Thursday, April 19, 2018

الضربات العسكرية على سوريا: عوامل حاسمة

الضربات العسكرية على سوريا: عوامل حاسمة
تنبيه سياسي

الضربات العسكرية على سوريا: عوامل حاسمة

 ١٠ نيسان/أبريل ٢٠١٨
ردّاً على آخر التقارير حول استخدام قوات نظام الأسد للأسلحة الكيميائية بالقرب من دمشق في 7 نيسان/أبريل، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين في بلدة دوما في سوريا وفقاً لبعض التقارير، غرّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلاً هناك "ثمن كبير يجب دفعه". ثم أضاف في وقت لاحق في اجتماع مع أعضاء حكومته في 9 نيسان/أبريل: "لا يمكننا السماح بفظائع كهذه. لا يمكن أن نسمح بها... ليس هناك شيء مستبعد". ثم حذّر من أنّه بغضّ النظر عن مسؤولية روسيا أو نظام الأسد أو إيران، سيكون رد الولايات المتحدة "قاسياً جداً"، مكرّراً أن جميع الأطراف المعنية "ستدفع الثمن".
وإذا اختارت الولايات المتحدة العمل عسكرياً، يتعيّن على سياستها أن تراعيَ عدة اعتبارات. أولاً، يجب أن تسعى واشنطن إلى شق التحالف بين بشار الأسد وإيران وروسيا. ويعني ذلك تجنّب التصرفات التي يمكن أن تقرّب أعضاء التحالف من بعضهم البعض في الوقت الذي قد تتباعد فيه مصالحهم (على سبيل المثال، قد تكون موسكو منزعجة من مبالغة الأسد في استخدام الأسلحة الكيميائية، لأن مثل هذه الأعمال يمكن أن تجر الولايات المتحدة مجدداً إلى الحرب في الوقت الذي يبدو أنها آخذة في الانسحاب). يتعيّن على واشنطن أيضاً تجنب الإجراءات التي تزيد من احتمالات التصعيد. وبدلاً من ذلك، يجب أن يكون الهدف هو تهدئة الوضع من خلال استعادة الردع في مواجهة نظام الأسد.
وعلى وجه التحديد، يتعيّن على أي ضربات أمريكية أن تركز على أصول النظام مع تجنب أهداف ذات مخاطر أكبر للإصابات الروسية. يجب على واشنطن أيضاً أن تدعم ضربات إسرائيل المستمرة ضد الأهداف الإيرانية في سوريا (فتتسبب بذلك بتقسيم غير رسمي للعمل هناك)، لتفرض ثمناً على طهران لقاء سياساتها. يجب على الإدارة الأمريكية الاستمرار في الاحتفاظ بالحق في اتخاذ إجراءات خاصة ضد الأصول الإيرانية في سوريا عندما تهدد هذه الأفراد الأمريكيين أو المصالح الأمريكية.
ثانياً، لن تنتهيَ هذه المشكلة بدفعةٍ واحدة من الضربات. فللردع فترة صلاحية محدودة ومن المرجّح أن يستمر الأسد في تحدي المجتمع الدولي وتجاوز الخط الأحمر المتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية. لذا قد تدعو الحاجة إلى شنّ ضربات إضافية لردعه عن القيام بذلك.
ثالثاً، كانت البراميل المتفجرة والمدفعية والأسلحة الصغيرة أبرز "أسلحة الدمار الشامل" في سوريا. وفي حين تسببت الأسلحة الكيميائية بمقتل عدة آلاف من الأشخاص، إلاّ أنّ الأسلحة التقليدية أودت بحياة أكثر من مائة ألف مدني. وهكذا، ففي حين ينبغي أن تستهدف الضربات الأمريكية البنية التحتية للأسلحة الكيميائية عندما يمكن تقليص الأضرار الجانبية، إلاّ أنّه يجب عليها أن تُركز بشكل أساسي على القدرات العسكرية التقليدية للنظام. فمن شأن التركيز على قدرات الأسلحة الكيميائية فقط أن يحدّ من الضرر الذي قد يلحق بالأصول التي يمكن الاستغناء عنها - لذا يتعيّن على الولايات المتحدة أن تستهدف أيضاً القوات التي أدت دوراً أساسياً في انتصارات الأسد، وعلى وجه التحديد الوحدات الأرضية مثل "الفرقة الرابعة" المدرعة و"الحرس الجمهوري" و"قوة النمر"، إلى جانب الوحدات الجوية التي تلقي البراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية. ومن شأن ذلك أن يعرقل الجهود الحربية للنظام أكثر بكثير من الضربات التي تركز فقط على قدرات الأسلحة الكيميائية.
وسيكون لاستراتيجية الاستهداف هذه منفعة إضافية تتمثل في التأثير على رعاة النظام. إذ لطالما ضمنت كل من روسيا وإيران استدامة أنشطتهما الاستطلاعية في سوريا عبر إلقاء المخاطر والأعباء على الآخرين، وخاصة «حزب الله» والميليشيات الشيعية الأجنبية الأخرى. وإذا أدت الضربات الأمريكية إلى تقليص الوحدات الأرضية والجوية الرئيسية لنظام الأسد، فمن شأن ذلك أن يزيد من العبء على روسيا، وإيران، و "الفيلق الأجنبي الشيعي" التابع للجمهورية الإسلامية، مما يرفع تكاليف تدخلهم.
ولتحقيق لهذا الهدف، يتعين على القوات الأمريكية استهداف مقرات أساسية وتدمير القدرات الرئيسية والأشخاص الذين يتولّونها. وفي حين أنّه بإمكان روسيا وإيران استبدال معدات نظام الأسد، إلاّ أنّه لا يمكنهما استبدال موارده البشرية، علماً أنّ الموارد البشرية هي أكثر ما يفتقر إليه. بالإضافة إلى ذلك، فمن خلال ضرب مقرات الوحدات الأرضية الآنفة الذكر - التي يديرها العلويون المرتبطون بالنظام عبر روابط عائلية - ستوجه الولايات المتحدة ضربةً قويةً وتضاعف من تأثيرها الرادع مقارنةً بضرب وحدات أقل أهمية أو البنية التحتية للأسلحة الكيميائية وحدها. كما ويجدر بالإدارة الأمريكية أن تفكّر في ضرب أهداف رمزية مثل القصر الرئاسي على جبل قاسيون المطل على دمشق، والذي يمكن أن يكون لتدميره تأثير نفسي كبير على النظام السوري وشعبه.
رابعاً، يجب أن تسترشد العمليات العسكرية الأمريكية بالدروس المستفادة من الجهود السابقة الرامية إلى الردع والدبلوماسية القائمة على القسرية في الشرق الأوسط:
  • يجب ألا تضع الولايات المتحدة خطوطاً حمراء إضافية ما لم تكن مستعدةً لتطبيقها، كما يجب أن تكون مستعدةً للرد على أي محاولات أخرى لاختبار حدود الولايات المتحدة، نظراً لأن عدم الاستجابة لن يكون سوى بمثابة دعوة للمزيد من التحديات.
  • نظراً إلى أنّ "قانون النزاعات المسلحة" يحظّر الردود غير المتكافئة، ينبغي على واشنطن الرد على التجاوزات السورية بطريقة غير متماثلة. وبالتالي، لا يجب أن توجه ضربتها على مصادر الاستفزاز فحسب، بل على الأصول التي يمنحها النظام قيمةً كبيرة أيضاً. إذ من شأن ضرب الأصول التي يمكن الاستغناء عنها فقط أن يمكّن الأسد من الاستمرار في تحدّيه، ومعايرته للمخاطر، واختباره حدود الولايات المتحدة بأمان أكبر. كما وسيؤدي الردّ على نحوٍ غير متماثل إلى إضفاء حالة من عدم اليقين على حسابات الأسد للتكلفة مقارنةً بالمنافع فيما يتعلق بالردود الأمريكية المستقبلية، بما يعزز الأثر الرادع للضربات الأمريكية.
  • ينبغي على الإدارة الأمريكية أن توضح أن ضرباتها لن تكون عمليةً تحدث لمرة واحدة فقط، وذلك بإضافة عامل غموض بشأن إمكانية توجيه ضربات مستقبلية. وخلاف ذلك، قد يعتقد الأسد أنّ بإمكانه أن يصمد أكثر من الولايات المتحدة، وسوف يكون التأثير الرادع للضربة محدوداً.
وأخيراً، على واشنطن أن تهدد بتوجيه ضربة لاختبار إمكانيات استحداث دبلوماسية متعددة الأطراف. وقد يساعد هذا التهديد على دق إسفين في العلاقة بين دمشق وموسكو، وربما خلق فرص جديدة للضغط على سوريا للقضاء على مخزوناتها غير المعلنة من الأسلحة الكيميائية ومراقبة وقف إطلاق النار مع مختلف القوى المتمردة في جميع أنحاء البلاد - على الرغم من أن التجربة في هذا المجال لا توفر سبباً للتفاؤل.

