Thursday, August 16, 2018

قرارٌ خطير يغيّر قواعد اللعبة

قرارٌ خطير يغيّر قواعد اللعبة
صفحات رأي ومقالات

قرارٌ خطير يغيّر قواعد اللعبة

 "استعراض القاهرة للشؤون العالمية" ( Cairo Review of Global Affairs)
8 آب/أغسطس 2018
في 16 كانون الثاني/يناير 2018، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها لن تصرف إلا 60 مليون دولار من أصل مساهمتها السنوية المقدمة إلى "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" ("الأونروا") والبالغة 300 مليون دولار، وأنها ستعلّق ما تبقى من المساعدات للنظر فيها. ويُعتبر هذا القرار مؤثراً بشكل خاص نظراً لأن الولايات المتحدة لطالما كانت الدولة المانحة الفردية الأكبر للوكالة. ففي عام 2017 على سبيل المثال، ناهزت مساهمة الولايات المتحدة 365 مليون دولار، أي ما يشكّل حوالي ثلث ميزانية المنظمة. وعلى سبيل المقارنة، قدّم ثاني أكبر مساهم - وهو الاتحاد الأوروبي - ما يقارب 143 مليون دولار.  
وشكّل قرار خفض الدعم الممنوح إلى "الأونروا" مفاجأةً حقيقية. ففي حين غالباً ما واجه الدعم الأمريكي إلى الوكالة بعض الانتقادات المحلية - خاصة من قبل بعض أعضاء الكونغرس – إلّا أن الحكومة الأمريكية حافظت على مرّ السنين على دعمها للمنظمة، بقولها أنها تؤدي دوراً يُرسي الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وفي أواخر عام 2017، طمأنت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي "الأونروا" بأنّ المساعدات الأمريكية سوف تقدم قريباً.  
وتشكّل فجائية قرار خفض المساعدات وتأثيرها المحتمل على قدرة "الأونروا" على مواصلة عملها مبعثاً للقلق الشديد نظراً إلى عمق الخدمات التي تقدمها المنظمة واتّساع نطاقها. وإذ تأسست عام 1949، تقدّم "الأونروا" حالياً خدماتها إلى أكثر من 5 ملايين "لاجئ فلسطيني" مسجّل في 5 مناطق عمل هي: الضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية) وغزة والأردن ولبنان وسوريا. وفي هذه المناطق، تقدّم المنظمة خدمات اجتماعية رئيسية، حيث تقوم مدارسها بتعليم أكثر من نصف مليون طالب، في حين تعالج مرافقها الصحية أكثر من 8.8 مليون مريض سنوياً. وبالإضافة إلى هذه الخدمات الأساسية، توفّر "الأونروا" أيضاً مساعدات طارئة في أوقات الأزمات، في الوقت الذي تقدم فيه أيضاً التمويل البالغ الصغر وبرامج أخرى لتعزيز الاعتماد على الذات في أوساط المستفيدين من خدماتها.    
وفي حين أن قرار الولايات المتحدة بتعليق الدعم لـ"الأونروا" ربما حقق بعض النتائج الإيجابية، لا سيما التشجيع على تقاسم الأعباء بشكل أكثر إنصافاً والإشارة إلى ضرورة إجراء إصلاحات في الوكالة، إلّا أن هذه النتائج تبدو محدودةً بالمقارنة مع الأثر السلبي الذي يخلّفه القرار. فإجمالي التداعيات الإنسانية المترتبة على المستفيدين من خدمات "الأونروا"، والتأثير على الوضع الإنساني والأمني في غزة، والأثر المزعزع للاستقرار على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وخاصة الأردن، إضافةً إلى عدم فعالية القرار في ممارسة ضغط دبلوماسي على "السلطة الفلسطينية"، جميعها عوامل تبرر بشدة معارضة هذه الخطوة.    
التداعيات السياسية
في حين تتجلى بوضوح التداعيات الإنسانية المترتبة على الخفض الملحوظ في خدمات "الأونروا"، إلّا أن تقييم التداعيات السياسية هو أمر أكثر صعوبة بالنظر إلى الرسائل المتناقضة التي تبعثها إدارة دونلارد ترامب فيما يتعلق بالهدف من هذا القرار. فالسفيرة هالي، التي أشارت في بادئ الأمر إلى عزم الإدارة على قطع تمويل "الأونروا" في 2 كانون الثاني/يناير 2018، أشارت إلى أن تخفيض المساعدات كان يهدف إلى ممارسة الضغط على "السلطة الفلسطينية" من أجل "الموافقة على العودة إلى طاولة المفاوضات". وفي المقابل، لم تربط وزارة الخارجية القرار بالجهود الأكبر التي تبذلها الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بعملية السلام الفلسطينية -الإسرائيلية، وأشارت بدلاً من ذلك إلى أن القرار ينبع من الحاجة إلى تحسين عمليات "الأونروا" من خلال التركيز على الإصلاحات وتقاسم الأعباء.     
وسرعان ما تبيّن أن هذا الالتباس لم يكن نتيجة الفشل في إيصال الرسالة، بل بالأحرى دليلاً على خلافات أعمق واختلال في عملية صنع السياسات ضمن الإدارة الأمريكية. ففي المداولات الداخلية، حظي موقف هالي المتمثل بقطع المساعدات كلياً باعتباره أداة لممارسة الضغط على "السلطة الفلسطينية" بدعم رئيس موظفي البيت الأبيض جون ف. كيلي، وصهر الرئيس ترامب وكبير المستشارين المسؤول عن عملية السلام في الشرق الأوسط جاريد كوشنر. أما وزارة الخارجية، التي يعود لها اتخاذ القرار النهائي في هذا الشأن، ووزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات الأمريكية، فقد عارضت جميعها هذا القرار خوفاً من من تأثيره المزعزع للاستقرار. وفي النهاية، تعيّن على وزير الخارجية آنذاك ريكس تيلرسون التفاوض شخصياً مع الرئيس ترامب لضمان صرف 60 مليون دولار، أي أقل بقليل من نصف القسم الأول من الأموال التي تعهدت الإدارة الأمريكية بمنحها إلى المنظمة.
ولا يعكس هذا الاختلاف في الرسائل وجهات النظر المختلفة إزاء "الأونروا" فحسب، بل أيضاً الاختلاف في المقاربة المعتمدة تجاه قضية السياسة الأمريكية الأكبر المتعلقة بالمساعدات الدولية والمنظمات الدولية. واعتادت وزارة الخارجية على رؤية المساعدات الدولية كأداةً رئيسيةً لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، ولطالما عارضت تسييسها، لا سيما حين يتعلق الأمر بالمساعدات الإنسانية. وقد تعارضت هذه المقاربة التقليدية مع عدم تحبيذ إدارة ترامب العام للمساعدات الأجنبية ولهدف السفيرة هالي الخاص المتمثل بمواءمة الأمم المتحدة بشكل أكبر مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية.  
غير أن غياب الوضوح فيما يتعلق بأهداف هذا القرار قد جعل من الصعب تقييم نجاحه، وتحديد الخطوات الضرورية لاستئناف دعم الولايات المتحدة لوكالة "الأونروا". وبالفعل، في حين أن بعض الأهداف التي حددتها وزارة الخارجية منطقية ويتم الوفاء بها، فمن المرجح أن تكون تلك الأهداف التي ذكرتها السفيرة هالي غير فعالة.    
تحسين عمليات "الأونروا"
لا يمكن تجاهل النقاط التي أثارتها وزارة الخارجية ببساطة. فعلى غرار أي إجراءات بيروقراطية كبيرة - وخاصةٍ في الأمم المتحدة - تعاني "الأونروا" من مستوى [مرتفع] من عدم الكفاءة والهدر. فضلاً عن ذلك، فإن التقارير الموثوقة حول إساءة استخدام منشآت "الأونروا" بين الحين والآخر، لا سيما من قِبل حركة «حماس» في غزة، تُبرر الحذر الدائم الذي تتوخاه الوكالة نفسها وكذلك الجهات المانحة لها. وفي حين تقرّ "الأونروا" بهذه الحاجة وشرعت في جهودها الإصلاحية، يمكن أن تكون إصلاحات أكثر تشدداً تعتمدها الجهات المانحة للمنظمة ومساعي رقابية تقوم بها مفيدة. ومن هذا المنطلق، يُعتبر استخدام المساعدات لتفعيل الإصلاح أداةً شرعية، ولكن لكي تكون هذه الأداة فعالة، لا بدّ من توافر المزيد من الوضوح بشأن أنواع الإصلاحات المرجوة.  
وعلى نحو مماثل، يُعتبر الوضع الذي تموّل فيه الولايات المتحدة "الأونروا" بشكل غير متناسب أمر غير معقول. وكما أشار وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، فهذه هي الحال تماماً عندما يتعلق الأمر بالمساهمات العربية لـ "الأونروا"، التي - باستثناء مساهمة السعودية - لطالما كانت ضئيلة. وإذا ما نظرنا إلى قرار الولايات المتحدة بإعادة دراسة تمويلها من حيث أنه يرمي إلى تقاسم أكثر إنصافاً للأعباء، نجد أنه يؤتي ثماره: فقد زادت السعودية والإمارات وقطر، بالإضافة إلى كندا وعدة بلدان أوروبية مساهماتها من أجل تغطية بعض العجز الناتج عن القرار الأمريكي. ومع ذلك، وعلى الرغم من زيادة المساعدات من هذه الدول، إلّا أن مالية "الأونروا" تكون غير مستدامة من دون درجة معينة من المساعدة الأمريكية. كما أن طبيعة تعليق المساعدات الأمريكية المفتوحة، بالإضافة إلى عدم الوضوح في ما يُعتبر مستوىً مقبولاً من تقاسم الأعباء، يجعلان من الصعب تطبيق هذا الهدف بشكل فعال.     
ممارسة الضغط على "السلطة الفلسطينية"
في حين أنه يمكن الاستفادة من تعليق المساعدة الأمريكية من أجل تحسين عمليات "الأونروا" وتمويلها، إلّا أن ذلك لا يشكّل أداةً فعالةً لتحقيق الهدف الذي أشارت إليه السفيرة هالي المتمثل بممارسة الضغط على القيادة الفلسطينية للمشاركة في المفاوضات. ويدرك قادة "السلطة الفلسطينية" أن استياء الجمهور الفلسطيني من تقليص خدمات "الأونروا" لن ينصبّ على الأرجح على "السلطة الفلسطينية"، بل على الولايات المتحدة وإسرائيل والوكالة نفسها. وعلى هذا النحو، يمكن أن تقف "السلطة الفلسطينية" مع جمهورها في التعبير عن الغضب في الوقت الذي توجّه فيه اللوم على الآخرين. علاوة على ذلك، قد تقرر "السلطة الفلسطينية" على الأرجح أن إسرائيل لا ترغب أيضاً خفضاً مفاجئاً لخدمات "الأونروا" نظراً إلى أثر هذه الخطوة المزعزع للاستقرار، وأنها ستدفع على الأرجح نحو مساعي قنوات ضغط خلفية لحث الولايات المتحدة على استئناف المساعدات.  
