Thursday, January 17, 2019

انسحاب الولايات المتحدة من سوريا: متابعة ردود الفعل الإسرائيلية والإيرانية في وسائل الإعلام

انسحاب الولايات المتحدة من سوريا: متابعة ردود الفعل الإسرائيلية والإيرانية في وسائل الإعلام

انسحاب الولايات المتحدة من سوريا: متابعة ردود الفعل الإسرائيلية والإيرانية في وسائل الإعلام


متاح أيضاً في English
10 كانون الثاني/يناير 2019
تمامًا مثلما أشعل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية نقاشًا محتدمًا في وسائل الإعلام الأمريكية، انشغلت وسائل الإعلام التابعة للجهات الفاعلة الإقليمية المشاركة في الحرب السورية بإنتاج مجموعة متنوعة من السيناريوهات للخطوات التالية للبلاد. ومن خلال إجراء مسحٍ لردود وسائل الإعلام في إيران وإسرائيل – وهما البلدان اللذان اشتبكا بشكلٍ غير مباشر داخل سوريا - تعكس التقارير وجهات النظر الرسمية، وفي بعض الحالات الشعبية، حول كيفية صياغة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للسياسة الإقليمية.
وفي الأسابيع التي تلت قرار الرئيس ترامب، أعربت الصحف الإيرانية عن شكوكها في الأمر، مع الالتزام بنقاط الحوار التقليدية. وفي البداية، ركزت وسائل الإعلام على ردود الفعل الأجنبية. وبحسب أحد كبار المسؤولين في دمشق، أشارت قناة "برس تي في" (Press TV)، وهي قناة باللغتين الإنكليزية والفرنسية تتوجّه إلى جمهورٍ دولي، إلى أن الانسحاب الأمريكي يأتي نتيجة "صمود" نظام الأسد، كما أعلنت أنه لن يكون لدى الولايات المتحدة وشركائها "ورقة مساومة" في المحادثات حول مستقبل سوريا.  
وأفادت "وكالة تسنيم الدولية للأنباء" (Tasnim News) التابعة لـ"حرس الثورة الإسلامية" إلى أن انسحاب أمريكا يظهر عدم قدرتها على "ممارسة السلطة" في سوريا أو العراق – وهو خطاب استفزازي غالبًا ما يلقيه مسؤولون في "حرس الثورة الإسلامية". علاوةً على ذلك، أشارت عدة وسائل إعلام إلى أن انسحاب واشنطن لن يؤثر على المعادلة في سوريا. ومن بين وسائل الإعلام هذه، نشرت "وكالة أنباء فارس" (Fars News) على موقعها الفارسي مقالًا بقلم محلل الشؤون الدولية يشير فيه إلى أن المسار المستقبلي في سوريا لن يتغير. كما نشرت "وكالة‌ الجمهورية الإسلامية للأنباء" (إرنا)، وهي وكالة الأنباء الرسمية للجمهورية الإسلامية، تصريحات رئيس أركان قوات إيران المسلحة على موقعها باللغة الإنكليزية، وقال فيها إن التغيير في السياسة الأمريكية ليس ملحوظًا بسبب العدد الكبير للقوات الأمريكية المتواجدة في أماكن أخرى في المنطقة. وبشكلٍ عام، لا تزال الشكوك تكتنف إعلان الإدارة الأمريكية، كما يتّضح من مقال افتتاحي نشرته قناة "برس تي في" بعنوان "هل ستنسحب القوات الأمريكية من سوريا؟ هلّلوا".
بيد أن وكالة أنباء "فرارو" (Fararu)، وهي وسيلة إعلامية تابعة لـ"حرس الثورة الإسلامية"، نشرت مقالًا يتتبّع الاعتبارات الأمريكية التي أدت إلى هذا القرار، ما يشير إلى أن التحليل في طهران مستمر. ويؤكد كاتب المقال أن إعلان الرئيس ترامب الانتصار على تنظيم "الدولة الإسلامية" لم يكن على الأرجح عاملًا أساسيًا في القرار – فلا تزال هذه الجماعة الإرهابية تسيطر على مواقع في شرق الفرات، وبالتالي لم يتم القضاء عليها بالكامل. ولكن بحسب وجهة نظر الكاتب، تريد الإدارة الأمريكية تجنب الوقوع في مشاكل مع تركيا وهي حليفة "حلف الناتو" في سوريا. وفي ما يتعلق بالهدف المعلن للإدارة الذي يقضي بتقليص نفوذ إيران في المنطقة، يخلص المقال إلى أن إدارة ترامب حوّلت تركيزها إلى الضغط على إيران داخليًا أو أنها غير مهتمة بما يكفي بمنع تحصّن إيران في سوريا.
أما في إسرائيل، فكان من المتوقع أنت تكون ردود الفعل سلبية بشكلٍ واضح، فقد ردت وسائل الإعلام في الغالب على الإعلان بتشاؤمٍ ملحوظٍ، وجاءت العناوين على غرار "خبر سيء لإسرائيل: ترامب لبوتين وإيران يقدّم هديةً في سوريا". وقامت المنشورات في جميع الأطياف السياسية والدينية، من صحيفة "هآرتس" (Haaretz) ذات التوجهات اليسارية وصولًا إلى صحيفة "إسرائيل هايوم" (Israel Hayom) التابعة لشيلدون أديلسون، بالتحذير من أن الانسحاب يمكن أن يعرّض مصلحة إسرائيل للخطر، ما يجعل من القرار انتصارًا لإيران. ممتعضًا من التأثير السلبي لقرار ترامب على قدرة "جيش الدفاع الإسرائيلي" على المناورة في سوريا، أعرب موقع "والا" (Walla) الإلكتروني الموالي للحكومة عن قلقه من أن الانسحاب الأمريكي سيسهّل على إيران نقل الأسلحة إلى "حزب الله"، في حين أنه بحسب صحيفة "معاريف" (Maariv) الإلكترونية الوسطية، لم يعد من الممكن اعتبار واشنطن حليفًا موثوقًا.
وفي تغطية هذا الإعلان، ركّزت الكثير من وكالات الأنباء الإسرائيلية أيضًا على تأثير القرار على الأكراد في سوريا. فكتب في صحيفة "إسرائيل هايوم" الدكتور عيران ليرمان، وهو نائب رئيس "معهد القدس للدراسات الاستراتيجية"، أن انسحاب الولايات المتحدة سيؤدي إلى "انهيار" القوات الكردية المحلية. وفي مقالة ليرمان الافتتاحية بعنوان "قد يتضح أن التخلي عن سوريا هو خطأ فادح"، أدان إدانةً قاطعةً استعداد الولايات المتحدة لـ"هجر" حلفائها الأكراد، وقال إن قرار ترامب يطرح "إشكاليةً كبيرةً لأي شخص قد يضطر في المستقبل أن يختار ما إذا كان سيساعد الولايات المتحدة والغرب في مواجهات دامية". وعلى نحوٍ مماثل، كتبت إليزابيث تسركوف مقالًا في صحيفة "هآرتس" بعنوان: “’ الناس خائفون جدًا‘: سيتم ترك الأكراد في شمال سوريا بين نيران الأسد ونيران أردوغان" ناقشت فيه باستفاضة المخاوف التي أثارها إعلان ترامب بين أكراد سوريا. وتعتبر صحيفتا "إسرائيل هايوم" و"هآرتس" الوسيلتين الوحيدتين اللتين نظرتا في معنى إعلان ترامب بالنسبة إلى أكراد سوريا. وفي الواقع، في مقابلةٍ مع "هيئة البث الإسرائيلية العامة"، تناول وزير النقل يسرائيل كاتس مخاوف الأكراد في سوريا، مشيرًا إلى أنه على الرغم من احتمال تعرض الأكراد للأذى بسبب قرار ترامب، "لحسن الحظ أن إسرائيل ليست الأكراد".
ومع ذلك، وفي ظل موجةٍ من التغطية السلبية، أشار البعض في وسائل الإعلام إلى أن تأثير قرار ترامب على إسرائيل سيكون ضئيلًا أو حتى إيجابيًا. وبعد يوم من الإعلان، نشر موقع "ماكو" (Mako) المشهور، الذي تملكه "مجموعة كيشيت الإعلامية" (Keshet Media Group) مقالًا بعنوان: "الولايات المتحدة تغادر سوريا لكنها لا تتخلى عن إسرائيل". وصف كاتب المقال شاي ليفي انتقاد وسائل الإعلام لإعلان ترامب بالمنافق، وأضاف إن قرار الانسحاب من سوريا ينسجم مع مصلحة واشنطن. ووفقًا لليفي، فإن صانعي القرار الأمريكيين والإسرائيليين "يدركون خير الإدراك أن المصالح الإيرانية والروسية لا تتلاقى". كما يزعم ليفي أن موسكو تريد أن تتراجع حدة القتال في سوريا، وبالتالي ستقوم بلا شك بمنع إيران من التصرف بعدوانية تجاه إسرائيل. 
علاوةً على ذلك، يشير الباحث المثير للجدل مردخاي كيدار في مقالٍ في مجلة "ميدا" (Mida) الإلكترونية إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا "ليس بمأساةٍ"، ويمكن أن يعود بالفائدة على إسرائيل، مؤكدًا أنه نتيجةً لقرار ترامب ستكون الولايات المتحدة أكثر استعدادًا لبيع الأسلحة لإسرائيل وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول أنشطة إيران في سوريا معها. وعلى نحوٍ مماثل، يعتقد نيتسان فوكس، وهو مدوِّن في صحيفة "ذا ماركر" (The Marker) التابعة لـصحيفة "هآرتس"، أن حالة عدم اليقين التي ستتبع الانسحاب يمكن أن تكون لصالح إسرائيل من خلال دق إسفين بين تركيا وسوريا وإيران.
وربما من غير المفاجئ أن تقوم بعض وسائل الإعلام الدينية، بما في ذلك "عروتس شيفع" (Arutz Sheva) و"كيكار هاشابات" (Kikar HaShabat) بتغطية تغريدة يوم عيد الميلاد المفاجئة للصحافي جايك توركس، وهو يهودي أرثوذكسي يعمل كمراسل في البيت الأبيض لمجلة "آمي" (Ami) اليهودية التي يقع مقرها في الولايات المتحدة. وكتب في تغريدته أن "قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا" جاء [بمعظمه] بطلبٍ من إسرائيل". وفي حين أن إدارة ترامب لم تعلّق على ادّعاء توركس، أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأيام الأخيرة أن "التزامات واشنطن تجاه إسرائيل لم تتغير"، وهو تصريح نُشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية على نطاقٍ واسع.
ومع عدم وضوح الجدول الزمني للانسحاب الآن ومع زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون إلى المنطقة حاليا، من المرجح أن ترسم هذه الزيارات معالم التحليل المستقبلي لإعلان ترامب الأولي. وفي حين أن ردود أفعال وسائل الإعلام في الدولتين تتوافق نسبيًا مع موقف بلادهما في ما يتعلق بالتدخل الأمريكي في المنطقة، فإن الإجراءات المستقبلية لتلك الدول في ضوء ديناميكية متحركة في سوريا لا تزال أقل وضوحًا.