مايكل آيزنشتات هو زميل "كاهن" ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.

إيران تتفوق على الأسد في السيطرة على الميليشيات الشيعية في سوريا

إيران تتفوق على الأسد في السيطرة على الميليشيات الشيعية في سوريا
المرصد السياسي 2955

إيران تتفوق على الأسد في السيطرة على الميليشيات الشيعية في سوريا

 ١٢ نيسان/أبريل ٢٠١٨
في الخامس من نيسان/أبريل، ادعت ميليشيا تبدو ظاهرياً موالية لنظام الأسد وتطلق على نفسها تسمية "المقاومة الشعبية في المنطقة الشرقية" أنها نفذت هجوماً صاروخياً على القوات الأمريكية. وفي اليوم التالي، أصدرت ميليشيا أخرى - "لواء الباقر" - التي يُزعم أنها تعمل تحت قيادة النظام بياناً أعلنت فيه "الجهاد" ضد القوات الأمريكية والقوات الحليفة لها في سوريا. وتردد أن للجماعتين علاقات مع إيران: فـ"لواء الباقر" يخضع لتوجيه طهران أكثر من بشار الأسد، في حين قد تكون "المقاومة الشعبية" الغامضة جبهة إيرانية أيضاً. وتشير هاتان الحالتان وغيرهما إلى أن الميليشيات الشيعية "الموالية للأسد" كما يُطلق عليها تسير بشكل متزايد على خطى الجمهورية الإسلامية، مما يطرح تهديداً أكبر حتى لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
الميليشيات الشيعية في سوريا
يشكّل الشيعة حوالي 1-2 في المائة من الشعب السوري، من بينهم أبناء مذهب الإسماعيلية والإثني عشرية (الفرع المهيمن في إيران، و«حزب الله»، وبقية العالم الشيعي). أما العلويون، وهي الطائفة التي تنتمي إليها زمرة الأسد، فهم مجموعة متحفظة تتأثر جزئياً بمعتقدات الشيعة.
وعلى الرغم من صغر حجم المجتمع الشيعي في سوريا، اضطلعت الميليشيات التي يديرها الشيعة أو يسيطرون عليها بدور غير متكافئ في الصراع. فقد كان عدد الجماعات الشيعية المحلية محدوداً، حيث بلغ إجمالي عدد المقاتلين حوالي 3500 إلى 5 آلاف مقاتل خلال الأيام الأولى من الحرب، وحالياً ما بين 8 و12 ألفاً. لكن إيران قامت بتعزيز هؤلاء المقاتلين بشكل مطرد بمقاتلين شيعة أجانب، من بينهم أعضاء من «حزب الله» والميليشيات من أفغانستان وباكستان والعراق. ويتراوح عدد هؤلاء الأجانب في الوقت الراهن ما بين 20 و30 ألفَاً، وفقاً لاحتياجات التجنيد والانتشار.
المنشقون الموالون لإيران
كان نشر الجماعات الشيعية المنشقة إستراتيجية اعتمدتها إيران منذ الأيام الأولى لقيام النظام بتصدير ثورته الإسلامية، وقد أصبحت طهران بارعة في ذلك نوعاً ما. فقد بدأ تطوير الميليشيات الشيعية الكبيرة في سوريا في أواخر عام 2011، عندما دفعت وكالات الاستخبارات التابعة للأسد السكان المحليين إلى تشكيل جماعات ذات اصطفافات طائفية إلى حدّ كبير، والتي أصبحت في نهاية المطاف ما يعرف بـ"اللجان الشعبية". وكان "لواء أبو الفضل العباس" أول شبكة ميليشيات شيعية كبيرة في البلاد وأصبح في وقت لاحق رائداً في تجنيد الشيعة الأجانب. وفي عام 2012، بدأت الفصائل العديدة التابعة لـ "لواء أبو الفضل العباس" بالانشقاق، وهي أول إشارة إلى هدف إيران الهيمنة على جميع الجماعات المسلحة الشيعية في سوريا. وقد شملت هذه الجماعات المنشقة:
  • "لواء ذو الفقار". وفقاً لمقابلات مع مقاتليها، انفصلت هذه الجماعة في أوائل الحرب، ويُعزى ذلك جزئياً إلى خلافات مع بعض قيادات "لواء أبو الفضل العباس". وكان مؤسسها الراحل فاضل صبحي (المعروف بأبو هاجر)، عراقياً منفياً يعيش في سوريا، وكان قد قاتل سابقاً إلى جانب "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر. ولم تتوانَ طهران عن استمالته، حيث أحضرته إلى إيران في زيارة تم تصويرها جيداً في عام 2013. وبعد مصرعه في درعا في أيلول/سبتمبر 2013، استعاد الموالون للأسد بقيادة حيدر الجبوري (المعروف بأبو شهد) السيطرة على الجماعة، [بعد أن] أقصوا عائلة صبحي، وعلقوا المبالغ التي كانوا يدفعونها على خلفية "استشهاد" فاضل.
  • "قوات أبو الفضل العباس". بحلول منتصف عام 2014، انضمّت رسمياً شخصيات بارزة ضمن "لواء ذو الفقار" إلى هذه الجماعة المنشقة الجديدة بقيادة الشيخ العراقي المتطرف أوس الخفاجي. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت هذه القوات الأيديولوجية الإيرانية ودعمت الجماعات الخاضعة لسيطرة طهران.
  • "قوات التدخل السريع" و"كتائب الإمام علي". ساهم أحد مؤسسي "لواء أبو الفضل العباس" أحمد الحجي الساعدي في تشكيل الجماعة المنشقة المعروفة باسم "أفواج الكفيل"، والتي يشار إليها غالباً بـ"قوات التدخل السريع" ["قوات الرد السريع"]. وبين عاميْ 2012 و2015، كان يقوم بعملياته في سوريا ضمن وحدة شيعية عراقية استطلاعية صغيرة ولكن من ذوات الخبرة تحصل على دعمها من إيران. وفي أواخر 2016، كانت جماعته المنشقة قد اندمجت رسمياً مع "كتائب الإمام علي" الخاضعة لسيطرة إيران والتي عينته لاحقاً أحد ممثليها السوريين.
  • "منظمة بدر". قاد أبو علي الدراجي، وهو عراقي يعيش في سوريا، مجموعة من المحاربين المتمرسين في "لواء أبو الفضل العباس" إلى بلاده خلال فترة معينة من الحرب. وبمجرد وصوله إلى هناك، أقام بسرعة علاقة وثيقة مع أحد أهم وكلاء إيران في العراق، وهي "منظمة بدر". ولم يعد فصيله إلى سوريا منذ ذلك الحين.
الأنصار الشيعة للأسد
مع استقلال الجماعات الشيعية العراقية بشكل متزايد في سوريا بين عامي 2015 و2016، تلاشى الفرع العراقي الرسمي لـ"لواء أبو الفضل العباس" ("صقور الإمام المهدي")، ووثقت المنظمة علاقاتها العلنية بالميليشيات الخاضعة للأسد وبأبرز ألوية النظام على غرار "صقور الصحراء". كما حملت رايات "لواء أبو الفضل العباس" والرقع على ملابس أعضائها بشكل متزايد شارات وحدتين رئيسيتين من الجيش السوري، هما "الفرقة الرابعة المدرعة" و"الحرس الجمهوري"؛ ويمكن ملاحظة شعارات مماثلة في صفوف "لواء الإمام الحسين"، وهي جماعة تخضع لسيطرة الأسد وانبثقت عن "لواء أبو الفضل العباس".
وفي أواخر عام 2017،  بدأت حسابات مواقع التواصل الاجتماعي لبعض أعضاء "لواء أبو الفضل العباس" تعتبر علناً الشبكة بمثابة قسم فرعي لـ"الحرس الجمهوري". وعلى نحو مماثل، يتعين على كافة مقاتلي "لواء الإمام الحسين"، بمن فيهم أولئك الذين جُنّدوا في العراق، أن يؤدوا قسم الولاء لنظام الأسد - في تناقض صارخ لحال الميليشيات الخاضعة لسيطرة إيران.
نموذج «حزب الله» في سوريا