وبدلاً من ذلك، استخدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبدهاء، الهجوم المتصوّر على حقوق الفلسطينيين المتمثل بقطع المساعدات المقدمة إلى "الأونروا" والقرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس لمصلحته. وعلى الصعيد المحلي، ومن خلال خطاباته المتشددة، سعى إلى رسم صورة لنفسه كحامي القضية الفلسطينية. أما على الصعيد الخارجي، فقد مكّنته هذه الخطوات من وضع نفسه في صلب الدبلوماسية الإقليمية. والآن فإن أي زعيم عربي يحاول ممارسة الضغط عليه قد يجد نفسه منكشفاً على اتهامات عباس بالتواطؤ والتآمر مع الولايات المتحدة ضد فلسطين.
الأثر على غزة
في حين أنه من غير المرجح أن يؤدي خفض المساعدات الأمريكية إلى تحقيق نجاح في ممارسة ضغط دبلوماسي على "السلطة الفلسطينية"، إلّا أنه سيخلّف أثراً كبيراً على الصعيد الإنساني. وستتحمل غزة الوطأة الأكبر. وإذ يأوي القطاع الساحلي 1.9 مليون شخص، من بينهم 1.3 مليون لاجئ مسجّل لدى "الأونروا"، أخذ الوضع الاقتصادي والإنساني فيه يتدهور باطراد بعد سنوات من الحصار الإسرائيلي وثلاث حروب بين «حماس» وإسرائيل. فضلاً عن ذلك، اقترب القطاع بصورة أكثر من حافة الانهيار الإنساني نتيجة العقوبات التي فرضتها "السلطة الفلسطينية" في عام 2017. وفي حين لطالما كانت "الأونروا" مزوّداً رئيسياً للخدمات الصحية والتعليمية في القطاع الساحلي الغارق في الفقر المدقع، أدى التأثير المركّب للسياسات الإسرائيلية وعقوبات "السلطة الفلسطينية" إلى زيادة كبيرة في الطلب على هذه الخدمات، بما فيها المساعدات الطارئة. فعلى سبيل المثال، بدأ اليوم مليون شخص من سكان غزة يتلقون المساعدات الغذائية من المنظمة. وإلى جانب الأثر المباشر على الخدمات التي توفرها "الأونروا" في غزة، من شأن تراجع أنشطتها أن يترك تداعيات أوسع نطاقاً على الاقتصاد الكلي في القطاع. وفي ظل بلوغ معدل البطالة 41 في المائة، لا يقوم موظفو "الأونروا" في غزة البالغ عددهم 12500 بإعالة عائلاتهم فحسب، بل يمثلون أيضاً مصدراً مهماً للسيولة في القطاع الذي يعاني من ضائقة مالية.
وعليه، فمن المفارقات، أن القرار الأمريكي بخفض المساعدات إلى "الأونروا" يقوّض الهدف الرئيسي للولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وهو ضمان الاستقرار الإنساني والاقتصادي لغزة. وفضلاً عن الضرورة العاجلة لتلبية احتياجات المدنيين في غزة، فإن الحاجة الملحة إلى إرساء الاستقرار الأمني وخفض احتمالات نشوب حرب أخرى بين «حماس» وإسرائيل يحفّزان التركيز الدولي المتجدد على تحسين الوضع في غزة.
وفي هذا الصدد، يقوّض تجميد المساعدات إلى "الأونروا" الجهود الرامية لإرساء الاستقرار في غزة بطريقتين. تتمثل الطريقة الأولى والأكثر وضوحاً، في أن تقويض قدرة الوكالة على توفير الخدمات الحيوية يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية القائمة على النحو المذكور أعلاه. ولكن على نفس القدر من الأهمية، ففي ضوء عدم رغبة "السلطة الفلسطينية" في الاضطلاع بدور قناة المساعدة وإعادة الإعمار من جهة، وعدم رغبة المجتمع الدولي في توزيع المساعدات عن طريق «حماس» من جهة أخرى، تُعتبر "الأونروا" في موقع أفضل بين وكالات الأمم المتحدة لتطبيق خطة استقرار مماثلة في ظل غياب "سلطة" فلسطينية شرعية، نظراً إلى شبكات الوكالة وبنيتها التحتية الواسعة في غزة. وفي هذا الصدد، من شأن قطع المساعدات عن "الأونروا" أن يحرّم المجتمع الدولي من شريك هام في إرساء الاستقرار في غزة، على نحو لا يضر بالفلسطينيين في القطاع فحسب، بل بالاستقرار الإقليمي أيضاً، لا سيما بالنسبة إلى الشعوب المجاورة لغزة في إسرائيل ومصر.
عواقب غير مقصودة
سواء كان الهدف إحداث إصلاحات لـ "الأونروا"، أو ممارسة الضغط على  الفلسطينيين، سيخلّف القرار الأمريكي تداعيات سلبية في مجالات أخرى. فسيتأثر كل من الأردن ولبنان - حيث تستضيف المملكة الهاشمية حوالي 2.2 مليون لاجئ فلسطيني مسجّل في حين تستضيف لبنان 450 ألفاً. ويضمّ هذان البلدان أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين (وفي حالة الأردن، العراقيين أيضاً) الذين أثقلوا أساساً كاهل ميزانيّتَي البلدين وبنيتهما التحتية. إن إضافة المزيد من اللاجئين الذين توفر لهم "الأونروا" خدمات حالياً إلى الخدمات الاجتماعية الوطنية المحدودة الموجودة في هذين البلدين من شأنها أن تمارس ضغطاً إضافياً على مواردهما، وربما تؤدي إلى استنزافها بالكامل.
وناهيك عن الضغط على الميزانية والبنية التحتية، قد يكون لهذا القرار تأثير مزعزع للاستقرار السياسي في الأردن. فوكالة "الأونروا" تقدّم خدماتها إلى 10 مخيمات رسمية تضمّ نحو 370 ألف لاجئ مسجل. ويعتمد المقيمون في هذه المخيمات، إلى جانب الكثير من اللاجئين الذين يعيشون خارجها، على ما توفّره "الأونروا": 171 مدرسة، و25 مركزاً للرعاية الصحية الأولية، و14 مركزاً للبرامج النسائية، وعدداً كبيراً من البرامج التعليمية والاجتماعية الأخرى. وطوال فترة "الربيع العربي" ووسط الاحتجاجات الاقتصادية الدورية التي اندلعت منذ ذلك الحين - ومؤخراً في حزيران/يونيو من هذا العام - خيّم الهدوء بشكل ملحوظ على هذه المخيمات.
ومن المرجح أن يُسْفر هذا الانخفاض الكبير في خدمات "الأونروا" في الأردن إلى تغيير هذا الوضع ويؤدي إلى اضطرابات في المخيمات. ومن الواضح أن هذه الاحتجاجات ستركّز على فقدان الخدمات. وبالفعل، منذ اتخاذ القرار الأمريكي، قام موظفو الوكالة بعدد من الإضرابات المحدودة احتجاجاً على تخفيض الخدمات التي تقدمها المنظمة. لكن مثل هذه الاحتجاجات سيكون لها بعدٌ سياسي على الأرجح. وكما حصل في الماضي، ينظر العديد من اللاجئين إلى أي تغييرات في برامج "الأونروا" على أنها تمهيد لإصدار حكم مسبق على التخلص نهائياً من مسألة اللاجئين في سياق الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، مما يضمن أن يكون للاحتجاجات بُعداً سياسياً. 
وإذا حدثت مثل هذه الاحتجاجات، فمن غير المحتمل أن تستهدف السلطات الأردنية مباشرةً. ولكن، كما هو الحال مع القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، من المرجح أن تؤثر على العلاقات الوثيقة بين الأردن والولايات المتحدة، وأن تٌضيف إلى الشعور بعدم الاستقرار في الوقت الذي تواجه فيه المملكة الهاشمية صعوبات لاستعادة الهدوء في أعقاب الاضطرابات السياسية الناجمة عن التدابير الاقتصادية التي لا تحظى بشعبية. 
مستقبل قاتم
يعتبر السخط الأمريكي من تحمّل حصة غير متكافئة من دعم "الأونروا" والرغبة في رؤية المزيد من الإصلاحات في المنظمة أمر مفهوم، خاصة في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تقليص مساعداتها الدولية الإجمالية. ومع ذلك، فإن تأثير هذا القرار سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار إلى حدّ كبير. ومن شأنه أن يقوّض أهداف الإدارة الخاصة المتمثلة في تحقيق الاستقرار في غزة، وقد يلحق الضرر بالأردن - أحد حلفاء الولايات المتحدة الأكثر إخلاصاً في المنطقة. وبدلاً من أن يُلزم "السلطة الفلسطينية" على الدخول في مفاوضات، سيزيد على الأرجح من تصلّب موقف الجمهور الفلسطيني، الذي سيعتبر هذا الإجراء محاولةً لحرمان اللاجئين من حقوقهم، كما قد يزيد من تعنّت قادتهم بعدم الانخراط في أي جهود دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة. وفي خضم هذه التداعيات السياسية، سيدرك ملايين اللاجئين الذين يعتمدون على خدمات "الأونروا" أن حياتهم تتأثر بشكلٍ سلبي.
وحتى الآن، لا يوجد قرار نهائي في الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بصرف ما تبقى من تعهداتها إلى "الأونروا". وفي الحالة المثالية، سيتمّ صرف هذه الأموال فور التوصل إلى ترتيبات أكثر إنصافاً تقوم على تقاسم الأعباء مع الجهات المانحة اللأخرى، وفور تحقيق أهداف الإصلاحات. ولكن إذا قررت الولايات المتحدة وقف تمويل "الأونروا" بالكامل، فعندئذ تبدو آفاق المنظمة قاتمةً، مع ما يرافقها من تداعيات سلبية بشكل عام. وفي حين قد تتدخل بلدان أخرى لتغطية بعض الفجوات التمويلية، إلّا أنه من غير المرجح أن يسفر ذلك عن تغطية العجز الكلي الذي خلّفه القرار الأمريكي نظراً للمطالب الإنسانية التنافسية الأخرى في المنطقة الأوسع. وبينما تستطيع "الأونروا" الحدّ من بعض خدماتها، إلّا أن مثل هذه التخفيضات ستؤثر على السكان المستفيدين، ومعظمهم يتخبط بالفعل في وضع إنساني صعب. إن مثل هذه التخفيضات ستؤدي حتماً إلى نشوب اضطرابات.
وإذا ما قررت الولايات المتحدة في نهاية المطاف التراجع عن هذا القرار أو بلورته ليصبح خفضاً رسمياً للمساعدات إلى "الأونروا" فسيكون مؤشراً على ما إذا كانت الحكومة الأمريكية تتمتع بالرغبة والمهارة للسعي إلى تحقيق هدفها المعلن المتمثل بتعزيز الاستقرار وتحقيق السلام في النهاية بين إسرائيل والفلسطينيين، أو ما إذا كانت الولايات المتحدة تنسحب بالفعل من هذا الصراع.

