وبلدان الخليج من جهةٍ أخرى.
في إسرائيل، اعتمد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الهاجس الأمني الإسرائيلي ليصمّم ما صنّفه البعض على أنه أهم ائتلاف يمينيفي تاريخ الدولة، ما برّر استخدام القوة غير المسبوقة ضد الاسرائيليين العرب، والزيادة الكبيرة في عدد المستوطنات، ومجموعة القرارات المثيرة للجدل التي تشمل اعتراف الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة إسرائيل و"قانون الدولة القومية".
في سوريا ولبنان، يعاني الدروز أيضًا من تداعيات الخصومة الإيرانية-السعودية التي تنعكس حاليًّا على الانقسام الديني السني-الشيعي. ففي لبنان، أدّت مواقف جنبلاط وتقلّباته السياسية المستمرة، وحملات الاغتيال المزعومة لـ"حزب الله" التي استهدفت مجموعاتٍ سورية ومناهضة لإيران، والاشتباكات بين "الحزب التقدّمي الاشتراكي" التابع لجنبلاط و"حزب الله" في سنة 2008 إلى إضعاف هذه الجماعة إلى حدٍ كبير.
وفي سوريا، لا يبدو أن المحاولات الدرزية للحفاظ على الحياد وسط النزاع الناشب تشكّل خيارًا موفّقًا في أعقاب الاعتداء الأخير الذي ارتكبه تنظيم "الدولة الإسلامية". ففيما تحمل الاعتداءات كافة علامات طريقة العمل التقليدية لتنظيم "الدولة الإسلامية"، يُظهر غياب ردة فعل النظام في خلال الاعتداء الأوّلي وقيامه في وقتٍ سابق بنزع الأسلحة الدرزية كيف أن حسابات النظام ساهمت في المجزرة الدرزية. ويبدو أن هذا التصعيد في الضغط من النظام يشكّل محاولةً لإجبار هذا المجتمع الدرزي على التّنبّه، بما أن المحافظة الدرزية سبق أن توصّلت إلى حيازة درجة عالية من الاستقلالية وإلى تفادي استهداف شبّانها في التجنيد العسكري الإجباري. فهذه الاستقلالية هي التي سمحت لهذا المجتمع بتفادي النزاع وتفادي سماته الكامنة الدينية أكثر فأكثر.
غير أن الضرر الذي لحق بمصالح المجتمع الدرزي لا ينتج فحسب عن القوى الخارجية. بالأحرى، لن يتسبب بتفاقم فقدان النفوذ السياسي للمجتمع الدرزي سوى الوقائع الديمغرافية لهذا المجتمع. فقد عمل الدروز كمجتمعٍ منغلقٍ منذ القرن الحادي عشر – إذ لا تُشارك هذه الجماعة معتقداتها الدينية مع من لا ينتمي إليها، ولا تقبل انضمام أعضاء جدد إليها. أمّا التقاليد الدرزية التي تُلزِم الأعضاء بالزواج من داخل الجماعة، والتي يتم تطبيقها أكثر في عزلة الجبال المحمية، فتفقد سيطرتها شيئًا فشيئًا على الأعضاء الشبّان فيما يتحضّر المجتمع الدرزي – مع بلوغ الأعداد 88 في المئة في لبنان. وأدّت وقائع الأنماط المعيشية الجديدة، مقترنةً بمعدّلات الولادة المنخفضة، إلى انحصار السكّان الدروز ليبلغوا نسبًا منخفضةً في بلدان سكنهم.
من خلال رفض إعادة النظر في التقاليد التي تردع استمرارية الهوية الدرزية، والسماح للانقسامات الداخلية بالحلول مكان المصالح الطويلة المدى، والفشل في تعزيز الأواصر العابرة للأقاليم، يبدو أنه مقدَّرٌ للدروز بسلوك مسار الانحدار المتواصل. ومع فقدان الزعماء الدروز النفوذ الذي طالما كان يحمي مجتمعهم، على الدروز أن يأخذوا على محمل الجد خطر الزوال الجماعي.