في عام 2013، شرعت طهران في بناء نسخ سورية عن "حزب الله". وغالباً ما تتلقى هذه الجماعات الشيعية أوامرها مباشرة من «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني و«حزب الله». ومع ذلك، يتخطى هذا النموذج كونه مجرد تشكيل لجماعات مسلحة، تشمل مكونات سياسية إيديولوجية ومحلية أيضاً.   
وخلافاً للميليشيات الشيعية التي يسيطر عليها الأسد، أظهرت نسخ «حزب الله» في سوريا اهتمامات واسعة النطاق بالأيديولوجية الشيعية العابرة للحدود الوطنية، والأنشطة الاقتصادية، والدبلوماسية، والسياسة. وعلى وجه الخصوص، تقوم بتلقين المجندين إيديولوجية "ولاية الفقيه" التي ينتهجها النظام الإيراني، والتي تمنح السلطة المطلقة للمرشد الأعلى علي خامنئي. وغالباً ما تكرر جماعات «حزب الله» السورية الحملات الدعائية الآتية مباشرة من طهران، وتميل إلى التركيز بصورة أكثر على قضايا خارج سوريا أكثر من الميليشيات الأخرى.
وخير مثال على هذه الطريقة من التفكير الأوسع نطاقاً هو "لواء الباقر". فقد دعمت الجماعة، من بين أنشطة أخرى، بشكل صريح المتمردين الحوثيين المرتبطين بإيران في اليمن، وأدارت شبكة نقل عام في حلب، وأرسلت وفداً إلى محادثات السلام التي توسطت فيها روسيا في سوتشي، وأيّدت عمر حسين الحسن كمرشح للانتخابات النيابية في سوريا عام 2016. كما تجاوزت الجماعة خطوطاً طائفية عن طريق تجنيد رجال قبائل سنيين من المقاطعات الشرقية. ولا يزال نفوذها ينمو شيئاً فشيئاً، ومن المحتمل أن تكون فائدتها لطهران أكثر من الأسد.  
مجالات النفوذ
يبدو أن ميليشيات الأسد والقوات الشيعية الخاضعة للسيطرة الخارجية تركّز على مجالات نفوذ مختلفة. فالميليشيات الإيرانية تميل إلى الانتشار بالقرب من القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة وعلى مقربة من الحدود الإسرائيلية. ففي آذار/مارس 2017، على سبيل المثال، أعلنت الجماعة الشيعية العراقية "حركة حزب الله النجباء" إنشاء "لواء تحرير الجولان"، الذي سرعان ما شكل تهديداً لإسرائيل من خلال انتشاره على طول حدودها الشمالية الشرقية. وبعد بضعة أشهر، قادت الميليشيات الخاضعة لسيطرة إيران تقدماً باتجاه قاعدة المتمردين المدعومين من الولايات المتحدة في التنف، من بينهم جماعات على طراز «حزب الله» على غرار "لواء المختار الثقفي" و"لواء الباقر" و"لواء السيدة رقية" (وهي مجموعة فرعية لـ"القوة الجعفرية").
ومنذ ذلك الحين، أطلقت الوحدات المدعومة من طهران ذات الأصول المختلفة عمليات في الصحراء الشرقية لسوريا وقرب دير الزور، وغالباً ما كانت قريبة من المناطق الحدودية الآمنة التي أقامتها الولايات المتحدة وحلفاؤها. وقد ادعت بعض تلك الجماعات وقوع خسائر بشرية في صفوفها جراء الضربات الأمريكية؛ ففي شباط/فبراير، على سبيل المثال، أفادت بعض التقارير عن تعرض القوات القبلية المحلية بقيادة "لواء الباقر" للقصف من قبل المدفعية الأمريكية لدى تقدمها باتجاه القوات المدعومة من الولايات المتحدة قرب دير الزور.
وفي المقابل، لم يكن لميليشيات الأسد سوى ظهور رمزي خلال التحقيقات في المواقع الأمريكية والجولان، مفضلة، بدلاً من ذلك، التركيز على ساحات المعارك الرئيسية التي يخوضها النظام. وأفادت بعض التقارير أن "لواء الإمام الحسين" و"لواء أبو الفضل العباس" قد انتشرا مرة بعد أخرى بالقرب من القرداحة، مسقط رأس أجداد عائلة الأسد في الشمال. كما ركزت الجماعتان على الهجوم في الغوطة الشرقية في دمشق. وفي منتصف آذار/مارس، نشر "لواء الإمام الحسين" صوراً تُظهر عناصره إلى جانب الأسد وهم يحاربون في ضواحي حرستا شمال شرقي العاصمة. لكن القوات الواقعة تحت سيطرة إيران ظلت غائبة بصفة ملحوظةعن القتال الأخير في الغوطة الشرقية - حتى «حزب الله»، الذي كان ملتزماً للغاية بهذه الجبهة في السنوات الماضية.   
وفي المناطق التي تحارب فيها ميليشيات الأسد إلى جانب الجماعات الإيرانية، تصاعدت على ما يبدو وتيرة التوترات فيما بينها. ففي تقرير صدر في آذار/مارس عن "الإذاعة الوطنية العامة" في الولايات المتحدة، أفاد أحد المنشقين عن الجيش السوري أن «حزب الله» وقوات الأسد غالباً ما يتنافسان للسيطرة على ساحات المعارك الفردية؛ على سبيل المثال، "أراد كلاهما أن يكون من يعلن النجاح في ضمان استسلام المتمردين" في ضاحية داريا جنوب غرب دمشق. وفي خطوة لها دلالتها، هرعت قوات "لواء الإمام الحسين" إلى مقام السيدة سكينة الشيعي في المدينة، ليس لإعلان النصر لصالح الأسد فحسب، بل لإضفاء طابع النصر الطائفي على مشاركتها أيضاً. وفي منتصف عام 2013، كانت المصادر العربية ووسائل التواصل الاجتماعي قد أفادت عن وقوع جدالات بين القوات الشيعية السورية والعراقية وتحوّلها إلى معارك. وكان «حزب الله» يشارك أيضاً في بعض الأحيان في مثل تلك المواجهات. وبالمثل، تشير الاتصالات اللاسلكية والفيديوهات التي تم اعتراضها إلى ازدراء «حزب الله» للوحدات السورية.
التداعيات السياسية
يتفوق النفوذ الإيراني على الأرض في سوريا بسرعة على نفوذ نظام الأسد وروسيا. فليس أمام دمشق سوى خيارات قليلة لعكس هذا الاتجاه نظراً للأقلية العلوية التي تمثل قاعدة دعمها. ونتيجةً لذلك، فإن القوات التي تكتسب الهيمنة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام ستميل بشكل أكبر نحو دعم أجندة السياسة الخارجية لطهران بدلاً من أجندة الأسد. وقد تشمل هذه الأجندة قتال القوات الأمريكية في جنوب وشرق سوريا أو مهاجمة إسرائيل عبر هضبة الجولان.
وبشكل عام، على الولايات المتحدة أن تفترض أن التصريحات السياسية لنظام الأسد لا تُطبق خارج دمشق ومناطق النظام الرئيسية. ومع ذلك، ربما لا يزال أمام واشنطن فرص لإبعاد الفصائل عن هيمنة إيران في بعض الجبهات القتالية. على سبيل المثال، قد تمثّل الميليشيات الموالية للأسد (وخاصة العناصر السنية) أهدافاً جيدة لإلقاء المنشورات وغيرها من العمليات النفسية التي تحذرها من عواقب عدم خدمة المصالح الخارجية لإيران من خلال التقدم نحو المواقع الأمريكية. وقد تُركّز مثل هذه التحذيرات على عدم اهتمام طهران بها وأنها على استعداد تام لـ "القتال إلى آخر نفس سوري" إذا دعت الحاجة. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على المحللين الحكوميين في الولايات المتحدة أن يرصدوا عن كثب تحركات الفصائل المؤيدة للأسد التي عملت مع الوكلاء الإيرانيين في الماضي، حيث أنها الأكثر احتمالاً لمتابعة أولويات طهران في المرحلة القادمة. ويبدو أن النقاط الساخنة شرقي سوريا هي هدف أحدث التحركات المعادية للولايات المتحدة، لكن جبهة الجولان قد تشتعل على المدى القريب أيضاً.  

فيليب سميث هو زميل "سوريف" في معهد واشنطن ومؤسس مدونة "موكب «حزب الله»"، ومؤلف دراسة المعهد باللغة الانكليزية لعام 2015 بعنوان "حركة الجهاد الشيعي في سوريا وتداعياتها الإقليمية".

القمة العربية التي تستضيفها السعودية توازن بين الواقع وعدم الأهمية

القمة العربية التي تستضيفها السعودية توازن بين الواقع وعدم الأهمية
صفحات رأي ومقالات

القمة العربية التي تستضيفها السعودية توازن بين الواقع وعدم الأهمية

 "ذي هيل"
13 نيسان/أبريل 2018
متى كانت المرة الأخيرة التي اهتم فيها الكثيرون بالقمة العربية؟ إما كان ذلك منذ زمن بعيد أو، على الأرجح، لم يكن هناك أي اهتمام. لكن قمة هذا العام، التي تستضيفها السعودية يوم الأحد، 15 نيسان/إبريل، ربما تستحق الاهتمام. فهناك الكثير الذي يحدث في الشرق الأوسط، وقد يكون اجتماع القمة العربية ناتجاً عن ذلك. وفيما يلي خطاً توجيهياً عاماً لتمييز المضمون من الدعاية الرسمية، بدءاً من المؤشر الرئيسي لكيفية الحكم على أهميته - أي مَنْ الذي سيحضر مؤتمر القمة.
هناك 22 عضواً في جامعة الدول العربية، لكن عضوية سوريا معلّقة منذ عام 2011 بسبب الحرب الأهلية، لذا ليس هناك فرصة لأن يصل الرئيس بشار الأسد لإفساد الحفل. أما المضيف السعودي في الاجتماع، الملك سلمان البالغ من العمر 82 عاماً، فلا يسافر كثيراً هذه الأيام بسبب تدهور حالته الصحية. وكان الملك سلمان هو الذي دُعي في الأصل إلى واشنطن لمقابلة الرئيس ترامب في الشهر الماضي، لكن ابنه البالغ من العمر 32 عاماً، ولي العهد العبقري الأمير محمد بن سلمان، هو الذي قَبِل الدعوة.
لقد عاد محمد بن سلمان لتوه من رحلتين إلى فرنسا وإسبانيا. وحول ما إذا كان سيجلس إلى جانب والده في اجتماع القمة، هو أمر يستحق الترقب؛ وإذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أن يتصرف كالإبن المطيع، المساعد، بدلاً من الصورة المتمثلة بـ "أنا الوجه الجديد للسعودية"، التي عرضها خلال فترة زادت عن ثلاثة أسابيع كان خلالها غائباً عن البلاد.
والسؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان أميرقطر  تميم بن حمد آل ثاني سيقبل الدعوة. فقطر محاصرة حالياً من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر بسبب مجموعة من نقاط الفشل المفترضة من بينها دعم قطر للإرهاب وبثها التحريضي [في وسائل الإعلام] واستضافتها لجماعات المعارضة. وفي البداية كرر الرئيس ترامب هذا الانتقاد، ولكنه غيّر موقفه منذ ذلك الحين، واعترف مبدئياً بأن المشكلة هي شجار بين البلدان التي تُعتبر جميعها حليفة مهمة للولايات المتحدة.
وفي اجتماع للرئيس الأمريكي مع الأمير تميم في المكتب البيضاوي يوم الثلاثاء المنصرم، قال ترامب: "نحن نتأكد من أن تمويل الإرهاب قد توقف في البلدان التي نرتبط بها حقاً. ... ويشمل ذلك الإمارات والسعودية وقطر، وغيرها". ونظراً للنجاح الذي حققته زيارة الأمير تميم للولايات المتحدة، والتي كانت مشابهة للأجواء المؤاتية التي حققتها زيارة الأمير محمد بن سلمان في الصحافة، فإن الزعيم القطري سيهدر فرصة كبيرة لكي يُظهر أنه ليس معزولاً إذا ما بقي في بلاده. ولكن إذا شارك الأمير تميم في المؤتمر، فربما لن يشارك عدوه اللدود ولي عهد الإمارات الأمير محمد بن زايد آل نهيان من أبو ظبي. ولكن على نحو مناسب، وطبقاً للبروتوكول، يمكن أن يمثل الإمارات رئيس وزرائها، الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم من دبي.
وتُعقد القمة العربية في الدمام على ساحل الخليج - الذي يُطلق عليه الكثيرون الخليج الفارسي، على الرغم من أن العرب يفضلون وصف "الخليج العربي" - في المملكة على بعد مائة ميل من إيران، التي تعتبرها العائلة المالكة السعودية أكبر تهديد على العالم العربي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا اختار السعوديون استضافة القمة هناك؟ لم يوضح أحد السبب لذلك، لكن النقطة السياسية الواضحة هي "الإشارة الوقحة باليد" عبر مياه الخليج. وبالمثل، تتعرض الرياض الآن لصواريخ (إيرانية محسّنة) يطلقها المتمردون الحوثيون في اليمن، لذلك ربما لم تعد آمنة لمثل هذا التجمع الكبير.
وحول جدول أعمال مؤتمر القمة، ليس هناك شك بأنه سيتم ذكر إيران لدورها المشاغب في اليمن وسوريا ولبنان، ولكن وفقاً لوزير الخارجية السعودي عادل بن أحمد الجبير، سيكون التركيز الرئيسي على القدس والفلسطينيين. (أما حول قضية قطر، فيقول إنها لن تُحل هناك).
وقد أعرب العالم العربي عن قلقه البالغ من اعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل - رغم أن الإعلان عن ذلك، على عكس بعض التوقعات، فشل في تأجيج المنطقة. وهناك أيضاً قلق كبير من الأحداث [الأخيرة] في غزة، حيث قام القناصة بإطلاق النار على المتظاهرين الذين حاولوا اقتحام السياج الحدودي مع إسرائيل.
وسيكون الموقف السعودي في هذا الشأن موضع اهتمام بسبب ملاحظة أبداها محمد بن سلمان عندما كان في الولايات المتحدة حيث قال، يجب أن يكون الإسرائيليون قادرين على العيش "في أرضهم الخاصة"، وهي ملاحظة حادت عن الأعراف العربية والموقف الدبلوماسي الرسمي للمملكة. إلّا أنّ تكرار الخط المتشدد السابق لن يُنظر إليه بالضرورة على أنه يقوّض المغازلة الواضحة لمحمد بن سلمان مع إسرائيل. وبدلاً من ذلك، قد يشير إلى أن جامعة الدول العربية والكثير من دول العالم العربي قد فقدت الصلة فيما بينها.
وستشمل بنود جدول الأعمال الأخرى استعراض الشكاوى التي وقعت خلال العقود الماضية - وهي علامة أخرى على أن جامعة الدول العربية نادراً ما تحقق أي شيء. وقد يكون تصاعد التوتر الأخير بين المغرب والجزائر على الأراضي الاستعمارية الإسبانية السابقة في الصحراء الغربية، التي أصبحت الآن جزءاً من المغرب، محاولة متعمدة لضمان [نوع من] الإدانة في البيان الختامي. أو قد يكون ذلك نتيجة استعراض للقوة في الجزائر، حيث أن الرئيس الطاعن في السن عبد العزيز بوتفليقة مُقعد على كرسي نقال. وهذا بحد ذاته وصف مجازي للزعامة العربية: فالزعماء البارزون في الجزائر وتونس وفلسطين والكويت والسعودية والإمارات وعُمان هم إما كبار السن أو في صحة سيئة أو كليهما.
والسؤال للمستقبل هو متى ستأخد القيادة الشابة النشطة - والتي تختار نهج المواجهة - والمتمثلة في محمد بن سلمان، وتميم، ومحمد بن زايد، زمام الأمور في النهاية.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن.

سحب القوات خارج سوريا؟ لدى ترامب وجهة نظر

سحب القوات خارج سوريا؟ لدى ترامب وجهة نظر
صفحات رأي ومقالات

سحب القوات خارج سوريا؟ لدى ترامب وجهة نظر

 "ذي سايفر بريف"
13 نيسان/أبريل 2018
[في الرابع عشر من نيسان/أبريل، نفذت القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية ضربات جوية ضد سوريا رداً على هجوم بالغاز السام شنه النظام السوري في مدينة دوما في السابع من نيسان/أبريل]، أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص. ويمكن أن يُظهر هذا التحرّك قيمة التحوّل من حملة تقودها القوات البرية الأمريكية إلى أخرى ترتكز في الغالب على العمليات الجوية التي من شأنها أن تحد من وجود تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي قُضي عليه بالفعل، لكنها تتجنب المخاطر وتكاليف بناء الدولة الوهمية التي يسعى إليها كبار المسؤولين المقربين من الرئيس الأمريكي ترامب.
وفي الأسبوع الماضي، دعا ترامب إلى سحب القوات الأمريكية على الفور من سوريا. وعلى الرغم من أن البيت الأبيض سرعان ما عدل عن هذا القرار، إلاّ أنه قوبل بعاصفة من الاحتجاجات العلنية وفي الجلسات المغلقة، لا سيما من قبل كبار مسؤولي الأمن القومي الذين كانوا يضغطون من أجل شن حملة عسكرية قد تستغرق المزيد من الشهور قبل أن تنتهي، لتليها مرحلة إعادة الإعمار.
ويُشكّل الاعتماد بشكل أساسي على القوة الجوية فوق سوريا إحدى الحلول لمواجهة جوهر مخاوف ترامب، وإعادة تركيز المهمة نحو مواجهة إيران، وإخراج الجيش الأمريكي من مغامرة بناء دولة ميؤوس منها. إذ تستطيع الولايات المتحدة أن تسحب معظم قواتها البرية في الشمال الشرقي من البلاد خلال فترة تتراوح بين 9-12 شهراً، معتمدة على شريكها المحلي - «قوات سوريا الديمقراطية» التي يبلغ قوامها 60 ألف مقاتل - وعلى القوة الجوية الأمريكية للدفاع عن نفسها ضد بقايا تنظيم «الدولة الإسلامية» وهجمات نظام الأسد كما حصل في شباط/فبراير.
لدى الولايات المتحدة مصالح استراتيجية في سوريا، أوّلها مواجهة التهديد لحلفائها إسرائيل وتركيا والأردن ودول الخليج من قبل إيران، ونظام الأسد الذي مكّنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. إلّا أنّ القوات العسكرية الأمريكية البالغ عددها 2000 جندي في شمال شرق سوريا تعتبر هامشية لتلك المصالح حتى أنها تتعارض معها إلى حد ما. فمهمة هذه القوات التي تركزت على مقاومة تنظيم «الدولة الإسلامية» قد تطورت لتصبح آلة نشر دائمة مماثلة للوضع القائم في أفغانستان ولكن مع أهداف أقل [شِدَّة]. ووفقاً لحلفاء أمريكا الإقليميين، لم تعُد الرهانات الاستراتيجية تتمحور حول تنظيم «الدولة الإسلامية»، إنما حول إيران، وروسيا، وحول إمكانية شنّ حرب كبرى أو إرساء السلام في بلاد الشام.
ولفهم المشاكل في النهج الذي تدعمه "القيادة المركزية" الأمريكية، أي القيادة العسكرية الإقليمية الأمريكية للشرق الأوسط، وسبب كَوْن مهمة عسكرية مختلفة أكثر منطقية إذا ما ارتكزت على القوة الجوية، ينبغي النظر بإمعان في المهمات الأمريكية الظاهرية الثلاث في سوريا:
المهمة الأولى، القتال - إجراء حازم للاستيلاء على الأراضي وإلحاق الهزيمة بالعدو. في سوريا، تكمن المهمة الأولى لـ "القيادة المركزية" الأمريكية في "تدمير" تنظيم «الدولة الإسلامية». لكن هل يعني ذلك تدميره كدولة وجيش، وهذا ما تم إنجازه بالفعل، أم القضاء على جميع مخلفاته أيضاً؟
المهمة الثانية، إنشاء بعثات لبناء الأمة و"عمليات تحقيق الاستقرار" تهدف إلى تحويل عقلية بعض السكان وتحسين أوضاعهم على نحو يؤدي إلى تحقيق أهداف الولايات المتحدة. ليس هناك مفر بأن هذه المهمة طويلة الأجل، و"غير نهائية" يقوم بتنفيذها الجيش الأمريكي أو يدعم وزارة الخارجية الأمريكية أو الشركاء المحليين في تنفيذها. وقد طرح قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال فوتيل، مفهوماً مماثلاً حول شمال شرق سوريا في تصريحاته لـ "معهد الولايات المتحدة للسلام" في 3 نيسان/أبريل. وتشكل التجربة الأمريكية مع مثل هذه البعثات في العراق وأفغانستان عبرة لمن يعتبر.
المهمة الثالثة، وجود/ إظهار القوة/مشروع قوة محتمل لتشكيل التطورات السياسية أو العسكرية. من الأمثلة على ذلك بعثة تواجد الجيش الأمريكي في سيناء، ودوريات البحرية الأمريكية في الخليج. ومن شأن تواجد مثل هذه البعثة/المهمة في سوريا، أن تعمل على الاحتفاظ بالأراضي والسيطرة على المجال الجوي، والتهديد على الأقل بقيام تمرد متجدد ضد الدكتاتور السوري بشار الأسد، وذلك لتحديد شكل القرارات الروسية والإيرانية. وفي هذا السياق، يواصل مسؤولو الإدارة الأمريكية ذكر هذه المهمة لكنهم لم يحوّلوها بعد إلى خطة قابلة للتنفيذ.
أمّا المشكلة التي تواجه ترامب فهي تناقض هذه المهمات وربما استحالة تنفيذها. لقد تم إنجاز المهمة الأولى بشكل أساسي، ولكن القضاء على العناصر المتفرقة لتنظيم «الدولة الإسلامية» أصبح أمراً صعباً للغاية. وفي هذا الصدد، يجدر بالذكر أن الولايات المتحدة لم تنجح في مهمتها مع سلف تنظيم «الدولة الإسلامية» - تنظيم «القاعدة في العراق» - في الفترة 2009-2011 على الرغم من أن قوام القوات الأمريكية آنذاك كان يبلغ حوالي خمسين ألف جندي.
ويَظهر أن تركيز "القيادة المركزية" هو على المهمة الثانية، أي تحقيق الاستقرار في شمال شرق سوريا. ويبدو أن الأساس المنطقي "غير الراسخ" في بناء الأمة قد أزعج الرئيس ترامب. لكن هذا السبب الجوهري قد استمال الجيش الأمريكي لأنه يثبت عقيدة مكافحة التمرد، إذ يتمتع الجيش الأمريكي للمرة الأولى بشركاء جديرين يقيم معهم روابط عاطفية، وهم: كوادر قيادة «قوات سوريا الديمقراطية»، و«حزب الاتحاد الديمقراطي» - الفرع الكردي الفعال للغاية للمتمردين الأكراد الأتراك التابعين لـ «حزب العمال الكردستاني». لكن "عملية الاستقرار" من هذا القبيل غير محددة زمنياً بحكم طبيعتها، ونجاحها غير مؤكد.
ولكن حتى لو نجحت المهمتان الأولى والثانية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، إلّا أنهما لا تتمتعان بأي أهمية استراتيجية تقريباً. إذ لا يزال تنظيم «الدولة الإسلامية»  يعمل في مناطق أخرى من سوريا، ويجد أنصاره بين السكان العرب السنة هناك. لكن جزءاً صغيراً فقط من هؤلاء السكان موجود في المنطقة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. وكما أدركت واشنطن في العراق، يذهب المتطرفون الإسلاميون إلى الأماكن التي لا تتواجد فيها القوات الأمريكية.
وفي نهاية المطاف، فإن ظاهرة تنظيم «الدولة الإسلامية» هي نتاج سوء الحكم الذي مارسته إيران ضد العرب السنة في سوريا والعراق، الأمر الذي سمح لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والرئيس السوري بشار الأسد بقمعهم. وبالتالي فلمنع عودة تنظيم «الدولة الإسلامية»، تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية شاملة ضد سيطرة إيران على تلك الدول، وليس التمركز في شمال شرق سوريا. والأهم من ذلك، يواجه حلفاء أمريكا الإقليميون - تركيا وإسرائيل والأردن والمملكة العربية السعودية - تهديدات رئيسية من إيران وروسيا في سوريا، وبالتالي يحثّون الولايات المتحدة على البقاء في سوريا للتصدي لهما، وهنا تكمن المهمة الثالثة.
لن يكون من السهل دمج الوجود العسكري الأمريكي في خطة سياسية عسكرية تشمل تركيا وإسرائيل، اللتان لهما قوات عسكرية تعمل من داخل الأراضي السورية أو في المجال الجوي فوق سوريا والأردن ودول الخليج، واستكمالها بخريطة طريق سياسية متجددة للأمم المتحدة حول سوريا، بالإضافة إلى حجب المساعدات الدولية لإعادة الإعمار إلى حين التوصل إلى نتيجة سياسية مقبولة. ولكن باستثناءتعليقات وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون في كانون الثاني/يناير الماضي، لم يكن هناك أي مؤشر على وجود مثل هذه الخطة، كما يدّعي الإسرائيليون والسعوديون والأتراك أنه لم يتم استشارتهم حول خطة كهذه.
وعلاوة على ذلك، تتناقض هذه المهمة مع رسوخ "القيادة المركزية" الأمريكية في المهمتين الأولى والثانية - القتال وبناء الأمة. ولا يتحول اهتمامها عن الهدف الأكبر فحسب، بل كما قال فوتيل، قائد "القيادة المركزية" الأمريكية، لأعضاء الكونغرس وفقاً لبعض التقارير، إنه لم يتلق أي أوامر لمواجهة إيران.
وأخيراً، من خلال الشراكة مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي هي فرع من «حزب العمال الكردستاني»، تصطدم الولايات المتحدة مع مصالح تركيا في مواجهة الدويلة المتحالفة مع «حزب العمال الكردستاني» في شمال سوريا. وقد أدى هذا التوتر إلى الهجوم التركي على «حزب الاتحاد الديمقراطي» في عفرين في وقت سابق من هذا العام، ويؤدي حالياً إلى توليد خلافات في مدينة منبج، حيث تواجه جميع العناصر الأمريكية والتركية و«قوات سوريا الديمقراطية» و«حزب الاتحاد الديمقراطي» الواحدة الأخرى. ومع ذلك، فبدون تركيا وسيطرتها على جزء كبير من شمال غرب سوريا، ومعارضتها للأسد وللتوسع الإيراني، ليس لدى الولايات المتحدة استراتيجية مجدية للمهمة الثالثة.
ومن خلال الانتقال إلى نهج يركّز على القوة الجوية، وسحب معظم القوات البرية الأمريكية، واتخاذ موقف دفاعي ضد بقايا تنظيم «الدولة الإسلامية»، وإعادة التوجيه نحو المهمة الثالثة - أي منع الدخول إلى مناطق معينة واستعراض محتمل للقوة - يمكن للولايات المتحدة حل مشاكل متعددة، على سبيل المثال: الاستجابة لمخاوف الرئيس الأمريكي حول مهمة استقرار لا نهاية لها، وتهدئة التوتر مع الأتراك، وتقليل إمكانية وقوع ضحايا أمريكيين، والتركيز على الاستراتيجية السياسية العسكرية المذكورة أعلاه مع الحلفاء الذين يواجهون التحالف الإيراني -الروسي.
وهناك سابقة بالغة الأهمية لمثل هذه الخطوة، وهي: عملية المراقبة الشمالية فوق المنطقة الكردية في شمال العراق بين 1991-2003. ففي تلك الفترة لم يكن لدى الولايات المتحدة وجود يذكر بل عدد ضئيل من ضباط الاتصال العسكري على الأرض. وكانت قوات "البشمركة" البرية العراقية الكردية  المدعومة من القوة الجوية الأمريكية قد واجهت بفعالية العناصر الجهادية وقوات صدام. وقد قبلت تركيا ذلك الترتيب لأنها لم تكن ترغب في رؤية صدام على حدودها (واليوم لا تريد أن ترى الأسد في الوضع نفسه). وفي نهاية المطاف، تحسنت العلاقات بين تركيا وأكراد العراق حيث أدرك الطرفان أنه لا يمكن تأسيس دولة كردية في ظل غياب قوات برية أمريكية وسط الأكراد. كما أن الأمر نفسه ممكن بالنسبة للأتراك والأكراد في سوريا.
أمّا الفائدة النهائية من القوة الجوية فهي الحصول على تفويض من الكونغرس الأمريكي. وفي هذا الصدد، كان الكونغرس من الناحية التاريخية أكثر مرونة في استخدام القوة الجوية. ويُعتبر تشريع مكافحة الإرهاب لعام 2001 الذي تمت الموافقة عليه بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر التفويض الأساسي للقوات البرية الأمريكية في سوريا، الأمر الذي يعزز الفكرة بأنه ليس هناك هدف من وجود الولايات المتحدة في سوريا سوى القضاء على الإرهابيين.

جيمس جيفري هو زميل متميز في زمالة "فيليب سولوندز" في معهد واشنطن وسفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا والعراق وألبانيا. وقد تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع "سايفر بريف".

قمة الدمام: اختبار حدود العلاقة العربية -الإسرائيلية

قمة الدمام: اختبار حدود العلاقة العربية -الإسرائيلية
تنبيه سياسي

قمة الدمام: اختبار حدود العلاقة العربية -الإسرائيلية

 13 نيسان/أبريل 2018
في الآونة الأخيرة، أظهر بعض الزعماء العرب تحولاً ملحوظاً في اللهجة التي يتحدثون بها في تصريحاتهم غير الرسمية إزاء إسرائيل، كما حصل حين صرّح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لمجلة  "ذي أتلانتيك" في وقت سابق من هذا الشهر بأن "الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة". لكن هذا التغير لم يتجاوز التعاون الأمني السري ليطال السياسات الفعلية أو الخطاب الدبلوماسي الرسمي. وستمثل القمة العربية، المقرر عقدها في 15 نيسان/أبريل في مدينة الدمام السعودية، فرصة لرؤية مدى استعداد ولي العهد وغيره من القادة العرب للمضي قدماً في هذا الخصوص.  
لكن القضية الفلسطينية لن تكون من ضمن أهم بنود أجندة القمة أو حتى في سلّم أولويات معظم المشاركين مقارنةً بالأمور الأكثر إلحاحاً مثل إيران وسوريا واليمن وليبيا. وبالفعل، مع بعض الاستثناءات- مثل قمة بيروت عام 2002 التي أقرّت "مبادرة السلام العربية" المبتكرة - تميل هذه الاجتماعات إلى التعامل مع القضية الفلسطينية بطرق محددة الصيغة.     
غير أنه خلال نهاية الأسبوع الحالي، من المرجح أن يسعى رئيس "السلطة الفلسطينية" محمود عباس إلى تحويل الأنظار نحو شعبه- أو، إذا لم ينجح في ذلك، سيحدد، على الأقل، لهجة الخطاب العربي تجاه إسرائيل - من خلال التركيز على أربع مسائل:
  • ضمان إدانة قوية لردّ إسرائيل على التظاهرات المستمرة في غزة، وكذلك وعود باتخاذ إجراءات دبلوماسية ملموسة.
  • السعي إلى رفض عربي حازم وقوي وموحّد لقرار واشنطن القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
  • إلزام الدول العربية برفض جماعي لأي خطة سلام أمريكية لا تلبي المصالح الفلسطينية.
  • منع أي تقدّم مستقبلي في العلاقات الثنائية العربية -الإسرائيلية من خلال السعي إلى إعادة التأكيد الرسمي على النهج المنصوص عليه في "مبادرة السلام العربية"، التي تنص على عدم إمكانية بدء أي تطبيع مماثل قبل إنهاء إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية.
ومن خلال هذه الخطوة، من المرجّح أن يناشد عباس الرأي العام العربي، الذي لا يزال يُعتبر معادياً لإسرائيل إلى حدّ كبير. كما سيعتمد على المسؤولين والمؤسسات التي تفضّل المقاربة العربية التقليدية تجاه إسرائيل - وهي متوافرة بأعداد كبيرة. على سبيل المثال، دعا الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط مؤخراً "المحكمة الجنائية الدولية" إلى التحقيق في الاشتباكات في غزة، في حين أفاد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير للمشاركين في مؤتمر لـ "مؤسسة بروكينغز" في واشنطن في 22 آذار/مارس أننا "نعتقد أن عملية السلام ستؤتي ثمارها في النهاية وليس في البداية، إذ عندها أين يكمن الحافز [لتحقيق السلام]؟"        
وسواء كان عباس مقنعاً أم لا، لن يكون هناك احتضان حار لإسرائيل في نهاية هذا الأسبوع، ولا شكّ في أن البيان الختامي لمؤتمر القمة سينتقد الدولة [اليهودية]. لكن معالجة الوثيقة للقضايا الأربع المذكورة أعلاه ستوضح ما إذا كانت اللهجة الجديدة التي اعتمدها بعض الزعماء [العرب] في الأسابيع الأخيرة قد غيّرت بالفعل المعتقد العربي بشأن دبلوماسية السلام.   
وبطبيعة الحال، لن تكون نتائج القمة مؤشراً قاطعاً على المقاربة التي سيعتمدها القادة الأفراد تجاه العلاقات الثنائية مع إسرائيل في المستقبل. وقد يكون البعض منهم قد خلَصَ إلى أن الاجتماعات القديمة لـ "الجامعة العربية" القائمة على مبدأ العروبة لا تمثل المنتدى المثالي للإعلان عن التخلي الرسمي عن العقيدة العربية. كما قد يعتبرون، بصورة صحيحة، بأنه مهما كان قرار القمة فلن يكون له سوى تأثير ضئيل أو لا يكون له أي تأثير على كيفية ممارسة الدول الأعضاء فعلياً لسياستها. وربما يرى البعض الآخر أن المزيد من التطبيع مع إسرائيل - بما يرافقه من تكاليف سياسية ودبلوماسية - ليس أمراً ملحاً، لا سيما وأن التعاون الأمني ​​السري المستمر يلبي احتياجاتهم العاجلة.    
ومع ذلك، ستسلّط نتيجة القمة الضوء على مدى استعداد حلفاء أمريكا في المنطقة لتقديم رأس مال دبلوماسي وسياسي من أجل إحداث تغيير في إستراتيجية عملية السلام بشكل علني. وأفادت تقارير أن بعض الزعماء العرب أشاروا في المجالس الخاصة إلى أنهم سيدعمون مقاربة أمريكية جديدة لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. يجب على الديناميكيات التي يتم عرضها في القمة أن ترسم معالم حسابات واشنطن حول مدى إمكانية الاعتماد على هؤلاء القادة من أجل دعم سياساتها علناً في مواجهة اعتراضات "السلطة الفلسطينية" والعرب. وفي حين أن عكس المواقف القائمة منذ فترة طويلة حول النزاع قد يكون أمراً بعيد المنال نظراً إلى القضايا الأكثر إلحاحاً المطروحة على الطاولة، يجب على الولايات المتحدة أن تشجع على الأقل حلفاءها العرب على رفض أي قرارات تصدر عن القمة من شأنها جعل المواقف أكثر تشدداً والحدّ من احتمالات أي دبلوماسية مستقبلية.  

غيث العمري، زميل أقدم في معهد واشنطن، عمل سابقاً في عدة مناصب استشارية مع "السلطة الفلسطينية".

مواجهة إيران ومستقبل «خطة العمل الشاملة المشتركة»

المرصد السياسي 2956

مواجهة إيران ومستقبل «خطة العمل الشاملة المشتركة»

 ١٦ نيسان/أبريل ٢٠١٨
"في 12 نيسان/أبريل، عقد معهد واشنطن حلقة جديدة من سلسلته المتواصلة ضمن منتدى (LINK) "تعلّم، إطّلع، تواصَل، إعلَم"، تضمنت عروض من قبل جاي سولومون، كيرن ديونغ، جيمس جيفري، ودينيس روس. وسولومون هو زميل زائر مميز في "زمالة سيغال" في معهد واشنطن ومؤلف "حروب إيران: ألعاب التجسس، معارك المصارف، والاتفاقات السرية التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط". وديونغ هي محررة مشاركة، وكبيرة المراسلين لشؤون الأمن القومي في صحيفة "واشنطن بوست". وجيفري هو زميل متميز في زمالة "فيليب سولوندز" في المعهد والمساعد الخاص السابق للرئيس جورج دبليو بوش. وروس هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في المعهد والمساعد الخاص السابق للرئيس أوباما. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم".
كيرن ديونغ
طوال الحملة الرئاسية لدونالد ترامب وصف الرئيس الأمريكي «خطة العمل الشاملة المشتركة» بأنها أسوأ صفقة تم التفاوض حولها على الإطلاق، وقال أنها تتعارض مع المصالح الأمريكية. ومنذ توليه منصبه، رفض مرتين المصادقة على حفاظ إيران على التزاماتها بموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة»، على الرغم من أن كبار أعضاء إدارته قد تحققوا من امتثال طهران - من بينهم مايكل بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق الذي عُيّن مؤخراً وزيراً للخارجية. بالإضافة إلى ذلك، وبينما وقّع الرئيس الأمريكي على تنازل آخر عن العقوبات التشريعية في كانون الثاني/يناير، أعلن أنه لن يفعل ذلك مرة أخرى عندما يصل الموعد النهائي المحدد بعد 120 يوماً، أي في منتصف أيار/مايو، ما لم تتم "معالجة الثغرات" الواردة في الاتفاق النووي.
وعلى وجه الخصوص يرى الرئيس الأمريكي ضرورة إحداث ثلاثة تغييرات حتمية وهي:
1. إعادة النظر في بنود "الغروب" التي ينتهي نفاذها بعد انقضاء عدد معين من السنوات، من بينها القيود المفروضة على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم.
2. معالجة افتقار «خطة العمل الشاملة المشتركة» للقيود التي تمنع طهران من تطوير برنامج الصواريخ البالستية بعيدة المدى.
3. تشديد أحكام التحقق من الالتزام بالاتفاق.
وفي هذا الصدد، يشاطر الحلفاء الأوروبيون المشاركون في الاتفاق - بريطانيا وفرنسا وألمانيا - بعضاً من مخاوف ترامب، وأعربوا عن استعدادهم لمساعدة واشنطن في معالجتها بطريقة لا تؤدي إلى تغيير الاتفاق نفسه. وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، قاموا بالتفاوض على حلول محتملة مع المسؤولين الأمريكيين، لكن التغييرات الأخيرة في الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي - والتي تشمل الوزير بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، اللذان سبق لهما أن دعيا إلى الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» - تجعل الخطوات التالية غير مؤكدة.
جيمس جيفري
عندما قرر الرئيس جورج دبليو بوش معالجة مسألة إيران، كان على إدارته أن تختار بين مسارين. وقف كافة القدرات النووية لطهران  بشكل نهائي، مما كان سيتطلب غزواً برياً مشابهاً لما حصل في العراق، لذلك تم رفض هذا المسار لصالح المفاوضات. ومع ذلك، وبالنظر إلى طبيعة المجتمع الدولي، فقد كان من المتوقع أن تؤدي تلك المفاوضات إلى حل مؤقت غير كامل. ومن خلال الشروع في المسار متعدد الأطراف، لم يكن بوسع واشنطن التوصل إلى اتفاق أفضل في ذلك الوقت، الأمر الذي كانت تدركه طهران.
ويبدو أن إدارة أوباما لم ترغب في التوصل إلى اتفاق مقايضة محض، أي رفع العقوبات مقابل الامتثال النووي الإيراني، على الرغم من التصريحات العلنية عكس ذلك التي أدلى بها نائب الرئيس الأمريكي في ذلك الحين جو بايدن. وبدلاً من ذلك، أعربت عن أملها في أن يكون الاتفاق تحويلياً من خلال تحفيز النظام لكي يصبح عضواً أكثر مسؤوليةً في المجتمع الدولي. أمّا الأوروبيون الذين تحركهم المصالح التجارية فيشاركون الهدف نفسه. وتشير المادة 33 من "خطة العمل الشاملة المشتركة" وغيرها من العوامل إلى الرغبة في تغيير مسار إيران والترحيب بها مرةً أخرى في مجتمع الأمم، وذلك بشكل أساسي من خلال استمالة تعطشها للتقدم التكنولوجي والاقتصادي الغربي. وحتى إذا استثنينا هذه الرؤية المتفائلة، فإن ألمانيا والاتحاد الأوروبي ينفران نفوراً قوياً استخدام القوة، لذلك كانا من أشدّ مؤيدي الحفاظ على الاتفاق.
ويمكن لإنهاء «خطة العمل الشاملة المشتركة» أن يثير صعوبات دبلوماسية في بلدان أخرى أيضاً. فعلى سبيل المثال، يساور تركيا القلق من فكرة إمكانية قيام الإدارة الأمريكية الجديدة وبسرعة بإلغاء اتفاق أساسي كانت قد توصلت إليه الإدارة التي سبقتها. فمثل هذه التقلبات قد تقود الحلفاء والخصوم على حد سواء إلى التشكيك في جدية الولايات المتحدة بشأن الالتزام بالاتفاقات. وفي الوقت الحالي، لا يزال الرئيس ترامب يتمتع بعلاقات جيدة نسبياً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأمر الذي قد يخفف من مخاوف أنقرة مع اقتراب الموعد النهائي القادم لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة».
جاي سولومون
على الرغم من أن الرئيس ترامب سينسحب على الأرجح من «خطة العمل الشاملة المشتركة» في الشهر المقبل، بدا أن الاتفاق يتجه نحو الانهيار المبكر أو نحو عملية إعادة التفاوض في السنوات القادمة على أي حال، وذلك لأسباب متعددة. أولاً، يسمح الاتفاق لإيران بتطوير قدرة نووية على نطاق صناعي عندما ينتهي نفاذ بعض القيود على مدى العقد والنصف القادمين. ومن غير المرجح أن يوافق المجتمع الدولي على احتمال وصول إيران مرةً أخرى إلى عتبة الأسلحة النووية، لذلك من المفترض أن يسعى إلى مراجعة "بنود الغروب" قبل وقت طويل من تاريخ استحقاقها المتفق عليه أصلاً.
ثانياً، لا تزال واشنطن وطهران تختلفان حول إمكانية فرض العقوبات. فإيران ترى أن «خطة العمل الشاملة المشتركة» تحظر على الولايات المتحدة فرض أي قيود من هذا القبيل، في حين يدّعي المسؤولون الأمريكيون أنه لا يزال بإمكانهم فرض عقوبات على النظام في القضايا غير النووية مثل انتهاكات حقوق الإنسان والإرهاب والتورط المحتمل في هجمات الأسلحة الكيميائية في سوريا. لذلك حتى إذا جدّد الرئيس الأمريكي التنازلات التشريعية بشأن العقوبات النووية في الشهر المقبل، قد تتداعى «خطة العمل الشاملة المشتركة» إذا صدرت عقوبات شديدة غير نووية ضد البنك المركزي الإيراني أو صادرات إيران النفطية، لأن طهران قد تعتبرها انتهاكات فعلية.
ثالثاً، نصّ الاتفاق على تمتع المفتشين بإمكانية الوصول إلى المواقع الإيرانية المشبوهة "في أي زمان وأي مكان". ومع ذلك، لم يتوصل الطرفان أبداً إلى توافق في الآراء حول هذا البند، حيث جادلت إيران بأن بعض المواقع لا تزال محظورةً وهي تمنع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من إجراء عمليات تفتيش كاملة فيها. إن هذا الوضع غير قابل للاستدامة على المدى الطويل.
وفي النهاية، بإمكان الرئيس ترامب إيجاد طريقةً لحل هذه القضايا أو الانسحاب من الاتفاق. فلم يعمل حتى الآن على إيجاد الإجماع الدبلوماسي الأوروبي اللازم لإعادة التفاوض على الاتفاق، رغم أن بعض المسؤولين في الاتحاد الأوروبي أبدوا استعدادهم للموافقة على عقوبات معينة في ضوء الأنشطة الإقليمية الإيرانية ومقاومة طهران لعمليات التفتيش. فخلال المفاوضات الأصلية حول «خطة العمل الشاملة المشتركة»، كانت فرنسا في الواقع أكثر المؤيدين للعقوبات، لكن منذ ذلك الحين منح الأوروبيون الأولوية لمصالحهم التجارية فوق الاعتبارات الأخرى. لكن في النهاية، قد يعمل ذلك لصالح واشنطن، حيث تضمن قوة الدولار أن لا تخاطر أوروبا بأعمالها التجارية مع الولايات المتحدة لمجرد مواصلة التجارة مع إيران، لا سيما وأن اقتصادها يبدو على حافة الهاوية، وعملتها الرئيسية قد انخفضت بنسبة 50 في المائة، والاحتجاجات العامة مستمرة.
دينيس روس
في هذه المرحلة، يجب أن يركز المسؤولون الأمريكيون على التوصل إلى تفاهم مع الأوروبيين حول كيفية رفع الثمن الذي تدفعه إيران حينما تزيد حتماً من نشاطاتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة. ولن تقوم "الثلاثية الأوروبية" بإعادة التفاوض أو الانسحاب من الاتفاق، ولكنها مستعدة لمعالجة مخاوف الإدارة الأمريكية.
وفيما يتعلق ببنود "الغروب"، قد يكون الأوروبيون مستعدين لإصدار بيان يوجز التوقعات حول الأنشطة النووية الإيرانية المستقبلية حتى إذا رفضوا تغيير الأحكام الأصلية لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة». وفيما يتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني ونزعة طهران السياسية إلى اتخاذ قرارات سريعة في المنطقة، فإن الأوروبيين على استعداد تام لفرض عقوبات. وقد تبنت الحكومات الأوروبية مواقف جديدة منذ أن قامت الولايات المتحدة ببناء النفوذ، لذلك على واشنطن أن تستخدم هذا النفوذ بدلاً من الانسحاب من الاتفاق.
يجب أن تؤدي المخاوف الحقيقية بشأن قدرات إيران النووية في الفترة 2025-2030 إلى دفع الإدارة الأمريكية إلى العدول عن الانسحاب من الاتفاق. فالهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو الضغط على طهران، لكن الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» لن يؤدي إلّا إلى تحويل الضغط نحو واشنطن. ولتجنّب هذا السيناريو، يتعين على الولايات المتحدة وضع استراتيجية بشأن إيران، وإقرانها باستراتيجية واضحة بشأن سوريا. وإذا كانت الإدارة الأمريكية لا ترغب في اتخاذ إجراء مباشر ضد الأنشطة العسكرية الخارجية لطهران، فعليها على الأقل تزويد إسرائيل بالقدرة على استهداف أي بنية تحتية نووية مرتبطة بإيران في سوريا. وبما أنه سيكون من الصعب على الرئيس الأمريكي تأجيل تعهده المناهض لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة» إلى أجل غير مسمى، يجب أن يأخذ في عين الاعتبار أن الآن هو الوقت المناسب بشكل خاص لاستخدام الاتفاق كوسيلة ضغط على نظام يواجه تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة على المستوى المحلي.