حان الوقت لبلورة قناة خلفية لإجراء محادثات جدية بين السعودية والحوثيين

حان الوقت لبلورة قناة خلفية لإجراء محادثات جدية بين السعودية والحوثيين
 حان الوقت لبلورة قناة خلفية لإجراء محادثات جدية بين السعودية والحوثيين
 "وور أون ذي روكس"
9 كانون الثاني/يناير 2019
لا تزال الآمال كبيرة بشأن عملية السلام الجارية حالياً بين الحكومة اليمنية والحوثيين، ويعود ذلك إلى حد كبير لأن المبعوث الخاص المعيّن من قبل الأمم المتحدة، مارتن غريفيث، وضع لها توقعات منخفضة في البداية. وفي هذا الصدد، وصف غريفيث على نحو خاص الاجتماعات التي أُطلقت في كانون الأول/ ديسمبر بـ "مشاورات" لبناء الثقة وليس بمحادثات سلام. وأحرزت معايرته الواقعية تقدماً بطيئاً مصحوباً ببعض التعثر، ولكنّها أدّت أيضاً إلى أوّل جهد ناجح للجمع بين الطرفين منذ انهيار المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة في آب/ أغسطس 2016.
إلا أنّ هدفه - مفاوضات سلام نهائية تضع الأساس لتسوية سياسية دائمة للحرب الأهلية الكارثية التي دامت أربع سنوات في اليمن - من غير المرجح أن يفي بالهدف الأسمى الذي أدى إلى تدخل السعودية والإمارات في المقام الأول، وهو وضع حدّ للنفوذ الإيراني في اليمن. إذ يتطلب حل هذه المسألة التوصل إلى تسوية سلمية تعيد توجيه الحوثيين نحو ترتيب مختلف كلياً مع جارهم السعودي. وقد تعمقت العلاقة الحوثية - الإيرانية بشكل مطرد طوال فترة الحرب، لكنها ضعيفة أمام الانتكاسات - كما تُبيّن إشارات الحوثيين المرحلية إلى الرياض. وتتمتع الرياض بنفوذ لتقويض مشروع طهران في اليمن.
نحن الإثنتان، تأتيان إلى هذه المجموعة من الاستنتاجات في أعقاب فترة من الخبرة العميقة في المنطقة. فإحدانا كانت سفيرةً الولايات المتحدة في الإمارات في الفترة 2014 - 2018 وقبل ذلك كانت نائبةً لمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون شبه الجزيرة العربية، حيث كرست وقتاً كبيراً للسياسة في اليمن. أما الأخرى، فقد تابعت شؤون اليمن كمحللة سياسية لمدة اثني عشر عاماً، من بينها سبع سنوات قضتها في الشرق الأوسط وأربع سنوات في "مكتب مكافحة الإرهاب التابع لإدارة شرطة مدينة نيويورك". إن خبرتنا الحكومية من خلال العمل مع الرياض وأبو ظبي من جهة، والتحدث مع الناس الذين يعرفون الحوثيين جيداً من جهة أخرى، تعزز إيماننا بأن الوقت قد حان لأن تعمِل السعودية على تعميق المحادثات مع الحوثيين عبر القنوات الخلفية، بالتوازي مع المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة ودعماً لها، ولكن منفصلة عنها.
ما الذي يريده السعوديون
بينما كان قرار السعودية بالتدخل في اليمن عام 2015 قد جاء ظاهرياً استجابة لنداء من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، إلّا أن الرياض أوضحت منذ البداية أن هدفها الرئيسي هو إفساد العلاقة المزدهرة بين الحوثيين وطهران. ولم يتم تعزيز فرديّة هذه القضية بالنسبة للسعودية إلا من خلال قيام إيران بنقل تكنولوجيا الصواريخ المتقدمة والتدريب إلى الحوثيين، مما مكّن الجماعة المتمردة من الضرب في عمق الأراضي السعودية وتهديد الشحن الدولي في باب المندب. وبعد أربع سنوات من اندلاع الحرب، يبقى هدف السعودية الاستراتيجي الأسمى دون تغيير، وهو: إنهاء طموحات إيران الهادفة إلى إنشاء الوكلاء في اليمن وبالتالي تقليل التهديد على الوطن السعودي. فالمحادثات الجدية والمباشرة مع الحوثيين هي أفضل وسيلة لتحقيق هذا الهدف.
ما الذي يريده الحوثيون
لا تزال الأهداف الاستراتيجية النهائية للحوثيين غامضة. فقد أخبرَنا أحد اليمنيين الشماليين، على دراية واسعة بالجماعة، قائلاً "لا أعرف في بعض الأحيان ما إذا كان الحوثيون أنفسهم يعرفون". ومع ذلك، فقد أشار الحوثيون منذ فترة طويلة وبشكل سرّي إلى اهتمامهم بالمحادثات المباشرة مع السعوديين، أكثر من اهتمامهم بالتفاعل مع حكومة هادي، حيث يدركون جيداً أنها ذات عمر نصفي سياسي محدود. وقد تمت محاولة إجراء اتصالات بين الحوثيين والسعوديين بشكل متقطّع طوال فترة النزاع، وإن كان ذلك دون نتائج دائمة.
عند تقييم ما يريده الحوثيون، من المهم أن نلاحظ أنّ "الحوثيين" لا يشكلون كتلة واحدة - فالكثير من الجماعات في اليمن التي تُعتبر مؤيدة للحوثيين و/ أو مؤيدة لـ «أنصار الله» (الكيان السياسي لعائلة الحوثي) يتم تعريفها بدقة أكثر على أنها معادية للسعودية في هذه المرحلة من الصراع. وحتى في جوهرهم الإيديولوجي، ينتمي أفراد عائلة الحوثي نفسها، وكذلك جماعة «أنصار الله»، إلى طيف بين معسكرات أكثر اعتدالاً وأكثر تشدداً. وقد أخبرنا باحث في شؤون اليمن المطّلع على الحوثيين جيداً أن المعتدلين يؤيدون إسقاط صرخة الحوثيين المتمثلة بـ "الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". ويقال إن المتشددين يعتبرون "الصرخة" بمثابة صيحة استنفار فعالة وأصبحوا تحت سيطرة الإيديولوجية الثورية الإيرانية بشكل متزايد. لذا، فإن أي جهد جدي ومتواصل في المحادثات بين السعودية والحوثيين قد يوفر فرصة لتهميش العناصر المتشددة. فالدبلوماسية لها أسلوبها في تهميش الأطراف بالطريقة نفسها التي تعتمدها الحرب لتشجيعها.
وهذا الفصيل نفسه يجعل مهمة التوصل إلى قائمة شاملة بمطالب الحوثيين قضية صعبة - ولكن ليست مستحيلة. إن القراءة المتأنية لخطاب الحوثيين وتاريخهم، ومعرفة مطالبهم السابقة على النحو المنصوص عليه في العديد من الوثائق السياسية، بما فيها نتائج الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة الوطنية، وكذلك المحادثات الخاصة على مدى أشهر مع مجموعة من الناس لديهم اتصال وثيق مع الجماعة وعائلة [الحوثي]، قد سمح لنا بتوضيح المخاوف الأساسية المحتملة للحوثيين في أي محادثات سعودية - حوثية.
الاعتراف