ضغط حزب الله لحكومة جديدة

ضغط حزب الله لحكومة جديدة

ضغط حزب الله لحكومة جديدة


Hizballah leader Hassan Nasrallah and bodyguards
متاح أيضاً في English
27 تشرين الثاني/نوفمبر 2018
على الرغم من محاولة التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة في البرلمان اللبناني في أواخر تشرين الأول/أكتوبر، زاد "حزب الله" الآن من مطالبه المتعلقة بتمثيل حلفائه السنّة في الحكومة الجديدة. وقد أدى هذا الشرط الجديد إلى تجدد الجمود السياسي في تشكيل الحكومة اللبنانية المشلولة لمدة سبعة أشهر. ولا يجب تفسير مطالب "حزب الله" المتزايدة على أنها مجرد خدعة محلية للمساومة، بل هي استجابة مباشرة للتصعيد الدولي الأكبر ضد طهران والمجموعة اللبنانية المسلحة.
ويوضح موقف "حزب الله" الجديد كيف أن المواجهة الإيرانية-الأمريكية المتنامية في جميع أنحاء المنطقة قد تتجسد على أرض لبنان. ووفقًا لمصادر قريبة من الحزب، رأت قيادة "حزب الله" قبل بضعة أشهر أنه من الأفضل خدمة مصالحها من خلال تشجيع مختلف الفرقاء اللبنانيين على التوصل إلى اتفاق حول تشكيل الحكومة، بصرف النظر عن الحصص التي سيحصل عليها حزبه وحلفاؤه. وفي ذلك الوقت، شكّلت التوقعات الاقتصادية الكارثية المحلية والعقوبات المتزايدة دوافع قوية لـ"حزب الله" لإعطاء الأولوية للشرعية الدولية التي لا يمكن أن توفرها سوى حكومة يقودها الحريري.
إلا أنّ تصاعد الضغوطات الممارسة على "حزب الله" وداعمته إيران - ولا سيما إعادة فرض العقوبات التي تستهدف إيران في تشرين الثاني/نوفمبر، والتي تضم عددًا من شركائها التجاريين وتستهدف القطاعات الاقتصادية الرئيسية في إيران مثل صادرات النفط والشحن والمصارف - يدفع "حزب الله" إلى إعادة النظر في خطته السابقة للتغلب على القيود الاقتصادية الوشيكة. ومن الأمور الحاسمة لإعادة الحسابات هذه هي الرغبة الواضحة من جانب المصارف الأوروبية في الامتثال لسياسة العقوبات الأمريكية على الرغم من تصريحاتالاتحاد الأوروبي التي يعرب فيها عن "أسفه الشديد" إزاء العقوبات. ويبدو الآن أن "حزب الله" يشعر بالقلق من أنه حتى الحكومة التي يقودها الحريري لا يمكنها تزويد المجموعة شبه العسكرية بالغطاء الدولي الذي كانت تأمل به، وأن تعزيز موقفها داخليًا هو مناورة سياسية داخلية أكثر فاعليةً في الوقت الحاضر.
ونتيجةً لذلك، عمد "حزب الله" إلى تغيير تكتيكاته. وبات يعمل جاهدًا الآن لضم الحلفاء السُنّة إلى مجلس الوزراء اللبناني ليحلوا محل حصة الحكومة التي كان من المتوقع سابقًا أن تكون لحلفاء رئيس الوزراء السني ورئيس "تيار المستقبل" المعارض لـ"حزب الله" سعد الحريري.
وقد طلب "حزب الله" تعيين ستة نواب متحالفين معه ويضمون وزير الثقافة السابق عبد الرحيم مراد، وعدنان طرابلسي، والعضو في كتلة "حزب الله" وليد سكرية، والعضو في كتلة حركة "أمل" الشيعية قاسم هاشم، وجهاد الصمد، وفيصل كرامي من تيار "المردة" المقرب من "حزب الله".
وسيسمح وجود هؤلاء الحلفاء في الحكومة لـ"حزب الله" بالتحكّم بمالية الحكومة بشكل أكبر، وهو احتمال جذاب بشكل خاص نظرًا للمخاوف من تراجع الدعم المالي لـ"حزب الله".وقد تؤدي المشاكل المالية الإيرانية الأوسع نطاقًا إلى فرض قيود على تمويلها لـ"حزب الله"، الأمر الذي من شأنه أن يفاقم المشاكل المالية العامة للحزب.
وتفيد مصادر قريبة من المنظمة بانخفاض كبير في الخدمات المقدمة. وهذا يمكن أن يفسّر طلب "حزب الله" استلام حقيبة وزارة الصحة، إذ يتزايد عجز المجموعة عن تغطية نفقات الرعاية الصحية الخاصة بها. وفي هذا الإطار، أشار منير الربيع، وهو كاتب عمود في صحيفة "المدن" حول "حزب الله" والسياسة اللبنانية، إلى أن المجموعة المسلحة كانت أيضًا تغلق بعض مكاتبها أو تنتقل إلى مكاتب أصغر لتخفيض نفقاتها.
وتؤثر هذه المشاكل المالية سلبًا على المنظمة على الرغم من قوتها العسكرية. فمع السيطرة على الوزارات الحكومية، مثل وزارة الصحة المذكورة أعلاه، قد يتمكن "حزب الله" من إسناد التزامات مالية إلى مؤيديه. ومن المرجح أيضًا أن تعيق حكومة مؤيدة لـ"حزب الله" اعتماد العقوبات أو تنفيذ التدقيق المفروض على المنظمات المستهدفة.
وفي خطاب ناري، أكّد الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله أن الحزب لا ينوي التراجع عن هذا المطلب، مشددًا على أنه لن يتوقف عن دعم حلفائه "مهما طالت قضيتهم". وكذلك أتهم السيد حسن نصرالله خطاب رئيس الوزراء بـ"التحريض الطائفي" وبأنه لن يؤدي إلى أي نتيجة.
وفي هذا الصدد، يقول الربيع: "كلما شعر "حزب الله" وإيران بأنهما الضحية، زادا من تطرّف مواقفهما"، مضيفًا أن "الضغط السياسي الذي يمارسه "حزب الله" مؤخرًا يهدف إلى إعطاء الأمل لقاعدته الشعبية والشعور بالقوة".
وإن مطالب نصرالله السياسية التي تسمح للحزب بالتعبير عن حس بالقدرة السياسية توفر له أيضًا نفوذًا سياسيًا حقيقيًا قد يؤدي إلى دفع معارضيه، مثل الحريري، إلى التفاوض. فهذا التهديد فعال بشكل خاص نظرًا للخوف السياسي الأوسع من التصعيد في بلد مستقر نسبيًا في الوقت الحالي.
وليس التصعيد بالتهديد الفارغ. فبفضل سوريا، تحولت المنظمة من مجموعة متمردة إلى مجموعة شبه عسكرية أكثر تقليدية وأكبر حجمًا، وأصبحت الآن قادرة على القيام بتكتيكات مناورة أكثر فتكًا وعمليات منسقة. كما عززت المنظمة أسلحتها المتقدمة خلال السنوات العشرة الماضية. وتفيد التقارير بأن "حزب الله" يملك أكثر من 130 ألف صاروخ وقذيفة، ومن بينها الصواريخ البالستية الموجهة المجهزة برؤوس حربية كبيرة. لذا، يمكن لأزمة مالية طويلة المدى أن تحوّل "حزب الله" إلى أسد محاصَر – حيث يمكن لقوته العسكرية وهشاشته المالية المحتملة أن تدفعه إلى استخدام العنف بكل سهولة.
وبعيدًا عن تزايد المخاوف المالية، من المرجح أن يرى "حزب الله" فرصةً حقيقية في الدعوة جهارًا للضغط من أجل زيادة حصة حلفائه السنّة في الحكومة. فالمملكة العربية السعودية، التي قدمت قوى موازنة للنفوذ الإيراني في لبنان من خلال دعمها لـ"تيار المستقبل" الذي يتزعمه الحريري، أصبحت في الآونة الأخيرة غارقةً في سلسلة من الفضائح السياسية والخارجية، وآخرها عملية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي المنسوبة إلى المقربين من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ويعتقد "حزب الله" الآن أنه من المستبعد أن تتدخل المملكة في شؤون لبنان أو أن تستفيد من موقف "حزب الله" الضعيف نظرًا لوضعها السياسي الداخلي.
وعلى وجه التحديد، فإن العزل المتزايد للمملكة العربية السعودية – وهي الداعمة التقليدية للمجتمع السنّي في لبنان - يسمح لـ"حزب الله" بالاستفادة من مكاسبه البرلمانية التي تزوّده الآن بالأغلبية الساحقة مع انخفاض خطر الاستجابة الإقليمية. وعليه، يريد "حزب الله" فك قبضة الحريري عن الطائفة السنية. وفي هذا السياق، يؤكّد الربيع أنه من خلال الترويج لتعيين الوزراء السنّة الذين يتعاطفون مع قضيتهم، يعمل "حزب الله" على بناء قاعدة شعبية في ملعب "تيار المستقبل" التقليدي.
وتجدر الإشارة إلى أن الوزارات في لبنان تسمح للفصائل السياسية بإنشاء شبكة من الموالين من خلال السماح للذين يسيطرون على الوزارة بتوفير فرص عمل وعقود مثمرة مع الدولة. فإن انقسام المجتمع السني وتجزئة المشهد السياسي في لبنان سيكون مفيدًا إلى حد كبير لـ"حزب الله". وعلى عكس خصومه السياسيين، حافظ "حزب الله" على احتكار الدعم داخل مجتمعه. ويعود الفضل إلى حدٍ كبير إلى التأييد الشعبي الواسع الذي يتمتع به "حزب الله" والدعم المتواصل من حركة "أمل" الشيعية.
وفي هذا الصدد، يرفض الحريري وحلفاؤه السياسيون علنًا مطالب "حزب الله" السياسية الجديدة. وقال النائب السابق والعضو في "تيار المستقبل" الدكتور مصطفى علوش في مقابلة مع الكاتب: "إنّ رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري لن يتراجع أبدًا وقد استبعد تخصيص أي من مقاعده الوزارية لحلفاء "حزب الله"". وإذا كان كل من الحريري و"حزب الله" متمسكَين بالمواقف التي يعبران عنها حاليًا، فإن هذه المسألة قد تؤدي إلى استمرار الشلل في تشكيل الحكومة.
ومن جهة أخرى، يمكن التوصل إلى حل شكلي من أجل تشكيل الحكومة كما هو الحال غالبًا في لبنان. فعلى سبيل المثال، يمكن للرئيس ميشال عون، وهو حليف لـ"حزب الله"، أن يخصص إحدى وزاراته لحلفاء "حزب الله"، الأمر الذي سيحول دون فقدان الحريري التأييد الذي يحظى به في الحكومة بشكل مباشر.
ومع ذلك، فإن التوافق السياسي العام لمجلس الوزراء الجديد هو الذي سيقرر على الأرجح ما إذا كانت الحكومة اللبنانية ستنضم إلى المحور الإيراني السوري أم ستحاول الحفاظ على مظهر الحيادية. وباعتبار أنّ الحريري غير قادر على حماية "حزب الله" بغطاء من الشرعية، لم يعد "حزب الله" بحاجة إلى الحريري. وبالنظر إلى ميزان القوى الحالي في لبنان الذي يميل لصالح "حزب الله" إلى حد كبير، يزداد احتمال الاستجابة إلى هذه المطالبة بالسلطة في الحكومة اللبنانية.

ليس هناك سبب يحول دون تحقيق الكونغرس الأمريكي والرئيس ترامب أهدافهما الخاصة بالسعودية

ليس هناك سبب يحول دون تحقيق الكونغرس الأمريكي والرئيس ترامب أهدافهما الخاصة بالسعودية
صفحات رأي ومقالات

ليس هناك سبب يحول دون تحقيق الكونغرس الأمريكي والرئيس ترامب أهدافهما الخاصة بالسعودية