غيث العمري هو زميل أقدم في معهد واشنطن. وقد شغل سابقاً منصب المدير التنفيذي لـ "فرقة العمل الأمريكية المعنية بفلسطين"، وعمل مستشاراً لفريق التفاوض الفلسطيني بين 1999-2006، حيث شارك في عدد من جولات المفاوضات من بينها "قمة كامب ديفيد" عام 2000.

نوايا إيران تأتى بنتائج عكسية في جنوب العراق

نوايا إيران تأتى بنتائج عكسية في جنوب العراق

نوايا إيران تأتى بنتائج عكسية في جنوب العراق


متاح أيضاً في English
9 آب/أغسطس 2018
تعامل الإعلام السائد في العراق مع التظاهرات التي انطلقت من البصرة في الثامن من تمّوز/يوليو الماضي، وامتدت إلى محافظات أخرى كـ واسط وميسان وذي قار وكربلاء وغيرها، على أنها فقط نتيجة لأزمة الطاقة وانتشار البطالة، ولكن الحقيقة أنها محصلة عدة أزمات اقتصادية وسياسية كبيرة تولدت نتيجة تزايد النفوذ الإيراني في العراق، وهو ما يدركه المتظاهرون تماما. وتساهم البصرة بنحو 80% من صادرات النفط العراقي، وقد أهملت هذه المدينة أولا من قبل الرئيس السابق صدام حسين ثم من قبل الحكومات المتعاقبة التي تزعمها الشيعة. وقد ذكرت بعض التقارير الأخيرة أن بعض أهالي الجنوب نزحوا إلى محافظة الأنبار للبحث عن عمل في مجال الزراعة نتيجة العوز والفقر المدقع وانتشار البطالة. وتأتى تلك الاحتجاجات في وقت يناضل فيها العراق من أجل أعاده البناء بعد حرب دامت ثلاث سنوات ضد المجاهدين الإسلاميين الذين دمروا البنية التحتية للبلاد.
وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء حيدر العبادي أعلن عن استثمارات جديدة بقيمة ثلاثة مليار دولار لمقاطعة البصرة، وتعهد بإنفاق إضافي على الإسكان والمدارس والخدمات، إلا أن الاحتجاجات استمرت وامتدت لتصل إلى العاصمة بغداد. وتطرح تلك التظاهرات تساؤل مهم مفاده، من المستفيد من توسع هذه المظاهرات؟ ومن المستفيد من تعثر إمدادات النفط العراقي؟
ومن الجدير بالذكر أن الفساد المالي الإداري الذي تعاني منه منطقة الجنوب، دفع محافظة البصرة إلى استيراد طاقتها كليا من إيران بدلا من أن تنشأ فيها محطات خاصة. وقد قامت إيران بوقف تصدير للتيار الكهربائي والذي جاء متزامنا مع القرارات الأمريكية بإعادة فرض العقوبات عليها، مما أدى إلى انقطاع المياه الصالحة للشرب والتحمم نتيجة لتوقف المضخات الكهربائية، وتوقفت كل الأجهزة التي تخفف من درجات الحرارة التي وصلت لأكثر من 50 مئوية. ومن ثم، كان رد فعل المواطنين تجاه إيران متوقعا.
وعلى عكس ما ورد في التقارير الإعلامية المحلية، يرى الكثير من المحللون أن إيران هي في الحقيقة من تقف خلف تلك التظاهرات حيث قطعت الكهرباء عن عمد لتثير الجماهير وتدفعهم للفوضى بغية تهديد الشركات النفطية لأن تتحمل خسائر باهظة جدا، تؤلمها وتؤثر في لوبياتها التي يمكن أن تتحرك في واشنطن ولندن لتضغط على إدارة الرئيس ترامب لتخفيف الحصار عسى أن يكون هناك حل تفاوضي ينصاع له الغرب وأمريكا بعد قرار استئناف فرض العقوبات. كما تأمل إيران أن تؤدي المظاهرات إلى تراجع الإنتاج النفطي العراقي في مقابل ارتفاع أسعار النفط عالميا، وهو ما يمثل هدية قيمة للاقتصاد الإيراني وذلك في ظل استئناف فرض العقوبات الأمريكية عليها. وربما سعت إيران أيضا إلى دفع سكان الجنوب العراقي إلى الاحتجاج على حكومة العبادي، للضغط باتجاه تشكيل تحالف حكومي طائفي يصب في صالح استمرار نفوذها في العراق، بعد النتائج المخيبة لحلفائها بالانتخابات.
ومع دخول الاحتجاجات في العراق شهرها الثاني، يبدو أن إيران وقعت في الفخ الذي صنعته لنفسها وأشعلت فتيل النار الذي قد يحرق حلفاءها من قادة المليشيات والموالين لها.
ساهمت تظاهرات الجنوب في إسقاط حاجز الخوف لدى المواطن البسيط من التعرض لميليشيات طهران في العراق، فبعد أن كان المواطن الجنوبي خاضعا لأفعال تلك الجماعات، بات هو من يبحث عنها ليقتص منها. ومن المثير للدهشة أن تلك الأحزاب باتت تبحث عن ملاذ آمن، وتستنجد بالقوات الحكومية لحمايتها وحماية مقارها، بعد أن أصبحت المتهم الأول في جريمة قتل المتظاهرين.
وقد تصدى المتظاهرون مباشرة لقضية النفوذ الإيراني في السياسة العراقية حيث رفعوا بعض الشعارات باللغتين العربية والإيرانية وكتب فيها "نقدم مطالبنا للحكومة الإيرانية، عفوا نقصد الحكومة العراقية"، والمقصود هنا هو الازدراء بالحكومة العراقية واتهامها بانه مجرد تابع لحكومة طهران. ومن المفارقات أن تتحول مسارات التظاهرات من اتجاه شركات النفط إلى مقرّات الأحزاب الإسلامية والفصائل الموالية لإيران كـ حزب الدعوة وتيار الحكيم ومقر مليشيا عصائب أهل الحق وبدر وفي أكثر من محافظة، حيث قاموا بإحراق مَقَرّ حزب الدعوة الحاكم التابع لإيران ومقرّات المليشيات الإيرانية. كما قامت مجموعات من المتظاهرين يطلقون على أنفسهم شباب "الثورة الشعبية الكبرى"، بإحراق صور رموز دينية عائدة لزعامات الأحزاب التي تتصدر المشهد السياسي والأمني في البلاد والموالية لطهران؛ من بينها صور هادي العامري ونوري المالكي وقيس الخزعلي، وقبلها صور الخميني والمرشد الإيراني خامنئي.
هذا ويشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن المتظاهرين استهدفوا أركان العملية السياسية في العراق للتأثير على تشكيل الحكومة المرتقبة وإبعاد الحكومة القادمة عن النفوذ الإيراني قدر الإمكان والتي دفعت أحد أهم صقور إيران في العراق ألا وهو رئيس مليشيا بدر السيد هادي العامري إلى الاعتذار لأهل الجنوب، حيث اعلن في خطاب جماهيري انه "يجب أن نعترف أننا اخفقنا في حق شعبنا وعجزنا أن نقدم له الحياة الكريمة- سواء عن قصد أو غير قصد - وتركنا شعبنا يعانى وانشغلنا بصراعاتنا الداخلية." ومع ذلك، واجه العامري العديد من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي نتيجة عدم تحمله المسئولية واكتفائه بالاعتذار على خلفية تلك الاحتجاجات.
ومن ثم،يجب على إدارة ترامب اقتناص فرصة تزايد الرفض الشعبي الشيعي العراقي للنفوذ الإيراني في العراق، واستثمار تلك الأحداث لإعادة صياغة علاقتها الاستراتيجية مع العراق على أساس إضعاف النفوذ الإيراني، ودعم توجهات تشكيل حكومة مستقله وإعادة صياغة الدستور والعمل على تحويل العراق من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي بحيث يكون هناك رئيس وبرلمان منتخبان من قبل الشعب. كما يجب أن تعمل الحكومة العراقية على التركيز على محافظات الجنوب والاهتمام بزيادة حجم الاستثمارات فيها للحد من تفشى ظاهرة البطالة بين الشباب ومكافحة الفساد.

العراق وإيران واستراتيجية الولايات المتحدة: تقرير عن رحلة إلى العراق

العراق وإيران واستراتيجية الولايات المتحدة: تقرير عن رحلة إلى العراق
المرصد السياسي 3001

العراق وإيران واستراتيجية الولايات المتحدة: تقرير عن رحلة إلى العراق

 ١٠ آب/أغسطس ٢٠١٨
"في 25 تموز/يوليو، خاطب كل من مايكل نايتس وجنيف عبده ونسيبة يونس منتدى سياسي في معهد واشنطن. وعبده هي باحثة مقيمة في "المؤسسة العربية". ويونس هي زميلة مشاركة في "چاتام هاوس" ومستشارة كبيرة سابقة لـ "المعهد الأوروبي للسلام". ونايتس هو زميل أقدم في معهد واشنطن، وقد عمل في جميع محافظات العراق وأمضى بعض الوقت ملحقاً بقوات الأمن في البلاد. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