يريد الحوثيون اعترافاً بدورهم الملحوظ في الحيّز السياسي والديني في اليمن وبأنهم سيظلون يلعبون هذا الدور. ففي محادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة، من المرجح أن يشير الحوثيون إلى جماعة «أنصار الله» باعتبارها حركة وطنية غير طائفية لها مطالب تعود إلى نتائج "الحوار الوطني"، وتحديداً تمثيل رفيع المستوى في الحكومة الانتقالية بعد انتهاء الصراع وحرية الدين. وفي المحادثات مع الرياض، قد يسعون أيضاً، على أقل تقدير، إلى إنهاء السلفية التي تموّلها السعودية في شمال اليمن، والتي بدأت في السبعينيات وأصبحت مصدراً للاحتكاك المتصاعد والنزاع المسلح في نهاية المطاف خلال العقد الأول من القرن الحالي. وباعتبارها عائلة بارزة لها تاريخ طويل في الدراسات الدينية التي تدّعي أن نسبها يعود إلى النبي محمد، شاركت عائلة الحوثي بنشاط في حركة النهضة الزيدية التي تطورت رداً على هذا التوغل السلفي. فالزيدية هي طائفة شيعية صغيرة من الإسلام - تختلف اختلافاً كبيراً عن الشيعة المتبعة في إيران - وتسكن في الغالب في المرتفعات الشمالية من اليمن. وفي هذا الإطار، أعرب حسين الحوثي، الابن الأكثر صراحةً من عائلة الحوثي، عن الخوف من إبادة الزيديين وثار ضد التدخل الأمريكي وغيره من التدخلات الأجنبية قبل أن يُقتل على يد الجيش اليمني في عام 2004. وفي الوقت الحاضر، تقوم الأسرة، التي أحْيَت الزيدية ذات يوم، بتسويق نفسها كحركة وطنية وتتجنب استخدام أي أسلوب قد ينبذ حلفائها غير الزيديين. وهكذا ستهيمن دعوات الحصول على الاعتراف السياسي، ومن المرجح أن تُصاغ أي دعوة للاعتراف الديني بلغة الحرية الدينية ومبدأ عدم التدخل للجميع.
السلامة الإقليمية والضمانات الأمنية
أدّت ست حروب في صعدة ضد حكومة الرئيس السابق علي عبد الله صالح بين عامَي 2004 و2010 - مع انضمام الرياض في عام 2009 - إلى تعميق ترسيخ الحوثيين على الأمن الإقليمي وسلامة الأراضي الوطنية. فمن المحتمل أن يكون السعوديون والحوثيون متباعدين تماماً عمّا يعتبرونه المجال الحوثي. وبغض النظر عن ذلك، فمن المرجح أن تصرّ الرياض على أن ينزع الحوثيون سلاحهم بالكامل، بينما سيصر الحوثيون بالتأكيد على الاحتفاظ بالأسلحة للدفاع عن أنفسهم. فالانتقام، في النهاية، سيكون دافعاً قوياً في مرحلة ما بعد الصراع بالنسبة للمجتمع القَبَلي في اليمن، ولدى الحوثيين الكثير لتوضيحه في نظر الموالين لصالح، من بين آخرين. كما سيظلون هدفاً لتنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة العربية». وكجزء من دعوتهم لـ "الشراكة الوطنية"، سيطلب الحوثيون أيضاً دمج قواتهم في الجيش الوطني. ولعلّ الأهم من ذلك هو أنّ الحوثيين سيطالبون بضمانات أمنية تقضي بعدم عبور القوات السعودية للحدود وانخراطها عسكرياً من جديد - عندما يحوّل العالم انتباهه عن اليمن.
الاستقلال الاقتصادي/الاعتماد المتبادل
في الوقت الذي تضررت فيه اليمن الشمالية بشكل خاص من جراء الغارات الجوية التي وجهها التحالف، فستكون مسألة المساعدات السعودية لإعادة الإعمار قضية حساسة. وقد لمّح أحد المتخصصين في اليمن إلينا، أنّ "بعض الناس في المنطقة لن ' يأكلوا اللحوم ' من أيدي السعودية مهما كانوا يائسين". فالحصول على مساعدة حاسمة في مجال إعادة الإعمار- حتى من أطراف ثالثة - كجزء من تسوية أكبر، سيهمّش دور طهران، التي خلاف ذلك ستتحرك لاستغلال هذه الحاجة. ويحتاج الحوثيون إلى شريان حياة اقتصادي لمنطقتهم الشمالية في مرحلة ما بعد الصراع، وهي حاجة يمكن معالجتها جزئياً من خلال زيادة التجارة الحدودية مع السعودية. كما أنّ لكلا الطرفين مصلحة في وقف التهريب والاتجار وغيرها من الآفات التي لطالما ابتليت بها محافظة صعدة الحوثية. وكما أخبرنا أحد الباحثين في شمال اليمن: "إنّ القبائل [الشمالية] متعبة، لكنها بحاجة إلى شيء للقيام به".
ضمانات عدم التدخل الأجنبي
تتعمّق الكراهية للتدخل الأجنبي في الكيان السياسي اليمني، ولا يشكّل الحوثيون استثناءً في هذا الصدد. والأهم من ذلك أنّ هذا العداء ينطبق بنفس القدر على إيران وعلى أعضاء التحالف الخليجي. فمن وجهة نظر الحوثيين، لم يقضوا سنوات في مكافحة السلفية ليصبحوا وكيلاً لمدرسة إسلامية بديلة لا تعترف بمؤسس الزيدية الإسلامية وتسعى إلى السيطرة عليهم. وقد أخبرَنا أحد المصادر الذي يقدم المشورة إلى «أنصار الله» أنّ الحوثيين "لن يكونوا دُمى في يد إيران". لقد أدارت السعودية احتياجاتها الأمنية في اليمن، بما في ذلك المناطق الحدودية الشمالية، لعقود من الزمن عبر التلاعب بالقبائل اليمنية. لكنّ الرياض تحوّلت على نحو متزايد نحو صنعاء بقيادة صالح في العقد الماضي، متجاهلة سخاء القبائل كأداة وخلقت فراغاً ينبع عنه انعدام الاستقرار في الشمال. ومن المرجح أن تهدف السعودية إلى اتباع نهج أكثر عملياً في اليمن في مرحلة ما بعد الصراع، الأمر الذي قد يراه الحوثيون مقبولاً، ولكن هذا أيضاً يشكّل مجالاً خصباً للدبلوماسية الخلاقة المباشرة التي ترتبط بالدعم الاقتصادي والترتيبات الأمنية في المناطق الحدودية، والاعتراف السياسي/ الديني.
ما الذي تريده إيران وما الذي توفره
كما هو الحال في الأجزاء المضطربة الأخرى من الشرق الأوسط العربي، حددت إيران فرصة مبكرة في اليمن - قبل الحرب الحالية بوقت طويل - واستغلتها بجرأة، بخلقها كابوساً للأمن القومي في الفناء الخلفي لعدوّها الإقليمي اللدود، المملكة العربية السعودية - وكل ذلك مقابل مبلغ زهيد.
وفي الوقت الذي تزايد فيه اهتمام إيران باليمن (لم يكن أبداً أولوية أمنية وطنية من الدرجة الأولى مثل العراق أو سوريا)، فإن ما تقدّمه طهران للحوثيين لا يزال محدوداً - وذلك إذا كان فعّالاً أصلاً - عندما يُقاس بالمصالح الأساسية للحوثيين. وتبقى قدرة طهران على زيادة مساعداتها غير العسكرية بصورة ملموسة محدودة بسبب المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها إيران نتيجة العقوبات الأمريكية. فلا يمكن لطهران أن تعالج مسألة مساعي الحوثيين من أجل الحصول على الاعتراف، أو الأمن، أو العلاقات الحدودية المتزنة والتبادل التجاري المتزن مع السعودية.
