Wednesday, November 22, 2017

لهذه الأسباب يجب أن تكون البحوث الاستقصائية في الشرق الأوسط شفافة

لهذه الأسباب يجب أن تكون البحوث الاستقصائية في الشرق الأوسط شفافة
صفحات رأي ومقالات

لهذه الأسباب يجب أن تكون البحوث الاستقصائية في الشرق الأوسط شفافة

ديفيد بولوك 
 واشنطن بوست
16 تشرين الثاني/نوفمبر 2017
قطعَت البحوث الاستقصائية في الشرق الأوسط شوطًا طويلاً. لكن، لا تزال تواجه الكثير من التحديات الفعلية. أنا أجري استطلاعات رأي في الشرق الأوسط منذ عام 1985، للحكومة الأمريكية وكباحث مستقل. وفي هذا الصدد، أثار مقال نشره مؤخرًا جاستين جينغلر بعض القضايا الهامة، ولكنه أيضًا قدّم افتراضات غير مبررة حول استطلاعات الرأي التي أجريتها مؤخرًا. وتجدر الإشارة إلى أنّ النقاط التي نتفق عليها والتي نختلف عليها بشأن أفضل الممارسات الواقعية حول أبحاث استطلاع الرأي العربي هي مثيرة للاهتمام.
قبل بضع سنوات، عانت استطلاعات الرأي العربية من ندرة الإحصاءات السكانية الموثوقة، وخرائط الأحياء وغيرها من الأدوات القياسية لبحوث الاستطلاع. أمّا اليوم، فبات الوضع أكثر يسرًا ومعظم هذه المشاكل التقنية لم تعُد عائقًا. ولكن، استمرت المحرمات الاجتماعية والسياسية في الكثير من تلك المجتمعات، بما فيها مسائل المساواة بين الجنسين، وصعوبة الوصول إلى الأسر، والمخاوف بشأن الرقابة الحكومية. ناهيك عن الضوابط الحكومية الصارمة التي تجعل إجراء الاستطلاع على النمط الغربي أمرًا صعبًا.
تتخذ الشفافية أشكالاً متعددة
تتبنى النشرة الإعلامية "مونكي كايج" و"واشنطن بوست" معايير أكاديمية تستحق الثناء حول الشفافية وتبادل البيانات، والتي "تتطلب الكشف عن التفاصيل المنهجية القياسية عند عرض استطلاعات الرأي".
إنني أدعم وأؤيد هذه المعايير تأييدًا تامًا. في الواقع، في دراستي "الشارع العربي: الرأي العام في العالم العربي" و "استطلاعات الرأي المخادعة: استخدامات وإساءة استخدام أبحاث الاستطلاع في الدول العربية"، تحديّت زملائي في مجال استطلاعات الرأي على وجه التحديد بناء على هذه الأسس، لأن الدراسات الاستقصائية المتداولة على نطاق واسع قد فشلت في تلبية المعايير المنهجية. وفي هذا الصدد، لاحظت مشاكل تتجاوز المسائل التقنية النموذجية، مثل الاستخدام الواسع النطاق للأسئلة المشحونة مثل: "ما الذي يثير إعجابك أكثر بالقاعدة؟" أو "ما مدى أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة إليك؟"
وفي حين أنني لم أدرج تفاصيل منهجية شاملة عند نشر تقريري الموجز "تنبيه السياسات" عن النتائج الرئيسية لاستطلاع قطر، إلاّ أنني أعلنت عن رغبتي في مشاركة هذه البيانات خلال الإصدار الرسمي لهذه النتائج. وفي مناسبة الاطلاق العام الذي جرى في 24 تشرين الأول/أكتوبر، أي قبل ثلاثة أيام من زعم جينغلر أن هذا الاستطلاع "غير علمي" و"مسلّح"، أكّدت بوضوح استعدادي لتقديم تفاصيل منهجية وتفاصيل أخرى كاملة، بما فيها جميع ملفات البيانات، لأي طرف يهمّه الأمر. وقد استجاب الكثير من الباحثين والصحفيين بشكل إيجابي، وأنا أشجع الآخرين على الاستفادة من هذه الدعوة.
ميزة شركات الاستطلاعات التجارية
ومن هذا المنطلق، اسمحوا لي أن أقدم بعض التفاصيل المنهجية. إنّ الفِرق التي أجرت هذه الدراسات الاستقصائية هي بالدرجة الأولى ذات توجّه تجاري وتقترن بالقطاع الخاص ولا ترتبط رسميًا أو بشكل شبه رسمي مع حكومات البلدان المضيفة. لقد عملت مع هذه الفرق على استطلاعات عربية مماثلة منذ عام 1990. وهي مرخصة ومعتمدة لدى أكبر الرابطات المهنية، مثل "إسومار". كما وأجرت بنجاح دراسات استقصائية أخرى لمؤسسات دولية رائدة مثل "بيو" والبنك الدولي والحكومة الأمريكية.
إنني أفضّل شخصيًا منظمي استطلاعات الرأي مثل هؤلاء المستقلين غير الرسميين وغير السياسيين. وهذه هي أفضل وسيلة لتجنب الرقابة، والرقابة الذاتية، فضلاً عن الترهيب والتحيز. وفي معظم الحالات، لا يزال من المستحيل على منظمات الاستطلاع المنتسبة إلى الحكومة أو التي تخضع للإشراف الرسمي في هذه البلدان أن تطرح المسائل السياسية المثيرة للجدل وفي الوقت المناسب، مثل المواقف تجاه "الإخوان المسلمين" والصراعات الطائفية أو غيرها من البلدان العربية.
وبالمقابل، يمكن لشركات الاستطلاعات التجارية أن تطرح مثل هذه الأسئلة لأن الحكومة (أو المنظمة التابعة للحكومة) لا تساعد على بناء أو مراقبة أداة الاستطلاع. فلا يتجنب الناشط في العمل الميداني الأسئلة الصعبة ولا يسعى لأي أهداف سياسية معينة. وعلى نفس القدر من الأهمية، أظهرت تجربتي أن المستطلَعين يشعرون بالراحة نسبيًا في الإجابة بصراحة على ما هو منتج استهلاكي غير رسمي في الدرجة الأولى أو غيرها من الاستطلاعات التجارية، مع عدد ضئيل من المسائل السياسية أو الاجتماعية المرفقة.
أخذ العينات والترجيح
استخدمت كل هذه الدراسات الاستقصائية طريقة معيارية في أخذ عينات احتمالية جغرافية متعددة المراحل، مع تخصيص وحدات معاينة أولية وكتل/أسر متناسبة مع حجم السكان، استنادًا إلى آخر الإحصاءات المتاحة. وقد أجرى موظفون محليون مدربون المقابلات باللغة العربية في منازل المستطلَعين الخاصة.
وقد جرى تحديد نقاط البداية ومسارات المقابلات من خلال اتباع نهج "الاتجاه نحو اليمين" و"كل أسرة في الجهة الشمالية". وفي ما يخص الأحياء المؤلفة من العمارات السكنية، تم احتساب الفاصل عموديًا حسب الطوابق، مع إجراء مقابلتين كحد أقصى في كل مبنى. وداخل كل أسرة، اختير عشوائيًا طرف مجيب واحد باستخدام شبكة "كيش". وفي حال عدم توفّر الطرف يتم إجراء ثلاث محاولات لإعادة الاتصال به في أوقات وأيام مختلفة من الأسبوع. كما ولم يسمح بأي بديل داخل الأسرة الواحدة. أمّا بالنسبة لقطر، فقد كان هناك 24 شخصًا قائمين على إجراء المقابلات وستة مشرفين ميدانيين. وقد أجروا ألف مقابلة على مدى 23 يومًا، لكن ليس أثناء العطل.