جنيف عبده
يقوم القادة الإيرانيون بمبادرات للتقرب من المجتمع السنّي في العراق في ظلّ الوضع غير المستقر الذي تمرّ به بلادهم، إذ [أثناء كتابة هذه السطور] تم فرض عقوبات أمريكية إضافية على إيران، بينما يسرع الأوروبيون في الاتجاه المعاكس. وتتكاثر الاضطرابات المدنية داخل إيران، الأمر الذي يترك العراق نافذة الأمل الأكبر بالنسبة لطهران للتعامل مع العقوبات.
وفضلاً عن التدخل في العملية الانتخابية والاقتصاد في العراق، تعمد إيران أيضاً إلى زيادة انخراطها في «حكومة إقليم كردستان»، مستخدمةً إياها كأداة سياسية. فقد تتيح «حكومة إقليم كردستان» لطهران فرصة التحكم بتشكيل الحكومة في بغداد، فتضمن بذلك تأييد رئيس الوزراء والوزارات المختلفة للمصالح الإيرانية.
ويعتبر معظم العراقيين، حتى المسؤولين السياسيين، أن الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيار/مايو غير شرعية. فقد ازدادت شعبية رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر لأن العراقيين كانوا يثقون به لمعالجة المشاكل وتقديم الخدمات، إلا أنهم أصبحوا حالياً مُحبطين كونه لم يفِ بتلك الوعود. ويمكن أن تساهم الولايات المتحدة في سد هذه الفجوة في التوقعات، بتجاوزها العلاقات العسكرية والسياسية التقليدية من خلال تعزيز الخدمات الاجتماعية في البلاد، والتي يمكن أن تقوّي بدورها الحكومة المركزية.
ولكن هذا لا يعني أنه يجب على واشنطن إهمال القضايا العسكرية والسياسية. فالمسؤولون العراقيون يشعرون بالقلق من سحب الولايات المتحدة دعمها للمعركة القائمة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وبالتالي يتعيّن على المسؤولين الأمريكيين طمأنتهم بأن هذه المعركة ما زالت تشكّل أولوية. ينبغي على واشنطن أيضاً تعديل عقوباتها على إيران للحد من آثارها السلبية على العراق. وحتى مع توسيع الإيرانيين نفوذهم في بغداد، فمن المرجح أن تمنعهم العقوبات من تقديم نفس مستوى الخدمات للعراقيين التي كانوا يوفرونها في الماضي. باختصار، بينما يعتقد معظم المراقبين أن العراق يسير نحو طريق التقدم، يُظهر نطاق النفوذ الإيراني وغياب الشرعية الحكومية بأنه لا يزال هناك شوطاً طويلاً ينبغي عليه قطعه.
نسيبة يونس
على الرغم من الغضب والعنف اللذين شهدتهما التظاهرات الأخيرة، لا يقلق المسؤولون العراقيون رفيعو المستوى والنخب الأخرى من الوضع، وهو أمر مذهل. ولا يبدو أنهم يشعرون بالحاجة إلى إعادة الثقة إلى النظام السياسي، ربما لأن معظمهم منفصلون تماماً عن مظالم الشعب. فالسياسيون داخل شبكات المحسوبية البيروقراطية الضخمة في العراق، لا يعتقدون أنهم فاسدين، بل يعتبرون الفساد جزءاً من الحوكمة الرشيدة - كونهم أسخياء ويأخذون من موارد الدولة لإعالة شبكاتهم الخاصة. ويخلق ذلك طبقتين من الشعب: (1) النخبة السياسية وكل من هو متصل بها، و(2) كل الآخرين، مما يعني أن قطاعات كبيرة من الشعب لا يمكنها الوصول إلى الموارد الحكومية.
أما فيما يتعلق بـ «حكومة إقليم كردستان»، فإن انخراط إيران في إربيل هوالآن أعمق من ضلوع بغداد. ففي ظل الضعف الذي يساور الأكراد، قدمت طهران حججاً قوية للأكراد للتحالف معها، معلنةً للمسؤولين الأكراد بأنه باستطاعتهم تحقيق هدفهم المتمثل بانتزاع قدر أكبر من الحكم الذاتي والتمويل من الحكومة المركزية إذا قاموا ببناء علاقات مع سياسيين وأحزاب شيعية مرتبطة بإيران في بغداد، بما فيها "منظمة بدر" ونوري المالكي و"تحالف الفتح". ووفقاً لهذه الحجة، يمكن لإيران أن تضمن للأكراد الكثير من الأمور التي فشلوا في تحقيقها من خلال تحالفهم مع الولايات المتحدة. وحتى الآن، يبدو أن الحزبين الكرديين الرئيسيين - «الاتحاد الوطني الكردستاني» و«الحزب الديمقراطي الكردستاني» - مقتنعان بهذا الطرح.
وفي المرحلة القادمة، يتعين على الولايات المتحدة البدء بالتواصل مع العراقيين من مختلف الأطياف السياسية حول المسائل ذات الأولوية القصوى وأن تَعْرض المساعدة في توفير الخدمات الأساسية. فهَوَس واشنطن الظاهر برئيس الوزراء حيدر العبادي ليس في محلّه ولا ينمّ عن حكمة لأنه من غير المرجح أن يحافظ هذا الأخير سيطرته على زمام السلطة لفترة أطول.
مايكل نايتس
على الرغم من فوز تحالف العبادي باثنين وأربعين مقعداً في الانتخابات الأخيرة، إلّا أن العبادي بحد ذاته لا يسيطر سوى على ستة مقاعد. وفي المقابل، يسيطر الزعيم الكردي مسعود بارزاني على ما يقل عن ستة وعشرين مقعداً، بينما يشكل الفصيلان الشيعيان "تيار الحكمة الوطني" وتحالف "سائرون" حالياً نواة الحكومة [المقبلة]. ومع ذلك، يُنظر إلى هذه النتائج وتأثيرها على توازن القوى في بغداد بشكل مختلف داخل العراق وخارجه.
ومن اللافت للانتباه أن العراقيين كانوا أقل تركيزاً على إيران خلال هذه الدورة الانتخابية. فهم يعلمون أن بلادهم ليست على ما يرام، وبالتالي يعتبرون أن اختيار السياسيين القادرين على معالجة الوضع يبدو أكثر أهمية بالنسبة لهم من اتباع خطوط حزبية طائفية. فعلى سبيل المثال، ركزت ثلاث نقاط مركزية في برنامج "سائرون" على إعادة بناء العلاقات مع الدول على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وبالرغم من ذلك، فإن إعادة فرض عقوبات أمريكية ثقيلة على إيران [أثناء كتابة هذه السطور] ستصبح بلا شك مسألةً ساخنة بالنسبة للعراقيين. فبعضهم يعتبر أنه يجب إعفاء بلادهم من هذه العقوبات لأن إيران توفر الكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى للعراق. غير أن آخرين يعتقدون أن الاقتصاد العراقي سيستفيد إذا ما أبقت العقوبات بعض الواردات الإيرانية خارج العراق.
وفي كافة الأحول، ففي حين أن وضع العراق الراهن ليس خطيراً بنفس القدر الذي شهدته البلاد في الفترة 2011-2014، إلا أنه تتم إضاعة الفرص لتحسين الأمن. وبينما تم تشتيت تنظيم «الدولة الإسلامية»، إلا أنه من نواحٍ معينة أصبح التعامل مع هذا التنظيم أكثر صعوبة. وما زال العراقيون غير مستعدين لتولي المرحلة التالية من القتال بمفردهم نظراً لافتقارهم للقدرات الضرورية لمكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب. ونتيجة لذلك، تواجه البلاد اليوم مستويين مختلفين من التهديد. فخلال ساعات النهار، يتخذ تنظيم «الدولة الإسلامية» موقفاً دفاعياً، ولكنه يتمتع بحرية تنقل مطلقة في مناطق أساسية أثناء الليل.
وعلى نطاق أوسع، تُعتبر العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق غير متوازنة وتحتاج إلى إعادة تقييم. فبغداد تريد من واشنطن أن تبدي مرونةً فيما يتعلق بمواضيع مثل مواجهة الميليشيات الشيعية، وتطبيق العقوبات ضد إيران، واختيار رئيس الوزراء المقبل، بينما يريد المسؤولون الأمريكيون معالجة مشاكل البلاد بسرعة أكبر بعد مضي عدة سنوات على انخراطهم العميق في العراق. ومن جانبها، تريد إيران إبقاء العراق ضعيفاً ومعتمداً [عليها]. وللحد من تأثير طهران السلبي ومساعدة الحكومة العراقية على تعزيز قوتها وشفافيتها، لا بد لواشنطن من أن تتحلى بالصبر وتعمل عن كثب مع المسؤولين في بغداد. وبالمثل، يجب أن تكون العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران مصممةً بما يراعي مصلحة العراق. يجب على واشنطن أيضاً توفير المزيد من المساعدة في ما يتعلق بالاستخبارات المالية وجهود مكافحة الفساد وبرامج التدريب والحماية المخصصة للقضاة، فضلاً عن الدعم في مجال الاستخبارات المضادة ومكافحة الإرهاب لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية».

أعدت هذا الملخص جوآن إيستس.