وقد قال لنا من هُم على معرفة بالحوثيين إن قيادة «أنصار الله» قد تفكّر في كبح العلاقات مع إيران من أجل [التوصل إلى] ترتيب بديل، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنّ منظورها للمساعدة ينطوي على قدر كبير من المعاملات. كما لا يبدو أن إيران تتحكم بسلطة صنع القرار التي يتمتع بها الحوثيون. فقد لاحظ المراقبون الذين تحدثنا إليهم أن عبد الملك الحوثي وقادته العسكريين غالباً ما يتجاهلون نصيحة إيران. فعلى سبيل المثال، تحرّك الحوثيون للاستيلاء على صنعاء في أيلول/ سبتمبر 2014 رغم توصيات طهران المناهضة لذلك. ويشار إلى إن كراهية الحوثيين للتدخل الأجنبي تحدّ من عمق العلاقات الخارجية أيضاً. وقد صدّت القيادة الحوثية بعض الانتقادات من حين لآخر عندما بدا وكأن طهران تتجاوز سلطتها، وأدانت بقسوة تصريح مسؤول عسكري إيراني في عام 2016 عندما أشار إلى أنّ إيران قد تمتلك قاعدة بحرية في اليمن، وكذلك تعليق أدلى به أحد الأعضاء في "المجلس" الإيراني عام 2014 ومفاده بأنّ صنعاء أصبحت العاصمة الإقليمية "الرابعة" تحت التأثير الإيراني. وفيما يتعلق بالمسألة الثانية، وصف الحوثيون التعليق بأنّه "كان استفزازياً بالنسبة إلينا كما هو بالنسبة إلى دول الخليج"، في مقابلة أُجريت عام 2016. باختصار، على الرغم من أنّه لا جدال في أن تعميق العلاقة كان نتيجة المساعدة العسكرية الإيرانية وطول مدة الصراع، تبقى هذه العلاقة تحالفاً قائماً على المصلحة بالنسبة إلى الحوثيين.
الاستراتيجية والأخطار
إن النظرة العالمية الراديكالية للحوثيين - الذين يعتبرون إسرائيل واليهود والولايات المتحدة بمثابة مزعزعين للاستقرار في المنطقة، وأعداء الإسلام والمتحكمين النهائيين بالأنظمة العربية - لن تتغير على الأرجح في أي وقت قريب. كما أن هذه الإيديولوجية السياسية هي التي تنشئ علاقة سياسية - وليست دينية - بينهم وبين إيران. ومع ذلك، يدرك جزء من أعضاء الحركة، ومن المحتمل أن تكون قيادتها على دراية بذلك أيضاً، أنّ التسوية السياسية مع الجار الكبير عبر الحدود تعود بفائدة على صعيد صمود المجتمع في النهاية أكثر بكثير من علاقة مع شريك نفعي، بعيداً بشكل طبيعي وغير قادر سوى على عرض القليل من الموارد غير العسكرية. وكما يميّز خبراء التطرف تمييزاً قاطعاً بين نزع التطرف (تغيير وجهة النظر العالمية) وفك الارتباط (تغيير السلوك)، فإن تغيير سلوك الحوثيين عن طريق مزيج قوي من الحوافز يشكّل هدفاً أكثر نجاحاً من تغيير نظرة الحوثيين للعالم.
ومع ذلك، يمكن إجراء محادثات جوهرية مباشرة مع معايير واضحة المعالم. ففي الواقع، نجحت مثل هذه المناورة الدبلوماسية في عام 2016 عندما تحدّث مسؤولو الاستخبارات السعودية مع الحوثيين بشكل مباشر ووافقوا على وقف التصعيد. حتى أنّ الحوثيين ذهبوا إلى حد إدانة إيران من أجل إبرام الصفقة. وكان هذا الجهد فعّالاً لكن قصير الأمد. ويرتبط درسان من هذا المسعى الأخير ارتباطاً وثيقاً بإجراء محاولة أخرى: أولاً، لعب هادي دوراً هدّاماً في ذلك الوقت، بسبب عدم علمه بالمحادثات السعودية - الحوثية إلّا بعد حدوثها، حيث اعتبرها تهديداً لمنصبه. ثانياً، تم ربط الاتفاق بين السعودية والحوثيين في ذلك الوقت بالمحادثات الداخلية اليمنية التي قادتها الأمم المتحدة. وقد أدى انهيار تلك المحادثات إلى إفساد القناة السعودية الحوثية. إن توقّع مثل هذه المخاطر المحتملة سيكون أمراً أساسياً لتجنّب الوقوع فيها مرة أخرى. وفي هذا الصدد، علمنا من جهة اتصال تابعة للأمم المتحدة أنّ لجان التهدئة التي أنشئت عام 2016 لا تزال قائمة ويمكن إعادة تشغيلها في وقت قصير. وذلك من شأنه أن يشكّل بداية جيدة.
كان يجب على الرياض أن تكون قد تعلّمت بالفعل من جهود سابقة قصيرة الأمد، بأن لا تقلل من شأن مهارات التفاوض التي يتمتع بها الحوثيون. فغالباً ما يلاحظ المراقبون الأجانب افتقار الجماعة إلى البروز على الصعيد الدولي وقلة خبرتها الدبلوماسية، وقيادتها الشابة - لكن كان قد تم التقليل من شأن آل سعود بالطريقة نفسها من قبل الأطراف الخارجية في الأيام الأولى للدولة السعودية الحديثة. إن المقولة المتكررة بأنّ الحوثيين عديمي الخبرة سياسياً تفشل أيضاً في الأخذ في الإعتبار فهم الحركة الشديد لكيفية عمل السلطة في اليمن (بالإضافة إلى أي تعليم توفره إيران). وكونهم "سادة"، أو أشخاص من سلالة النبي محمد، يتحدّر الحوثيون من مجموعة طويلة من المحكمين في شمال اليمن. وبالتالي، يملكون تحت تصرفهم - إذا اختاروا ذلك - الأدوات الحسنة الإعداد للدبلوماسية اليمنية الشمالية، وهي: الوساطة والحوار والتسوية.
الضرورة الملحة لقناة خلفية مباشرة ومركزة
إن نجاح مارتن غريفيث في كانون الأول/ ديسمبر في نيل التزام الحوثيين وحكومة هادي والتحالف الذي تقوده السعودية بمجموعة منالتدابير الأولية لبناء الثقة حظي بالترحيب من قبل المجتمع الدولي. ولكن هشاشة أعمال التعتيم التي تمت صياغتها بحذر وبصورة متعمّدة أصبحت واضحة على أرض الواقع. فعمل المبعوث الخاص للأمم المتحدة هو مجرد بداية، ولكن قيام نوع مختلف من تدابير بناء الثقة يشكّل أهميةً حاسمةً عند هذا المنعطف: قناة خلفية [اتصالات سرية] مباشرة ورفيعة المستوى بين الحوثيين والسعوديين لتعزيز عمل الأمم المتحدة. كما أن مناورة دبلوماسية تقودها السعودية لضم الحوثيين ستوفّر طريقةً، تشتد الحاجة إليها، لإنقاذ ماء الوجه من أجل إنهاء هذه الحرب الكارثية في وقت بلغ فيه التفكير الاستراتيجي أدنى مستوياته في المنطقة. إن الرياض وحدها هي في وضع يمكّنها من القيام بمثل هذه الخطوة، وبواسطة نفوذ كبير. والحافز؟ نوع مختلف من الانتصار - ذلك الذي أثبت تماماً أنه بعيد المنال في ساحة المعركة، وهو: إعادة توجيه الحوثيين بعيداً عن حليفهم الحالي، طهران.
إنّ الزعيم السعودي الذي شنّ حملة تدخل للتضييق من تجاوزات إيران في شبه الجزيرة العربية، لكنه رأى ولسخرية القدر أنّ ذلك النفوذ قد ازداد عمقاً خلال فترة الصراع، يتمتّع بفرصة أفضل بكثير لتحقيق ذلك الهدف من خلال إقامة قناة اتصال مباشر مع القيادة الحوثية. ويمكن لمثل هذه المحادثات أن تستقطب ضغوط مفاوضات السلام التي تقودها الأمم المتحدة والتي تحظى بدعم دولي، وأن تفرضها أيضاً. كما يمكن أن تقلّص الدور السياسي للحوثيين ليصبحوا مجرّد جهة سياسية أخرى (وإن كانت صاخبة) ضمن مجموعة من هذه الجهات الفاعلة التي تتداول حول شكل حكم اليمن في مرحلة ما بعد الصراع.