أعد هذا الملخص ماديسون ريندر.

Friday, April 13, 2018

الصراع العالمي، إلى أين؟

الصراع العالمي، إلى أين؟
"يسرائيل هَيوم"، 12/4/2018

الصراع العالمي، إلى أين؟


Image result for ‫يعقوب عميدرور‬‎
اللواء في الاحتياط يعقوب عميدرور - رئيس سابق لمجلس الأمن القومي
•تأثير سوري. التوتر المتصاعد حول سورية ناجم عن سببين: الأول هو الصدام العسكري بين إيران، التي تبني قوة لها هناك، وبين إسرائيل التي تحاول منع ذلك. والسبب الثاني هو العملية المتوقع أن تنفذها الولايات المتحدة رداً على الاستخدام الوحشي للغاز ضد المدنيين من جانب نظام الأسد. تتخوف روسيا التي تنتشر قواتها في المنطقة من تدهور في أعقاب الحدث الأول، وهي لا تريد أن يتضرر الأسد الواقع تحت رعايتها من الحدث الثاني.
•حرب اقتصاديةة. نشأ هذا التوتر على خلفية قضيتين مختلفتين زادتا مؤخراً الاحتكاك العالمي. فقد قرر الرئيس الأميركي أن المنظومة الاقتصادية التي تم صوغها خلال عشرات السنوات الأخيرة قد أضرت بالمواطنين الأميركيين. وفي رأي ترامب، الولايات المتحدة "أخطأت" في تأييدها لـ"اقتصاد عالمي"، تخفض بموجبه كل دولة رسوم الحماية عند الدخول إليها. على ما يبدو، كانت نتيجة هذا الاقتصاد مخيبة للأمل من وجهة نظر الولايات المتحدة، التي تشتري أكثر مما تبيع. وكانت النتيجة أن عدداً كبيراً من المواطنين الأميركيين خسروا وظائفهم، في ضوء عجز مشاريع في الولايات المتحدة عن منافسة مشاريع شبيهة بها  في الصين مثلاً، حيث يصنعون بأسعار أرخص ولذلك يبيعون منتوجاتهم في الولايات المتحدة وليس العكس. 
•حارب ترامب هذه الظاهرة ورفع الضرائب على الحديد الصلب والألومينيوم اللذين تستوردهما الولايات المتحدة، على أمل رفع أسعار المنتوجات التي تعتمد على هذه المواد، وبهذه الطريقة سيكون في إمكان المشاريع الأميركية منافسة هذه المنتوجات. ردت الدول التي ستعاني جرّاء رفع هذه الضرائب، فأعلنت الصين أنها ستفرض ضرائب على المنتوجات الأميركية التي تصدّر إليها، وبهذه الطريقة سينخفض التصدير الأميركي الذي سيصبح أكثر غلاء، وهلم جراً. في هذا الواقع الناشىء لا يوجد سبيل إلى وقف التدهور نحو "حرب اقتصادية" إلاّ بالاعتماد على الاتفاق الذي كان موجوداً قبل قرار ترامب.
•دائرة النزاع: نشأ توتر دولي إضافي، لأن بريطانيا تشك بأن روسيا اغتالت بالغاز السام الجاسوس الروسي المزدوج، الذي جنده البريطانيون، واعتُقل في وطنه ثم جرى الافراج عنه في إطار تبادل للجواسيس. يزعم البريطانيون أن نوع الغاز الذي تسبب بتسميم الجاسوس موجود فقط في روسيا، وهي الوحيدة التي لديها دافع للتخلص منه. وعلى الرغم من عدم وجود دليل واضح لدى البريطانيين على أن القتلة أرسلهم الحاكم الروسي، فإن لديهم إثباتات ظرفية تستند إلى ما جرى العثور عليه في موقع الجريمة، وأيضاً إلى الاستخبارات. وقد قررت بريطانيا وحلفاؤها الغربيون طرد أكثر من 100 دبلوماسي روسي عقاباً، وكردّ حاد على الهجوم. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مقربين من بوتين، وردت موسكو بإعلان طرد عشرات الدبلوماسيين الغربيين ، وهذا ليس نهاية النزاع.
•المشكلة النووية. في الأشهر المقبلة من المتوقع وقوع حدثين إضافيين سيزيدان التوتر في العالم. الأول هو لقاء ترامب مع حاكم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وإذا أقام الاثنان قناة حوار سينخفض التوتر الدولي بصورة كبيرة، ونأمل بألاّ يحدث العكس لأن كوريا الشمالية عندئذ ستستأنف تجاربها النووية.
•الحدث الثاني أيضاً له علاقة بالنووي الإيراني. إذا أعلن الرئيس الأميركي أمام الكونغرس، كما وعد في الانتخابات، عدم تقيد إيران بالاتفاق الموقع في سنة 2015، ولذا قد يطالب بإلغاء الاتفاق، سيزداد التوتر في المنطقة وفي العالم كله. وبصورة غير مخطط لها يمكن للولايات المتحدة أن تحسن مكانتها في مواجهة كوريا الشمالية وإيران إذا تحركت ضد الأسد بسبب استخدامه السلاح الكيميائي بقوة تتلاءم مع قوة عظمى.

•المصلحة الإسرائيلية. إسرائيل أصغر من أن تؤثر في الحرب التجارية، لكن من الأفضل لاقتصادها وجود عالم من دون قيود. ومهمة أيضاً شبكة العلاقات الخاصة لإسرائيل مع الروس، الذين يتحركون في  منطقة لدينا فيها مصالح أمنية، ولهذا السبب لا تتدخل إسرائيل في صراع الغرب مع الروس. في مقابل ذلك، إسرائيل معنية بالوضع بين إيران والولايات المتحدة، التي على ما يبدو ليست لديها سياسة واضحة تتعلق بالوضع بعد إلغاء الاتفاق، ويمكن أن تجد إسرائيل نفسها معزولة سواء في نضالها من أجل منع تحول إيران إلى دولة نووية أو في محاولتها احتواء إيران في سورية.