أمّا مسألة ترجيح النتائج فهي معقّدة. أنا أقدّم دائمًا النتائج الأولية، وليس فقط المرجحة إحصائيًا أو "المعدلة". وبحسب جينغلر، من المتوقع أن تكون الخصائص الديموغرافية للعينات الأولية مغايرة نوعًا ما عن الحقيقة، وينبغي الإشارة إلى الفوارق الكبيرة. ولكن لا يوجد دليل على أن هذه الفوارق أثّرت على استنتاجاتي بشكلٍ جوهري. 
والاستثناء الوحيد بين استطلاعات الرأي التي أجريتها، حيث يتطلّب الترجيح توفير مجاميع دقيقة، هو في لبنان، لأن العينة الفرعية المسيحية ممثّلة بشكل مفرط، وغالبًا ما تكون المواقف مستقطبة حسب الطوائف، وهذا ما يؤدي إلى تحريف في مجاميع البيانات غير المرجّحة. في بعض استطلاعات الرأي الأخرى، وبالرغم من أنّ العينات ممثّلة بشكل عام، تَرِد فوارق كبيرة في الاستجابة بحسب الطائفة (السنية أو الشيعية). وبالتالي، أهتم كثيرًا بعرض هذه الاختلافات بشكل مفصّل من الناحية الديموغرافية، بدلاً من تقديمها كمجاميع مرجحة ليس إلاّ. وفي هذا الإطار، قليلة هي الاستبيانات العربية الأخرى المستعدة أو القادرة على نشر هذه التحليلات الديموغرافية الطائفية الأساسية، بسبب القيود السياسية أو الموانع الاجتماعية.
وبالنسبة إلى الاستبيان الذي أجري في قطر، كان جينغلر محقًا بأنّ العينة الفرعية ذات التحصيل العلمي الأعلى تحيد عن المقاييس السكانية المنشورة. غير أنّ هذا الأمر لا أهمية له. إذ يحيد بنحو 11 نقطة فقط ضمن النطاق المتوقّع. وفي هذا السياق، تتمثّل مدينة الدوحة تمثيلاً زائدًا إلى حد ما، ويعزى الأمر مرة أخرى إلى الفوارق العشوائية في العينة التي حقّقها أسلوب الاحتمال الجغرافي الطبقي المتعدد المراحل. ولكن إذا جمعنا بينها وبين مدينة الريان المجاورة، توفّر العينة لهذا التجمع السكاني الحضري تمثيلاً عادلاً. كما تشكّل الفئات السكانية الأخرى تمثيلاً جيدًا، ولا تشير نتائجها إلى أي تحريف منهجي جوهري. لهذا السبب، تمثّل المجاميع المذكورة لمحة إحصائية هادفة لمواقف قطرية مجمعة.
ومن حيث المبدأ، من المستطاع أخذ هذه البيانات الأولية وترجيحها، كما يفعل منظمو استطلاعات الرأي في كثير من الأحيان، لمطابقة التوزيعات الديمغرافية الشاملة بشكل أدق، أو "تعديل" العينات باستخدام الحصص. ولكن هذه التقنية الأخيرة، تقحم عنصرًا خطيرًا وغير عشوائي في الإجراء، مع احتمال التسبب بتحريف النتائج بشكلٍ غير محدد. وقد يعطي ترجيح العينات أو النتائج بطريقة مصطنعة لمطابقة البيانات الاحصائية انطباعًا خاطئًا بالدقة. ومع ذلك، إذا رغب أحد بقياس النتائج التي توصلت إليها لمقارنتها مع تلك غير المرجحة، سأكون سعيدًا بتقديم ملفات البيانات الأولية كما سبق وذكرت.
أهمية اللقاءات المباشرة والمقابلات وجهًا لوجه
في الدراسات الاستقصائية العربية، أفضّل إجراء مقابلات شخصية وجهًا لوجه على القيام باستطلاعات عبر الهاتف أو الإنترنت أو تلك الاستبيانات "المناسِبة" التي يتم إجراؤها في الأماكن العامة. فهذه هي الطريقة التي أجريت بها جميع الاستطلاعات المطروحة هنا.
وكما يقول جينغلر عن حقّ، يرتاح الناس عند التحدث مع شخص غريب وجهًا لوجه أكثر من على الهاتف في معظم المجتمعات العربية. وتكون أيضًا معدّلات الرفض لاستطلاعات الهاتف أعلى بكثير، وهو عيب لا يمكن معالجته بشكلٍ كاف بأي تقنية إحصائية. وكذلك الأمر، تشيب استطلاعات الرأي عبر الإنترنت عيوبًا في الاختيار الذاتي، والاختراق الاجتماعي المتفاوت، وضعف الامتثال لضوابط ومعايير الجودة. وفي ما يخص استطلاعات الرأي "المناسِبة"، فهي غير علمية ويجب تحديدها بهذه الصفة. وسيكون من الصواب تعريف مثل هذه الدراسات الاستقصائية على هذا النحو، كما سبق وفعلت في الماضي.
بعض الدروس المستفادة من التجارب
وبعيدًا عن هذه التفاصيل الفنية الهامة، لدي بعض النصائح الأخرى، التي قد يعرفها زملائي في مجال الاستطلاع.
يجب السعي دومًا إلى طرح الأسئلة بموضوعية، وتوفير سبل مختلفة للمستطلَعين للتعبير عن تصنيفاتهم ومقارناتهم وسط مختلف عناصر الرد. وينبغي سؤال المستطلَعين عن آراءهم حول بلدان عدّة، وليس عن الولايات المتحدة فحسب.
وينبغي منح المستطلَعين فرصة لاختيار أولوياتهم، عوضًا عن فرضها. ويجب التخلص، بقدر ما هو ممكن إنسانيًا، من الآثار البغيضة للتحيز المتوالي، أي طرح سلسلة من الأسئلة التي، في حين تبدو محايدة بحد ذاتها، إلاّ أنها تتخذ اتجاهًا معيّنًا إذا طُرحت بشكل جماعي متسلسل.
ويجب صياغة الأسئلة بأقصى قدر ممكن من التحديد. على سبيل المثال، اسأل عن جماعة "الإخوان المسلمين"، وليس عن "القادة الدينيين" فحسب. اسأل عن "حزب الله"، وليس عن "الميليشيات الطائفية". اسأل عن المقاطعة العربية لدولة قطر، وليس عن "النزاع الخليجي" فحسب. وبعبارة أخرى، يجب تجنب الأسئلة المبهمة التي ستنتج حتمًا إجابات مبهمة.
أخيرًا، ينبغي إجراء استطلاع على حدة لكل مجتمع عربي، بدلاً من جمعها معًا. إذ يُعتبر وضع رؤية "عربية" بصورة مصطنعة من خلال الجمع بين مصر والأردن وبعض الدول الأخرى من دون العراق والجزائر أو سوريا أو السودان، مثل وضع رؤية "أوروبية" من خلال الجمع بين ألمانيا ولكسمبرغ وسلوفينيا، باستثناء فرنسا وبريطانيا وإيطاليا أو إسبانيا.
وعلاوة على ذلك، في بعض البلدان العربية ذات الاستقطاب الشديد مثل لبنان أو العراق، قد يؤدي الجمع بين العينات الفرعية الطائفية أو العرقية إلى التباسات بدلاً من توضيح المواقف الشعبية.
يجب أن يكون كل بلد بمفرده والعينات الفرعية الداخلية كبيرة بما فيه الكفاية لتكون ذات دلالة إحصائية. وهذا يعني أنه ينبغي أن يكون لكل بلد عينة تبلغ ألف شخص أو أكثر.
إنني أشجع الآخرين على مشاركة تفاصيل إضافية عن استطلاعاتهم لتعزيز شفافية البيانات ومسعانا العلمي المشترك. إذ، لا يزال درب التقدم الذي ينبغي إحرازه طويلًا علم الاستطلاع في الشرق الأوسط.
ديفيد بولوك هو زميل أقدم في معهد واشنطن يركز على الحراك السياسي في بلدان الشرق الأوسط.

من مكافحة التطرف العنيف إلى "منع الإرهاب": تقييم السياسات الأمريكية الجديدة

من مكافحة التطرف العنيف إلى "منع الإرهاب": تقييم السياسات الأمريكية الجديدة
المرصد السياسي 2893

من مكافحة التطرف العنيف إلى "منع الإرهاب": تقييم السياسات الأمريكية الجديدة

 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2017
يناقش أربعة ممارسين متمرسين الفرص والمخاطر المرتبطة بالتحول الذي تشهده إدارة ترامب على صعيد المصطلحات والسياسة في مجال مكافحة التطرف.
في 14 تشرين الثاني/نوفمبر، خاطب وليام برانيف وسيموس هيوز وشانا باتن وماثيو ليفيت منتدى حول السياسة في "معهد واشنطن" كجزء من "سلسلة محاضرات ستاين حول مكافحة الإرهاب" الطويلة. وبرانيف هو المدير التنفيذي لـ"الائتلاف الوطني لدراسة الإرهاب والتصدي للإرهاب" وأستاذ في جامعة ميريلاند. أما هيوز فهو نائب مدير "برنامج التطرف" في جامعة جورج واشنطن. وباتن تدير "برنامج مبادرات صمود المجتمعات المحلية" في "مركز الصحة والأمن الداخلي" في جامعة ميريلاند. وأخيرًا، ليفيت هو زميل "فرومر- ويكسلر" ومدير "برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات" في "معهد واشنطن".
وليام برانيف
لا تملك الولايات المتحدة استراتيجيةً شاملة في ما يخص الإرهاب. فخلال السنوات الست عشرة منذ اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001، عوّلت الولايات المتحدة على نظامها للعدالة الجنائية والمجتمعات العسكرية، متسلحةً بجهاز استخباري أكبر وأفضل، من أجل عرقلة أخصامها الإرهابيين والحؤول دون حصول اعتداء كبير آخر. غير أنه في خضم ذلك، وصل الإرهاب العالمي إلى أعلى مستوياته التاريخية، ما أدّى إلى بروز أعمال عنف رجعية وحدوث جدالات حول شؤون الهجرة واللاجئين والقومية والأممية والأمن والحرية والدين. وتُعتبر أدوات مكافحة الإرهاب التقليدية ضرورية، لكن يبدو أنها غير كافية لجهة الحدّ من عنف الإرهابيين وتداعياته السياسية المضرة مع مرور الوقت.
وبهدف إتمام الجهود العسكرية وجهود إنفاذ القانون -- أي سبل مكافحة الإرهاب التقليدية -- انتهجت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي نموذجًا مختلفًا هدف إلى تقليص عدد الأشخاص الذين يحشدون لأعمال العنف في المقام الأول من خلال معالجة العوامل الفردية والمجتمعية والاجتماعية التي يستغلها الإرهابيون. ولم يحظَ هذا النموذج البارز - مكافحة التطرف العنيف - بالمصادر الكافية، ولم يجرِ مدّه سوى بعدد قليل من الموارد البشرية واستُخدم كأولوية ثانوية بعيدة بالنسبة لمكافحة الإرهاب التقليدية. ومنذ اعتماد نموذج مكافحة التطرف العنيف، هاجمه النقاد الذين لم يعتبروه صوابًا سياسيًا مثاليًا بشكل خطير أو وسيلة ملطفة لمكافحة الإرهاب بضراوة.
وترتبط هاتان المشكلتان، أي عدم كفاية مكافحة الإرهاب التقليدية وانعدام زخم مكافحة التطرف العنيف، مباشرةً بتقدير غير ملائم  لطبيعة الإرهاب الجوهرية. فالإرهاب هو في الأساس شكل من أشكال السياسة العنيفة. وبالتالي، يجب أن تكون استجابتنا سياسيةً في المقام الأول. ونظرًا إلى تركيز مكافحة التطرف العنيف على عوامل سياقية تتيح الإرهاب على المستوى الفردي والمجتمعي والاجتماعي، بإمكانها تغيير الظروف السياسية التي تسمح بالتعبئة العنيفة. أما مكافحة الإرهاب التقليدية، فتفتقر إلى هذا البعد السياسي. وبإمكان نموذج مكافحة التطرف العنيف، إن تمّ حصره بمبدأ توجيهي، أن يشكّل مباشرةً الأساس لاستجابة استراتيجية جديدة شاملة للإرهاب، حيث تضطلع مكافحة الإرهاب التقليدية بدور ضروري إنما ثانوي.
ويجب أن تهدف الاستراتيجية الشاملة الجامعة، داخل الحكومة وخارجها، إلى تهميش الإرهاب. وستساعد استراتيجية تهميش شاملة على بذل جهود "بالحجم المناسب" لمكافحة الإرهاب التقليدية. فلا يشير وضع استراتيجية شاملة إلى أنه يجب أن يبقى الإرهاب متصدرًا سلّم أولويات أجندتيْ الأمن الوطني والقومي على حساب تحديات أخرى. لا بل على العكس، يعترف نموذج التهميش بأن الإرهاب لا يشكل تهديدًا وجوديًا للولايات المتحدة، ويمكن إيلاؤه أهميةً ثانوية بالنسبة لمخاوف أمنية قومية أخرى في منطقة ما، كما أنه يسمح بالمزيد من الدعم المعدّ وفق سياق إقليمي والمقدم للشركاء الذين ربما يكون أو لا يكون الإرهاب من أبرز أولوياتهم.
سيموس هيوز
أصبحت مكافحة التطرف العنيف مستحيلةً على المستوى الفيدرالي. ففي حين اضطلعت إدارة ترامب بدور في القضاء على مكافحة التطرف العنيف، تقع هذه المسؤولية على عاتق عدد من الجهات الفاعلة. ففي أوائل عهد إدارة أوباما، على سبيل المثال، أوقف الرئيس برامج مكافحة التطرف العنيف، واستغرق إطلاق استراتيجية وطنية لـ"تمكين الشركاء المحليين من منع التطرف العنيف في الولايات المتحدة" سنتين. والآن، تجد إدارة ترامب نفسها في وضع مشابه، حيث أنها أوقفت برامج مكافحة التطرف العنيف وتفتقر عمومًا إلى كافة أنواع تنسيق الجهود الرامية إلى مكافحة التطرف العنيف على المستوى الفيدرالي.
وبالفعل، قد يساهم المصطلح الجديد لمكافحة التطرف العنيف الذي تمّ اعتماده في ظل إدارة ترامب، أي "منع الإرهاب"، في تقليص هذه المشكلة. فيوضح هذا المصطلح أن النقاش يتمحور حول البرامج والأفراد الذين يجتازون عتبةً محددة. غير أنه لا يعالج سوى مسألة العنف، ويفشل في الإقرار بأن التطرف يشكّل بدوره جزءًا كبيرًا من المسألة.
ونظرًا إلى غياب مناصرين متأصلين لبرامج مماثلة داخل الحكومة الفيدرالية، لا بدّ من إيجاد طريقة لتوفير الحوافز الضرورية لإشراك مكافحة التطرف العنيف. فقد تنازلت إدارتا أوباما وترامب عن مسؤولية مكافحة التطرف العنيف لصالح القطاع الخاص، وطلبتا مثلًا من شركات التكنولوجيا حذف أي محتوى متطرف من مواقعهما. غير أن هذا الهدف كان سهل المنال. فالعمل الشاق، الذي لم ينفذ بعد، يسفر عن بروز برامج وقاية لمعالجة التطرف في مهده.