باربارا ليف هي زميلة زائرة متميزة في زمالة "روزنبلات" في معهد واشنطن وسفيرة الولايات المتحدة السابقة في الإمارات في الفترة 2014 - 2018. إيلانا ديلوزيي، هي زميلة أبحاث في "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في المعهد وأخصائية في شؤون اليمن.

ترامب يغادر سوريا: الصورة من منظور إسرائيلي

 ترامب يغادر سوريا: الصورة من منظور إسرائيلي



 ترامب يغادر سوريا: الصورة من منظور إسرائيلي
 8 كانون الثاني/يناير 2019

حرص المسؤولون الإسرائيليون على عدم انتقاد الإعلان الأخير للرئيس ترامب عن انسحاب جميع القوات العسكرية الأمريكية من سوريا. ومع ذلك، فقد أظهروا، ضمناً، استياءً وقلقاً ورغبة في تحقيق أقصى قدر من الاستفادة من الوضع.
لقد كان الرد العلني الأولي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فاتراً، إذ أشار إلى أن إسرائيل ستستمر في رعاية مصالحها الأمنية وأنها "لن تذعن لترسيخ الوجود الإيراني في سوريا". وقد تابع تلك التصريحات بمناقشات ثنائية محمومة حول هذه المسألة، وأجرى مكالمة هاتفية مع الرئيس ترامب، واجتمع مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو على هامش تجمٌّع في البرازيل، واستضاف "مستشار الأمن القومي" الأمريكي جون بولتون في القدس. وأثارت هذه المناقشات تأكيدات أمريكية علنية بشأن أمن إسرائيل، وبالتالي، أتاحت الفرص للتأثير على الطريقة التي يتم بها تنفيذ قرار ترامب.
وقد قلل بعض المسؤولين الإسرائيليين الحاليين والسابقين من شأن إعلان ترامب، مؤكدين أن الوحدة الأمريكية في سوريا صغيرة وغير فعالة في وجه الزخم العسكري الإيراني، وأن إسرائيل وحدها تحملت عبء مقاومة هذا الزخم، وأن واشنطن ستدعم إسرائيل حتى لو تم سحب القوات الأمريكية. وبقدر ما هي صحيحة، لا تروي هذه التصريحات القصة كاملة.
مخاوف إسرائيل تتركز على إيران
تميل أوساط صنع القرار الإسرائيلية إلى وضع قرار ترامب ضمن سياق المسار الأمريكي المتصوَّر للانسحاب من الشرق الأوسط، حيث قررت واشنطن على ما يبدو تقليص وجودها العسكري بسبب عوامل مختلفة وهي: الإرهاق بعد سنوات من الحروب المكلفة في المنطقة، وانخفاض الاعتماد على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، والرغبة في العودة إلى الشؤون الداخلية مع تحويل التركيز نحو الشرق الأقصى. وبدا أن الرئيس أوباما قد اعتمد على هذا الشعور العميق أيضاً، وإن كان بطرق مختلفة. وبالتالي، يشعر الإسرائيليون بالقلق من احتمال إضعاف عنصر مكمّل هام لردعهم الاستراتيجي ومرساة الاستقرار الإقليمي.
وفي الغالب، تنظر إسرائيل إلى القرار الأمريكي من خلال منظور التهديدات الأكبر لأمنها القومي - وتحديداً، طموحات إيران النووية والإقليمية، وجيشها المؤلف من الوكلاء الذين يبنون قدراتهم في الجوار المباشر لإسرائيل. فمن خلال هذا المنظور، تكون النتيجة النهائية سلبية.
لدى إيران مخطط واضح لتحويل سوريا التي مزقتها الحرب إلى جبهة عسكرية هائلة ضد إسرائيل، ودمجها مع الجبهة في لبنان كجزء من خطة استراتيجية لتطويق إسرائيل وإنشاء ممر متواصل الأجزاء للسيطرة الإيرانية الفعلية التي تمتد إلى البحر الأبيض المتوسط. وفي السنوات الأخيرة، حددت إسرائيل خطوطها الحمراء فيما يتعلق بتورط إيران في سوريا وقامت بإنفاذها من خلال العمليات العسكرية المستمرة - وهي حملة ناجحة نسبياً ولكنها تنطوي على خطر نشوب صراع إسرائيلي -إيراني أوسع نطاقاً. ومن هذا المنطلق، قرأت القدس بشكل صحيح موقف إدارة ترامب على أنه تقسيم للعمل، حيث تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً شديدة على إيران، ولكن بشكل أساسي في السياق النووي، وبصورة محدودة على الأدوات الاقتصادية والسياسية. وفي الوقت نفسه، تُرك للقوات المحلية دور المواجهة العسكرية لطموحات إيران الإقليمية، وتأتي إسرائيل في مقدمة هذه القوات.
ونظراً لمبدأ إسرائيل التوجيهي للدفاع عن النفس بصورة مستقلة، وواقع عدم رؤية واشنطن بأن سوريا تشكل أمراً حاسماً لمصالحها الأمنية القومية، فإن الإسرائيليين لم يتوقعوا أبداً أن تؤدي القوات الأمريكية دوراً نشطاً في الحملة لمجابهة إيران عسكرياً هناك. ومع ذلك، أعربوا عن أملهم في أن تقوم الإدارة الأمريكية بدمج أصولها وأنشطتها العسكرية الموجودة في سوريا في استراتيجية متماسكة لمنع أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة. وقد أحيا هذه الآمال كبار أعضاء فريق الأمن القومي للرئيس ترامب، الذين ربطوا في الأشهر الأخيرة مراراً وتكراراً الوجود العسكري الأمريكي المستمر في سوريا بالوجود الإيراني فيها.
إلا أن ترامب بدّد هذه الآمال على نحو مفاجئ، فربط قرار الانسحاب بالحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وبالتالي أكّد أن الوجود الأمريكي في سوريا لم يكن جزءاً من استراتيجية أوسع نطاقاً ضد إيران. وليس هناك شك بأن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل وأصحاب المصلحة الإقليميين الآخرين في تلك الاستراتيجية، وقد شكّلت العقوبات الاقتصادية الأخيرة ضغوطاً على استثمارات إيران الخارجية، ولكن يبدو أن واشنطن غير راغبة في تولي دور قيادي استباقي في هذه الحملة الإقليمية.
ويشعر المسؤولون الإسرائيليون بالقلق لأن الانسحاب الأمريكي سيؤثر على منطقتين رئيسيتين: (1) قاعدة التنف، والمنطقة العازلة المحيطة بها في جنوب شرق سوريا التي يبلغ طولها خمسة وخمسون كيلومتراً، وتقع على الطريق الاستراتيجي بين بغداد ودمشق، و (2) المنطقة الكردية شبه المستقلة في شمال شرق سوريا. وقد أعاقت هذه المناطق (وخاصة التنف) فروع الممر الذي تخطط له إيران والذي يصلها بالبحر المتوسط. وبالمثل، يشعر الأردن بالقلق إزاء إخلاء التنف لأن ذلك قد يسمح بنشر وكلاء إيرانيين بالقرب من حدوده - مما يشكّل مصدر قلق كبير بالنسبة لإسرائيل التي تعتبر استقرار المملكة أمراً حاسماً.
وإذا أزيلت هذه الحواجز الرئيسية، بإمكان لإيران ووكلائها تكثيف جهودهم بسرعة لاستكمال الممر واستخدامه لنقل القوات والأسلحة إلى سوريا وعبرها براً، مما يقلل من اعتمادهم الكبير على الممرات الجوية الإشكالية ويسهم في تطوير البنية التحتية العسكرية بشكل أكبر داخل سوريا ولبنان. وعليه، فلن يكون أمام إسرائيل أي خيار سوى الرد على هذا التحدي بقوة. وقد تراجعت المواجهة الإسرائيلية-الإيرانية في سوريا في الأشهر الأخيرة، ويرجع ذلك أساساً إلى تدخل موسكو القوي مع كلا الطرفين في أعقاب سقوط طائرة عسكرية روسية هناك في أيلول/سبتمبر. وبعد ذلك، تحوّل تركيز المواجهة إلى لبنان، حيث سعى «حزب الله»، عميل إيران، إلى إنتاج صواريخ عالية الدقة وحفر أنفاق هجومية تصل إلى داخل إسرائيل. ومع ذلك، يمكن أن تندلع الأعمال العدائية مجدداً في سوريا وبسهولة، لا سيّما إذا كثّفت إيران أنشطتها هناك بعد الانسحاب الأمريكي.
ومن وجهة نظر القدس، فحتى الوجود المتواضع للقوات الأمريكية غير الفعال في مواجهة إيران قد يضيف قيمةً إلى الهدف المتمثل في ردع موسكو وطهران، فهو يؤكّد دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في وقت كانت تخاطر فيه بخوض حرب مع إيران واندلاع صراع محتمل مع روسيا. وقد سعى الكرملين بالفعل إلى الحد من حرية تصرف إسرائيل في سوريا منذ أزمة سقوط الطائرة في أيلول/سبتمبر، حيث ألقى اللوم على القوات الإسرائيلية نتيجة خطأ فادح ارتكبته الدفاعات الجوية لنظام الأسد. وحتى الآن، لم تنتعش العلاقات الثنائية تماماً بعد.
ويؤمن المسؤولون في وزارة الدفاع الإسرائيلية أن توجيه هذا اللوم إلى إسرائيل كان أحد التكتيكات التي تتبعها روسيا للحث على التوصل إلى تفاهمات محتملة مع واشنطن بشأن الانسحاب من سوريا، من بين قضايا أخرى. فوفقاً لتقارير وسائل الإعلام الصادرة مؤخراً، اتصلت موسكو بمسؤولين إسرائيليين في أيلول/سبتمبر بشأن فتح حوار مع الولايات المتحدة، وذلك جزئياً للإعراب عن رغبتها في طرد القوات الإيرانية ووكلائها من سوريا. وفي المقابل، كان سيُطلب من واشنطن تجميد العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران أو تخفيفها، وإخراج قواتها من سوريا. غير أنّ المسؤولين الإسرائيليين رفضوا الاقتراح بشكل أساسي لأنهم لا يريدون تشجيع أي تخفيف للعقوبات المفروضة على إيران؛ بيد، يعتقد البعض أنه كان بإمكان إدارة ترامب أن تستغل اهتمام روسيا كورقة تفاوض لإستخلاص تنازلات قبل سحب القوات. ولكن للأسف، أدّى إعلان ترامب إلى منح موسكو وطهران ما يريدانه مجاناً.
وبالنظر إلى المستقبل، يشعر بعض المسؤولين الإسرائيليين بقلق شديد حيال واقع استمرار واشنطن إظهار عزوفها عن اللجوء إلى القوة العسكرية في المنطقة، واضعة سياساتها القسرية على أساس الضغط الاقتصادي. كما أنهم يتساءلون عمّا ستفعله الإدارة الأمريكية إذا جددت إيران برنامجها النووي واقتربت من احتمالات اختراق خطيرة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل تعتبر واشنطن ذلك بمثابة خط أحمر يرغم الولايات المتحدة على اللجوء إلى الخيار العسكري، أم تتوقع من إسرائيل أن تتولى معالجة هذه المشكلة؟
وبعيداً عن المخاوف الإيرانية، فإن إعلان الانسحاب الأمريكي قد أقلق المسؤولين الإسرائيليين في السياق الإقليمي الأوسع. فمن خلال تعزيز مفاهيم التراجع الأمريكي، تشير هذه الخطوة إلى أنه يجب على الجهات الفاعلة الإقليمية التعامل مع روسيا من أجل حماية مصالحها. بالإضافة إلى ذلك، تم اتخاذ القرار بالتنسيق مع تركيا، وهي الدولة التي زادت من حدة خطابها المعادي لإسرائيل في الآونة الأخيرة. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الحلفاء الرئيسيين الآخرين للولايات المتحدة غير راضين عن إذعان واشنطن الواضح لأنقرة، فضلاً عن السعودية ومصر. ومع ذلك، فإن أحد الجوانب المشرقة لهذه الأحداث المثيرة للمشاكل هو أنها قد تحفز الدول العربية الرئيسية على تعميق تعاونها مع إسرائيل، التي تعتبرها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في النضال ضد التهديدات الإسلامية، السنية أو الشيعية.
الخاتمة
من الضروري أن تتكيف إسرائيل مع الوضع الجديد وتستمر في اتخاذ إجراءات ضد ترسيخ الوجود العسكري الإيراني في سوريا، كما فعلت في الأسابيع الثلاثة منذ إعلان ترامب. وستسعى على وجه الخصوص إلى إعادة صياغة التفاهمات مع موسكو بشأن سوريا، والتأثير في كيفية تنفيذ الانسحاب الأمريكي (على سبيل المثال، وضع جداول زمنية، وترك الوحدة الأمريكية في التنف، واستمرار العمليات الجوية، وما إلى ذلك)، والحصول على ضمانات أمنية أمريكية إضافية، تشمل الاعتراف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان. وبينما تبدو الإدارة الأمريكية متنبهة لبعض هذه الطلبات وتبذل جهداً كبيراً للتخفيف من الانطباع الإقليمي السلبي لقرار الرئيس ترامب، إلّا أن الآثار الطويلة الأجل المترتبة على الوضع لا تزال تلوح في الأفق في القدس ولا يمكن تجاهلها.

مايكل هيرتسوغ، عميد متقاعد في "جيش الجفاع الإسرائيلي"، وزميل دولي في زمالة "ميلتون فاين" في معهد واشنطن. وشغل سابقاً منصب رئيس "قسم التخطيط الاستراتيجي" في "الجيش الإسرائيلي"، ومدير الموظفين لعدة وزراء دفاع إسرائيليين.

أربع قضايا أساسية سيواجهها رئيس هيئة الأركان الجديد كوخافي

أربع قضايا أساسية سيواجهها رئيس هيئة الأركان الجديد كوخافي
"هآرتس"، 15/1/2019

أربع قضايا أساسية سيواجهها رئيس هيئة الأركان الجديد كوخافي
Image result for ‫عاموس هرئيل‬‎


عاموس هرئيل - محلل عسكري
  • ولايات رؤساء هيئة الأركان تتحرك دائماً بين بناء القوة واستخدامها، وبين ما خُطط له مسبقاً لمواجهة الظروف المتطورة غير المتوقعة. عندما تولى أيزنكوت منصبه في شباط/فبراير 2015، بدا أنه حظي بفرصة جيدة. ففي ذلك الصيف جرى توقيع الاتفاق النووي بين الدول العظمى وإيران، والحرب الأهلية الدموية في سورية أنهكت فلول جيش الأسد.
  • هذه المهلة الزمنية سمحت له في بداية سنة 2016 إطلاق خطة جدعون المتعددة السنوات، بعد خمس سنوات من صوغ وحفظ خطط أخرى. لكن على الرغم من أنه خلال ولاية أيزنكوت لم تحدث حرب أو عملية عسكرية واسعة، فإنه استُخدمت فيها قوة كبيرة. المعركة بين الحروب، هذه السلسلة الواسعة من الهجمات ما وراء الحدود، توسعت من مجموعة قصف جوي ليلي إلى عقيدة عسكرية كاملة.
  • بقي لخطة جدعون المتعددة السنوات قرابة عامين، لكنها، عملياً، تقترب من نهاية طريقها. بواسطتها فرض أيزنكوت تغييرات كثيرة في بنية الجيش وسلم أولوياته. ليس كل ما خطط له مسبقاً تمكن من إنجازه. لكن مبادىء عقيدة جدعون بدأت تتفكك على خلفية التغييرات الإقليمية: خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، الوجود الروسي في سورية (بالإضافة إلى الانسحاب الأميركي)، انتصار نظام الأسد في الحرب الأهلية وبداية عمليات إعادة بناء جيشه.
  • في هذه الأثناء يرسم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو رؤية "الجيش الإسرائيلي في 2030". يختلف الجيش الذي يتصوره نتنياهو عن ذلك الذي خطط له أيزنكوت، الذي دفع القوات البرية إلى مرتبة متدنية في سلم الأولويات. نتنياهو أيضاً مستعد لأن يوظف في السنوات القادمة كثيراً جداً من المال في الجيش، الاقتراح الذي رفضه أيزنكوت بتهذيب لكن بعناد طوال السنة الأخيرة.
  • المطلوب من كوخافي حالياً أن يقوم بتعديلات سريعة للغاية. في جميع المناصب التي تولاها اعتُبر رئيس هيئة الأركان الجديد ثورياً، قائداً خبيراً في تفكيك التشكيلات التي يترأسها وإعادة تركيبها. إن حجم التحدي ومعه المشكلات التي يجب عليه حلها هذه المرة كبيرة جداً. وهذه هي القضايا المركزية التي سيواجهها في الفترة القريبة:
  • الوضع الإقليمي. تميزت السنوات الأخيرة بحدوث تغيرات متلاحقة ومفاجئة في الشرق الأوسط. حالياً الساحة المحيطة بإسرائيل أيضاً غير مستقرة. وبخلاف الانطباع الذي من المحتمل أن يتكوّن من جرّاء مقابلات أيزنكوت الوداعية، لم تُحسم أي معركة. حتى الآن، إسرائيل كبحت جهود التمركز الإيراني في سورية، لكن هذا لا يعني أن الحرس الثوري استسلم وتخلى عن الصراع. احتمال أن يعود حزب الله إلى إقامة مصانع للسلاح في لبنان ما يزال مفتوحاً. عمليات التسوية في قطاع غزة أثمرت فقط ثماراً موقتة. وثمة شك في أن تكون شحنات الغذاء والوقود الممول قطرياً كافية لضمان الهدوء في مواجهة "حماس" فترة طويلة. أيضاً عهد محمود عباس في السلطة سينتهي على ما يبدو خلال فترة ولاية رئيس هيئة الأركان الجديد.
كوخافي كان قريباً من اعتبارات أيزنكوت لاستخدام القوة، ومن المعقول أن يحرص في هذا المجال على التمسك بسياسة سلفه: عمليات عسكرية فوق الرادار وتحته ، لكن من دون جر الدولة إلى حروب لا لزوم لها.
  • الحساسية السياسية. جمع نتنياهو رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع، يجعل رئيس هيئة الأركان تابعاً لشخص واحد فقط [رئيس الحكومة] المشغول كلياً بصراع بقاء سياسي وقضائي. الفرص والصور المتلاحقة مع ضباط وجنود تُستغَل منذ الآن في حملة نتنياهو الانتخابية. من المحتمل أيضاً أن تصريحات نتنياهو الأخيرة التي أنهت الغموض بشأن الهجمات في سورية لها علاقة بذلك. سيكون على كوخافي المحافظة على عدم غرق الجيش في المستنقع السياسي. مع انتخابات في نيسان/أبريل، ومفاوضات ائتلافية حتى حزيران/يونيو، ومواجهة مستمرة مع المستشار القانوني للحكومة، ليس واضحاً إذا كان رئيس الحكومة مستعداً للإصغاء إلى خطط رئيس هيئة الأركان الجديد الثورية، الذي لا يقدر على السماح لنفسه بالانتظار مدة طويلة.
  • ورطة سلاح البر. رئيس هيئة الأركان المنتهية ولايته كان من المؤمنين بشدة بضرورة المناورة البرية في حسم حرب مستقبلية. عملياً، وعلى الرغم من قيام أيزنكوت بعمليات مهمة، بقي هناك فجوات كثيرة في قدرة القوات البرية، بين القوات النظامية وأفراد الاحتياط وبين فرق الاحتياط المتعددة. سيفهمون في الجيش بسرعة ما إذا كان كوخافي ينوي القيام جدياً بجهد لتحسين القوات البرية وجهاز الاحتياط، أو أن الحديث عنه مجرد كلام لفظي موجّه إلى الخارج. تطرق رئيس هيئة الأركان إلى هذا الموضوع اليوم ووعد: "أعد بتكريس كل طاقتي لتعزيز الجدار الواقي، وملاءمته مع تحديات الحاضر والمستقبل، بهدف زيادة القدرة على إلحاق الضرر بالعدو، وقيام جيش فتاك، كفء، وحديث".
في الخلاصة، وعلى الرغم من تحسن وضع المخازن وقطع الغيار، وتحديث الخطط العملانية في قطاعات متعددة وإحراز تقدم معين في مجال التدريبات، ما زالت هناك علامات استفهام كثيرة بشأن قدرة الجيش عند الحاجة على تحقيق انتصار حاسم على حزب الله. هذه المسألة مرتبطة بمسألة التعيينات الرفيعة المستوى. أهم تعيين سيُطلب من كوخافي في المرحلة الأولى سيكون قرار تعيين قائد لذراع البر.
  • أزمة القوة البشرية. يواصل الجيش إنكاره خطورة المشكلة التي تبدأ من جيل المجندين الذين انخفضت حوافزهم للخدمة القتالية بصورة كبيرة، مروراً بعناصر الجيش النظامي الذين يقل عددهم في التسجيل في الخدمة المستمرة، وصولاً إلى الهرب الصامت للمقاتلين الاحتياطيين من الخدمة في الوحدات الرمادية. ما زال الجيش يعاني جرّاء موجة التسريحات الواسعة التي قام بها في صفوفه (نحو 5000 من أفراد الجيش النظامي) ولم يتوقف كي يحلل دلالاتها حتى النهاية. هناك قضايا تدحرجت في العقد الأخير من ولاية رئيس هيئة الأركان إلى الذي خلفه- المحافظة على نموذج جيش الشعب، تغييرات في مساقات الخدمة، حجم انضمام النساء إلى قوة المقاتلين، وكل ذلك سيقوم كوخافي بحسمه في السنوات القادمة. ثمة شك فيما إذا كان من الممكن تأجيلها.
  • رؤساء هيئة الأركان السابقون أنجروا رغماً عنهم إلى نقاشات أخلاقية- تأثير الحاخامين، قضية الجندي أزرايا - التي قسمت المجتمع الإسرائيلي. هناك أزمة حقيقية تتطلب معالجة من قبل كوخافي وقرارات مهمة يجب عليه أن يتخذها؛ وكلما قلل من انجراره إلى داخل الحروب الثقافية والنفوذ التي تدور على حساب الجيش كلما كان هذا أفضل.
  • من المفهوم أن ليس كل شيء يتعلق به. والمطلوب من رئيس هيئة الأركان الجديد أكثر ممن سبقوه المناورة في بيئة تجمع بين تغطية إعلامية طفولية (قطع البث الحي في أحد الاستديوهات اليوم من أجل عرض قالب حلوى فيه صورة رئيس هيئة الأركان)، وساحة سياسية انتقامية، ووسائل تواصل اجتماعي هستيرية.
  • ليس هناك أي سبب للافتراض بأن الوضع سيكون مختلفاً. يجب ألاّ ننسى أن كوخافي لم يكن الاختيار الأول لنتنياهو، وأن تعيينه فرضه وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان. من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كانت بلاغة رئيس هيئة الأركان الجديد كما ظهرت في خطابه اليوم، والتي تنافس تقريباً بلاغة نتنياهو، ستظل تحظى طويلاً بتأييد الجالسين في المقاعد الخلفية لحزب السلطة.

Sunday, January 13, 2019

مؤشر الإرهاب العالمي.. خرائط الملاذات البديلة لداعش والقاعدة

مؤشر الإرهاب العالمي.. خرائط الملاذات البديلة لداعش والقاعدة
استعادة النفوذ:
مؤشر الإرهاب العالمي.. خرائط الملاذات البديلة لداعش والقاعدة
السبت, 12 يناير, 2019
Sha SMS
استعادة النفوذ:
عرض: محمد بسيوني عبدالحليم - باحث في العلوم السياسية
تعرّض مشهد الإرهاب العالمي لمتغيرات جوهرية خلال السنوات الأخيرة، فتنظيم "داعش" الإرهابي الذي ظهر في سوريا والعراق خلال عام ٢٠١٤، وسيطر على أراضٍ شاسعة في الدولتين، فَقَدَ الكثير من مصادر قوته، وتعرّض لخسائر هائلة، دفعته للبحث عن مناطق مغايرة للانتشار، مثل: إفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب شرق آسيا. ويُتوقع أن يستقطب التنظيم عناصر جديدة تُمكِّنه من الحفاظ على أفكاره ونشاطه. كما أن تنظيم "القاعدة" استمر هو الآخر كأحد التنظيمات الإرهابية المؤثرة من خلال شبكاته المنتشرة في مناطق مختلفة. 
وبموازاة هذا النمط من الإرهاب تكرس نمط آخر من التطرف القومي واليميني الموجه ضد الأجانب، وعلى وجه التحديد ضد المسلمين في المجتمعات الغربية. 
في هذا الصدد، أصدر معهد الاقتصاد والسلام تقرير "مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2018" الذي صدر في ديسمبر ٢٠١٨، والذي يرصد أبرز الاتجاهات العالمية والإقليمية للتهديدات الإرهابية وتطوراتها خلال عام، من خلال تحليل آثار وتداعيات الإرهاب في 163 دولة تغطي نحو 99,7% من سكان العالم، وهو ما يجعل التقرير يتسم بدرجة كبيرة من الشمولية، وطرح نظرة مقارنة للتهديدات الإرهابية بتجلياتها المتعددة في الأقاليم المختلفة. 
خريطة الفاعلين الإرهابيين
ينطلق التقرير من تعريف للإرهاب بأنه "التهديد أو الاستخدام الفعلي للقوة غير القانونية والعنف من قبل جهة غير تابعة للدولة؛ لتحقيق هدف سياسي أو اقتصادي أو ديني أو اجتماعي، من خلال الخوف والإرغام أو الترهيب والتهديد". ولكي يتم تصنيف حادث على أنه عملية إرهابية، وفقًا للمؤشر، يتعين أن يكون مقصودًا ومتعمدًا، وينطوي على مستوى من العنف، أو حتى التهديد بالعنف، ناهيك عن تنفيذه من قبل فاعلين من غير الدول. 
وعطفًا على هذا التعريف، تتضمن خريطة الفاعلين الإرهابيين -وفقًا للتقرير- عددًا من الفاعلين الرئيسيين يتنوعون بين التنظيمات الإرهابية ذات الانتماء الديني، مثل تنظيمَيْ "داعش" و"القاعدة"، وتلك المرتبطة بأطروحات قومية يمينية، والتي تروج لأهداف سياسية ذات صبغة أيديولوجية غير دينية. 
أولًا- التنظيمات الإرهابية ذات الانتماء الديني: يُشير التقرير إلى أن هذا النمط من التنظيمات كان الأكثر حضورًا في المنظومة الإرهابية خلال عام 2017. ويضيف: كان هناك أربعة تنظيمات أساسية مسئولة عن النسبة الأكبر من ضحايا الإرهاب، هي: تنظيم "داعش"، حركة "طالبان"، حركة "الشباب المجاهدين" الصومالية، جماعة "بوكو حرام". وتلك التنظيمات مسئولة عن مقتل 10632 شخص، ما يمثل 56,5% من مجموع قتلى الإرهاب خلال عام 2017. 
وفي هذا السياق، لا تزال لدى تنظيم "داعش" القدرة على تنفيذ هجمات إرهابية، حيث نفذ هجمات خلال عام 2017 في 286 مدينة بأربع مناطق مختلفة (آسيا والمحيط الهادي، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأوروبا، وروسيا وأوراسيا). 
ويذكر التقرير أن تلك المعطيات لا تنفي تراجع تنظيم "داعش" وتعرضه لانتكاسات شديدة أثرت على قدرته على تنفيذ هجمات إرهابية مؤثرة، وانخفض عدد الوفيات التي تسبب فيها التنظيم إلى 4350 حالة خلال عام 2017 بعد أن كانت 9150 حالة خلال عام 2016 بانخفاض قدره 52%. وبموازاة ذلك، تراجعت فاعلية الهجمات الإرهابية للتنظيم لينخفض معدل الوفيات لكل هجوم من ثمانية أشخاص إلى خمسة تقريبًا لكل هجوم إرهابي.
ويشيرُ التقرير إلى أن "حركة الشباب" و"بوكو حرام" كانا التنظيمين الإرهابيين الأكثر خطورة في إفريقيا جنوب الصحراء. فخلال عام 2017، تتحمل الأولى مسئولية قتل 1457 شخصًا، حيث كانت النسبة الأكبر من القتلى في الصومال. بينما نفذت جماعة "بوكو حرام" 272 هجومًا إرهابيًّا في عام 2017 مما أسفر عن مقتل 1254 شخصًا، غالبيتهم سقطوا في هجمات نفذتها الجماعة داخل نيجيريا، والباقي في الدول المجاورة مثل الكاميرون والنيجر. 
ثانيًا- إرهاب اليمين المتطرف في الغرب: يُشير التقرير إلى أنه شكّل أحد مصادر الإرهاب خلال السنوات الأخيرة. فوفقًا للتقرير، شهد عدد من الدول الغربية هجمات إرهابية لليمين المتطرف خلال عام 2017. فعلى سبيل المثال، كان المتطرفون من ذوي البشرة البيضاء مسئولين عن تسع هجمات وسبعة قتلى في أمريكا الشمالية، وكان أبرزها في أغسطس 2017 خلال مسيرة "وحدوا اليمين" في شارلوتسفيل بولاية فرجينيا، حيث قام متطرف أبيض بقيادة سيارته تجاه حشد من الناس وقتل شخصًا واحدًا. وفي كندا قام متطرف يميني بتنفيذ هجوم مسلح على المركز الثقافي الإسلامي بمدينة كيبيك وقتل ستة أشخاص. 
وبشكل مجمل، يوضح التقرير أن الإرهاب اليميني المتطرف تسبب في مقتل 66 شخصًا عبر 113 اعتداءً تم تنفيذها خلال الفترة من 2013 إلى 2017، منهم 47 اعتداءً و17 حالة وفاة خلال عام 2017 فقط. حيث شهدت المملكة المتحدة 12 هجومًا، والسويد ست هجمات، ووقع هجومان في كل من اليونان وفرنسا. بينما حدث في الولايات المتحدة 30 هجومًا أفضى إلى مقتل 16 شخصًا. 
ثالثًا- التنظيمات السياسية الأيديولوجية: يذكر التقرير أنها حظيت بقدرة على تنفيذ هجمات إرهابية خلال عام 2017، ومن ضمن هذه التنظيمات الحزب الشيوعي الهندي (الماوي) الذي يعارض النظام الهندي الحاكم ورئيس الوزراء "ناريندرا مودي" وحزب بهاراتيا جاناتا القومي. وقد نفذ 190 هجومًا إرهابيًّا في الهند أدى إلى مقتل 205 أشخاص. وكانت كثير من هجمات الحزب موجهة ضد قوات الشرطة والجيش. 
وظهر هذا النمط من الإرهاب في الفلبين أيضًا، حيث نفذ الجيش الشعبي الجديد الشيوعي 235 هجومًا داخل الدولة خلال عام 2017 ليقتل 113 شخصًا، ما يمثل 35% من مجموع ضحايا الإرهاب في الفلبين. 
دلالات رئيسية
يُشير التقرير الذي يصنف الدول على مقياس من صفر (حيث لا يوجد تأثير للإرهاب) إلى عشرة (يمثل أعلى تأثير للإرهاب)، إلى أن العدد الإجمالي للوفيات الناجمة عن العمليات الإرهابية انخفض بنسبة 27% بين عامي 2016 و2017، حيث بلغ إجمالي الوفيات 18814 حالة خلال عام 2017 في حين كانت 25774 حالة في العام السابق. 
ويضيف أنه خلال عام 2017 تحسن وضع 94 دولة داخل المؤشر. وبالرغم من أن العراق يتصدر دول المؤشر من حيث تأثير وانعكاسات الإرهاب، إلا أنه شهد أكبر انخفاض في عدد الوفيات الناتجة عن الإرهاب؛ إذ انخفض العدد من 9783 حالة في 2016 ليصل إلى 4271 حالة في 2017 بانخفاض قدره 56%.
وينتقل التقرير من هذه المعطيات الإجمالية ليشير إلى عدد من الدلالات الرئيسية، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي، للتهديدات الإرهابية والمتمثلة فيما يلي: 
1- تشير قائمة الدول العشر الأولى (التي تبدأ بالعراق وتنتهي بالفلبين) الأكثر تأثرًا بالإرهاب خلال عام 2017، إلى درجة من التوزيع الجغرافي بين ثلاث مناطق، هي: الشرق الأوسط، وإفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب آسيا. وتـأتي العراق في المرتبة الأولى في المؤشر، وبلغ إجمالي القتلى نحو 4271 قتيلًا. وبالرغم من الهزائم التي تعرض لها تنظيم "داعش" هناك، إلا أنه لا يزال التنظيم الإرهابي الأكثر تهديدًا، إذ يتحمل المسئولية عن 83% من قتلى العمليات الإرهابية خلال عام 2017.
وتأتي دولة أفغانستان في المرتبة الثانية بالمؤشر، حيث تعرضت لـ1168 حادثًا إرهابيًّا، قُتل خلالها 4653 شخصًا. وتتحمل حركة طالبان المسئولية عن 77% تقريبًا من الضحايا. بينما تحملت ولاية خراسان (التابعة لتنظيم "داعش") مسئولية قتل 14% من ضحايا الإرهاب في أفغانستان.
وتحتل نيجيريا المرتبة الثالثة بإجمالي 1532 قتيلًا نتيجة عمليات إرهابية. ويهيمن على مشهد التنظيمات الإرهابية في الدولة مجموعتان رئيسيتان، هما "جماعة بوكو" حرام، والمتطرفون التابعون لعرقية الفولاني، وهما مسئولتان عن 63% من العمليات الإرهابية في نيجيريا، ونحو 88% من الضحايا.
 ٢- تكشف الاتجاهات الإقليمية لانعكاسات الإرهاب عن درجة من التباين بين الأقاليم المختلفة. فقد انخفض تأثير الإرهاب في خمس مناطق، هي: الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمريكا الجنوبية، روسيا وأوراسيا، وأوروبا، وأمريكا الوسطى والكاريبي. وعلى الجانب المقابل، تنامى تأثير الإرهاب في أربع مناطق، هي: جنوب آسيا، وأمريكا الشمالية،وإفريقيا جنوب الصحراء، وآسيا الباسفيك.
وارتهن هذا التباين بالسياقات التي عايشتها دول كل منطقة خلال عام 2017. فرغم أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد شهدت أكبر عدد من الوفيات بسبب الإرهاب منذ عام 2002 وحتى نهاية 2017 والذي بلغ 91311 حالة وفاة، فإن المؤشر يشير إلى أن المنطقة شهدت تحسنًا في المتوسط فيما يتعلق بتأثير الإرهاب خلال عام 2017. وارتبط هذا التطور بتحسن مؤشر ست عشرة دولة بالمنطقة، وانخفاض النشاط الإرهابي في عدد من الدول، وتراجع مستوى الصراع في سوريا والعراق، والضغوط التي تعرض لها تنظيم "داعش" في الدولتين. 
وفي السياق ذاته، شهدت أوروبا تحسنًا ملحوظًا في المؤشر خلال عام 2017، حيث سجل واحد وعشرون دولة أوروبية تحسنًا في مؤشر الإرهاب العالمي، وهو ما نتج عن جهود مكافحة الإرهاب في العديد من الدول الأوروبية، ومن ثم سجلت القارة أكبر نسبة انخفاض (75%) في الوفيات الناجمة عن الإرهاب. فعلى سبيل المثال، انخفض عدد ضحايا الإرهاب في بلجيكا إلى اثنين في عام 2017 بعد أن كان 36 ضحية في عام 2016، وتراجع العدد في ألمانيا من 26 حالة في عام 2016 إلى حالة واحدة في عام 2017.
وفي المقابل، تدهورت الأوضاع في بعض المناطق مثل منطقة جنوب آسيا، إذ شهدت العديد من دولها تنامي النشاط الإرهابي، لا سيما من خلال التنظيمات التابعة لتنظيم "داعش". حيث يشير التقرير إلى أن ولاية خراسان نفذت الهجومين الأكثر دموية في جنوب آسيا خلال عام 2017 في كل من باكستان وأفغانستان. حيث كان الهجوم الأول في فبراير حينما استهدفت ضريح "شهباز قلندر" الصوفي في مدينة سهوان الباكستانية، وأسفر عن مقتل 91 شخصًا. ووقع الهجوم الثاني في كابول في مايو، وأدى إلى مقتل 93 شخصًا.
ويوضّح الشكل البياني التالي عدد ضحايا الإرهاب في المناطق المختلفة خلال الفترة من 2002 إلى 2017. 