التغييرات السعودية تحت المجهر: أسبوع من المفاجآت

التغييرات السعودية تحت المجهر: أسبوع من المفاجآت

التغييرات السعودية تحت المجهر: أسبوع من المفاجآت


متاح أيضاً في English
13 آب/أغسطس 2018
استطاعت المملكة العربية السعودية أن تستحوذ على الاهتمام الدولي وأثارت نقاشات محتدمة حول شؤونها الداخلية إثر حربها الضروس التي شنتها بالوكالة ضد إيران وحلفاء طهران في اليمن، إلى جانب قرارها الذي طال انتظاره بمنح المرأة حق القيادة ونزاعها الغريب مع كندا مؤخرًا حول اعتقال المعارضين السعوديين. ولكن على الرغم من الضوء المسلط عليها، إلا أن هناك الكثير في المملكة مما لا نسمع عنه في أغلب الأحيان. ففي الشهر الماضي، لبيتُ دعوة للمشاركة في مؤتمر حول مستقبل سوريا استضافه معهد بحوث جديد وغير رسمي في الرياض. وأثناء زيارتي، استطعت أن أحصل على لمحة من المشهد الاجتماعي السعودي، ووجدت أن المجتمع السعودي أكثر تنوعًا مما يبدو في الخارج وأقل تحفظًا من حيث الثقافة مما كان من قبل.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا التحول اجتماعي أكثر منه سياسي. وبعبارة أخرى، بينما تتيح المملكة، بل وتشجع، التوسع في منح بعض الحريات الشخصية، تظل الحرية السياسية منعدمة. فأثناء زيارتي الأولى للمملكة منذ 25 سنة، كانت الحكومة السعودية (صدق أو لا تصدق) تتبنى شعار "التقدم بدون التغيير"، أما الآن فالشعار الأنسب هو "التحرر بدون الديمقراطية." وفي بعض المقتطفات من زيارتي أدناه أوضح طبيعة هذا التحرر في بعض جوانب الحياة المختارة، والذي لا يزال مساره الكلي غير واضح.
تقبل أكبر للتنوع الاجتماعي
سعت القيادة السعودية لسنوات عديدة إلى تصوير المملكة على أنها صرح ديني وأيديولوجي، ولكن المحادثات التي أجريتها تشير إلى أن الوضع لم يعد كذلك. "لسنا كلنا وهابيين،" قال مازحًا مضيفي الباحث الشاب في معهد البحوث الجديد والمتخصص في الأبحاث والحوار الاجتماعي السياسي. وكنا نتناقش حول مبادرة لدمج الشيعة السعوديين، الذين يقيم أغلبهم في المنطقة الشرقية للبلاد، في المجتمع السعودي العام.
يتمتع السعوديون من مختلف المناطق الآن بقدر أكبر من الحرية في الاختلاف من حيث المعتقدات الدينية وأيضًا الآراء حول القضايا الأخرى، بما في ذلك الجغرافيا السياسية. فعلى سبيل المثال، في المناطق الغربية والجنوبية للبلاد، حيث يتعامل السكان مع اليمنيين بشكل متكرر، قيل لي إن التعاطف مع اليمن والقلق بشأن الضحايا المدنيين هناك أكبر منه في المناطق الأخرى في المملكة. كما رأيت بنفسي أن السعوديين اليوم يتناقشون بحرية في مميزات وعيوب التعاون الوثيق مع إسرائيل ضد إيران (وسوف أناقش هذه النقطة باستفاضة في مقال لاحق).
كما يمتد التنوع غير المتوقع للمجتمع السعودي إلى أمور أكثر دنيوية. ففي يوم تخطت فيه الحرارة 46 درجة مئوية مع جفاف شديد في الرياض، أطلعني أحد أصدقائي السعوديين الجدد على مقطع فيديو مباشر على هاتفه لمدينة أبها في الجنوب. وقد تعجبت لرؤية عاصفة ممطرة باردة في سماء غائمة تعلو الجبال الخضراء هناك، بينما نحن نتصبب عرقًا في العواصف الرملية وسط الصحراء السعودية. وفي مرة أخرى، قال لي باحث سعودي متوسط العمر بمزيج من التعجب والاشمئزاز والتقبل على مضض: "ابنتي تربي كلبًا!"
الإرخاء الديني
يتماشى الاعتراف بالتنوع داخل المجتمع السعودي مع درجة معينة من التحرر الديني، فالسلطات السعودية والحياة العامة أقل تطرفًا مما كانت عليه منذ بضع سنوات. ويتجاوز ذلك العملية البطيئة للسماح للمرأة بالقيادة – وهو أمر لا يزال نادرًا حسب ما اختبرته أنا أو معارفي السعوديون – أو افتتاح بعض دور العرض في الرياض.
فمنذ سنوات قليلة فقط، كان في كل اجتماع أحضره أو مقابلة تلفزيونية أشارك فيها يبدأ الضيوف السعوديون حديثهم بعبارة "بسم الله الرحمن الرحيم،" بينما في زيارتي الحالية قام بذلك متحدث واحد فقط. وقد أدركت أن التراجع في الالتزام الديني الصارم أصبح أكثر وضوحًا عندما كنت أسير في شوارع الرياض ولاحظت بعض التغييرات الطفيفة في سلوك الناس أثناء أوقات الصلاة، فالمحلات والمطاعم ظلت مفتوحة، ولم يتوقف المارة عن الحديث. وكان ذلك السلوك بعيدًا كل البعد عما كان عليه منذ بضع سنوات، عندما كانت البلاد تتوقف بشكل تام خمس مرات يوميًا.
ولكن أكثر ما صدمني من أدلة على تآكل التقوى السعودية المتطرفة كان رسم غرافيتي رأيته في قرية العيينة، وهي قرية صغيرة على بعد ساعة من الرياض ومعروفة بأنها مسقط رأس مؤسس الوهابية محمد بن عبد الوهاب. فداخل أنقاض موطن أسلافه، كُتب بخط أسود عريض: "أنا الذي فقد قلبه على صدرك في آخر مرة تواشجنا هنا."
وقد جعلني ذلك أسأل عن إمكانية حدوث رد فعل متطرف. ولكن زملائي السعوديون الشباب أجابوا بأنه لا داعي للقلق، فالمتطرفين موجودين، ولكنهم مشتتين ومنبوذين وخائفين الآن. وقد تم كبح جماح الشرطة الدينية واستقطاب المؤسسة الدينية بشكل كبير وإقصاء المعارضين المتشددين ومنعهم من وسائل التواصل الاجتماعي واعتقال بعضهم. وأضافوا أن حتى معقل ردود الأفعال الدينية في القصيم تم تحييده. لم أستطع التحقق من كلامهم، ولكنني لم أجد أي أدلة ضده.
وما استطعت أن أشعر به بشكل مباشر هو أن مع ابتعاد المجتمع السعودي عن "التطرف الإسلامي،" بدأت المواقف والأولويات والفرص والعادات الجديدة في الظهور. فعلى سبيل المثال، بدأ المزيد من السعوديين على مدى العقد الأخير في الاهتمام بتاريخ البلاد القومي وليس الديني فحسب. واحتفاءً بتاريخ البلاد، قامت السلطات بترميم الدرعية، العاصمة السعودية القديمة، وحصن المصمك التاريخي في وسط الرياض، والذي كان قد تحول إلى أنقاض.
تليين الصور النمطية الجنسية إلى حد ما
وبينما تعيد السلطات اكتشاف تاريخ المملكة، تتقدم المرأة السعودية إلى الأمام. فقد كان العمل في الفنادق أو أروقة الأعمال ومكاتب الاستقبال يقتصر على الرجال غير السعوديين، ولكن السعوديات يتولين هذه الوظائف اليوم، وخاصة اللاتي يتحدثن الإنجليزية بطلاقة ويتعاملن بسهولة مع الجنس الآخر. وقد فوجئت حينما أنهت إحداهن حديثها معي بضحكة وغمزة واضحة من وراء النقاب بتعليق: "وبالمناسبة، تعجبني ربطة العنق التي ترتديها!"
لا تزال أغلب السيدات اللاتي أراهن في العلن يرتدين النقاب الكامل، ولكن إحدى السيدات في مجموعتنا الصغيرة سورية تترك شعرها مكشوفًا بحرية من دون حتى أي غطاء للرأس، سواء كان ذلك في الاجتماعات الرسمية أو أروقة الفنادق أو حتى في الشوارع، ومع ذلك لا تتلقى أي تعليقات أو نظرات عدائية من أي أحد. وهذا تغيّر حديث ما كان ليحدث من قبل على الأرجح.
وفي بعض المجموعات المعينة، نجد نزعة متنامية لتقبل مجتمع المثليين. فأثناء المؤتمر، حكى لي أحد أعضاء مجلس الشورى أنه قال لإبنه ذي العشر سنوات أن أحد الشخصيات في لعبة الفيديو التي يلعبها تبدو مثلية، فرد الطفل متسائلًا: "كيف يمكنك أن تكره المثليين لهذه الدرجة؟"
"الأوتوقراطية الليبرالية"
وفقًا للعديد من الذين تحدثت إليهم، هذه هي أنواع التغييرات التي يريد السعوديون رؤيتها. فاهتمام الشباب السعودي ينصب في أغلبه على الإصلاحات في أسلوب حياتهم، وهم على استعداد للتنازل عن الحرية السياسية من أجل هذه الغاية. وقد أكد أحد معارفي السعوديين الجدد على أن "كل هذه التغييرات لم تكن لتحدث لولا ولي العهد الجديد، ولذلك ندعمه." واتفق معه حوالي عشرة من زملائه السعوديين بمختلف أعمارهم. ومن جانبه، فإن محمد بن سلمان مستعد للإصلاح طالما تمتع بالسيطرة الكاملة عليه. فقد يقابل النقد العلني أو حتى التعبير عن الآراء المؤيدة أو المعارضة للإصلاح بالعقاب الشديد الذي يتراوح بين فقدان العمل أو النفي أو الاعتقال. وبينما تتمتع السعوديات الآن بحق القيادة، فإن بعضهن ممن دافعن عن هذا الحق تعرضن للاعتقال.
وقد شرح هذه النقطة أحد الإعلاميين السعوديين الكبار الذين تحدثت إليهم قائلًا إنه تعرض شخصيًا للاستجواب عدة مرات من قبل الأمن الداخلي أو الأجهزة الأخرى بسبب تغطيته وتعليقاته الحرة وقال "يمكنني أن أنتقد الفساد في وزارة الصحة، ولكن وزارة الدفاع مسألة مختلفة،" وأضاف: "وعلى أية حال، فإن أغلب السعوديين يرون أن الفساد هناك أقل كثيرًا الآن."
وعلى الرغم من أن الحملة الرسمية ضد الفساد قد تبدو تعسفية، إلا أنها تحظى بالدعم الشعبي إلى حد كبير. ومن بين التعليقات المعتادة التي أسمعها أن "الأثرياء الذين احتجزوا في فندق الريتز كانوا يستحقون ذلك، وكل ما اضطروا للتنازل عنه هو الثروة غير المشروعة التي اكتسبوها على مدى 40 عامًا." وحرصًا على الاستقرار الاجتماعي حتى في خضم التغييرات المهمة، تراقب الحكومة السعودية مثل هذه الآراء، كما سأوضح في المقال القادم حول هذه الزيارة.