 "واشنطن بوست"
29 تشرين الثاني/نوفمبر 2018
تجسّد السياسات - وليس فقط السياسة - حالة انقسام حادة اليوم. فيصبح كل خيار مزدوجاً من دون وجود أي حل وسطي.   
رداً على مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، يتعين على الولايات المتحدة إما معاقبة السعودية ومحاولة إرغام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على التخلي عن السلطة، أو ببساطة نسيان الأمر لأن مصالح واشنطن في المملكة كبيرة للغاية. وقد اختار الرئيس ترامب المسار الأخير، متغاضياً عن القيم الأمريكية من خلال الإعلان أن مصالح الولايات المتحدة في السعودية أكثر أهميةً مما إذا كان ولي العهد قد أعطى الأمر باغتيال أحد الصحفيين. 
للأسف، إن أي رئيس أمريكي منذ فرانكلين ديلانو روزفلت لم يجعل القيم جزءاً أساسياً من مقاربة واشنطن إزاء المملكة. بل على العكس، كل واحد منهم - على غرار ترامب - فضّل المصالح الأمريكية المحددة على نحو ضيّق. وصحيح أنهم كانوا أقل فظاظة من الرئيس الحالي، لكن النفط والأمن كانا يشكّلان علامات مميزة في سياسة واشنطن، وقد غضت الولايات المتحدة الطرف عن سياسة السعودية المحلية وتمويل المدارس الدينية المتطرفة على المستوى الدولي.     
ويأمل الكثيرون في الكونغرس الأمريكي الاستفادة من مقتل خاشقجي للتشدد في مقاربة واشنطن إزاء السعودية. لكن نظراً إلى اعتقاد ترامب بأن السعوديين مهمون للغاية بالنسبة إلى أسعار النفط والوظائف الأمريكية، ستكون مهمتهم عسيرة. مع ذلك، سيحاولون فرض عقوبات إضافية على المملكة، ربما حتى من خلال استخدام قانون ماغنيتسكي لمحاولة فرض عقوبات على ولي العهد شخصياً.  
وبدلاً من إحداث أزمة، على الكونغرس أن يسأل ما الذي يتوجب على الولايات المتحدة السعي إلى تحقيقه. وثمة هدفان أساسيان: أولاً، توجيه رسالة مفادها أنه تماماً كإقدام روسيا على تسميم عميل سابق في بريطانيا، فإن إقدام السعودية على قتل صحفي منشق هو أمر غير مقبول؛ فالمعايير العالمية مهمة، وعند انتهاكها يجب أن يدفع الفريق المخالف الثمن.   
ثانياً، التأثير على سلوك ولي العهد في المستقبل. يجب ألا يتمثل الهدف بالعقاب لإثبات وجهة نظر فحسب ولكن أيضاً الاقتصاص من القيادة السعودية وحثها على اعتماد سياسات مدروسة بشكل أكبر، لا سيما نظراً إلى احتمال بقاء ولي العهد في السلطة لسنوات كثيرة بعد.    
ويتطلب كل هدف من الرئيس ترامب والكونغرس التوصل إلى مقاربة مشتركة، وقد لا يكون ذلك بعيد المنال كثيراً. إن فرض عقوبات على ولي العهد لن يجمع الأصوات الضرورية لإبطال فيتو رئاسي، لكن تعليق بيع بعض الأسلحة إلى السعوديين سيسفر عن أغلبية ساحقة من الحزبين. ولن يرغب ترامب في أن يتمّ تخطّيه. فضلاً عن ذلك، يمكنه أن يبرّر أنه درأ بعض الإجراءات الصارمة وتمكن في الوقت نفسه من منح السعوديين أنظمةً مضادة للصواريخ وغيرها من الأنظمة الدفاعية. ويمكن فرض عقوبة منطقية أيضاً نظراً إلى الأثر المروع للقصف السعودي في اليمن.     
ومن شأن فرض عقوبات ضمن حدود معينة أن يساهم أيضاً في تحقيق الهدف الثاني، ألا وهو حث السعودية على اعتماد سياسات أقل اندفاعاً وتهوراً. فالمساومة القديمة المتمثلة بأنهم "يحافظون على سوق نفط متوازن فيما تعتني واشنطن بأمنهم" عكست واقع أن السعوديين كانوا بحاجة إلى الولايات المتحدة كجهة ضامنة في وجه التهديدات الخارجية وما زالوا، وهذا ما يمنح واشنطن القوة.
كذلك تفيد التقارير أن ترامب غير راضٍ عن الوضع الذي وجد نفسه فيه بسبب مقتل خاشقجي وما وصفه بأنه "عملية التستر الأسوأ في التاريخ". لقد حان الوقت للذهاب إلى الملك وولي العهد وطلب "عدم القيام بأي مفاجآت أخرى". ولا يجب أن يكون السفير الذي اختاره ترامب وهو الجنرال المتقاعد جون أبي زيد وحده قادراً على النفاذ إلى الملك وولي العهد عند الضرورة، إنما تريد واشنطن أيضاً إقامة قناة للمحادثات رفيعة المستوى والمنتظمة بشأن السياسة - يجب أن يعقد وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيين اجتماعات كل ثلاثة أشهر مع ولي العهد ووزير الخارجية السعودي وأعضاء في الديوان الملكي لمناقشة القضايا والمخاوف.
وفيما عدا ذلك، حان الوقت لتصحيح السياسات المضللة التي تصعّب التصدي لسياسات إيران العدائية في المنطقة. لذا يجدر بالرئيس الأمريكي أن يقول إن الولايات المتحدة ستقدم اقتراحاً لحل الوضع المعقد بين السعودية وقطر وأنها تتوقع من السعوديين القبول به. وعلى نحو مماثل، في ما يخص اليمن، لا تكفي الدعوة إلى وقف إطلاق النار مشروط بوقف الحوثيين إطلاق النار أولاً؛ فعلى السعوديين أن يعلنوا من جانب واحد وقفاً لإطلاق النار لأسبوعين وأن يقولوا إنه قابل للتمديد إلى أجل غير مسمى إذا ما التزم الحوثيون به. بهذه الطريقة يمكن التخفيف من وطأة الأزمة الإنسانية، وقد تكون هناك فرصة أمام العملية السياسية. وإذا لم يتعاون الحوثيون، تقع حينها المسؤولية شرعاً عليهم وعلى داعميهم الإيرانيين.
وجاء مقتل خاشقجي والروايات السعودية المتغيرة كنعمة بالنسبة إلى الإيرانيين (وتركيا)، مما حوّل الانتباه عن أفعالهم الشريرة ووضع السعودية في موقف دفاعي. وإذا أرادت المملكة تغيير هذا الواقع، يتعين على ولي العهد تغيير سياسته إزاء المنشقين، وقبول المسؤولية وتغيير السياسة والأشخاص من حوله على السواء. كما عليه أن يُظهر مجدداً التزامه بالإصلاح وبالتحول الاجتماعي.
ولتحقيق هذه الغاية، على الإدارة الأمريكية الحث على اتخاذ عدة خطوات ومنها: إطلاق سراح الناشطات السجينات، ووضع حدّ لقوانين الوصاية على النساء، وتغيير الكتب المدرسية السعودية التي تواصل، كما تظهر دراسة حديثة لـ"رابطة مكافحة التشهير"، تشويه صورة اليهود والمسيحيين. ويصعب أخذ ادعاء ولي العهد بأنه يصنع مجتمعاً يقوم على المعرفة على محمل الجد في وقت لا تزال فيه الكتب المدرسية تعلّم شعارات خطيرة.
ولن ينفي أي من هذه التدابير مسؤولية السعودية عن مقتل خاشقجي، لكن هذه الإجراءات مجتمعة من شأنها أن تفرض عواقب على مقتله ومن المرجح أن تغيّر سياسات السعودية التي تدعو إلى الاعتراض - وهما هدفان يستحقان العناء.

دينيس روس هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في معهد واشنطن، وعمل سابقاً كمبعوث أمريكي رفيع المستوى للشرق الأوسط.

آليات التصدي للطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط وخارجه: تقرير تمهيدي

آليات التصدي للطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط وخارجه: تقرير تمهيدي
المرصد السياسي 3045

آليات التصدي للطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط وخارجه: تقرير تمهيدي

 3 كانون الأول/ديسمبر، 2018
"تم اقتباس هذا المرصد السياسي من الدراسة التي قدمها المؤلف في شباط/فبراير 2018 بعنوان "نظم التصدي للطائرات بدون طيار". بإمكان قراءة التقرير الكامل باللغة الانكليزية على هذا الرابط".