ورغم هذه التحديات، يمكن إنقاذ برامج مكافحة التطرف العنيف المحلية. فقد تبتعد هذه البرامج عن نموذج البرنامج المدار فيدراليًا القائم على التعاون بين الوكالات، لكن الجهود الجديدة قد تمكّن الشركاء المحليين من تنفيذ العمل، كما هي الحال في برامج قائمة في نيويورك ودنفر. غير أنه على الحكومة الفيدرالية الانخراط في مسألة مراقبة الجودة، وتشجيع أفضل الممارسات لإشراك المجتمع ودعم التعاون بين المسؤولين على مستوى الولايات والمستوى المحلي.
شانا باتن
يجب أن تنقل المصطلحات المستخدمة لوصف جهود مكافحة التطرف العنيف النية خلف أي مقاربة في هذا الصدد ومحور تركيزها واستراتيجيتها. فالمصطلح الأحدث "منع الإرهاب"، يضمّ بعض الغموض المرن. وعلى وجه الخصوص، بسبب غياب قوانين الإرهاب المحلية الأمريكية الأساسية والتردد في وصف بعض الأعمال بالإرهابية على غرار حادثة شارلوتسفيل في آب/أغسطس 2017، لا تعي المجتمعات دورها في ما يسمى جهود منع الإرهاب. ويؤدي عدم اليقين هذا إلى سوء تفاهم، وفي نهاية المطاف، إلى تناقضات.
ومن أجل بناء الثقة ضمن المجتمعات، لا يمكن ترك الرسائل التي تحملها مكافحة التطرف العنيف لتُفسَّر عشوائيًا، ما قد يعطي انطباعًا خاطئًا بأن جهود مكافحة التطرف العنيف هي محاولات، سواء مباشرة أو غير مباشرة، لجذب المجتمعات نحو الانخراط في مساعي التحقيقات والمراقبة. في المقابل، يجب أن تبقى هذه الجهود ضمن نطاق وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات.
عوضًا عن ذلك، يجب أن نشهد تحولًا جذريًا الآن، يشبه ذلك الذي يتبلور في التفاهمات الاجتماعية للعنف الأسري والجنسي. ولا بدّ لهذا التحول من أن يقر بأن العنف، وليس الإيديولوجيا، هو محور عمل منع الإرهاب. ومن شأن عبارة "عنف متأثر بالإيديولوجيا" أن تُظهر بوضوح أن العنف هو الهدف، وأن تثبت في الوقت نفسه أن الحكومة الأمريكية تعترف بعدد من الإيديولوجيات وبنطاق التطرف. وبالفعل، يُعتبر تغيير اللغة المستخدمة الخطوة الأولى لتحقيق استراتيجية شفافة وإدخال تحسينات فعلية على هذا النوع من منع العنف. فمن جهتها، تزود الشفافية في الاستراتيجية المجتمعات بمعلومات ملموسة وتساعد على بناء الثقة الضرورية لتعزيز قدرتها على الصمود.
ويمكن معالجة العنف المتأثر بالإيديولوجيا بطريقة عملية على صعيد المجتمع الجزئي والكلي. وبالمثل، على الحكومة الفيدرالية، التي تحتل الموقع الأفضل كجهة داعية وداعمة لهذه الأنشطة، الاستثمار في حاجات المجتمعات. ومن ناحية أخرى، إن المنع الشامل يعني الإصغاء إلى المجتمعات ولقائها في أماكن تواجدها -- مع أخذ نقاط ضعفها وأولوياتها في الحسبان. وباستخدام مقاربة قائمة على الأصول، يتعين على الجهات الفاعلة أن تحدد بالتعاون الموارد والشبكات التي يمكن استخدامها على أفضل وجه لتقوية المجتمعات. ولا بدّ لاستراتيجية مماثلة من أن تكون مرنةً بما فيه الكفاية ليتمّ تكييفها مع مختلف المجتمعات. كما يجب أن تعزز الوعي بأن الانتقال من التطرف إلى العنف هو عملية وأنه يتعين على جهود المنع أن تأخذ الحريات المدنية في الحسبان.
ماثيو ليفيت
قد لا يبدو استخدام مصطلح "منع الإرهاب" لوصف جهود مكافحة التطرف العنيف تغييرًا أساسيًا في اللغة بشكل خاص، بما أن مصطلح مكافحة التطرف العنيف شهد عددًا كبيرًا من التغييرات خلال السنوات القليلة الماضية. ففي الواقع، قد يكون تغيير المفردات إيجابيًا بما أن الكثيرين من خارج المحفل السياسي لا يحبذون عبارة مكافحة التطرف العنيف. والمثير للريبة هو أن المصطلح الجديد لا يوضح حجم المجال المتاح أمام جهود المنع الحقيقية أو أنواع الإرهاب الذي سيركّز عليه.
وفي حين يستمر تقييم إدارة ترامب لبرامج مكافحة التطرف العنيف، لقد ظهر بعض التغيير. فقد زادت وزارة الأمن الوطني الأمريكية تركيزها على تخصيص هبات لإنفاذ القانون على حساب منظمات خدمة المجتمع وللجماعات التي تواجه التطرف الإسلامي في وجه التطرف المرتبط باليسار أو اليمين المتطرف. وبالفعل، يواجه عدد كبير من الأفراد والمنظمات صعوبات في تقبّل هذه الهبات بسبب التركيز الكبير وشبه الحصري على إنفاذ القانون والتطرف الإسلامي.
علاوةً على ذلك، قد يتسبب تغيير مصطلح مكافحة التطرف العنيف ليركّز بشكل خاص على "الإرهاب" بتقويض الجهود الرامية إلى إقناع أعضاء المجتمع بأنهم جزء من الحل للتطرف العنيف في مجتمعاتهم، عوضًا عن كونهم جزءًا من المشكلة ربما. وقد يشكّل نموذج صحة عام يخرج من دائرة التركيز على إنفاذ القانون حصرًا، ويشرك بدلًا من ذلك أعضاء المجتمع، مقاربةً مفيدةً أكثر لمكافحة التطرف العنيف. وبالفعل، تطالب وكالات إنفاذ القانون بنفسها عادةً باعتماد مقاربة مماثلة. كما أنه من المهم النظر في مصادر تمويل برامج مكافحة التطرف العنيف لأنها تحمل رسائل أيضًا. فعلى سبيل المثال، تملك وزارة الصحة والخدمات البشرية ووزارة التعليم في الولايات المتحدة أموالًا هائلة يمكن تخصيصها لجهود المنع، لكنها قد لا تكون متاحةً لبرنامج يركّز حصرًا على منع الإرهاب.
من ناحية أخرى، يُعتبر التركيز على حلول حماية الحدود في أعقاب الهجمات الإرهابية سياسةً سهلة إنما ضعيفة لمكافحة الإرهاب. فحماية حدودنا مهمة، لكن سياسةً مماثلة منفردة تتجاهل واقع أن التطرف ينتشر هنا في الولايات المتحدة. فلا يقف التطرف عند الحدود، لذا لا بدّ من وجود برامج تواجه الإيديولوجيات المتطرفة العنيفة في وقت مبكر، والعمل على التصدي لنطاق واسع من التطرف، بما فيه التطرف الإسلامي واليميني واليساري، إلى جانب السلوكيات الأخرى التي تشكل تهديدًا على المجتمع. ومن غير الواضح ما إذا كان "منع الإرهاب" سيفي بالغرض.
أعدت هذا الملخص أفيفا واينشتاين.