الدبلوماسيون الإيرانيون القاتلون

الدبلوماسيون الإيرانيون القاتلون
صفحات رأي ومقالات

الدبلوماسيون الإيرانيون القاتلون

 "سي تي سي سنتينيل"
آب/أغسطس 2018
في أعقاب إلقاء القبض على أحد الدبلوماسيين الإيرانيين في ألمانيا في تموز/يوليو على خلفية ضلوعه في مؤامرة مزعومة لتفجير تجمّع للمعارضين الإيرانيين في باريس، دعا مسؤولون أمريكيون الحلفاء إلى توخي الحذر من مخطط إرهابي إيراني آخر يُحاك في مناطق أخرى. وفي الواقع، هناك سوابق كثيرة تدعو إلى هذا القلق. فطوال عقود، كانت طهران ترسل عملائها إلى أوروبا لتنفيذ عمليات اغتيال والقيام بأعمال إرهابية أخرى.
وعلى الرغم من أن الحدث كان يتمتع بكل المواصفات ليكون قصة تجسّس مشوّقة، إلا أنه لم يكن سوى قصةً خيالية. فقد اعتُقل دبلوماسي إيراني معتمد لدى سفارة طهران في العاصمة النمساوية فيينا، في ألمانيا واتُهم بالتآمر لارتكاب جريمة قتل وبالعمالة الأجنبية. وتشتبه السلطات في أنّ الدبلوماسي المدعو أسد الله أسدي قد كلّف زوجين إيرانيين يعيشان في بلجيكا بتنفيذ مخطط تفجير يستهدف تجمّعاً يضم حوالي ٤ آلاف معارض إيراني في "مركز فيلبينت للمؤتمرات" بالقرب من باريس، وأعطاهم ٥٠٠ جرام من من نوع "ترياسيتون تريبيروكسايد" أو TATP في لقاء في لوكسمبورج في أواخر حزيران/يونيو ٢٠١٨. وكان هدف العمل الإرهابي هو الاجتماع السنوي لـ"المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" في باريس، الذي هو منظمة سياسية جامعة تضم "حركة مجاهدي خلق"، المعروفة أيضاً باسم "منظمة مجاهدي الشعب الإيراني"، وهي جماعة كانت مدرجة في قائمة التنظيمات الإرهابية الخاصة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن بين الشخصيات المهمة التي حضرت الاجتماع في ٣٠ حزيران/يونيو، كان عمدة مدينة نيويورك السابق ومحامي الرئيس ترامب، رودولف جولياني، ورئيس مجلس النواب الأمريكي السابق نيوت غينغريتش، من ضمن شخصيات أخرى. وعندما تم توقيف الزوجين في اليوم نفسه في ضاحية وارفة الظل لمدينة بروكسل في بلجيكا، أفادت السلطات بأنها عثرت على متفجرات قوية وجهاز تفجير في سيارتهما وتم القبض عليهما "في الوقت المناسب". وفي وقتٍ لاحق، تم اعتقال ثلاثة أشخاص في فرنسا، كما أن السلطات الألمانية وأخذت عملية اعتقال الأسدي وثلاثة آخرين في نقطة استراحة على أحد الطرقات السريعة على محمل الجد لدرجة أنها قطعت الطريق السريع طوال الفترة التي استغرقتها عملية الاعتقال.
ووفقاً للمدعين العامين في ألمانيا، لم يكن الأسدي دبلوماسياً عادياً، بل ضابطاً استخباراتياً إيرانياً يعمل تحت غطاء دبلوماسي. وفي إحدى البيانات، ربط المدّعون العامون الأسدي بـ "وزارة الاستخبارات والأمن الوطني" الإيرانية التي "تشمل مهامها بصورة أساسية المراقبة المكثفة ومكافحة جماعات المعارضة داخل إيران وخارجها".
ويسلّط المسؤولون الأمريكيون الضوء على هذه القضية الأخيرة سعياً منهم إلى تعبئة الحلفاء للتصدي لدعم إيران للإرهاب حول العالم. وفي هذا الإطار، تحدّث أحد المسؤولين البارزين في وزارة الخارجية الأمريكية إلى بعض الصحفيين وهم في طريقهم من المملكة العربية السعودية إلى بلجيكا، وأوضح مخاوف واشنطن قائلاً:
"آخر مثال على ذلك هو المؤامرة التي أحبطتها بلجيكا، وكان هناك دبلوماسي إيراني معتمد لدى السفارة في النمسا الذي أدّى دوراً في المؤامرة لتفجير اجتماع لقادة المعارضة الإيرانية في باريس. إن الولايات المتحدة تحثّ كافة الدول على إجراء تحقيقات دقيقة حول الدبلوماسيين داخل السفارات الإيرانية لضمان أمن بلادهم. فإذا كانت إيران قادرةً على التخطيط لشنّ هجمات تفجيرية في باريس، فيمكنها أن تدبّر هجمات في أي مكان آخر في العالم. لذا نحثّ جميع الدول على توخي اليقظة فيما يتعلق باستخدام إيران للسفارات كغطاء دبلوماسي للتخطيط لهجمات إرهابية".
وفي الواقع، هذا ليس سوى أحدث مثال على مدى نشاط عملاء المخابرات الإيرانية في أوروبا في الآونة الأخيرة. ففي حزيران/يونيو ٢٠١٨، أدى التحقيق الذي أجرته المخابرات الهولندية إلى طرد دبلوماسيَيْن إيرانيَيْن من هولندا كانا يعملان في مقر السفارة الإيرانية في أمستردام. وجاء ذلك بعد اغتيال ناشط عربي-إيراني رمياً بالرصاص في العاصمة الهولندية قبل ذلك بعدة أشهر. وفي آذار/مارس ٢٠١٨، ألقت السلطات الألبانية القبض على ناشطَيْن إيرانيَيْن بتهم تتعلق بالإرهاب، حيث زُعِم أنهما ضُبطا يراقبان موقع احتفالات رأس السنة الإيرانية (عيد النوروز) التي كانت على وشك الانطلاق. وفي كانون الثاني/يناير ٢٠١٨، وبعد أسابيع من المراقبة، داهمت السلطات الألمانية عدّة منازل مرتبطة بعملاء إيرانيين كانوا يقومون بجمع معلومات عن أهداف إسرائيلية ويهودية محتملة في ألمانيا، من بينها السفارة الإسرائيلية وروضة أطفال يهودية. وصدرت مذكرات توقيف بحق ١٠ عملاء إيرانيين، لكن لم يتم القبض على أي منهم. وقبل شهر من ذلك، قدّمت الحكومة الألمانية احتجاجاً رسمياً للسفير الإيراني بعد إدانة عميل إيراني بتهمة التجسس داخل ألمانيا. وفي هذا الشأن، قام العميل في عام ٢٠١٦ بمراقبة أهداف شملت رئيس "الجمعية الألمانية -الإسرائيلية".
وفي قضايا أخرى، تم اعتقال دبلوماسيين إيرانيين متورطين في أعمال إرهابية أو في مراقبة أهداف محتملة للهجمات وتم ترحيلهم بهدوء. وفي نيسان/أبريل ٢٠١٣، على سبيل المثال، تم طرد ضابطَيْن في المخابرات الإيرانية من البلاد كانا معتمَديْن كدبلوماسيَيْن لدى البوسنة والهرسك بعد تورّطهما في عمليات تجسس و"صِلاتهما بالإرهاب"، وفقاً لمعلومات أعدّها "المركز الوطني لمكافحة الإرهاب". وفي عام ٢٠١٢، عُثر على أربعة من عناصر «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني وهم يحاولون مهاجمة أهداف إسرائيلية داخل تركيا، وأُلقي القبض على شخص آخر في صوفيا، بلغاريا، حيث كان يراقب كنيس محلي. ووفقاً لتقييم مجتمع الاستخبارات الأمريكية الذي صدر عام ١٩٨٧، يشارك عدد كبير من المنظمات داخل الحكومة الإيرانية في الأعمال الإرهابية، ويبدو أن هذا هو الحال اليوم. ويقدم تقرير المخابرات لعام ١٩٨٧ بعض الأمثلة المحددة:
"يعمل القسم ٢١٠ التابع لوزارة الخارجية [الإيرانية] كمركز رئيسي لعمليات التنسيق مع ضباط المخابرات الإيرانية الذين يعملون في الخارج، وغالباً ما يُستخدم لتوجيه ضباط المخابرات حول العمليات الإرهابية. أمّا «الحرس الثوري»، الذي يشكّل الأداة الرئيسية للإرهاب الإيراني في لبنان، فيستخدم موارده الخاصة، بالإضافة إلى المنظمات الدبلوماسية والاستخباراتية، لدعم أعمال الإرهاب ورعايتها وتنفيذها".
وبالتالي، فإن اعتقال الأسدي هو أحدث مثال مزعوم على الإرهاب الإيراني الذي ترعاه الدولة، والذي تستخدم فيه طهران مسؤولين حكوميين زائرين أو دبلوماسيين معتمدين للتخطيط لشن هجمات إرهابية. وفي هذا الإطار، تورّط دبلوماسيون إيرانيون بشكل كبير في تفجيرات عامي ١٩٩٢ و١٩٩٤ التي استهدفت السفارة الإسرائيلية ومركز "الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية" (AMIA) على التوالي في بوينس آيرس. يشار إلى أنهم يمتلكون سجلاً حافلاً من هذا النوع من النشاط في شتى أنحاء أوروبا.
استعراض قائمة اغتيال المنشقين الإيرانيين
فور تأسيس الجمهورية الإسلامية، شرعت القيادة الإيرانية في حملة اغتيالات استهدفت أفراداً اعتبرت أنهم يعملون ضد مصالح النظام. فبين عامي ١٩٧٩ و١٩٩٤، أفادت "وكالة المخابرات المركزية" الأمريكية بأن إيران "قتلت إيرانيين هاربين معارضين ومنشقين في ألمانيا الغربية والمملكة المتحدة وسويسرا وتركيا". وبشكل عام، تم استهداف أكثر من ٦٠ شخصاً في محاولات اغتيال. وفي العديد من الحالات، عمل أعضاء «حزب الله» كخبراء لوجستيين أو مسلحين في هذه المخططات.
ووقعت عملية الاغتيال الناجحة الأولى لمُعارض إيراني في أوروبا الغربية عام ١٩٨٤. ففي ٧ شباط/فبراير من ذلك العام، أصيب اللواء "غلام علي أويسي" وأخوه بطلقات نارية أودت بحياتهما في أحد شوارع باريس على يد "قتلة محترفين"، وفقاً للشرطة الفرنسية. وفي هذا الصدد، أفادت الشرطة بأن "رجلين أو ثلاثة تورطوا [في الحادثة]، وأن واحداً أو اثنين منهم أطلق النار على الضحيتين من مسدس عيار ٩ ملم بينما كانا يسيران في شارع دي باسي". يُشار إلى أنّ أويسي، الحاكم العسكري السابق لطهران أثناء حكم الشاه وكان يُعرف بـ "جزّار طهران"، كان يتميز بالردّ على الاحتجاجات باستخدام الدبابات. وقبل وفاته بقليل، ادّعى أويسي أنه قام بجمع جيش صغير مناهض للثورة للسيطرة على إيران. وفي هذا السياق، اعترفت "منظمة الجهاد الإسلامي" التابعة لـ«حزب الله» و"المنظمة الثورية للتحرير والإصلاح" بأنهما أقدمتا على عملية القتل هذه. وفي اليوم الذي تلى الهجوم، وصفت الحكومة الإيرانية الحدث بأنه "إعدام ثوري".
لقد نذرت عملية اغتيال أويسي ببدء مرحلة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للمعارضين الإيرانيين في أوروبا. ففي ١٩ تموز/يوليو ١٩٨٧، على سبيل المثال، أصيب أمير بارفيز، عضو سابق في الحكومة الإيرانية ورئيس "الحركة الوطنية للمقاومة الإيرانية" ("نهضت مقاومت ملی ایران ") في بريطانيا، بكسر في الساق وبجروح وحروق عندما انفجرت سيارة مفخخة أثناء مروره أمام فندق "رويال كنسينغتون" في لندن. وبعد عدّة أشهر، في ٣ تشرين الأول/أكتوبر ١٩٨٧، تم العثور على جثة علي توكّلي وابنه نادر، وكلاهما من المنفيين الإيرانيين، مصابَين بطلق ناري في الرأس في شقتهما في لندن. وأعلنت جماعة غير معروفة آنذاك حملت اسم "حراس الثورة الإسلامية" مسؤوليتها عن العمليتين. وأفادت صحيفة "تايمز أوف لندن" في عددها الصادر في ٣ آذار/مارس ١٩٨٩ بأنه "يُعتقد بأن الجماعة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمتطرفي «حزب الله» في جنوب بيروت، ولكن جميع أعضائها المقيمين في لندن هم إيرانيون".