في الشرق الأوسط يتم تشغيل الطائرات بدون طيار من قبل العديد من الجهات الحكومية وغير الحكومية. وقد استُخدمت الطائرات التجارية الصغيرة على وجه التحديد بكثافةٍ وبتأثيرٍ عالٍ في النزاعات التي تدور حالياً في كل من سوريا والعراق وغزة واليمن. ونظراً إلى تسارع وتيرة استخدام الطائرات الصغيرة المسيّرة في النزاعات الدائرة في مختلف أنحاء العالم ولا سيما بين الجماعات غير التابعة لسلطة الدولة والتنظيمات الإرهابية، فقد لقيت مؤخراً تكنولوجيا الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة - أي الأجهزة المستخدمة للكشف عن تلك الطائرات و/أو اعتراضها - اهتماماً ملحوظاً حتى أصبحت اليوم معتمدة على نطاق واسع. ومع ذلك، لا يزال هذا المجال الناشئ يواجه عدداً من القضايا الحرجة.
وعلى الرغم من إمكانية التصدي للطائرات الكبيرة بدون طيار بواسطة التقنيات التقليدية المضادة للطائرات، إلا أن التصدي للطائرات الصغيرة المسيّرة ينطوي على تحديات متعددة. إذ يصعب رؤية هذه الطائرات بالعين المجرّدة حتى من مسافات قريبة، وهي غير قابلة للكشف بشكل عام بواسطة رادارات الدفاع الجوي المصممة أصلاً للكشف عن الطائرات الكبيرة والسريعة. وحتى عندما تكون بعض الأنظمة التقليدية المضادة للطائرات فعالة ضد الطائرات الصغيرة بدون طيار، إلا أن تكلفتها المرتفعة - مقارنة بالتكلفة المنخفضة للغاية للطائرة غير المأهولة - لا تجعلها حلاًّ مستداماً. فعلى سبيل المثال، تصل تكلفة صاروخ "باتريوت" واحد ما يقرب من مليون دولار في حين يبلغ سعر الطائرة التجارية الصغيرة بدون طيار أقل من 500 دولار.
ويتوفر اليوم في الأسواق أكثر من مائتي نوع من الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة، ووفقاً لتحليل أجراه المدير المشارك لـ "مركز دراسات الطائرات بدون طيار" دان غيتينغر، تعدّ عمليات الاستحواذ على التكنولوجيا المضادة للطائرات بدون طيار وتطويرها الفئة الأسرع نمواً في الإنفاق المتعلق بهذا النوع من الطائرات ضمن أحدث ميزانية لوزارة الدفاع الأمريكية. وفي ساحة المعركة، يتمثل الاستعمال الأكثر شيوعاً للأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة، في حماية القواعد والأساطيل العسكرية، علماً بأن هناك اهتمام متزايد بالنظام المحمول والمتنقل الذي يمكن استخدامه لحماية الوحدات البرية والمواكب. وتشمل الاستخدامات المدنية الحالية حماية الأجواء في المطارات، وتأمين الفعاليات العامة الضخمة، وحماية الشخصيات الهامة، ومكافحة التهريب في السجون، فضلاً عن حماية المرافق الحساسة وتأمين السلامة المرفئية والبحرية والأمن الشخصي بشكل متزايد.
قدرات وتحديات الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة
تستعين التكنولوجيات المضادة للطائرات بدون طيار قيد الاستخدام والتطوير حالياً بمجموعة مبهرة من تقنيات الكشف والاعتراض. على سبيل المثال، من الممكن أن تعتمد عناصر الكشف والتتبع، على الرادار، ورصد الترددات اللاسلكية، والكاميرات الكهربائية البصرية، وأجهزة الاستشعار العاملة بالأشعة تحت الحمراء، وأجهزة الاستشعار الصوتية التي تكشف الصوت المميز الذي يصدره النوع الشائع من الطائرات دون طيار، أو تعتمد في كثير من الأحيان على الجمع بين هذه المصادر. وبالمثل، تشمل طرق التصدي تشويش الصلات اللاسلكية، وتشويش أنظمة تحديد المواقع العالمية، والانتحال (تقنية للسيطرة على طائرة بدون طيار من خلال الاستحواذ على رابطة الاتصالات الخاصة بها)، وأجهزة الليزر، والموجات الكهرومغناطيسية، وأنظمة الشِّباك أو التشابك الأخرى، والمقذوفات الحركية، وثانية على الجمع بين هذه الأساليب. وقد تكون هذه الأنظمة مثبتة على الأرض أو محمولة/محمولة باليد، وفي بعض الحالات مثبتة على طائرات بدون طيار تهاجم المركبة المتطفلة على طريقة المعارك الجوية التي كانت رائجة اثناء الحرب العالمية الأولى.
وعلى الرغم من هذه الإمكانيات المتعددة، ما زالت تكنولوجيا الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة لا توفر بأي حال من الأحوال رداً كاملاً على تهديدات الطائرات الصغيرة بدون طيار. ولذلك لا بد لهذا الحقل أن يتغلب على مجموعة من التحديات الجمة في المرحلة المقبلة.
الفعالية في كشف الأهداف: لا توجد تقنية كشف واحدة بين تقنيات الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة قادرة على كشف وتعقّب كافة أنواع الطائرات بدون طيار في جميع الظروف. فالأنظمة الكهربائية البصرية لا تعمل إلا خلال النهار، في حين تحتاج الأنظمة الكهربائية البصرية والأنظمة العاملة بالأشعة تحت الحمراء، بالإضافة إلى بعض الأنظمة العاملة بالترددات اللاسلكية، إلى خط تسديد مباشر باتجاه الهدف، مما يعني أنه في حالة مرور طائرة بدون طيار خلف مبنى ما، قد لا يتمكّن الإجراء المضاد من كشفها وتعقبها. أما الرادارات المصممة لكشف أجسامٍ لها مواصفات الطائرة الاستهلاكية الصغيرة والمنخفضة والبطيئة بدون طيار فقد تعجز عن التمييز بين الطائرة بدون طيار وبين الطائر، على سبيل المثال. علاوة على ذلك، لن تستطيع أجهزة الاستشعار الصوتية كشف الأصوات المختلفة إلا تلك التي تتطابق مع ضجيج المحركات الصادرة عن النماذج المعروفة من الطائرات بدون طيار، وبالتالي من الممكن أن لا تسمع [ضجيج] الطائرات بدون طيار الجديدة أو غير المألوفة كونها غير مدرجة في مخزون بياناتها الداخلية أو تم تعديلها. وفي الوقت نفسه، قد لا تكشف الأنظمة العاملة بالترددات اللاسلكية إلا الطائرات التي تعمل ضمن نطاقات الترددات المعروفة. ونظراً إلى النمو السريع الذي يشهده قطاع الطائرات التجارية بدون طيار، تتطلب هذه الأنظمة القائمة على مخزون البيانات تحديثاً منتظماً من أجل إضافة الأنواع الجديدة التي تطرح في السوق إلى بياناتها.
التقارير الخاطئة: يجب على منظومات كشف الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة التمتع بمستوى متدنٍّ من النتائج السلبية الخاطئة والنتائج الإيجابية الخاطئة. ويعني ذلك أنها بحاجة إلى التحلي بالقدر الكافي من الحساسية للكشف عن جميع الطائرات بدون طيار العاملة ضمن نطاق العمليات، ولكن ليست حساسة للغاية إلى حدّ إنتاج عدد كبير من النتائج الإيجابية الخاطئة عبر تصنيف كل طائر وكل طائرة وكل سحابة كونها تشكل تهديداً أمنياً. وبالنظر إلى المجموعة الواسعة المستخدمة من الطائرات بدون طيار وإلى الشوائب التي تحدّ من إمكانيات منظومات الكشف المذكورة أعلاه، فإن تحقيق هذا التوازن صعب للغاية.
تمييز الاستخدام المشروع للطائرات بدون طيار: قد تضطر الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة في أماكن العمليات المستقبلية إلى التمييز بين الطائرات بدون طيار الحليفة والعدوّة. وينطبق هذا الأمر على بيئة العمليات في زمن السلم وزمن الحرب ككل، كحدث رياضي قد تكون فيه الأجواء مكتظة بطائرات تصوير جوية لا تشكل خطراً أمنياً، أو ساحة معركة يتوجب فيها على مستخدمي الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة تجنُّب إسقاط الطائرات بدون طيار الحليفة التي تعمل أيضاً في المنطقة. وفي الوقت الراهن، لم تثبت أي أنظمة مضادة للطائرات بدون طيار ومتوفرة للاستهلاك التجاري قدرتها على التمييز تلقائياً بين الطائرات المسيّرة المسالمة وتلك المؤذية.
المخاطر الناجمة عن الاعتراض (التصدي): من الممكن للطائرات بدون طيار التي يتم اعتراضها بوسائل ملموسة - كالليزر أو المقذوفات - أن تسقط على الأرض بسرعة عالية. وحتى بعض الأنظمة القائمة على الشِّباك والتي تَستخدم المظلّات لإنزال الطائرات بدون طيار الملتقطة إلى الأرض بطريقة منضبطة قد تشكل خطراً على أولئك المتواجدين على الأرض إذا تعطّلت المظلة أو كانت الطائرة المسيّرة تحمل متفجرات. ولهذا السبب، قد لا تكون التقنيات الحركية للأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة قابلة للاستخدام في المناطق المكتظة، كالفعاليات الرياضية أو البيئات الحضرية (المدن). وفي المقابل، تستطيع أنظمة التشويش - على الرغم من أنها لا تشكل خطراً مادياً - أن تعترض الاتصالات المشروعة التي تجري على مقربة من عمليات الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة (وهذا سبب عدم قانونية أجهزة تشويش الإشارة في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى).
الأنظمة المضادة للتدابير المضادة: من الممكن أيضاً أن تطرح الأساليب غير الحركية مشكلة لأسباب مختلفة. فأنظمة التشويش على الترددات اللاسلكية تعمل على تعطيل اتصالات الطائرة بدون طيار مع المشغّل، ولكن يمكن برمجة العديد من الطائرات المسيّرة للعمل بدون اتصال بالتردد اللاسلكي. وتقوم مجموعة متنوعة من الجهات العسكرية والتجارية على حد سواء بتطوير طائرات بدون طيار قادرة على العمل في أماكن لا تعمل فيها أنظمة تحديد المواقع، وبذلك تكون هذه الأنظمة مقاومة للتشويش على أنظمة تحديد المواقع العالمية. فضلاً عن ذلك، قد لا يفيد أسلوب الانتحال ضد الطائرات المزودة بنظام اتصالات محصّن، وكذلك تلك المزودة ببروتوكولات اتصالات إلّا أنه لم يتم بعد تصميم برمجيات الانتحال للتصدي لها.
الفعالية العامة: كما هو الحال في كثير من الأحيان مع التكنولوجيات الناشئة المعقّدة، هناك العديد من الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة التي لا تتمتع بالفعالية نفسها التي تسوَّق لها. على سبيل المثال، في عام 2017 أجرى البنتاغون مناورةً للتدرب على التصدي للطائرات بدون طيار دامت خمسة أيام، وقامت مجموعة متنوعة من شركات تصنيع الأنظمة الدفاعية، المتمرسة منها والناشئة، باختبار ما تنتجه من الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة على طائرات بدون طيار تعمل على مسافة 200 متر تقريباً. وأفاد المنظّمون بعد المناورة أن الطائرات بدون طيار كانت عموماً "مقاومة جداً للضرر" واستنتجوا أن غالبية الأنظمة المضادة لها بحاجة إلى مزيد من التطوير. وقد فشلت هذه الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة في العمليات الواقعية أيضاً، إذ بدا مثلاً أن عدداً من الطائرات بدون طيار قد تخطّى الأنظمة المضادة الثمانية التي تم نشرها في أولمبياد ريو عام 2016، من بينها تلك التي استخدمت خلال مراسيم الافتتاح. أضف إلى ذلك أن التطور المستمر في الطائرات بدون طيار التي تعدّ للاستخدام التجاري يطرح أيضاً تحديات لأن هذه الطائرات المسيّرة تتخذ أشكالاً جديدة بشكل متزايد وتستعين بأنظمة اتصالات وملاحة وطاقة جديدة قد تكون منيعة بوجه تقنيات الكشف والاعتراض القائمة.
غياب المعايير: لا توجد معايير دولية خاصة لتصميم واستخدام تكنولوجيا الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة. ويعني ذلك إمكانية وجود تفاوت ملحوظ بين الأداء والموثوقية والسلامة العائدة للأنظمة التي قد تبدو متشابهة على الورق. وفي أحسن الأحوال، يمكن اعتبار النظام المعطّل أو غير الفعال مجرد إهدار للموارد. وفي أسوأ الأحوال، وتحديداً في البيئة المدنية، قد يشكل النظام خطراً على السلامة العامة (على سبيل المثال، نظام تشويش موجّه يتداخل مع الاتصالات اللاسلكية في حالات الطوارئ، أو نظام حركي يخطئ الهدف المقصود).
قضايا قانونية: في الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى، من الممكن إقرار قوانين تضبط التدابير المضادة للطائرات بدون طيار أو تحظرها - كالانتحال، والاعتراض عن طريق التشويش، والكشف/التعقب عبر تحميل معلومات عن موقع الطائرة وبيانات تتبّع الاستخدامومن الممكن للأنظمة الحركية وغير الحركية أن تنتهك أيضاً "القانون الأمريكي بشأن أعمال التخريب الموجهة ضد سلامة الطائرات" الذي يفرض غرامات باهظة، بل وحتى عقوبات بالسجن على أي شخصٍ يعمد قصداً إلى "إحراق أو إلحاق الضرر أو تدمير أو تعطيل أو تحطيم أي طائرة" في المجال الجوي الأمريكي.
تكنولوجيا الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة "القديمة الطراز"
ثمة تكنولوجيات أسلحة مختلفة لم تكن مصممة أساساً للأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة، يمكن استخدامها ضد الطائرات الصغيرة بدون طيار، وقد جرى استخدامها على هذا النحو في السنوات الأخيرة. فعلى مدى العقد المنصرم، استخدمت إسرائيل في عدة حالات الصواريخ المُطلقة من مروحيات حربية ومن طائرات مقاتلة، بالإضافة إلى صواريخ أرض-جو أمريكية الصنع من نوع "باتريوت" (صُممت لإسقاط الطائرات والصواريخ)، لاعتراض طائرات بدون طيار تعود لـ «حزب الله» وسوريا وإيران كانت تُحلق فوق مجالها الجوي، لكنها حققت نجاحاً محدوداً (وبتكلفة عالية، كما هو مذكور أعلاه). وفي الوقت نفسه، استخدمت القوات الروسية نظام الدفاع الجوي "بانتسير" وأجهزة التشويش الإلكترونية لإسقاط أو تعطيل الطائرات بدون طيار التي كانت تشارك في هجمات على منشآتها العسكرية في سوريا. كما نجحت المقاتلات الأمريكية من طراز "أف-15" مرتين عام 2017 في إسقاط طائرات بدون طيار إيرانية الصنع من طراز "شاهد 129" كانت تعمل بالقرب من قوات التحالف في سوريا.
وبما أنه بإمكان بعض الأنظمة التقليدية المضادة للطائرات أن تحقق في بعض الحالات قدراً من الفعالية ضد الطائرات التجارية بدون طيار، تعمل بعض الشركات على تسويق مثل هذه المنتجات لأغراض التصدي للطائرات بدون طيار. على سبيل المثال، تدّعي شركة "ريثيون" أن نظام دفاعها الجوي المضاد للصواريخ والمدافع وقذائف الهاون الذي يُستخدم عادة للحماية من قذائف الهاون والصواريخ يتمتع بنفس القدر من الفعالية ضد الطائرات بدون طيار التي تسير بسرعة منخفضة. وفي عام 2016، منح الجيش الأمريكي شركة "لوكهيد مارتن" مبلغ 27,8 مليون دولار لتعديل رادارها الحالي من نوع "إي-أن/تي بي كيو-53" من أجل كشف الطائرات بدون طيار. ثم في استعراض أقيم عام 2017 في الخليج العربي، قام نظام سلاح الليزر التابع للبحرية الأمريكية، الذي صُمم لحماية السفن من مجموعة تهديدات، بإسقاط طائرة مستهدفة بدون طيار، ويُنظر إليه اليوم بشكل عام على أنه خيار ممكن للحماية من الطائرات الصغيرة بدون طيار.
ومع استمرار انتشار الطائرات التجارية غير المأهولة، سينمو الطلب على الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة في السنوات القادمة، وسوف يستمر الاستثمار في هذا الحقل سعياً لمعالجة العديد من الشوائب المذكورة أعلاه. ومع ذلك ، فللاعتبارات نفسها، ستؤدي التطورات المقبلة في الاتصالات وأنظمة التوجيه الدقيق والأتمتة (التشغيلات الآلية) وأجهزة الاستشعار إلى تعاظم خطر الأجهزة المسيّرة بدون طاقم، مما يُمكّن حتى الجماعات الصغيرة غير الخاضعة لسلطة الدولة من تنفيذ عمليات متطوّرة في مجال الاستطلاع والمراقبة والضربات، بالإضافة إلى حشد عدد وافر من التكتيكات للتغلب على دفاعات العدو. يبقى أن نرى ما إذا كانت قدرات الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار أو المضادة للطائرات المسيّرة ستواكب هذا التهديد المتطور.

آرثر هولاند ميشيل هو المدير المشارك لـ "مركز دراسات الطائرات بدون طيار" في "كلية بارد"، وهي مؤسسة للتعليم والبحوث مبنية على الاستقصاء تأسست عام 2012.

Tuesday, November 27, 2018

هل تفلح عقوبات واشنطن في منع تمدد حزب الله في العراق؟

هل تفلح عقوبات واشنطن في منع تمدد حزب الله في العراق؟
شبكات الوكلاء:
هل تفلح عقوبات واشنطن في منع تمدد حزب الله في العراق؟
الثلاثاء, 27 نوفمبر, 2018
شبكات الوكلاء:
تَصَاعَدَ استخدام الولايات المتحدة للعقوبات في سياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط، وفي هذا الإطار قامت واشنطن بفرض مجموعة من العقوبات على بعض الشخصيات العراقية المرتبطة بحزب الله في نوفمبر 2018، وقد كشفت هذه العقوبات عن تصاعد تأثير نفوذ "حزب الله" في العراق، وتزايد استثماراته المالية هناك، وتمكّنه من تكوين شبكة من المنتفعين.
تمدد "حزب الله":
فرضت الولايات المتحدة في نوفمبر 2018 عقوبات ثانوية على أربعة أشخاص في العراق على صلة بجماعة "حزب الله" اللبنانية، وهم: شبل محسن عبيد الزيدي، ويوسف هاشم، وعدنان حسين كوثراني، ومحمد عبدالهادي فرحات، حيث يقومون بتنسيق أنشطة الجماعة المدعومة من إيران في العراق، وقد ذكر بيان وزارة الخزانة الأمريكية أن الأربعة "يقودون وينسقون أنشطة (حزب الله) على مستوى العمليات والمعلومات والتمويل في العراق"، فعلى سبيل يقوم أحدهم بتهريب النفط من إيران، ومن إيران إلى سوريا، وبجمع تبرعات لحزب الله، وإرسال مقاتلين إلى سوريا لصالح الحرس الثوري الإيراني.
وتأتي هذه العقوبات بعدما قامت الولايات المتحدة بإقرار تعديلات على قانون منع التمويل الدولي لحزب الله الصادر في عام 2015، وعلى الرغم من ارتباط بعض الأحزاب في المنطقة بعلاقات سياسية مع أحزاب أخرى، لا سيما تلك التي تتبنى اتجاهًا قوميًّا، إلا أن هذه الارتباطات ظلت رمزية ولم يجرؤ أحد من هذه الأحزاب على العمل خارج إطاره الوطني مثلما يفعل "حزب الله"، وفي هذا الإطار يمكن القول إن التمدد الإقليمي لحزب الله مر بعدة مراحل، ويبدو أن هذا الدور الإقليمي للحزب تم التخطيط له من بداية إنشائه في الثمانينيات.
فعلى النقيض من الأحزاب المحلية التقليدية، لم يتأسس "حزب الله" استجابة لتحول محلي أو إقليمي أو دولي، حيث تؤكد العديد من التقارير الصحفية أن "حزب الله" تأسس بدعم كامل من إيران، وهو ما يؤكده السفير الإيراني الأسبق في سوريا "علي أكبر مُحتشمي" في العديد من المقابلات الصحفية، حيث أكد أنه كان مكلفًا من قِبل رأس الحُكم في بِلاده بتشكيل هذا الحزب في لبنان، وهو ما أكدته أيضًا بعض الوثائق التي قام الباحث اللبناني "وضاح شرارة" بجمعها ووضعها في كتابه "دولة حزب الله"، وقد خاضت إيران العديد من المفاوضات مع حليفتها الاستراتيجية سوريا من أجل هذا الحزب، حيث كانت دمشق ترى أن هذا الحزب سينافس حركة أمل التي كانت تعتمد عليها سوريا كأداة لتثبيت نفوذها في لبنان. ومن ثم يمكن القول إن تأسيس الحزب جاء ليحقق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية لإيران في المنطقة.
وبعد تحرر جنوب لبنان، بدأ "حزب الله" يسعى لتوسيع نطاق تحركاته بشكل واضح، وزاد هذا التمدد بعد موجة الاحتجاجات العربية التي شهدتها المنطقة عام 2011، وقد ساعده في هذا تراجع الأوضاع الأمنية في بعض دول المنطقة، وهو الأمر الذي سمح لحزب الله بأن يستغل ذلك ويُنشئ شبكات تابعة له في تلك المناطق الهشة، لا سيما في سوريا التي انعكست الأوضاع فيها بالسلب على العراق، وهو ما سمح للحزب بأن يقوم بتوسيع نفوذه في هذه الدول ويصعّد من نشاطه العسكري تحت دعوى محاربة التنظيمات المتشددة، وساعده في ذلك التنسيق بين روسيا وإيران (الحليف التقليدي للحزب)، في مقابل تراجع الاستراتيجية الأمريكية الانخراطية في المنطقة.
مؤشرات الانتشار:
يتمتع "حزب الله" بوضع استثنائي في الداخل العراقي بداية من عام 2003، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أبرز مؤشرات الانتشار في الداخل العراقي وذلك فيما يلي: 
1- الاستثمارات المالية: يقوم "حزب الله" بالتعاون مع بعض رجال الأعمال الذين لا يحمل ضدهم أي شكوك، ويقوم بإسناد بعض المشاريع الاقتصادية لهم، ويلاحظ أن أغلب هذه المشاريع يتم نقل ملكيتها من شخص إلى آخر، وقد أشارت بعض التقارير الصحفية إلى أن "حزب الله" قد تمكن بمعاونة بعض رجال الأعمال من السيطرة على عقود استثمار وتنمية ضخمة ضمن خطة بغداد 2016، شملت مشاريع إعمار وعقود تجهيز دوائر ومؤسسات وتراخيص في القطاع السياحي، وعقود تجهيز مواد غذائية، ولا توجد أرقام محددة لحجم هذه الاستثمارات. كما ترتبط بعض الفنادق الكبرى في العراق بالحزب، وعادة ما تعقد في هذه الفنادق اجتماعات دورية لبعض الشخصيات السورية المرتبطة بنظام الأسد، كما استثنيت هذه الفنادق من عدة قرارات مثل تقديم قاعدة بيانات النزلاء بشكل دوري إلى قيادات عمليات بغداد، بالإضافة إلى وجود تقارير تفيد بوجود علاقة بين "حزب الله" وبعض شركات السياحة التي تجري رحلات بين بغداد ودمشق وبيروت وطهران، وبعض شركات التحويل المالية التي باتت الشركات الكبرى الموثوق بها.
وفي هذا الإطار، قامت الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات في فبراير 2018 على رجل الأعمال اللبناني "أدهم طباجة" بصفته عضوًا وممولًا لحزب الله، حيث يمتلك معظم أسهم شركة مجموعة الإنماء التي تعمل في مجالات العقارات والمقاولات، ولها عدة فروع في لبنان والعراق، كما أنه يعمل في مجال النفط بالعراق، وقد سبق له بالدخول في عدد من المناقصات الضخمة في هذا المجال.
2- اختراق مؤسسات الدولة: تمكن "حزب الله" عبر الاستثمار في العراق من تأسيس شبكات من المستفيدين منه يعملون على تحقيق مصالحه، حيث يقومون في بعض الأحيان بتعيين مسئولين وإداريين في بعض مؤسسات الدولة بهدف الحصول على أوضاع استثنائية في تعاملهم مع هذه المؤسسات العامة التي ساهموا في تعيين بعض موظفيها.
3- الوساطة بين الفرقاء: تزايد تدخل "حزب الله" في العملية السياسية في بغداد، وتشير الصحف العراقية إلى "محمد كوثراني" (القيادي في حزب الله) باعتباره مسئول الملف العراقي في الحزب، حيث أصبح الحزب طرفًا رئيسيًّا في كثير من عمليات المفاوضات بين الأحزاب والميليشيات المتواجدة في العراق. فعلى سبيل المثال، أشارت بعض التسريبات الصحفية إلى أن زيارة "محمد كوثراني" إلى بغداد في مايو 2018 جاءت بهدف رأب الصدع في "الحشد الشعبي" بعد انقسام الحزب لمعسكرين، أحدهما موالٍ لمكتب المرشد الإيراني علي خامنئي، في مقابل فريق يتبع مدرسة المرجع "علي السيستاني" والتيار الصدري، وقد عارض هذا الفريق المشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في مايو 2018، حيث تم التدخل للضغط على التيار الصدري، ويمكن القول إن "حزب الله" صار يشغل المساحة التي لا يستطيع مسئول فيلق القدس "قاسم سُليماني" القيام بها، بسبب علاقته المتوترة مع زعيم التيار الصدري "مُقتدى الصدر"، في مقابل تمتع "محمد كوثراني" بعلاقات جيدة مع "مقتدى الصدر".
4- التأثير في الإعلام: يحاول "حزب الله" التأثير في الإعلام العراقي وتوجيه الرأي العام من خلال امتلاكه قناة فضائية كبرى في العراق، ووجود علاقات بينه وبين وكالتين إخباريتين بارزتين هناك، بالإضافة إلى علاقاته مع بعض مراكز البحوث والتدريب الإعلامي.
5- ميليشيا الحشد الشعبي: يرتبط "حزب الله" بعلاقات مع ميليشيا الحشد الشعبي، وهو ما يتضح من تدخله للوساطة بين المتنازعين من الحشد الشعبي، فحزب الله يبدو وكأنه يعمل أيديولوجيًّا وأمنيًّا وسياسيًّا على تحويل هذه التنظيمات لتكون شبيهة بدوره الذي صار يشغله في لبنان.
ختامًا، يمكن القول إن العقوبات الأمريكية التقليدية لم تستطع أن تُحقق أثرًا ملموسًا على نشاط وأفعال "حزب الله" في الماضي، وهو ما ينطبق على العقوبات الجديدة التي يبدو أنها لن تكون مؤثرة على سلوكيات وتوجهات "حزب الله" وذلك لمجموعة من الأسباب يتمثل أهمها في: أن العقوبات المالية تركز على الأذرع المالية للحزب وفي الغالب سيتجه للحزب لتأسيس شبكات ومؤسسات بديلة بالاعتماد على أسماء وشخصيات مختلفة، كما أن هذه العقوبات لم تقع على الشبكات السياسية المتعاونة مع الحزب في الداخل العراقي، وهو ما يعني أن هذه العقوبات توجه لأطراف ثانوية يمكن لحزب الله إكمال نشاطه بدونها. من جانب آخر، ليست هناك متابعة دائمة وحيوية لهذه العقوبات، بالإضافة إلى عدم وجود جهات فاعلة داخل العراق قادرة على ملاحقة قدرات الحزب في الالتفاف على هذه العقوبات.