رؤى متنافسة لمستقبل العرب

رؤى متنافسة لمستقبل العرب
المرصد السياسي 2892

رؤى متنافسة لمستقبل العرب

 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2017
في 5 حزيران/يونيو، فرضت كل من السعودية والبحرين ومصر والإمارات حظراً غير مسبوق على قطر، متهمةً إياها بمجموعة من الجرائم. ثمّ قدّمت هذه الدول الأربع إلى قادة قطر لائحة تضم ثلاثة عشر مطلباً من شبه المستحيل تلبيتها. وتضمنت هذه المطالب تقديم تقارير لمراجعة الحسابات المتعلقة (التدقيق) بالإنفاق الخارجي، وإغلاق قناة "الجزيرة" الحكومية، ودفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن السياسة الخارجية لدولة قطر. وجاء على لسان وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش قوله أن الدول الأربع تريد "عزل [قطر] وليس التصعيد". 
وفي أعقاب فترة من المشادات الكلامية في جميع أنحاء الخليج، باتت المواقف الآن أكثر رسوخاً، وأصبح الناس يشعرون بالمرارة، ويبدو أن الحل بات يُقاس على الأرجح بالسنوات، وليس بالأشهر. ومن خلال تشريح النقاشات الدوّامة، والاتهامات المنمّقة، والخطابات المزيفة، والمبالغات الإعلامية السخيفة، يجد المرء صراعاً جوهرياً يدعم فيه الطرفان رؤى متناقضة بشكل أساسي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
رؤية "الحَمَديْن"
يشير مصطلح "الحَمَديْن" إلى أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني و[صديقه] المقرب إليه وحليفه منذ وقت طويل رئيس الوزراء حمد بن جاسم آل ثاني. وتتجلى رؤية قطر من خلال أفعال وسياسات وميول هذين الرجلين اللذين هيمنا لفترة طويلة على سياسات قطر وعلاقاتها الدولية. 
وعلى الرغم من عدم بقاء أي منهما في السلطة، إذ تنحيا جانباً في عام 2013، إلّا أنّ فحوى سياساتهما لا تزال مستمرة. وفي حين تَولّى تميم بن حمد آل ثاني رسمياً مقاليد الحكم في حزيران/يونيو 2013 عندما تنازل والده عن منصبه، إلّا أنّ سياسات حمد ما زالت مطبوعة في بنية البلاد، وسيكون من الصعب على الشاب تميم تغييرها بشكل ملحوظ. ناهيك عن أي خلف آخر. وبالفعل، لم يكن حمد زعيماً عادياً. فقد حوّل قطر من منطقة يسودها الركود والكساد إلى دولة ذات تأثير دولي فعلي. وبالتالي، لم يكن رفض مقاربة "الوالد المؤسس" الحقيقي للدولة مطروحاً أو قائماً فعلاً.
ومع ذلك، يشير عدد كبير من النخبة في المنطقة إلى تفسير أكثر بساطة: لا يزال "الحَمَديْن" يتوليان فعلياً زمام الأمور في قطر، أو على أقل تقدير، يؤثّران بشكل كبير على القيادة الحالية. وبغض النظر عن الشائعات المتداولة من وقت إلى آخر بشأن النفوذ المتواصل لحمد بن جاسم على صندوق الثروة السيادية القطري - الذي هو من الأصول الأخرى ضمن محافظه السابقة - أو الاجتماعات التي يعقدها حمد بن خليفة مع الزوار الوجهاء بين الحين والآخر، هناك أدلة قليلة تُثبت هذا الرأي. 
وتركّز السياسات القطرية المعنيّة - أي تلك التي أرساها "الحَمَديْن" ولا يزال تميم يطبقها على نطاق واسع - على دور الإسلاميين في السياسة الإقليمية. وباختصار، يَعتبر "الحَمَديْن" أن دعم الأفراد والجماعات المنخرطين في الإسلام السياسي، وإن لم يكن عشوائياً، هو نهج معقول للسياسة. وتجلى هذا التوجّه القطري بشكل خاص في الخطوات التي اتخذتها البلاد في ليبيا ومصر وسوريا في أعقاب "الربيع العربي". وقد يقول الكثيرون أن قطر اتبعت هذه السياسات طوال العقد الماضي. 
وبالفعل، لن تنكر النخبة في قطر أن دولتهم غالباً ما دعمت الكيانات المرتبطة بتنظيمات مثل «الإخوان المسلمين». وهناك أدلة كثيرة تؤيد هذا الادعاء بحيث لا يمكن دحضه. وبدلاً من ذلك، كرّر القطريون خلال السنوات الأخيرة - وازداد إصرارهم خلال النزاع الحالي بين الدول العربية - أن قطر تسعى إلى دعم "الشعب" في إطار أي سيناريو كان وليس جماعة سياسية بحد ذاتها. ويُظهر دعم قطر للرئيس المصري السابق محمد مرسي، الذي يبدو أن بروزه الوجيز في 2012 و2013 عكس فعلاً بعض الدعم الشعبي للإسلام السياسي، أن هذا الإصرار منطقي نوعاً ما.
وتنطوي رؤية "الحَمَديْن" للعالم على ما يلي: إذا تمكنت قطر من أن تكون داعمة للأحزاب الإٍسلامية الصاعدة في كل أرجاء المنطقة، فإن هذه الأحزاب ستشعر بأنها مدينة لهذه الدولة الخليجية. ومن ثم يمكن أن تستفيد قطر من هذا النفوذ، سواء لإبرام ترتيبات استثمارية مفيدة أو لحصد دعم سياسي ودبلوماسي في المحافل الإقليمية. وعلى نحو متساوٍ، بدا أنه من الصعب للغاية مقاومة وعدٍ أحدث هذا القدر من التغيير الإقليمي العميق، وهو وعدٌ قطعته دولة صغيرة مثل قطر، لا بصمة فعلية لها في تاريخ المنطقة.
ورسّخت قطر مكانتها باستنادها ليس فقط على الحسابات السياسية، بل أيضاً على التفكير الصرف بأن الإسلام يجب أن يلعب دوراً في السياسة العربية. وبهذه الطريقة، سيشعر المواطنون المتدينون بأنه تمّ أخذ وجهات نظرهم بعين الاعتبار. وفي غياب أي منفذ سياسي، وفقاً لمنطق "الحَمَديْن"، قد يسعى الانطوائيون المتدينون إلى إيجاد منافذ أخرى أكثر ضرراً لإخراج إحباطهم المتنامي.     
رؤية "المُحَمَديْن"
تتجسّد الحجة المضادة للرؤية القطرية بقائدين من بين الأكثر نفوذاً وحسماً في العالم العربي، ألا وهما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وولي عهد أبوظبي الأمير محمد بن زايد آل نهيان. ويَعتقد هذان "المُحَمَديْن" أنه لا ينبغي تسييس الإسلام، بل بالأحرى جعله مسألةً شخصيةً من دون أن يكون له دور مباشر أو مؤسسي في الحوكمة. وتنبع هذه النظرة من تفسيرهما لأثر الإسلام السياسي على البلدان العربية، بما فيها بلديهما، في التاريخ الحديث.  
أما بالنسبة إلى الإمارات العربية المتحدة، فقد نشأت العلاقة المثيرة للنزاع بين القادة في أبوظبي والجماعة الإسلامية المحلية "الإصلاح" منذ سبعينيات القرن الماضي ولا تزال مستمرة. ولطالما خشيت السلطات أن ينصِب مثل هذا الكيان نفسه لممارسة المزيد من السلطة والنفوذ، وهو طموح نفته هذه الجماعة علانية، مدعيةً بدلاً من ذلك أنها تؤدي دوراً اجتماعياً بحتاً. ومع ذلك، فبالنسبة إلى محمد بن زايد، كشف صعود الإسلاميين خلال "الربيع العربي" زيف هذه الادعاءات، ليؤكّد المخاوف وبواعث القلق الكامنة منذ وقت طويل.    
أما في المملكة العربية السعودية، فيسعى ولي العهد إلى إجراء مجموعة متنوعة من الضوابط على سلطته، سواء في المؤسسات، أو القطاعات الدينية، أو أفراد آخرين من العائلة المالكة. وعلى أثر ذلك، احتُجز في أيلول/سبتمبر حوالي 70 من كبار الشخصيات السعودية، يُعتبر عدد كبير منها من الشخصيات الإسلامية الشعبية البارزة من دون منازع. وفي تشرين الأول/أكتوبر، تعهد الأمير محمد بن سلمان "بإعادة" المملكة إلى الإٍسلام المعتدل، في اختيار مذهل للكلمات. غير أنه ليس باستطاعة ولي العهد السعودي، حتى إن مُنح حرية التصرف لتنفيذ تحوّل ضروري في السعودية، أن يتخلى عن دور الدين في المملكة. ومع ذلك، من المرجح أن يجعل السعودية، متى أمكنه ذلك، مكاناً يتّسم بطابع أكثر شخصية، وأقل تسييساً.
ويتركز معظم الغضب المحيط برؤية "المُحَمَديْن"، في ظل ارتباطها بالإسلام المسيّس، على جماعة «الإخوان المسلمين». فالنظرة المناسبة تتمثل بأنه منذ بداياتها في مصر في أوائل القرن العشرين، نشرت الجماعة مجموعةً من الأفكار والمقاربات السامة التي ساهمت في إضعاف الطابع الفكري للخطاب في مختلف المجتمعات العربية.
وبالفعل، لقد تصوّرا بروز مفعول تحويلي ناتج عن الصرح الفكري بأكمله لرأي جماعة «الإخوان المسلمين» على السياق الاجتماعي-السياسي العربي. ووفقاً لهذا التفكير، يترسخ التشدد والتطرف الحديثان في المنطقة في عقائد المفكرين الأوائل ضمن «الجماعة». وقد رسما خطاً شبه مباشر من العلماء المؤسسين لفكر «الإخوان» على غرار حسن البنا وسيد قطب إلى أسامة بن لادن، وزعيم تنظيم «القاعدة» الحالي أيمن الظواهري، إلى جانب الأجيال الأكثر حداثةً من الجهاديين والمتطرفين والإرهابيين.
وفي مجالات أخرى، تَعتبر رؤية "المُحَمَديْن" أن التسييس الذي يقوده الإسلاميون لطالما لطّخ الحوار الطبيعي بشأن القضية الفلسطينية-الإسرائيلية. فبرأيهما، أدت هذه المقاربة إلى استمرار مأساة الفلسطينيين وتصوير إسرائيل على أنها الشيطان، وإنشاء مجال اجتماعي يولّد نظريات التآمر. ومن ناحية أخرى، يؤكدان أيضاً أن إدخال السياسة إلى العقائد الإسلامية في مناهج التعليم العربية قد قضى على التفكير الناقد لأجيال من الطلاب.
وفي نهاية المطاف، تَعتبر رؤية "المُحَمَديْن" - مستشهدةً بالثيوقراطية في إيران كمثالٍ شيعي - أن المزج الانعكاسي للسياسة والإسلام يؤدي بشكل موثوق إلى إفقار الشعوب.
الازدواجية اللغوية
تعكس هذه الرؤى المتنافسة مقاربات شاملة للسياسة، وحججاً غير مبنية ولا تحمل إلا تفسيراً واحداً. فمن جهتهم، يشكو مناصرو "الحَمَديْن" من أن الإسلاميين المعتدلين نادراً ما مُنحوا فرصةً وأن المتطرفين، الذين غالبا ما يكونوا مرتبطين بشكل طفيف بالمعتدلين "المحترمين"، لا يعكسون الآراء الأوسع نطاقاً والسائدة على نحو أكبر. وتتمثل المشكلة في أن هذه الشكاوى تتطابق مع الحجج الاشتراكية أو الشيوعية القائلة بأن الشيوعية "الحقيقية" لم تطبق يوماً، وأنه إذا تمّ تطبيقها فعلاً، سيبرز المجتمع المثالي الموعود حتماً. وعلاوةً على ذلك، فإن الروابط بين الجذور الإيديولوجية لجماعة «الإخوان» ومجموعة من المتطرفين المعاصرين واضحة للعيان. ورغم الاحتجاجات على أن دعم هذا النوع من الحكومة الإسلامية المعتدلة أمر ممكن، إلّا أنّه لا يبرز أي خط واضح يحول دون انزلاق الشعوب والأحزاب إلى دوامة السياسات المتطرفة.
أما بالنسبة إلى رؤية "المُحَمَديْن"، ففي حين سترحب الحكومات الغربية حتماً بأي فصل للدين المؤسسي عن السياسة حيثما كان ذلك عملياً، لا تزال شعبية هذه الرؤية في الشرق الأوسط غير واضحة. وبالمثل، لا يساهم فصل الدين عن السياسة، على أقل تقدير، تلقائياً في تحسين القادة وسياساتهم: فقد كان عدد لا يحصى من الحكام المستبدين في المنطقة علمانيين إلى حدّ كبير في توجهاتهم.
هذه المرة الأمر شخصي
بصرف النظر عن عدم تجانسهما داخلياً، تمثل هاتان الرؤيتان المبسطتان وجهتي نظر متعارضتين وغير متوافقتين للحوكمة المستقبلية في الشرق الأوسط وشمال أأأأفريقيا. وقد كانتا قائمتين بالتوازي، وبدرجات متفاوتة، طيلة عقود من الزمن. ولكن اليوم، طفح الكيل بالنسبة إلى الفصيل الذي تقوده السعودية والإمارات. فحكام هذين البلدين يرون أن منطقتهم في وضع خطر، حيث أن "الربيع العربي" أطاح باستقرار المنطقة الشامل ولو أنه غالباً ما كان مصحوباً بغصة، مما ساهم في تمكين مناصري الإسلام السياسي. ويمكن أن تعزى الفوضى الناتجة، بدرجة لا يستهان بها، من وجهة نظر "المُحَمَديْن" إلى ميول "الحَمَديْن"، والتي بدورها تؤدي مباشرةً إلى قطر.
وبعد أن عارض القادة الإماراتيون رؤية "الحَمَديْن" للعالم لعقود من الزمن، ازدادوا جرأةً بفضل بروز ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يشاركهم الرأي في السعودية. فقد طبق مجموعة من السياسات كانت مستحيلةً سابقاً، بدءاً ببيع حصة من أصول شركة "أرامكو السعودية" القيّمة، مروراً بالمشاركة في حرب عدائية ومحفوفة بالمخاطر في اليمن، وصولاً إلى احتجاز العشرات من كبار المفكرين والأمراء والإقرار بأن السعودية لا تتساهل مع أشكال الإسلام المتعصب.
وينبع الحقد الشخصي تجاه قطر، على الأقل في أوساط النخبة في أبوظبي، من منطلق أن رجال السياسة في المنطقة قد أساءوا استخدام الإسلام لمصلحتهم الخاصة لفترة طويلة جداً - وهو ترتيب تواطأت فيه الدوحة. بالإضافة إلى ذلك، نجح دعم الولايات المتحدة والمساومة الاقتصادية المحلية القوية، حتى الآن، في حماية قطر من المحاسبة. وإذا سُمح لقادة أبوظبي بالنظر إلى نصائحهم، قد يسعون من دون تردد إلى الإبقاء على هذه العزلة لسنوات طويلة.
غير أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يعمل في عالم مالي مختلف عن نظرائه في أبوظبي. فالضغوط المالية التي تواجه المملكة من المرجح أن تقنعه نحو التوصل إلى تسوية، إذ إن عدداً كبيراً من سياساته غير العادية - كبيع حصص "أرامكو"، وإطلاق مشروع المدينة الجديدة بقيمة تصل إلى نصف تريليون دولار والمعروف باسم "نيوم" (من "نيو- مستقبل"، أي المستقبل الجديد)، وحتى احتجاز أمراء وبيروقراطيين رفيعي المستوى، في إطار حملة لمكافحة الفساد - تُعزى أساساً إلى حسابات مالية وليس فقط إلى المُثل العليا. ونظراً إلى هذا العنصر الواقعي القوي، فقد يسمح الأمير محمد بن سلمان في نهاية المطاف لقطر بالخروج من العزلة الإقليمية من خلال الاستثمار في خطة «رؤية السعودية 2030»، طالما تُقدّم البلاد تنازلات رئيسية بشأن دعمها للإسلاميين السياسيين.

ديفيد ب. روبرتس أستاذ مساعد في "كلية كينغز لندن" ومؤلف الدراسة، "قطر: تأمين الطموحات العالمية لدولة - مدينة".

ما بعد تجنب النزاع في سوريا

ما بعد تجنب النزاع في سوريا
تنبيه سياسي

ما بعد تجنب النزاع في سوريا

 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2017
كان من الضروري نشر بيان مشترك حول محادثات السلام بين الولايات المتحدة وروسيا بشكل سريع وذلك للتأكد من أن الوجود الإيراني المتزايد في البلاد لن يؤجج عودة الجهاديين.
في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر، قام الرئيس ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بإصدار بيان مشترك حول سوريا من مدينة دانانغ الفيتنامية حيث أعربا عن رضاهما عن المساعي المشتركة المعززة التي بذلت مؤخرًا لتجنب النزاع القائم. وذكر البيان أن هذه المساعي "سرّعت بشكل جذري الخسائر التي مني بها تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") على أرض المعركة خلال الأشهر الأخيرة"، ليستعرض بعد ذلك سلسلة من الخطوات التي بدأت شهر تموز/يوليو الفائت بهدف بتّ الحرب السورية.
إلا أن المعركة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" لم تنتهِ بعد بالرغم من الانتصارات التي سُجّلت على التنظيم في الموصل والرقة. إذ لم تعالج أيٌّ من الظروف التي أدت إلى قيام هذا التنظيم الجهادي، وأبرزها الدعم الإيراني للحكّام المستبدين كالرئيس السوري بشار الأسد والتوسّع السكاني الذي شهدته المناطق السنية الريفية المهمّشة. ومن الضروري الحفاظ على المكاسب المحققة في المعركة ضد "داعش" للحؤول دون معاودة تشكّل التنظيم كقوة متمكّنة. وقد أشار وزير الدفاع جايمس ماتين في تعليقٍ له تلى البيان المشترك إلى أن الولايات المتحدة لن تنسحب من شرق سوريا إلا متى باتت هزيمة "داعش" واضحة ودائمة. وصرّح للمراسلين الصحفيين قائلاً: "سوف نحرص على تأمين الظروف المؤاتية للحل الدبلوماسي"، وأضاف أن الهدف على المدى القصير يتمثل "بنزع السلاح من منطقة ومن ثم نزعه من منطقة أخرى، والاستمرار على هذا المنوال ومحاولة اتخاذ الخطوات التي تسمح للناس بالعودة..."
إيران في شرق سوريا
مع ذلك، تحجب المسائل الاستراتيجية آفاق التسوية الدبلوماسية المستدامة. فإذا ألقينا نظرة عن كثب على القوى التي تقاتل فعليًا تنظيم "الدولة الإسلامية" في شرق سوريا، نكتشف أن أكثر من 80 في المائة منها مدعوم من الحرس الثوري الإيراني على حد ما جاء في التصريحات العلنية الأخيرة الصادرة عن مستشار الأمن القومي هربرت رايموند ماكماستر. ومع أنه من الحكمة أن تتجنب الولايات المتحدة خوض أي ضربٍ من ضروب الحرب مع روسيا، إلا أنه لا يجدر بالسياسة الأمريكية أن تسمح لروسيا بإحكام القبضة الإيرانية على سوريا. فالفيديوهات التي تصوّر الميليشيات الشيعية وهي تحرر مدينة البوكمال الحدودية ذات الغالبية السنية الساحقة كانت محط إشادة من قبل وزارة الدفاع السورية باعتبارها انتصارًا جديدًا يحققه الأسد في محاولته استعادة "كل شبر" من الأراضي السورية، أي بمعنى آخر تحقيق نصر عسكري كامل.
إنّ اتفاقية تخفيف حدة التصعيد الموقعة بين موسكو وواشنطن وعمان في السابع من تموز/يوليو - وليس المساعي الأمريكية والروسية لفض النزاع - هي التي فتحت الباب أمام الرئيس الأسد وإيران – لا أمام المعارضة المعتدلة – لقيادة المعركة ضد "داعش". وصحيحٌ أن تراجع الدعم العسكري الأمريكي للثوار نتيجةً لتلك الاتفاقية أدّى إلى الحد من إراقة الدماء وتحسين إمكانية نفاذ المساعدات الإنسانية إلى تلك المنطقة، إلا أنه خلّص نظام الأسد من أحد التهديدات المحدقة به. فالجنوب السوري تحديدًا هو الطريق الاعتيادي للاجتياح نحو دمشق، وهو نقطة ضعف لدى الأسد سيما وأن جريمة تعذيب المراهقين هناك هي التي أطلقت شرارة الحرب الأهلية السورية منذ ستّ سنوات. في المقابل، أتيح لجحافل الأسد المدعومة من إيران أن تنتشر على مساحة غير مسبوقة من الأراضي السورية، وهي مساحة تنوي طهران تحويلها إلى "جسرٍ بري" بهدف توسيع جسرها الجوي نحو مطار دمشق.
وإذ أقرّ بيان الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر بمخاطر هذا التوسع الإيراني، فقد "رحّب" بمذكرة المبادئ التي وقّعتها الولايات المتحدة وروسيا والأردن قبل ثلاثة أيام للاتفاق على "تقليل عدد القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب حتى الجلاء النهائي لها" من جنوب سوريا. لكن الجهود المبذولة منذ صيف 2017 لإخراج الجماعات المدعومة من إيران من حدود الجولان – عبر تنفيذ اعتداء كبير على القوات الإسرائيلية خلال الحرب – أرجعها للأسف قرابة الستة أميال فقط إلى الوراء وفق ما أفيد. وهذا ليس الطوق الأمني المطلوب لتهدئة المخاوف الإسرائيلية من قيام جبهة أخرى في محافظة القنيطرة تكون مشابهة لجبهة جنوب لبنان. ومن المستبعد أيضًا تطبيق مبدأ "التقليل حتى الجلاء النهائي" نظرًا إلى دعم الأسد للوجود الروسي والإيراني في البلاد، في الوقت الذي لم تحظَ فيه القوات الأمريكية وحلفاؤها بأي دعوة مماثلة وبالتالي فهي لا تتمتع بالسلطة اللازمة لضمان مصالحها. وهذا خللٌ لا بد من معالجته.
بالنظر إلى الضعف الشديد الذي أصاب الجيش العربي السوري جرّاء الحرب، فإن بقاء الأسد في السلطة سيعني تواجدًا كثيفًا لإيران في المستقبل المنظور. والأبرز في هذا السياق هو أن البيان الأخير يصف قرار مجلس الأمن رقم 2254 بالسبيل إلى السلام، ولكن هذا القرار يفتح أمام الأسد عدة طرقٍ للبقاء في الحكم، وهذه حصيلة لا يجدر بواشنطن قبولها.
هذا والموقف الرسمي الأمريكي متجذّر في بيان جنيف الذي تم التفاوض عليه في حزيران/يونيو 2012. لكن تلك الوثيقة تفتح المجال ضمنيًا أمام الأسد للبقاء في السلطة، حيث نصّت في جزئها الثاني على أن إحدى "الخطوات الرئيسية" "لأي تسوية" للأزمة تتمثل بتشكيل "هيئة حكم انتقالية" تمارس "كامل السلطات التنفيذية" وتهيّئ "بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية"، و"يمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، ويجب أن تُشكّل على أساس الموافقة المتبادلة". فقد شجّع هذا الغموض روسيا على إتاحة إشراك الأسد في هيئة الحكم الانتقالية مع الحفاظ على التزامها بالبيان فيما شجّع الولايات المتحدة على التصدي لذلك. ومن هنا، فإن الهدف من المحاولات الروسية لتنظيم عمليات موازية في أستانا وسوتشي ليس التحايل على جنيف بقدر ما هو استغلال هذه الثغرة. أما قرار مجلس الأمن 2254 فيشتمل من جهته على بيان جنيف إنما يضم أيضًا خطوات كانت سابقًا خطة إيرانية من أربع نقاط وهي: وقف فوري لإطلاق النار، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء تغييرات دستورية، وإجراء انتخابات تحت المراقبة.
الانتخابات السورية والدور الأمريكي
ينص بيان الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر على "انتخابات حرة وعادلة تحت إشراف الأمم المتحدة تستوفي أعلى معايير الشفافية الدولية وتشمل جميع السوريين بمن فيهم الجالية المؤهلة للمشاركة في الانتخابات". لكن المشكلة هي أن القانون الذي يرعى الانتخابات السورية لا يجيز حاليًا التصويت إلا للمواطنين الحاملين تأشيرات خروج صالحة، أو لأقلية من المواطنين الذين لاذوا بالفرار خارج الحدود السورية خوفًا على حياتهم.
وعلى النحو نفسه، يجب على واشنطن أن تضغط على موسكو لحث حليفها السوري على اعتماد قانون انتخابات تحرري يتيح لكافة المواطنين السوريين في بلدان الاغتراب أن يشاركوا في التصويت. وفيما تشارف جولة جديدة من محادثات جنيف على الانطلاق في 28 تشرين الثاني/نوفمبر في أعقاب لقاء للمعارضة في الرياض، ينبغي على الولايات المتحدة أن توضح أنها لن تؤيّد أي عملية انتخابية يشارك فيها الأسد بما أن هذا التأييد يمنحه ضمنًا الشرعية، وإلا كان فوز الأسد مضمونًا وحافظت إيران على مكانتها القوية في البلاد. وسوف تزيد هذه العوامل احتمال حدوث اشتباكات إيرانية إسرائيلية في المستقبل وتعيق الاستقرار الوطني وتعزز الظروف التي أتاحت تنامي تنظيم "الدولة الإسلامية" في المقام الأول.
تابلر هو زميل "مارتن غروس" في برنامج معهد واشنطن حول السياسة العربية. وهو مؤلف كتاب "في عرين الأسد: رواية شاهد عيان عن معركة واشنطن مع سوريا

الحقيقة وراء حساب الموساد على تويتر

الحقيقة وراء حساب الموساد على تويتر

الحقيقة وراء حساب الموساد على تويتر

هناك آلاف المتابعين لحاسب تويتر The Mossad‏. هل لدى جهاز الاستخبارات السرية الإسرائيلية حساب بالفعل؟ وما هي المعلومات التي يشارك الجهاز متابعيه بها؟


هل يغرّد الموساد في تويتر؟ (المصدر/Guy Arama)




يظهر شعار "جهاز الاستخبارات والوظائف الخاصة"، جهاز الاستخبارات الإسرائيلي العريق في حساب تويتر. وقد كُتب في الصفحة الرئيسية من صفحة theMossadIL: "الموساد هو جهاز استخبارات إسرائيلي مشهور"، ويسمح القائمون على الصفحة، وفق ادعائهم، بالوصول إلى عملاء الجهاز والقيام بنشاطات سرية خاصة بالجهاز المميّز. فُتِح الحساب في عام 2016، وهناك ادعاء أن التغريدات تُكتب في إسرائيل وباللغة الإنجليزية فقط.‎ 



حتى الآن، هناك نحو 24 ألف متابع لهذه الصفحة، في حين أن الصفحة ذاتها تتابع حساب تويتر واحد: الحساب الخاص بالمهرّجة اليهودية الأمريكية، روزان بار (‏Roseanne Barr‏).
مَن يتابع باهتمام التغريدات في الحِساب يدرك سريعا أن الحديث يجري عن حساب موال لإسرائيل ويتطرق غالبًا إلى مواضيع سياسية، مثل محاربة منظمات تدعو لمقاطعة إسرائيل، تنفيذ عمليات إرهابية أو شن هجوم على إسرائيل. ولكن تُكتب التغريدات غالبًا بشكل فكاهي ومسل. مثلا، بتاريخ 17 تشرين الأول 2016، وردت التغريدة التالية في الحِساب: "جهاز غلاكسي 7 الجديد على وشك الانفجار. مع كل التواضع، نوضح أن هذه التكنولوجيا كانت قيد الاستخدام لدينا منذ عام 1972". وهناك عرض لمقطع فيديو يُظهر أفيال وهي تنجز هبوطا حرا وتظهر فيه الكتابة: "إنهم يتدربون على الهبوط الحر. تعرّفوا إلى عملائنا الجدد".
ولكن لا تظهر في هذا الحساب علامة المصادقة الخاصة بتويتر (V) باللون الأزرق، التي تشهد على أن الحساب تابع للجهاز الذي يمثله وتؤكد هذه الحقيقة على أنه حساب مُزوّر.
ردا على ذلك، قال "الموساد" إن "جهاز الاستخبارات والوظائف الخاصة لا يملك حساب تويتر".
بالمناسبة، تدير جهات الاستخبارات الكبيرة حساب تويتر. مثلا، وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (‏CIA‏)، لديها حساب رسمي ومصادق عليه ويتابعه 2.22 مليون مستخدم. يشغّل الموساد موقع إنترنت رسمي يمكن التواصل عبره معه. ورد في صفحة "اتصل بنا" أن "هذه الاستمارة معدّة للتعبير عن رأيك في مواضيع ذات صلة بالموقع ومواضيع متعلقة بأمن الدولة.

The US President has lifted the ban on elephant trophy hunting. We have no choice but to deploy our Mutant Pachyderm Division in self defense. Fly, our pretties! pic.twitter.com/20XruNkTfT