وفي ١٣ تموز/يوليو ١٩٨٩، تم اغتيال الدكتور عبد الرحمن قاسملو، الأمين العام لـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني"، وعبدالله قادری آذر ممثل "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" في أوروبا، وفاضل رسول، كردي عراقي يعمل كوسيط، في شقة في فيينا أثناء اجتماعهم مع وفد من الحكومة الإيرانية. وعلى الرغم من اضطرار قاسملو إلى التخفي والعمل بسرية بعد ثورة عام ١٩٧٩، تم إبلاغه و"الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" بعد الحرب الإيرانية -العراقية بأن الحكومة الإيرانية مستعدة للتفاوض. وفي ٣٠ و٣١ كانون الأول/ديسمبر ١٩٨٨، التقى قاسملو بوفد إيراني برئاسة محمد جعفري السهروردي، رئيس قسم الشؤون الكردية بوزارة الاستخبارات الإيرانية. والتقى الاثنان بانتظام لغاية ١٣ تموز/يوليو من العام التالي، عندما عُقد اجتماع ضم كل من السهروردي وحاكم إقليم كردستان الايراني مصطفى أجودي، وعميل إيراني سري يُدعى أمير منصور بوزرجيان، والضحايا. وفي مرحلة ما خلال الاجتماع، اقترح رسول وقاسملو أخذ قسط من الراحة واستئناف المفاوضات في اليوم التالي. وبعد فترة وجيزة، سُمعت طلقات نارية، قُتل خلالها الأكراد الثلاثة وأصيب السهروردي بجروح. ووجد المحققون قبعة بيسبول زرقاء في حضن قاسملو، وهي العلامة نفسها التي تُركت في مسرح جريمة قتل كل من الطيار الإيراني أحمد مرادي طالبي في عام ١٩٨٧، وزعيم المقاومة كاظم رجوي في عام ١٩٩٠. وتم اعتقال بوزرجيان، بيد، أخلي سبيله فيما بعد وفرّ من البلاد إلى جانب عدد آخر من المشتبه بهم.
وبعد مرور شهر واحد فقط على عملية الاغتيال في فيينا، توفي في ٣ آب/أغسطس ١٩٨٩ أحد عناصر «حزب الله» يُدعى مصطفى محمود مازح عندما انفجرت عبوة ناسفة كان يعدّها، قبل أوانها، داخل "فندق بادينغتون" في لندن. وكان هدفه سلمان رشدي الذي أدّت روايته "آيات شيطانية" عام ١٩٨٨ إلى دفع آية الله الخميني إلى إصدار فتوى تبيح قتل الكاتب ومحرري الكتاب وناشريه، ووضع جائزةً ماليةً قدرها 2.5 مليون دولار لمن يقتله. [وفي هذا الصدد]، انضم المواطن اللبناني مازح، المولود في العاصمة الغينية كوناكري، إلى خلية محلية لـ«حزب الله» وهو في سن المراهقة. وعلى الرغم من أنه كان يخضع لمراقبة الأجهزة الأمنية، إلا أنه نجح في الحصول على جواز سفر فرنسي من أبيدجان في ساحل العاج من مسؤول اعتقلته السلطات الفرنسية في مدينة تولوز في وقت لاحق. وذهب مازح على ما يبدو إلى لبنان وبقي في قرية والديه قبل أن يسافر إلى لندن عبر هولندا.
وفي وقت لاحق، وفي حديث عن فتوى الخميني ضد الكاتب سلمان رشدي، قال زعيم في «حزب الله» إلى أحد المحاورين إن "أحد أعضاء «المقاومة الإسلامية» يدعى مصطفى مازح قد استشهد في لندن". ووفقاً لـ "وكالة المخابرات المركزية"، تشير الهجمات التي استهدفت مترجمي الكتاب إلى اللغات الإيطالية والنرويجية واليابانية في تموز/يوليو ١٩٩١ إلى أنّ "إيران تحوّلت من مهاجمة المنظمات المرتبطة بالرواية - أي دور النشر والمكتبات - إلى الأفراد الذين شاركوا في نشرها، كما دعت إلى ذلك الفتوى الأصلية". واليوم، لا يزال هناك ضريح مخصص لمازح في طهران، في مقبرة "بهشت زهرا" وعليه الكلمات المنقوشة: "أول شهيد يموت في مهمة لقتل سلمان رشدي".
وبعد أقل من عام واحد على اغتيالات فيينا والمحاولة الفاشلة لقتل رشدي في لندن، تم اغتيال السفير الإيراني السابق لدى الأمم المتحدة وشقيق زعيم جماعة المعارضة الإيرانية "حركة مجاهدي خلق" كاظم رجوي. ففي ٢٤ نيسان/أبريل ١٩٩٠، أجبرت مركبتان على انحراف سيارته عن الطريق في مدينة كوبيه في سويسرا. وبعد ذلك، خرج رجلان مسلحان من إحدى المركبتين وفتحا النار. وكما حصل سابقاً، تُركت قبعة بيسبول زرقاء في مكان الحادث، مما أشار إلى الاستخدام الثالث للعلامة نفسها في موقع اغتيال يُشتبه بأنه عمل قامت به عناصر إيرانية.
ووفقاً لتقرير قاضي التحقيق السويسري، أشارت الأدلة إلى تورّط مباشر لهيئة إيرانية رسمية أو أكثر في جريمة القتل. وبشكل عام، كان هناك ١٣ مشتبهاً بهم - جميعهم كانوا قد سافروا إلى سويسرا مستخدمين جوازات سفر إيرانية رسمية. وأشار أحد التقارير إلى أن "جميع المشتبه بهم الذين بلغ عددهم ١٣ فرداً قد وصلوا إلى سويسرا باستخدامهم جوازات سفر حكومية جديدة، حيث تم إصدار العديد منها في طهران وفي التاريخ نفسه. كما وأدرج معظمهم العنوان الشخصي نفسه، كريم خان ٤٠، وقد تبيّن لاحقاً أنه مبنى تابع لوزارة الاستخبارات. ووصل جميع الـ ١٣ شخصاً المشتبه بهم على متن رحلات «الخطوط الجوية الإيرانية»، مستخدمين تذاكر صدرت في التاريخ نفسه وتحمل أرقاماً متسلسلة". وفي هذا الصدد، صدرت مذكرات دولية بالقبض على الـ ١٣شخص المشتبه بهم في ١٥ حزيران/يونيو ١٩٩٠.
بيد، إن أي عملية اغتيال لم تهزّ الجالية الإيرانية أكثر من تلك التي ذهب ضحيتها رئيس الوزراء الإيراني السابق والأمين العام لـ"حركة المقاومة الوطنية الإيرانية" شابور بختيار. ففي ٦ آب/أغسطس ١٩٩١، قام عملاء إيرانيون بطعن بختيار ومعاونه حتى الموت في شقة بختيار في باريس. وقبل ذلك، في تموز/ يوليو ١٩٨٠، استُهدف بختيار في محاولة اغتيال أخرى قادها أنيس النقاش وأدّت إلى مقتل شرطي وجارة بختيار. وكان أحد أسباب قيام «حزب الله» بخطف مواطنين فرنسيين في لبنان هو ضمان إطلاق سراح أنيس النقاش الذي سُجن في فرنسا لقيامه بمحاولة القتل.
وفي مقابلة أجريت عام ١٩٩١، قال النقاش: "لم يكن لدي أي مشاعر شخصية ضد بختيار...كان الدافع سياسياً بحتاً. فقد كان قد حُكم عليه بالإعدام من قِبل «المحكمة الثورية الإيرانية». وأرسلوا خمسةّ منّا لإعدامه". ومن جانبه، مارس «حزب الله» ضغوطاً كبيرة من أجل إطلاق سراح النقاش. وفي ٢٨ تموز/يوليو ١٩٩٠، حصل الحزب أخيراً على مبتغاه. وتم إطلاق سراح النقاش وترحيله إلى طهران في محاولة لتحسين العلاقات مع طهران بهدف إطلاق سراح الرهائن الفرنسيين المحتجزين في لبنان.
اغتيالات في مطعم "ميكونوس"
وقعت أكثر الاغتيالات جرأةً وعلنيةً التي نفذها «حزب الله» بناءً على طلب أسياده الإيرانيين في ١٧ أيلول/سبتمبر ١٩٩٢، عندما قام عملاء الحزب بإطلاق النار على الدكتور صادق شرفكندي، الأمين العام لـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" - أكبر حركة كردية إيرانية معارضة لطهران - وثلاثة من زملائه في مطعم "ميكونوس" في برلين. وشملت تلك العملية أيضاً دبلوماسيين إيرانيين.
ووفقاً للنتائج التي تم التوصّل إليها، خلُصت إحدى المحاكم في برلين إلى أنّه تم تنفيذ الهجوم على يد خلية تابعة لـ «حزب الله» بأمر من الحكومة الإيرانية. واعتبر رئيس المحكمة فريتيوف كوبش أنّ القضاة صُدموا بشكل خاص بتصريحات القادة الإيرانيين بأنّه بإمكانهم "إسكات الأصوات المزعجة" بأي طريقة تحلو لهم. ومن أجل تعزيز وجهة نظره، استشهد بمقابلة تلفزيونية أجراها وزير الاستخبارات الإيراني علي فلاحيان قبل شهر واحد من اعتداء "ميكونوس"، حيث تفاخر فلاحيان بأنّ إيران قد تشنّ "ضربات حاسمة" ضد معارضيها في الخارج. علاوةً على ذلك، اعترف فلاحيان في ٣٠ آب/أغسطس ١٩٩٢، خلال مقابلة مع أحد مراسلي التلفزيون الإيراني بأنّ إيران كانت تراقب المنشقين الإيرانيين داخل البلاد وخارجها، وقال: "إننا نتعقبهم خارج البلاد أيضاً. ونضعهم تحت المراقبة... وقد نجحنا العام الماضي في توجيه ضربات أساسية على كبار أعضائهم".
وتم نقل جزء كبير من المعلومات المحيطة بمؤامرة "ميكونوس" من قبل منشق إيراني يدعى أبو القاسم مصباحي الذي ادعى أنّه عضو مؤسّس في "جهاز الأمن الإيراني". ووفقاً لما قاله، صدر قرار تنفيذ الهجوم من قبل لجنة العمليات الخاصة، التي شملت الرئيس رفسنجاني ووزير المخابرات فلاحيان ووزير الخارجية علي أكبر ولايتي وممثلين عن جهاز الأمن، وعلى الأخص المرشد الأعلى علي خامنئي.
وفي ٧ أيلول/سبتمبر ١٩٩٢، وصلت "مجموعة الهجوم" التي نظّمها فلاحيان إلى برلين من إيران. وقد ترأّسها عبد الرحيم بني هاشمي (المعروف أيضاً باسم أبو شريف، عميل لدى وزارة الاستخبارات والأمن الذي حصل على تدريبه في لبنان)، الذي كان أحد المسلّحَين في الهجوم والمتورّط في اغتيال الطيّار الإيراني السابق لطائرة "أف ١٤" في جنيف في آب/أغسطس ١٩٨٧. أما رئيس الشؤون اللوجستية للعملية، فقد كان كاظم دارابي الذي هو أحد الأعضاء السابقين في «الحرس الثوري» و«حزب الله»، وكان يسكن في ألمانيا منذ عام ١٩٨٠ وينتمي إلى رابطة الطلاب الإيرانيين في أوروبا. ووفقاً للمدعين العامين الأرجنتينيين، فإنّ "«رابطة الطلاب المسلمين في أوروبا» والجمعيات التي كانت تابعة لها عملت بشكل وثيق مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، ولا سيما «حزب الله» والجهات الحكومية الإيرانية مثل السفارة والقنصلية. وشكّلت «رابطة الطلاب المسلمين في أوروبا» المنظمة الرئيسية التي قامت المخابرات الإيرانية بتجنيد متعاونين منها للقيام بأنشطة دعائية واستخباراتية في إيران."
وفي تصريح للمدعين العامين الألمان، أوضح أحد مجنّدي دارابي، عطا الله أياد، أنّ دارابي كان "رئيس «حزب الله» في برلين". بالإضافة إلى ذلك، ستكون لدارابي أيضاً صلة بهجوم "مهرجان إيران الثقافي" في دوسلدورف عام ١٩٩١. فقبل المهرجان، أفادت التقارير بأنّ الاستخبارات الألمانية اعترضت مكالمةً هاتفيةً تلقى فيها دارابي تعليمات من قبل أحد الأشخاص في "المركز الثقافي الإيراني" في كولونيا كان على صلة وثيقة بوزارة الاستخبارات الإيرانية، لتجنيد بعض "الأصدقاء العرب" من برلين والتوجّه إلى دوسلدورف. وباستخدامهم المسدسات والغاز والبنادق والعصي، اعتدى دارابي وشركاؤه على أفراد من جماعة المعارضة الإيرانية "حركة مجاهدي خلق" الذين كانوا يعرضون كتب وصور في "المهرجان". وأصيب العديد من أعضاء "مجاهدي خلق" بجروح خطيرة. ووفقاً لشهادات أدلى بها شهود عيان في وقت لاحق كان دارابي يقود الهجوم على ما يبدو.
وفي حين كان القلق يسود حول أنشطة دارابي في ألمانيا، حاول مسؤولون ألمان ترحيل دارابي في حزيران/يونيو ١٩٩٢. غير أنّ الحكومة الإيرانية تدخّلت وطلبت من ألمانيا السماح لدارابي بالبقاء في البلاد. أما المسلّح الثاني عباس رحيل، وأحد المتآمرين يوسف أمين، فوفقاً للمدّعين العامين الأرجنتينيين كانا هؤلاء "عضوين في «حزب الله»" وتلقّيا تدريباً في مركز «الحرس الثوري» الإيراني بالقرب من مدينة رشت في إيران. ووفقاً للمدعين العامين الألمان، عندما وصل "فريق الأغتيال" إلى برلين وانتقلت القيادة من دارابي إلى بني هاشمي، "تم استبعاد" اثنين من المتآمرين "عن المشاركة المباشرة في العملية"، لأنهما لم يكونا أعضاءً في «حزب الله».