Sunday, November 25, 2018

لا بد من أن زعيم السعودية لا يهاب غيظ الولايات المتحدة. فواشنطن تعطيه كل ما يريد.

لا بد من أن زعيم السعودية لا يهاب غيظ الولايات المتحدة. فواشنطن تعطيه كل ما يريد.

صفحات رأي ومقالات

لا بد من أن زعيم السعودية لا يهاب غيظ الولايات المتحدة. فواشنطن تعطيه كل ما يريد.

 "واشنطن بوست"
١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٨

تشير تقارير الجهات الاستخباراتية إلى أن المملكة العربية السعودية [أمرت] بقتل الكاتب الصحفي لـ "واشنطن بوست" جمال خاشقجي في قنصلية المملكة في اسطنبول في وقتٍ سابق من هذا الشهر، ربما بناءً على أوامر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقد أصر بن سلمان على الرئيس ترامب هذا الأسبوع أنه لا يعرف شيئاً عن الحادثة، بيد أنه نسّق حملةً لقمع النقاد في السنوات الأخيرة بينما يوطّد سلطته تحسباً لاعتلائه عرش السلطة في النهاية.
وإذا كان ولي العهد أو أي شخص آخر في حكومته مسؤولاً، فمن الواضح أنهم اعتقدوا أن باستطاعة السعودية الإفلات من اختطاف خاشقجي وقتله دون استنكار الولايات المتحدة. (أو الأسوأ من ذلك، اعتقدوا أنهم حصلوا على موافقة ضمنية من واشنطن مقدماً.) وهناك سبب لذلك: فقد طوّر محمد بن سلمان علاقةً وثيقة جدّاً مع إدارة ترامب، لدرجة أنه حصل منها على كل ما يريده تقريباً. وفي تفكيره، ربما يكون قد خلص إلى أنه، فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة، باستطاعته الإفلات من العقاب.
إن العلاقة الأقرب التي بناها بن سلمان هي مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي وصهره، جاريد كوشنر، وقد تم توثيق علاقتهما بشكل جيد (فقد نجح كوشنر في الضغط على ترامب لجعل السعودية أول زيارة يقوم بها للخارج كرئيس). لكن في عام 2017، وقَع الكثيرون في واشنطن ومجتمع الأعمال الأمريكي ووسائل الإعلام في حب محمد بن سلمان وما بدا أنه يمثّله. وشكّل أسلوبه الشخصي الذي يعكس روح الشباب والتجديد تغييراً جذريّاً عن تاريخ الزعماء السعوديين الكبار السّن. فقد أراد تحقيق التحرير الاجتماعي لأمّته، بما في ذلك دور السينما (التي كانت محظورة)، والترفيه الحي كالحفلات الموسيقية، والأهم من ذلك كله، السياسة التي سمحت أخيراً للنساء بقيادة السيارات، والتي نفّذها في حزيران/يونيو. وشملت خططه الطموحة للتحول الاقتصادي التنويع بعيداً عن اعتماد المملكة على النفط؛ وقد يأتي مشروع «رؤية المملكة ٢٠٣٠» بربح محتمل للشركات الأمريكية.
وقد تَسامحَ صانعو السياسات في الولايات المتحدة مع حملته لقمع المعارضة - فقد قام بتطهير وسجن أفراد من العائلة المالكة يمثلون مراكز قوى منافِسة، مثل المستثمر الوليد بن طلال، وطرَدَ دبلوماسيين كنديين لأن أحد المسؤولين شكا من انعدام حقوق الإنسان هناك. أما الهدية الأكبر التي قدّمها ولي العهد للحلفاء الغربيين، فكانت "الإسلام المعتدل" الذي وعد به، والذي من شأنه أن يرفض دعم المملكة السابق للمدارس الدينية الملتبسة والتبرعات الخيرية المشتبه بها. ومن عوامل الجذب الأخرى الموقف الشامل تجاه إسرائيل كجزءٍ من الشرق الأوسط؛ والحاجة لحل القضية الفلسطينية، لكنّ ذلك لن يمنع المملكة من تطوير علاقات تكنولوجية وتجارية مع إسرائيل. ويبدو أن السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل تشكّل تحالفاً جديداً في مواجهة إيران.
وحقق محمد بن سلمان نصراً كبيراً عندما قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، الذي أدّى في نظر السعوديين إلى تطبيع الحالة النووية الإيرانية دون احتوائها. وكان يُنظر إلى هذا الاتفاق في الرياض على أنه الإهانة القصوى للمملكة، وأظهر أكثر فأكثر تعاطف الرئيس السابق باراك أوباما بشكلٍ طبيعي مع إيران. كما أنه لم يحتوِ تطوير إيران للصواريخ؛ فقذائفها، بما فيها الصواريخ المعدّلة من نوع "سكود"، التي تم تسريبها إلى الثوّار اليمنيين وإطلاقها على أيديهم، تحطّ الآن بانتظام على الأراضي السعودية. وتم استهداف الرياض بوابليْن على الأقل من هذه الصواريخ.
وتشكّل الحرب في اليمن التي بدأت في عام 2015 سياسةً أخرى لمحمد بن سلمان كسبت التأييد الضمني لواشنطن. فقد سعت المملكة إلى الإطاحة بانقلاب رجال القبائل الحوثيين الذين تدعمهم إيران. لكنّ أوجه القصور العسكرية للقوات السعودية في ساحة المعركة قورنت بعدم الكفاءة في الحرب الجوية، مع بلوغ مستويات محرِجة من الضحايا المدنيين الناجمة عن قدرة الاستهداف السعودية غير المثالية تماماً. ووسط الفوضى العارمة، هناك أيضاً مجاعة كارثية تلوح في الأفق. وفي الشهر الماضي، عندما تعهّد أعضاء في الكونغرس الأمريكي بوقف تدفق المساعدات العسكرية الأمريكية إلى الحملة السعودية، أوعز وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى البيروقراطيين بمواصلة إرسال المساعدات، معتبراً أن عدد الضحايا سيرتفع أكثر دون مساعدة الولايات المتحدة. وشكّل ذلك انتصاراً هائلاً لولي العهد الذي قام بتنسيق الحرب.
وحتى قبل النزاع، كانت الولايات المتحدة مزوّد رئيسي للمعدات العسكرية للمملكة، التي هي أكبر مشتر للأسلحة الأمريكية. فهي تقوم بشكلٍ أساسي بشراء طائرات "إف-15" لقوّاتها الجوية، والتي تُستخدم الآن بشكل منتظم لقصف اليمن، لكن الترسانة تشمل أيضاً صواريخ من نوع "باتريوت" لحماية القواعد الجوية والمدن من الهجمات الصاروخية اليمنية، وربما الأهم من ذلك، الذخائر وعقود الخدمات والتدريب التي تدوم لسنوات. وقد رفض ترامب مراراً وتكراراً النظر في فكرة إلغاء أيٍ من ذلك من أجل تشكيل السلوك السعودي، مُظهِراً لمحمد بن سلمان أنه قد يفلت من العقاب.
وغالباً ما تم تحدي المسؤولين المنتخبين في الولايات المتحدة وأوروبا - من قبل الصحفيين ومراقبي حقوق الإنسان وخاشقجي نفسه - حول دعمهم لمحمد بن سلمان. وتكون الإجابة بشكل عام على أن اندفاعه وتسلّطه في الداخل يجب أن يُقترنان بنجاحه في تغيير المملكة من حاضنة الإسلام المتطرف إلى الإسلام السعودي "الحقيقي" الذي يصفه ولي العهد، وهو نموذج معتدل عطّلته الثورة الإيرانية عام 1979. إلا أن الرعب الناتج عن موت خاشقجي والذي يشبه ذلك الذي يقوم به تنظيم «الدولة الإسلامية» - والذي يبدو أنه شمل منشار عظام وطابقاً سفليّاً وأكثر من اثني عشر وكيلاً سافروا من الرياض - يعرّض هذه الصورة للخطر.
وردّاً على ذلك، يتنافس أعضاء من الكونغرس الأمريكي على إيجاد عبارات للإدانة. فالسيناتور ماركو روبيو (جمهوري-ولاية فلوريدا)يتعهّد بردع "سير العمل كالمعتاد" إلى أن يتم تفسير حالة خاشقجي بشكلٍ صحيح، والسيناتور ليندسي أ. غراهام (جمهوري-ولاية كارولاينا الجنوبية) يمزح حول الابتعاد عن السعودية بينما يتواجد هناك محمد بن سلمان. وتخلّى عددٌ من الشركات المعنية بالاستراتيجيات والإتصالات في واشنطن عن السعوديين كعملاء.
ومع ذلك، ترك ترامب نافذةً أخرى مفتوحةً لمحمد بن سلمان بقوله هذا الأسبوع إن مقتل خاشقجي ربّما ارتكبه "قتلة مارقين". فبعد أن تحدث إلى العاهل السعودي ووريثه، قال إنهما ينكران مسؤولية [ما حدث]، وبدا أنه يشبّه الأسرة المالكة ببريت م. كافانو [القاضي الأمريكي المحافظ الذي عُيّن مؤخراً في المحكمة العليا الأمريكية]، قائلاً، إن العائلة المالكة تُعتبَر "مذنبة إلى حين إثبات براءتها". فمع أصدقاء كهؤلاء في واشنطن، لا عجب في أن محمد بن سلمان ظنّ أن بإمكانه أن يفلت في كل ما يريده.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.

سبل مواجهة تدمير الخصوم على مواقع التواصل الاجتماعي

سبل مواجهة تدمير الخصوم على مواقع التواصل الاجتماعي
حروب التضليل:
سبل مواجهة تدمير الخصوم على مواقع التواصل الاجتماعي
حروب التضليل:
صباح عبدالصبور- باحثة في العلوم السياسية
اعترف المؤرخ العسكري البروسي "كلاوزفيتز" في كتابه الشهير "في الحرب"، الذي كُتب في القرن التاسع عشر، بأن لكل عصر نوعه الخاص من الحروب، وأنه في الغالب تظهر نظريات جديدة للحرب كنتيجة لعددٍ من التغيرات الجذرية في البيئة الأمنية الدولية، والدبلوماسية، والسياسة الداخلية، وكذلك الأيديولوجيا، والاقتصاد، والتقدم التكنولوجي. 
واعتبر أن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى، وهي جزء من سلسلة متصلة تشمل التجارة، وكل التفاعلات الأخرى التي تحدث بين الشعوب والحكومات. ورأى أن الانتصار في الحرب يتحقق مع إيجاد وتحييد "مركز ثقل" الخصم، فيقول: "إذا اكتشفت كيف تشكل أو تحطم روح منافسك، فقد تربح الحرب، مع تجنب مواجهة جيش العدو بالكامل".
وقد ظهرت على مرّ التاريخ موجات متتالية من التطورات التكنولوجية الجديدة التي توفر الوسائل لاستنزاف روح "العدو" من بعيد. 
وتُعد شبكة الإنترنت من أبرز تلك التطورات في العصر الحديث التي وُظّفت من قبل الدول والفاعلين من غير الدول لتحقيق هذا الهدف، فلم تعد مهاجمة مركز ثقل العدو (عقول وأرواح شعبه) تتطلب عمليات قصف ضخمة، لكن كل ما يتطلبه الأمر هو هاتف ذكي، واستهداف المستخدمين، وتحقيق الهدف السياسي للحرب دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو ما يُعد نوعًا جديدًا من الحروب أطلق عليه كل من "بيتر وارن سينجر" (خبير استراتيجي في مركز نيو أمريكا) و"إميرسون بروكينج" (باحث زميل في مجلس العلاقات الخارجية) "شبه الحرب" في كتابهما المعنون "شبه الحرب: تسليح مواقع التواصل الاجتماعي"، الذي صدر في أكتوبر الماضي.
ويعرض الكتاب العديد من ملامح الحرب التي حددها "كلاوزفيتز"، لكن على "شبكات التواصل الاجتماعي". ويدور حول سؤال بحثي رئيسي مفاده: كيف أصبح الإنترنت ساحة معركة جديدة في القرن الحادي والعشرين؟.
وفي كتابهما يستعرض الباحثان تاريخ منصات وسائل الإعلام الاجتماعي، واستخدامها في الثقافة الشعبية، والصراع الحديث، ويقارنان بينها وبين التطورات التكنولوجية السابقة (مثل التلغراف والراديو)، مع القيام بربط استخدامها بنظرة "كلاوزيفيتز" للحرب.
وبشكل عام يضع المؤلفان إطارًا لفهم كيفية قيام وسائل الإعلام الاجتماعية بتشكيل السياسة العالمية والصراعات المعاصرة من خلال فحص دورها كمنصة لجمع المعلومات، والاستهداف، والعمليات الإلكترونية، والحرب النفسية، وأنشطة القيادة والتحكم.
حرب رقمية:
يُعد ظهور الإنترنت تطورًا مفاجئًا وخطيرًا في الحرب والسياسة الدولية، ووفقًا للكاتبين فقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي في ديناميات الصراع، حيث باتت مكانًا لشن حرب جديدة تستهدف عقول وقلوب الشعوب. ويضيفان أن العديد من الدول القومية وكذلك الفاعلين من غير الدول بدؤوا على حد سواء في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للتلاعب بالتحيزات المعرفية للسكان، وذلك من خلال توظيفها للتأثير على أفكارهم، وتوجهاتهم، واختياراتهم. وليس هذا فحسب، بل يمكن استخدامها لتجنيد أفراد للقيام بهجمات إرهابية، أو نشر الكراهية والاستياء بين الشعوب المتنافسة، مما قد يؤدي إلى نشوب حرب أو إبادة جماعية. علاوة على إحداث شقاق وانقسام في الأصوات داخل البلد الواحد، وتحقيق الهدف السياسي للحرب دون خسائر تُذكر.
ويجادل المؤلفان بأن شبكة الإنترنت قد منحت الحكومات طرقًا جديدة للسيطرة على شعوبها من ناحية، وتحقيق الانتشار العالمي من خلال قوة "التضليل" من ناحية أخرى. ويضرب الكتاب مثالًا على ذلك بحملة روسيا لقمع و"تسميم" سياسات خصومها المحليين من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، وفي الوقت ذاته تعمل على التأثير على شعوب الدول المنافسة، وبث أفكار الفرقة، وانعدام الثقة، من خلال التلاعب بالحقائق والأحداث.
وعلى مستوى آخر للحرب، فقد غيّر الإنترنت مدى سرعة انتشار المعلومات، ومدى انتقالها، ومدى سهولة الوصول إليها. وقد أعاد ذلك صياغة كل شيء من الخطط التشغيلية العسكرية إلى الأعمال الإخبارية إلى الحملات السياسية. وباتت المفاجآت العسكرية الكبرى شبه مستحيلة وفقدت سريتها. 
وقد استطاعت بعض التنظيمات الإرهابية التكيف بالفعل مع هذا الافتقار إلى السرية، فعملت "داعش" على تحويل هذه المشكلة الظاهرية إلى جزء أساسي من استراتيجيتها، فأطلقت هاشتاجًا على تويتر لتشجيع ودعم عملياتها في العراق تحت مسمى #AllEyesOnIsis "كل العيون على داعش"، وتلقوا العديد من التغريدات من المؤيدين لعملياتهم.
قواعد الحرب الجديدة:
يضع الكاتبان مجموعة من القواعد للحرب الرقمية على مواقع التواصل الاجتماعي، على النحو التالي:
أولًا- باتت بيئة المعلومات الحديثة مستقرة، والإنترنت هو الآن وسيلة الاتصالات البارزة في العالم، وسيبقى كذلك في المستقبل القريب. ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي ستنمو الشبكة من حيث الحجم والنطاق والعضوية، ولكن شكلها الأساسي ومركزيتها بشأن نظم المعلومات لن يتغير.
ثانيًا- يُعد الإنترنت ساحة معركة وليس رسولًا للسلام والتفاهم كما يقال، وإنما هو منصة لتحقيق أهداف فاعلين مختلفين. 
ثالثًا- تغير ساحة المعركة دفع إلى التفكير في المعلومات نفسها، فمن المعلوم أن الحدث يكون قويًّا فقط إذا صدّقه الناس، ولذا يعمل "المقاتلون" على تزييف "الحقائق" فيما يصب في مصلحتهم، وذلك من خلال التلاعب النفسي والسياسي والخوارزمي بها.
رابعًا- لم تكن العلاقة بين الحرب والسياسة بهذا التشابك من قبل، أما في الفضاء الإلكتروني فهناك تطابق تام بين الوسائل التي تؤدي إلى نجاح الجوانب السياسية والعسكرية لهذه المنافسة. ونتيجة لذلك، اتخذت السياسة عناصر من حرب المعلومات، في حين يتأثر الصراع العنيف بشكل متزايد بحروب الرأي عبر الإنترنت، وهو ما يعني تحول مهندسي "وادي السيليكون"، حيث تُنتج الأعمال التقنية العالية والاختراعات الجديدة في مجال التكنولوجيا، دون قصد وسطاء قوة عالميين. وتشكل قراراتهم ساحة المعركة التي يتقرر فيها كل من الحرب والسياسة. 
خامسًا- الجميع جزء من المعركة، ومحاطون بكمّ كبير من الصراعات على المعلومات، بعضها مرئي وبعضها غير مرئي. وتهدف تلك الصراعات إلى تغيير مفاهيمنا عن العالم.
سادسًا- في تلك الحرب الجديدة لا توجد أرضية محايدة.
فاعلون مختلفون:
يتنوع الفاعلون المؤثرون في الحرب الجديدة، فبعضهم دول والآخر فاعلون من غير الدول (أفراد وتنظيمات)، نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي:
1-روسيا: لجأت موسكو إلى الإنترنت لتعويض تراجع قوتها العسكرية، وكداعم لها في الوقت ذاته. وتعد وفقًا للكتاب الدولة الأكثر تقدمًا في هذا الشكل الجديد من الحرب وذات نفوذ سياسي. فقد تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، حسب العديد من التقارير الاستخباراتية الأمريكية والغربية، حيث تشير إلى أنها استخدمت مزيجًا من المعلومات الخاصة وتقنيات التسويق الرقمي الجديدة لإشعال احتجاجات في العالم الحقيقي، وتوجيه العديد من دورات الأخبار الأمريكية، والتأثير على الناخبين. ويزعم الكتاب أن روسيا تمكنت من التسلل إلى المجتمع الأمريكي بشكل كامل من خلال استخدام وسائل الإنترنت فقط.
وعلى الصعيد الدولي، أثارت الهجمات المعلوماتية الروسية المشاعر المعادية لحلف الناتو في ألمانيا، كما دشنت موسكو حملات على الإنترنت لتأجيج الكراهية السياسية للأقليات الروسية العرقية في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، على حد زعم الكاتبين. 
2- إسرائيل: يشير الكتاب إلى أنها تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز صورة أكثر إيجابية عن نفسها عبر الإنترنت، ويظهر ذلك جليًّا في حربها على غزة عام 2012.
3- دونالد ترامب: حيث أدرك قوة وسائل الإعلام الاجتماعية، وفقًا للكتاب، أكثر من أي رئيس أمريكي آخر. فعلى سبيل المثال، فقد وجد معهد أكسفورد للإنترنت (Oxford Internet Institute) أنه على الرغم من إقصاء الناخبين اللاتينيين في الحملة الانتخابية لترامب، إلا أنه كان يملك بعض برامج تويتر الوهمية التي سهّلت دعمهم له. كما ساعدت البوتات (روبوتات الإنترنت، وهي برامج تقوم بمهام تلقائية على الإنترنت) التي يستخدمها في جذب اهتمام الصحفيين والمانحين من جميع أنحاء البلاد. 
وعلاوة على ذلك، حصل "ترامب" على مساعدة شركة كامبريدج أناليتيكا، وهي شركة خاصة تعمل على الجمع بين استخراج البيانات وتحليلها ثم الوصول لاستنتاجات عند العمليات الانتخابية، فضلًا عن مساعدات عملاء روس على الإنترنت يتظاهرون بأنهم ناخبون أمريكيون على فيسبوك، وتويتر. وحتى بعد توليه الرئاسة، استمر "ترامب" في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتعبئة قاعدة صغيرة ولامعة بشدة. وفي المقابل، تستمر مراكزه في تضخيم نظريات المؤامرة القومية، ومهاجمة الصحافة.
4- تنظيم "داعش" الإرهابي: وكان مستخدمًا فعالًا جدًّا لبرامج البوتات، إذ يوظفها لنشر دعايته على تويتر باللغة العربية. وفي عام 2014، حاز على اهتمام دولي في إطار تزايد وجوده على تويتر من خلال عدد من الهاشتاجات، وبث عملياته وانتصاراته المزعومة. 
ماذا نفعل؟
يقدم الكتاب عددًا من الحلول لتقويض هذا الشكل الجديد من الحرب والتوعية بخطورته على عدة مستويات:
أولًا- على مستوى الحكومات: يرى المؤلفان أن الخطوة الأولى بالنسبة للحكومات للحد من آثار هذه الحروب الجديدة تتمثل في إدراك أهمية وخطورة المعركة الجديدة، وأخذها على محمل الجد. فمثلما تم الاعتراف بتهديدات الحرب السيبرانية ومن ثم تنظيمها وإعدادها خلال العقدين الماضيين، كذلك يجب معالجة هذه الجبهة الجديدة للحرب. 
ويشير الكتاب إلى أن هناك نماذج استجابة مختلفة لدول تجاوزت عملية إعادة التنظيم العسكرية إلى العمل على تحصين مجتمعاتها ضد تهديدات المعلومات، ومن بينها فنلندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا والسويد، وكلها تواجه وابلًا من الهجمات المعلوماتية الروسية. وتشمل جهودهم في مجال الوقاية برامج تثقيف المواطنين، ومراقبة حملات التضليل الأجنبية، وحمايات الانتخابات، والشفافية القسرية لأنشطة الحملات السياسية، وسن قوانين للحد من تأثير المواد المضللة. 
ويشدد الكاتبان على ضرورة العمل على توظيف وسائل الإعلام الاجتماعي لزيادة الوعي العام، وتتبع احتياجات المواطنين، وحتى جمع المقترحات حول الإنفاق العام. وتعد سويسرا مثالًا بارزًا، إذ استخدمت الشبكات الاجتماعية للسماح برقمنة التماسات المواطنين وإدخال المبادرات عبر الإنترنت في مداولاتها حول السياسات. 
ثانيًا- على مستوى شركات التواصل الاجتماعي: يرى الكاتبان أن دور تلك المؤسسات لا يقل أهمية عن دور الحكومات، فيجب أن تفكر بشكل استباقي في التداعيات السياسية والاجتماعية والأخلاقية لخدماتها، خاصة وأنه لم تحاول أي شركة منهم معالجة العلل التي ظهرت على شبكاته، وكان موظفوها يتجاهلون باستمرار الشكاوى والإنذارات الموجّهة لهم حول وجود منشورات تتراوح بين بث الكراهية والتحرش. وبالمثل، عندما أثار بعض الباحثين مخاوفهم بشأن المشاكل الناشئة كحملات التضليل الروسية خلال انتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، رفضت تلك الشركات التعامل مع تلك المخاوف. 
ثالثًا- على مستوى الفرد: وفقًا للمؤلفين، يجب أن يعترف المستخدمون العاديون بمسئوليتهم كمواطنين و"مقاتلين" في الحرب الجديدة، وضرورة الوعي بما يشاركه الفرد، وما ينشره، وما يتفاعل معه. فالأفراد العاديون لا يحددون فقط الدور الذي يلعبونه، ولكن تكمن قوتهم في تلك الحرب من خلال التأثير أيضا على ما يعرفه الآخرون ويفعلونه.
المصدر: 
P. W. Singer and Emerson T. Brooking, “LikeWar: The Weaponization of Social Media”, (New York: Eamon Dolan/Houghton Mifflin Harcourt, 2018)