 ٣- تُقدر التكلفة الاقتصادية للإرهاب عالميًّا (والتي تشمل التكاليف الناجمة عن الوفيات، والإصابات، وتدمير الممتلكات، والخسائر في النشاط الاقتصادي) بمقدار 52 مليار دولار أمريكي خلال عام 2017. وهي تكلفة أقل بنسبة 42% مقارنة بعام 2016. ويعد عام ٢٠١٧ وفقًا للتقرير العام الثالث على التوالي الذي يتضمن انخفاض تكلفة الإرهاب بعد أن وصلت هذه التكلفة إلى ذروتها في عام 2014 حينما بلغت 108 مليارات دولار. وتعد أفغانستان الدولة الأكثر تضررًا من التأثير الاقتصادي للإرهاب كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12,8%. وفي المرتبة التالية يأتي العراق بنسبة 10,8%، ثم سوريا والصومال بنسبة 5,8% و5% على التوالي. 
الحراك الجغرافي
ثمة توجه هيمن على التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة بضرورة الانتقال بعيدًا عن مناطق الصراعات التقليدية، على غرار منطقة الشرق الأوسط، والبحث عن مواطئ قدم جديدة تمنح التنظيم حيزًا أكبر للحركة. وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى ثلاثة مناطق رئيسية باتت تحظى باهتمام التنظيمات الإرهابية، هي:
١- منطقة الساحل الإفريقي التي أصبحت تشهد تنافسًا على النفوذ بين تنظيمي "القاعدة" و"داعش"، وتذكر بعض التقديرات في مارس 2018 أنه يوجد بالمنطقة نحو 9000 إرهابي، وخلال عام 2017 شهدت المنطقة نشاطًا ملحوظًا للتنظيمات الإرهابية. فعلى سبيل المثال، تعرضت مالي لـ77 هجومًا إرهابيًّا قُتل على إثرها 141 شخصًا. وتُنسب أغلب هذه الهجمات إلى جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التي ظهرت في مارس 2017 نتيجة اندماج عدد من مقاتلي تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"جبهة تحرير ماسينا" التي تستند إلى العرقية الفولانية، وحركتي "أنصار الدين" و"المرابطين". 
٢- منطقة الحزام الأوسط في نيجيريا التي تشهد صراعًا على الموارد والمراعي بين المجموعات الموجودة في المنطقة. وارتبط تنامي هذا الصراع في السنوات الأخيرة بتزايد عدد السكان والتصحر وتغير المناخ الذي أثر بالسلب على الأراضي الخصبة في شمال نيجيريا والتي كان يستخدمها سكان عرقية الفولاني تاريخيًّا في الرعي، ومن ثم انتقل العديد من سكانها إلى المناطق الأخرى التي يسكنها المزارعون. 
وفي هذا السياق، ظهر متطرفو الفولاني لينفذوا العديد من الهجمات الإرهابية ضد المزارعين الذين ينتمون في الغالب للديانة المسيحية. وبالتالي، أصبحت منطقة الحزام الأوسط بنيجيريا إحدى مناطق التوترات التي تشهد تناميًا في نشاط الحركات المتطرفة، وهو ما يمنح التنظيمات الإرهابية الرئيسية ("القاعدة" و"داعش") فرصة مواتية لتمديد نفوذها. 
٣- منطقة جنوب شرق آسيا التي تستحوذ على اهتمام التنظيمات الإرهابية، حيث تشهد موجة جديدة من الإرهاب تتزعمه المجموعات التابعة لتنظيم "داعش" والحركات الانفصالية في دول المنطقة. وخلال عام 2017 تعرضت المنطقة لـ348 حادثًا إرهابيًّا، قُتل على إثرها 292 شخصًا، وسجلت المنطقة ككل زيادة بنسبة 36% في الوفيات الناتجة عن الإرهاب. 
وعكست هذه المعطيات طموحات توسعية للتنظيمات الإرهابية داخل المنطقة، وعلى وجه التحديد تنظيم "داعش"، حيث تعهد عدد من التنظيمات بالولاء له. كما سعت التنظيمات التابعة للتنظيم إلى استنساخ تجربته في سوريا والعراق وتطبيقها في الفلبين عبر السيطرة على مدينة "مراوي" ودعوة العناصر المتطرفة إلى الانتقال إلى هناك، والمساهمة في قتال القوات الحكومية.
وختامًا، يفترض التقرير أن هذا الحراك الجغرافي وما صاحبه من متغيرات، لا سيما التداخل بين الجريمة المنظمة والإرهاب، وقضية المقاتلين العائدين من مناطق الصراعات في الشرق الأوسط؛ يضفي على مستقبل التهديد الإرهابي تعقيدات جمة، تستلزم البحث عن آليات فعالة لمجابهة هذا التهديد وتأمين المجتمعات، والكيفية التي يمكن من خلالها التعاطي مع المقاتلين العائدين، وبالتالي الموازنة بين الملاحقة الأمنية والقضائية لهم، كما تنتهج عدد من الدول الأوروبية، وبين إعادة تأهيلهم وإعادة تشكيل وصياغة أفكارهم. 
المصدر: 
Global Terrorism Index 2018: Measuring the impact of terrorism”, Institute for Economics & Peace (IEP), December 2018 2018.