وفي صباح ١٦ أيلول/سبتمبر ١٩٩٢، انطلقت مرحلة التنفيذ لهجوم "ميكونوس" عندما حصل رحيل وفرج الله حيدر، عضو آخر في «حزب الله» لبناني الأصل، على بندقية آلية من نوع "عوزي" ومسدس وكاتمَي صوت. ولم يتم تحديد مصدر هذه الأسلحة إطلاقاً، ولكن يُشتبه بأنّها مرتبطة بالمخابرات الإيرانية. وفي وقت لاحق، قام محققون ألمان بتعقّب كلّ من المسدس وكاتم الصوت إلى إيران. وفي صباح اليوم التالي، ١٧ أيلول/سبتمبر، اشترى رحيل وحيدر الحقائب التي سيستخدمونها لإخفاء الأسلحة أثناء دخولهما مطعم "ميكونوس".
وفي ليلة ١٧ أيلول/سبتمبر ١٩٩٢، دخل بني هاشمي ورحيل إلى المطعم في الساعة ١٠:٥٠ مساءً، بينما انتظر أمين خارج المبنى لإغلاق الباب [ومنع الدخول منه]. أما حيدر وشخص إيراني يُعرف فقط باسم محمد، الذي كان قد كُلّف سابقاً بمراقبة الأهداف، فقد انتظرا على بُعد عدة مباني داخل سيارة الهروب. وقد تم شراء السيارة قبل ذلك بعدّة أيام من قِبَل علي دخيل صبرا الذي خدم مع أمين ورحيل في لبنان ثم جاء معهما إلى ألمانيا. وحين ظهر المستهدَفون، صرخ بني هاشمي بالفارسية "يا أبناء العاهرات" وقام بإطلاق النار. ثم تبع رحيل بني هاشمي إلى داخل المطعم وأطلق النار على شرفكندي وهومايون أردالان، ممثل "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" في ألمانيا. وأطلق القاتلان ٣٠ طلقة، ثم فرّا سيراً على الأقدام باتجاه سيارة الهروب.
وسرعان ما كشف تحقيق الشرطة عن تورط إيران في الهجوم. وفي ٢٢ أيلول/سبتمبر ١٩٩٢، تم اكتشاف الحقيبة التي احتوت على الأسلحة وكواتم الصوت، وكشفت الاختبارات وجود تشابه كبير بين هذه الأسلحة وتلك المستخدمة في اغتيال المنشقَيْن الإيرانيَيْن أكبر محمدي في هامبورغ في عام ١٩٨٧ وبهمان جوادي في قبرص في عام ١٩٨٩. كما طابقت الشرطة الرقم التسلسلي للمسدس الذي استخدمه رحيل مع شحنة سلّمها تاجر إسباني إلى الجيش الإيراني في عام ١٩٧٢. وتم اكتشاف بصمة راحة يد رحيل على أحد مخازن المسدس، كما تم التعرف على دم أحد الضحايا على المسدس نفسه، ووُجدت بصمات أمين على كيس تسوّق من البلاستيك داخل سيارة الهروب.
ووفقاً للمدعين العامين الألمان، "غادر عبد الرحيم بني هاشمي المدينة بالطائرة بعد الجريمة وذهب إلى إيران عبر تركيا. وهناك، تمت مكافأته على دوره في الهجوم بسيارة "مرسيدس ٢٣٠" ومن خلال إشراكه في معاملات تجارية مربحة". أمّا الآخرون فلم يحالفهم الحظ مثله. فقد حُكم على دارابي ورحيل بالسجن مدى الحياة في ألمانيا في نيسان/أبريل ١٩٩٧، في حين حُكم على أمين ومحمد أتريس، وهو مزوّر وثائق قام بمساعدة المهاجمين، بالسجن لمدة ١١ سنة وحوالي خمس سنوات، على التوالي. وفي حين كان أمين وعتريس يقضيان مدة حكمهما الأقصر فترة، أُطلق سراح درابي ورحيل وعادا إلى إيران في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٧. وذكرت المجلة الإخبارية "دير شبيغل" أنه تم إطلاق سراحهما مقابل سائح ألماني كان قد اعتُقل في إيران في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٠٥. ويبدو أن ألمانيا لم تكن البلد الوحيد الذي سعى للحصول على ضمانات مقابل إطلاق سراح دارابي ورحيل. فقد كانت إسرائيل تأمل في المساومة على إفراج مبكر مقابل معلومات عن رون أراد، طيار إسرائيلي أُسقطت طائرته في لبنان عام ١٩٨٦.
وفي رأي المحكمة الجنائية العليا في ألمانيا، يشير الاغتيال السافر والعلني لأربعة من المعارضين الإيرانيين في مطعم "ميكونوس" إلى أن القيادة العليا في الجمهورية الإسلامية مسؤولة عن الإرهاب. ورفض حكم المحكمة الافتراض القائل بأن الهجوم نُفذ من قبل "عناصر فردية"، وخلصت إلى أن "الاغتيال [كان] قد خرج إلى حيز التنفيذ من خلال [جهود] بُذلت بصورة أكبر من قبل السلطات في إيران". ومن خلال تحديد الرئيس رفسنجاني والمرشد الأعلى نفسه كطرفين مدبّرين لعملية الاغتيال، فقد وجد قرار الحكم أن "القوى الإيرانية لا تسمح بالهجمات الإرهابية في الخارج فحسب... بل تقوم بنفسها بمثل هذه الهجمات". وتوصلت المحكمة إلى أنه عندما واجه نظام طهران معارضةً سياسية، تمثل حله بكل ببساطة بـ "تصفية" المعارضين.
مجابهة الإرهاب الإيراني
ورغم ذلك، لم يترجَم حكم المحكمة الألمانية في قضية هجوم "ميكونوس" إلى إجراءات دائمة وملموسة ضد إيران أو «حزب الله». وردّت إيران على وضع لوحة تذكارية لإحياء ذكرى ضحايا هجوم "ميكونوس" بعرض لوحة مماثلة قرب السفارة الألمانية في طهران، تدين ألمانيا لقيامها بإمداد الأسلحة الكيميائية لصدام حسين خلال الحرب الإيرانية-العراقية. وخوفاً من التداعيات الدبلوماسية، نأى السفير الألماني في إيران بحكومته عن اللوحة الأصلية التي تؤكد مسؤولية إيران عن هجوم "ميكونوس". وفي حين سحبت دول أوروبية عديدة سفراءها من إيران بعد صدور قرار الحكم، استمرت هذه المقاطعة الدبلوماسية لبضعة أشهر فقط. وإلى جانب الإفراج عن الجناة دارابي ورحيل، لم يُحاسَب إطلاقاً أي من القادة الإيرانيين الذين تم تحديدهم في حكم المحكمة - أي رافسنجاني، فلاحيان، ولايتي أو خامنئي - على ضلوعهم في الهجوم.
وبالفعل، شارك العديد من هؤلاء المسؤولين - ولا سيّما ولايتي - في عدد من المؤامرات الإرهابية الدولية. وقد طالب المسؤولون الأرجنتينيون باعتقال ولايتي وتسليمه إليهم عدة مرات أثناء سفره حول العالم كمسؤول إيراني بارز. وتم تقديم آخر طلب إلى روسيا، حيث استضاف بوتين ولايتي في ١٢ تموز/يوليو ٢٠١٨، بعد يوم واحد فقط من إدانة الأسدي - الدبلوماسي الإيراني المعتقل - بشكل رسمي في ألمانيا. كما تم تجاهل طلبات مماثلة لإلقاء القبض عليه من حكومتَي سنغافورة وماليزيا. وعلى غرار تقييم السلطات الأمريكية منذ وقت طويل، فمن دون إجراءٍ دولي منسق، من غير المحتمل أن يتم ردع إيران عن تنفيذ مثل هذه العمليات ثانية في المستقبل. وفي أعقاب المؤامرات الإرهابية الإيرانية في الخارج في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، خلُص مجتمع الاستخبارات الأمريكية إلى أنه "على المدى الطويل، من المحتمل أن لا يتم ردع إيران عن الإرهاب إلا إذا أسفر الدليل على ذنبها إلى اتخاذ إجراءات صارمة وموحّدة من قبل المجتمع الدولي، من بينها الرغبة في فرض العقوبات. وقد يشمل ذلك قطع العلاقات أو استدعاء السفراء". لكن حتى الآن، لم يحدث أي من ذلك.
واليوم، تتعاون وكالات إنفاذ القانون في جميع أنحاء العالم - لا سيما في أوروبا - بشكل أوثق للتعامل مع الأنشطة الإرهابية والإجرامية العالمية التي يقوم بها كل من إيران و«حزب الله». فعلى سبيل المثال، اجتمعت "مجموعة تنسيق إنفاذ القانون" (LECG) بقيادة الولايات المتحدة ستّ مرات في مواقع مختلفة حول العالم لمعالجة أنشطة «حزب الله» الإرهابية والإجرامية في جميع أنحاء العالم. أمّا آخر اجتماع لها، فعقدته الولايات المتحدة ومنظمة "اليوروبول" في كيتو، عاصمة الإكوادور، تحت رعاية منظمة "الأميريبول" (دوائر الشرطة في الأمريكتين). كما ستلتقي "مجموعة تنسيق إنفاذ القانون" ثانية في أوروبا في أواخر عام ٢٠١٨، حيث ستجتمع أكثر من ٣٠ حكومة - جنباً إلى جنب مع مسؤولين من منظمتَي "اليوروبول" و"الإنتربول" - لمقارنة الملاحظات حول أنشطة «حزب الله» في ولاياتهم القضائية المترامية الأطراف، ولوضع استراتيجية حول أفضل السبل للتعاون لمواجهة العمليات الإرهابية والإجرامية التي يقوم بها «حزب الله».
ونتيجة تورط إيران المباشر في هذا المخطط الأخير - وفي ضوء فهم طبيعة الأحداث والأنشطة التي قادتها إيران في أوروبا لفترة طويلة - من المرجح أن ينظر مسؤولو "مجموعة تنسيق إنفاذ القانون" في توسيع نطاق تركيزهم ليشمل المجموعة الكاملة من العملاء والوكلاء الإيرانيين الذين أُرسلوا من قبل طهران لتنفيذ هجمات في الخارج، ومن بينهم الدبلوماسيين الإيرانيين والمرافق الدبلوماسية. وسيكون من المفيد القيام بذلك، ليس بسبب خطط إيران الهجومية فحسب، بل بسبب الدعم الذي تقدمه إيران مرةً تلو الأخرى لمؤامرات «حزب الله» أيضاً. فلنأخذ على سبيل المثال سلسلة التفجيرات التي وقعت في باريس عام ١٩٨٥ أو عملية اختطاف طائرة TWA في الرحلة رقم ٨٤٧، التي نفذها «حزب الله» بدعم لوجستي من عملاء إيرانيين، وفقاً لـ "المركز الوطني لمكافحة الإرهاب".
يجب ألا يقتصر الرد الدولي على النشاط الإرهابي الدولي الإيراني على إجراءات إنفاذ القانون وحدها. فقد تكون الإجراءات التنظيمية مفيدةً أيضاً. ومن الجدير بالذكر أنه لم تتم دعوة الاتحاد الأوروبي لإدراج الجناح العسكري لـ «حزب الله» ضمن لائحة المنظمات الإرهابية فحسب، بل لشمل المنظمة برمتها، فضلاً عن فرض عقوبات مالية ودبلوماسية موسّعة. ينبغي على الدول الأوروبية أن تنظر في إدراج المزيد من المؤسسات الإيرانية والأفراد المتورطين في سلوك طهران غير المشروع، لكن عليها أيضاً أن تفكّر في العمل على عزل إيران دبلوماسياً طالما استمرت طهران في استغلال الامتيازات الدبلوماسية واستخدام ممثليها في الخارج لاغتيال الناس على أراض أجنبية.
وتحقيقاً لهذه الغاية، وفي أعقاب قضية الأسدي، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية جداول زمنية وخرائط تصوّر حوادث مختارة من الأنشطة التنفيذية التي ترعاها إيران في أوروبا منذ عام ١٩٧٩ ولغاية عام ٢٠١٨، من بينها الحادثان اللذان ضلع بهما «حزب الله»، وكيل إيران، وتلك التي نُفّذت من قبل العملاء الإيرانيين أنفسهم. ومن المهم إدراك مدى انتشار العمليات الإيرانية في أوروبا على مر السنين، وليس كنوع من التمارين الأكاديمية فقط. وفي حين تتعمق السلطات في النمسا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا في قضية الأسدي، فمن المرجح أن تجد في وقت معقول، كما فعل المحققون دوماً في المؤامرات الإيرانية السابقة، أن هذه ليست أعمالاً مارقة، بل تصرفات نظام مارق.

ماثيو ليفيت هو زميل "فرومر- ويكسلر" ومدير برنامج "ستاين" للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن.