Wednesday, February 6, 2019

روسيا في الشرق الأوسط: هل هناك مرحلة نهائية؟

روسيا في الشرق الأوسط: هل هناك مرحلة نهائية؟
صفحات رأي ومقالات

روسيا في الشرق الأوسط: هل هناك مرحلة نهائية؟

 "سينترال إيشيا بروغرام" (برنامج آسيا الوسطى)
كانون الثاني/يناير 2019
دخل تدخُّل موسكو في سوريا عامه الرّابع. فَقَبْلَ التدخّل الذي بدأ في أيلول/سبتمبر 2015، سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمدة خمسة عشر عاماً على الأقل إلى إعادة روسيا إلى الشرق الأوسط. ومع ذلك، أدّى هذا التدخل إلى إعادة روسيا رسميّاً إلى موقعها كجهة فاعلة أساسية في الشرق الأوسط وجعل بوتين ذا نفوذ إقليمي.
في الواقع، لم تتوقّع إلّا قلّة قليلة في الغرب أن تتدخّل روسيا عسكريّاً في سوريا وتحمي الدكتاتور السوري بشار الأسد من سقوطٍ وشيك، وخاصة بعد تراجع اقتصادها وتورّطها المسبق في حرب في أوكرانيا. ويختلف التدخل نفسه أيضاً عن سلوك الكرملين المعتاد. فقد كان هذا الانخراط العسكري المحدود المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدبلوماسية القسرية والعامل مع الشركاء الإقليميّين، هو حملةَ قصف جوي وقوّةً بحريّة، عوضاً عن معركة تقليدية تدعمها قوات برّيّة. ولذلك، طرح للمحللين وصانعي السياسات الغربيّين أسئلة لا حصر لها، وربما كان أكثرها تواتراً: ما هي المرحلة النهائية [أو نهاية اللعبة] لروسيا في الشرق الأوسط؟
لكن، من منظور الكرملين، لا تزال اللّعبة مستمرّة وليس لها نهاية محددة. ويهتم الكرملين أساساً باستمراريّته الخاصة، التي يعتبرها مرتبطة ارتباطاً جوهرياً بعلاقته مع الغرب - وتخلط موسكو الخط الفاصل بين السياستين الخارجية والمحلية في سعيها إلى تبوّء مركز قوّة عظمى. ولبوتين أهداف عديدة في الشرق الأوسط، لكن أساساً، يتمثل الهدف وراء تدخله في سوريا في قلب النظام العالمي الذي تترأسه الولايات المتحدة. وتتشارك أنشطة الكرملين في جميع أنحاء المنطقة الهدف نفسه وهو: تقويض [مكانة] الولايات المتحدة وتعزيز مركز موسكو في المنطقة من خلال ردع الغرب والحفاظ على صراع منخفض الحدّة. وهذه هي العدسة التي يجب أن يرى من خلالها صانعو السياسات أنشطة موسكو. وعوضاً عن البحث عن مرحلة نهائية للّعبة يتعادل فيها الجميع في اتخاذ القرارات بانفراد، يتعيّن على صانعي السياسات التركيز على مجابهة النفوذ السلبي للكرملين. فعلى الرغم من الصعوبات العديدة التي تواجهها موسكو، إلا أنها تتمتع بسلطة على البقاء في المنطقة ولن يتلاشى نفوذها من تلقاء نفسه في أي وقت قريب.
سبب أهمية الشرق الأوسط بالنسبة لموسكو
لطالما كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ذات أهمية بالنسبة للحكام الرّوس. ويوفّر هذا السياق الإطار المناسب للأنشطة الحالية للكرملين. فلقد تمتعت منطقةَ شرق البحر الأبيض المتوسط بأهمية للرّوسُ الكييفيّين، اللذين ادعت الدولة الروسية في بدايتها بأنهم سلفها، إذ تصوّرت الدولة نفسها على أنها وريثة القسطنطينية، أي "روما الثالثة"، وأنها تتولّى مهمّة التبشير الإلهية بالأرثوذكسية الشرقية.
واستمرّت المصالح الدّينية في روسيا الإمبراطورية، التي استخدمت أيضاً الشرق الأوسط كحلبة لمنافسة الغرب وتأمين الوصول البحري إلى البحر الأسود والبحر المتوسط سعياً لتبوّء مركز قوة عظمى. إن تدخّل بوتين في سوريا فريد من نوعه، لكنه ثاني غزو روسي رئيسي في بلاد المشرق منذ عام 1772. واضطلع الاتحاد السوفييتي بدور رئيسي في الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة، في محاولته إحباط مصالح الولايات المتحدة في مجالي الطاقة والتجارة في المنطقة. ثمّ تراجعت روسيا لفترة وجيزة من الشرق الأوسط في عهد بوريس يلتسين في تسعينيات القرن الماضي، ولكن حتى في ذلك الوقت لم تغادر بالكامل.
وفي فترة ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تلازم السعي وراء تبوّء مركز القوة العظمى مع الرغبة في المعاملة المتساوية من قبل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد تم توضيح ذلك في الاجتماع الذي انعقد في نيسان/أبريل 1996 بين بيل كلينتون وبوريس يلتسين. فوفقاً لأرشيفات رُفعت عنها السرية مؤخراً، دخل يلتسين الاجتماع غاضباً ظنّاً منه أنّ الولايات المتحدة كانت تحاول تهميش روسيا في المنطقة. واستخدم كلينتون مصطلح "شراكة متكافئة"، التي بدت أنها تهدئ يلتسين، وقال إنّ بإمكان روسيا الاضطلاع بدور مهمّ من خلال نفوذها على سوريا و«حزب الله».
نهج بوتين تجاه المنطقة
ما إن خَلَفَ بوتين الرئيس السابق يلتسين، عمل بصورة ثابتة ومنتظمة لإعادة روسيا إلى الشرق الأوسط. وأصبح نهج بوتين تجاه المنطقة امتداداً لرؤية [رئيس وزرائه] بريماكوف المتمثلة بعالم "متعدّد الأقطاب". وبالفعل، كان بريماكوف هو الذي قاد يلتسين إلى الاعتقاد، قبل اجتماعه مع بيل كلينتون في نيسان/أبريل عام 1996، بأنّ الولايات المتّحدة كانت تحاول تهميش روسيا في الشرق الأوسط.
لقد كانت مصالح بوتين في المنطقة سياسية في المقام الأول، ولكنّها كانت اقتصادية أيضاً. فقد حدّد "مفهوم السياسة الخارجية" لروسيا في كانون الثاني/يناير عام 2000 أولويات موسكو في الشرق الأوسط على أنّها "استعادة المراكز وتعزيزها، لا سيما تلك الاقتصادية"، وأشار إلى أهمية مواصلة تطوير العلاقات مع إيران. وأبرزت الوثيقة ذاتها "محاولات إنشاء هيكل علاقات دولية يقوم على هيمنة الدول الغربية المتقدمة في المجتمع الدولي تحت قيادة الولايات المتحدة". كما أن أحدث نسخة من هذه الوثيقة، من تشرين الثاني/نوفمبر 2016، سلّطت الضوء أيضاً على أهمية الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الروسية واعتبرت أنّ "التدخل الخارجي" (وهو تعبير مُلَطَّف للولايات المتحدة) هو سبب رئيسيّ لعدم الاستقرار في المنطقة. وتظهر هاتان الوثيقتان معاً استمرارية في تفكير الكرملين حول دور كل من روسيا والغرب في المنطقة.
وعلى عكس الاتحاد السوفييتي، لا يرتبط نظام بوتين بأيديولوجية ما، بل يعمل بدلاً من ذلك على بناء علاقات مع كل جهة فاعلة رئيسية في المنطقة والمحافظة عليها. ومن خلال جهود بوتين، استعادت روسيا نفوذها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، مبرهناً أنّ مقاربته البراغماتية تفوّقت على مقاربة الاتحاد السوفييتي التي ركّزت على الأيديولوجيا. وبذلك يوازن بوتين بين علاقاته الجيدة مع القوى السنية والشيعية، وكذلك مع إسرائيل، حتى بينما يفضّل القوى الشيعية المناهضة للولايات المتحدة في المنطقة.
استراتيجية منع الوصول/تحريم الدخول (A2AD)
حتى اليوم، اكتسبت موسكو نفوذاً هامّاً في المنطقة. فمن الناحية السياسية والدبلوماسية والعسكرية، يتعيّن على الولايات المتحدة الآن التعامل مع روسيا في الشرق الأوسط إلى درجة لم تضطر إليها منذ عقود. فمنذ بداية تدخّل موسكو، أشارت العمليات الروسية إلى استراتيجية لردع الغرب وحماية الأسد والأصول الروسية، بدلاً عن محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» باطراد. وبالتالي، قامت موسكو بنشر أسلحة متطورة مثل نظام الدفاع الجوي القصير المدى "بانتسير" ونظام الدفاع الجوي "ألماز آنتي S-400" المجهز بصواريخ أرض-جو (SAM) عالية الارتفاع في قاعدة حميميم الجوية، ثم في مدينة مصياف الشمالية الغربية، إلى جانب نظام "كراسوخا" الأرضي للحرب الإلكترونية (KRET Krasukha-S4). كما نشرت أيضاً نظام الدفاع الساحلي "باستيون K-300P P" ونظام الصواريخ البالستي "إسكندر 9K720". بالإضافة إلى ذلك، ووفقاً لما كتبه الخبير العسكري الروسي روجر مكدرموت، فإن نشر نظام "كراسوخاS4" كان مهماً أيضاً فيما يتعلق باختبار النظام الميداني في الظروف التشغيلية. وفي الواقع، كتب مكدرموت أنه منذ عام 2009، ظلت موسكو تستثمر باطراد في تحديث قدراتها الإلكترونية في الحرب مع الهدف الشامل المتمثل في تحدي "حلف شمال الأطلسي" («الناتو») بصورة غير متكافئة على حدود روسيا "وزيادة فرص نجاحها في أي عملية ضد الأعضاء الشرقيين في حلف «الناتو»".
إن عملية النقل الأحدث والأكثر إثارة للجدل التي قامت بها موسكو - لنظام "S300" إلى الجيش العربي السوري، بعد أن أسقط الجيش ذاته بوضوح طائرة استطلاع روسية من طراز "IL-20" والتي ألقت موسكو بلائمة إسقاطها على إسرائيل - تواصل طرح العديد من الأسئلة. لكن، إلى جانب هذه التفاصيل، أرسلت عملية النقل رسالة سياسية، إذ كانت تأكيداً على هيمنة روسيا الإقليمية. كما يتناسب الطراز "S300" مع استراتيجية منع الوصول/تحريم الدخول (A2AD) الشاملة، ومن المحتمل أن يمنح موسكو المزيد من النفوذ على الغرب وحلفائه.
وحتى اليوم، حققت موسكو نجاحاً جزئياً بواسطة مخططها العام الخاص باستراتيجية منع الوصول/تحريم الدخول (A2AD)، حيث لا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها قادرين على العمل. كما عززت هذه الاستراتيجية مبيعات الأسلحة الروسية باستخدام سوريا كحلبة اختبار وإعلان لأسلحتها. والأهم من ذلك، تُظهِر أنشطة موسكو التزاماً ثابتاً ونية لردع الغرب وبسط نفوذها في البحر الأبيض المتوسط. وفي الوقت نفسه، تلجأ موسكو إلى أساليب غير مباشرة بشكل متزايد، مثل استخدام مقاولين خاصين كالمجموعة الأمنية الخاصة "فاغر"، لكي تتمكّن موسكو من اللجوء إلى سياسة الإنكار بشكلٍ معقول.
البحث عن منفذ وصول بحري
في أعقاب "الربيع العربي"، صعّدت موسكو جهودها البحرية الشاملة. وفي 26 تموز/يوليو 2015، يوم البحرية الروسية، أعلن بوتين العقيدة البحرية الروسية حتى عام 2020. كما حدّد هدف توسيع القدرات البحرية الروسية من المنطقة "الإقليمية" إلى "المياه الزرقاء العالمية". وبعد عامين، أعلن بوتين العقيدة البحرية الروسية الجديدة التي ردّدت هذه الأفكار. وفي أفضل الأحوال، سيستغرق تحقيق طموحات موسكو في الوصول إلى المياه الزرقاء سنوات عديدة. فقد كان بناء السفن عبر التاريخ من بين أكثر القطاعات فساداً في المجمع الصناعي العسكري الروسي. وعانت البحرية الروسية من مشاكل أخرى متعددة، مثل المرافق التي عفا عليها الزمن، كما فاقمت العقوبات الغربية هذه الصعوبات.
ولكن لا ينبغي استبعاد البحرية الروسية. وتتجلّى إحدى الطرق التي تستطيع موسكو من خلالها التغلب على هذه الصعوبات بتأمين الوصول إلى منفذ بحري يسمح باستخدام السفن الأصغر حجماً - أو على الأقل الوصول إليها. وفي الواقع، تواصل موسكو سعيها المتواصل للوصول إلى منفذ بحري في المنطقة. وفي كانون الأول/ديسمبر 2017، وقّع بوتين قانوناً لتوسيع قاعدتي طرطوس وحميميم من أجل ترسيخ الوجود "الدائم" لروسيا في سوريا. وإلى جانب موانئ سوريا، تتطلع موسكو إلى مصر وليبيا، وكذلك إلى شمال أفريقيا على نطاق أوسع. إن تأمين الوصول إلى منافذ بحرية - بدلاً من الاستثمار في بنائها - هو نهج عملي وفعّال من حيث التكلفة.
وعلى الرغم من مشاكلها المتعددة، قامت البحرية الروسية بتحسينات منذ عام 2008. إن جهود موسكو للسيطرة على البحر الأسود تؤتي ثمارها، ومن هناك يمكن أن تُظهر نفوذها في الشرق الأوسط والبحر المتوسط وفيما يتخطى ذلك. وفي الواقع، بإمكان موسكو الآن نشر قوة دائمة في شرق البحر الأبيض المتوسط. بالإضافة إلى ذلك، يكون مجرد وجود [أي قوّة] مهمّاً في بعض الأحيان، كما هو الحال مع حاملة الطائرات الروسية "كوزنيتسوف" في سوريا. وتهدف موسكو إلى تحقيق التفوق البحري في البحر الأسود وشرق البحر الأبيض المتوسط، وفي السنوات الأخيرة، تحدث المسؤولون الروس بشكل متزايد عن البحرية الروسية في سياق الردع غير النووي. وربما أكثر من ذلك، تظهر خطوات موسكو تصوّرها المستمرّ عن تهديد حلف «الناتو» والرّغبة في ردع الغرب. وتستمرّ هذه النية في التأثير على أنشطة موسكو في الشرق الأوسط، حيث تعمل بشكل منهجي على منع الوصول إلى البحر الغربي.
حلفاء الولايات المتحدة يتحوّطون في رهاناتهم
لا يزال الأسد في السلطة واثقاً من دعم موسكو وطهران له. وفي هذا الصدد، ضَمَن بوتين الوجود العسكري الروسي الدائم في سوريا في السنوات التسعة والأربعين القادمة على الأقلّ، وعزّز مبيعات الأسلحة الروسية في المنطقة. ولا تُظهر شراكة موسكو مع إيران أي علامات انكماش، إذ إن مصلحتهما المشتركة في معارضة الولايات المتحدة لا تزال تتجاوز ما بينهما من خلافات. وفي الواقع، تقوم استراتيجية موسكو بأكملها في سوريا على شراكة مع الجمهورية الإسلامية التي تتحمل الجزء الأكبر من التكاليف في سوريا.
ولا يزال حلفاء أمريكا في المنطقة يشعرون بعدم اليقين بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة ويتحوّطون في رهاناتهم. وبالنسبة لبوتين، يحمل إشراك الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة فوائد متعددة. ويشكّل ذلك جزءاً من سياسته الصديقة مع الجميع وسياسة الحَكَم النهائي التي تصبّ في مصلحته السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تقرّبت مصر وتركيا من موسكو.
لقد غيّرت تركيا رأيها منذ فترة طويلة واعتمدت موقف بوتين تجاه الأسد، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى خوف أردوغان من القومية الكردية، ذلك الخوف الذي تثيره علاقات موسكو الطويلة الأمد مع الأكراد. ومن جهة أخرى، يعود ذلك إلى معاداة أردوغان للغربَ. وليس من قبيل المصادفة أن يفتتح «حزب الاتحاد الديمقراطي» مكتباً في موسكو في شباط/فبراير 2016، خلال فترة الجمود المؤقت التي مرّت بها العلاقات الروسية-التركية، بعد أن أسقطت الحكومة التركية طائرة روسية في أواخر عام 2015. بالإضافة إلى ذلك، يعلم أردوغان أن باستطاعة بوتين إطلاق العنان لتدفق السياح الروس أو منعه، الذي هو مهمّ جدّاً لاقتصاد تركيا. إن نقاش أردوغان المستمر حول شراء نظام الدفاع "S-400" من موسكو، بغض النظر عمّا إذا كان سيؤدي إلى عمليّة نقل فعلية، يدلّ على تحوّل موقف تركيا من بوتين، الذي يمتلك نفوذاً أكثر من أردوغان بدلاً من العكس.
أمّا مصر فقد كانت حجر الزاوية لسياسة الأمن الأمريكية في المنطقة لعقود من الزمن، ولكنّ بوتين نجح في جذب القاهرة إلى مداره من خلال الأسلحة والطاقة النووية، والصفقات الاقتصادية، في حين يساهم السياح الروس بشكل ملحوظ في الاقتصاد المصري. وفي أيلول/سبتمبر 2016، وصف وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو مصر بأنها أهم شريك لروسيا في شمال أفريقيا، ويجب على صناع القرار السياسي ألا يستبعدوا إمكانية قيام روسيا بقلب مواقف مصر.
وشكّلت الزيارة التاريخية للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لموسكو في تشرين الأوّل/أكتوبر 2017 دليلاً إضافيّاً على تزايد نفوذ بوتين في المنطقة. وتُعد اتفاقيات موسكو الأخيرة مع المغرب، بما فيها في مجال الطاقة النووية، مثالاً آخر على ذلك. كما أنها تسلّط الضوء على النطاق الجغرافي الاستراتيجي الواسع لأهداف بوتين في المنطقة. وخلال فترة رئاسة أوباما، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برحلات إلى موسكو أكثر من قيامه بزيارات لواشنطن، في حين أضافت دول الخليج حافزاً للتعاون مع موسكو بشأن أسعار النفط العالمية، بعد أن برزت الولايات المتحدة كأكبر منتج للنفط الخام في العالم. وقد ساهم نجاح موسكو في المنطقة في اندفاعها الراهن نحو دول الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
ماذا بعد في سوريا؟
بعد أن ساعد بوتين في ضمان انتصار الأسد، يتجه الرئيس الروسي نحو تحقيق الاستقرار في سوريا وفقاً لشروطه. وليس لدى روسيا موارد للإسهام في إعادة إعمار سوريا، وهي تعمل بنشاط على الضغط على الجهات المانحة المحتملة الأخرى، وعلى أوروبا بشكل أساسي، في محاولة لاستخدام قضية اللاجئين كوسيلة ضغط. لكن الغرب ككلّ ليس متحمّساً للمساهمة في إعادة إعمار سوريا، مما يترك خيارات غير غربية لروسيا. وللحصول على الموارد، ستحتاج موسكو إلى وضع جدول أعمال أوسع نطاقاً في المنطقة والعمل على انخراط الشركاء لإثبات التزامها طويل الأجل تجاه المنطقة.
ويبقى الكرملين متمسكاً بالتزاماته تجاه الأسد حيث عمل على تمكينه لسنوات. لكن، مع وجود الأسد في السلطة، وهو مجرم حرب مسؤول عن الغالبية العظمى من وفيات المدنيين في سوريا ونشأة الإرهاب هناك في المقام الأول، فإن احتمال اندلاع أعمال عنف سيلوح دائماً في الأفق. كما أن غالبية اللاجئين السوريين لا يريدون العودة إلى سوريا طالما بقي الأسد في السلطة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى مخاوف تتعلق بالسلامة. وفي المستقبل القريب، ثمّة احتمال حقيقي لاندلاع حرب بين إسرائيل وإيران في سوريا. وتأرجحت سياسة الولايات المتحدة بين قرار البقاء في سوريا ومواصلة العمل مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي تسيطر على الغالبية العظمى من احتياطيات النفط والغاز والبنية التحتية الحيوية في سوريا، وقرار مفاجئ من قبل الرئيس ترامب بالانسحاب من تلك البلاد.
وبالكاد بإمكان موسكو احتواء فرحتها من إعلان ترامب [عن قرار انسحابه]، لكن سرعان ما أعربت عن قلقها من عدم مغادرة الولايات المتحدة في النهاية. ويُظهِر رد الفعل هذا مدى أهمية السياسة الأمريكية في المنطقة وكم تريد موسكو رحيل الولايات المتحدة. ولا يؤدي قرار الانسحاب إلّا إلى الرفع من شأن موقف موسكو كدولة ذات نفوذ حاسم في سوريا. وكما أخبرني أحد كبار المسؤولين المصريّين، بأنّ "سوريا معركة من أجل المصداقية"، ويرى الكثيرون في المنطقة أن روسيا هي الفائزة. وفي هذا السياق، تُعدُّ ليبيا منطقة مهمّة أخرى لنفوذ الكرملين المتنامي، تلك البلاد التي يحتمل أن تظهر كنقطة محورية إذا كسبت موسكو مصداقية كافية في سوريا.
الخاتمة
من المفارقات أن روسيا كانت قوة عظمى ضعيفة نسبياً خلال معظم تاريخها. فالتوسع جلب الفقر لشعبها فضلاً عن انعدام الأمن المستمر للدولة. أما انتصاراتها في الحروب فغالباً ما جاءت بتكاليف أكبر بكثير من تلك التي تكبّدتها بلدان أوروبا الغربية. وحالت السلطوية دون التحرر الاقتصادي والسياسي الذي كان يمكن أن يؤدي إلى تحسينات معينة. لكنّ مساحة روسيا الهائلة وقدرتها على تعبئة قوة عسكرية مثيرة للإعجاب جعلتاها لاعباً سياسياً لا يستهان به. وفي أوقات ضعف الدولة الأكبر، غالباً ما يصبح الكرملين أكثر عدوانية في الخارج ليساعد في دعم الشرعية المحلية، في حين أن البحث عن مكانة القوة العظمى قد أثّر في أنشطة موسكو منذ تأسيس روسيا كدولة. يجب على المحلّلين الذين لا يولون لروسيا اهتماماً باعتبارها مجرد دولة ضعيفة أن يفكّروا مليّاً بهذا المنظور.
وفي الشرق الأوسط، كانت لدى بوتين خطة منذ البداية، لكنّه ظلّ مرناً ومتكيفاً أيضاً مع الظروف. وبشكل عام، حقق العديد من الأهداف الرئيسية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الانخراط المحدود للغرب والتزامه الخاص. إلّا أن مغامرة بوتين في سوريا لم تصل بعد إلى نهايتها. ولكن حتى يومنا هذا، تمكّن بوتين من التفوق على الولايات المتحدة إلى حد كبير.
ويشير الكثيرون إلى أن روسيا في عهد بوتين لا تستطيع توفير التنمية، التي هي علامة على قوة عظمى حقاً، على الأقلّ بالمعنى الغربي للكلمة. لكن من وجهة نظر الكرملين، تتلخّص اللعبة بالدرجة الأولى في البقاء في السلطة والتغلب على الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، فإن وجود حالة دائمة من الصراع ذو المستوى المنخفض، والذي يمكن السيطرة عليه في الشرق الأوسط، يعود بالنفع على موسكو، لأنه يستلزم وجودها، مما يعطي هذه الأخيرة وسيلة لتوليد الاعتماد على الكرملين من خلال إبقاء الصراعات دون حل. وقد استمالت موسكو المصلحة الذاتية لقادة المنطقة، الذين يشعرون بالراحة في التعامل مع بوتين، ويطمحون بالأسلحة الروسية، ويتحوّطون في مواجهة السياسة الأمريكية غير المستقرة. وعلى عكس أسس تعاملهم مع الولايات المتحدة، لا يوجد "قانون للممارسات الأجنبية الفاسدة" لتنظيم تعامل مسؤولي الشرق الأوسط مع موسكو. لذلك، حتى لو لم تنجح جميع خططها، ستستمر موسكو في التأثير في المنطقة، على حساب الاستقرار الإقليمي ومصالح الولايات المتحدة هناك. ويتمثّل المضاد الوحيد لنفوذ بوتين في الشرق الأوسط في التزام الولايات المتحدة القوي والمتسق بالمنطقة، مدعوماً بالاستخدام الموثوق للقوة عند الضرورة. وفي الواقع، عند الحديث عن نهاية اللعبة بالنسبة لموسكو، غالباً ما ينسى المحلّلون أنه كان للولايات المتحدة لسنوات طويلة دور خفي خاص بها. وإلى أن يتغير ذلك، ستظل روسيا برئاسة بوتين ملكة وحيدة العين في وادي المكفوفين.

 آنا بورشفسكايا هي زميلة أقدم في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط. وهي طالبة دكتوراه في "جامعة جورج ميسون"، وزميلة في "المؤسسة الأوروبية للديمقراطية". ويتم نشر تحليلاتها على نطاق واسع في "فورين أفيرز"، "ذي هيل"، "ذي نيو كريتوريون"، "ذي ميدل إيست كوورترلي"، و "فوربز". وهي مؤلفة دراسة المعهد لعام 2016، "روسيا في الشرق الأوسط".

خارطة الطريق النووية الإيرانية لعام 2019: تجاوُز حدود «خطة العمل الشاملة المشتركة»

خارطة الطريق النووية الإيرانية لعام 2019: تجاوُز حدود «خطة العمل الشاملة المشتركة»
المرصد السياسي 3670

خارطة الطريق النووية الإيرانية لعام 2019: تجاوُز حدود «خطة العمل الشاملة المشتركة»

 30 كانون الثاني/يناير 2019
مرّت ثلاث سنوات منذ بدء تنفيذ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، إلّأ أن ثمار الاتفاق النووي لم تُلَبِّ توقعات إيران العالية المستوى. لذلك، اشتدّت معضلة طهران: هل عليها تصعيد الوضع والرد بقسوة لردع الضغوط الأمريكية، أو كبح نفسها لمنع ظهور تحالف غربي موحد ضد إيران؟ وهل يكون ذلك النهج الأخير مستداماً في حين لم ينتج عنه إلا تعويضات اقتصادية محدودة من أوروبا حتى الآن؟
في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، لمّح أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي" الإيراني علي شمخاني إلى أن صبر إيران حول هذه الأمور بدأ ينفد، وإلى أن فرصة أوروبا قد "انتهت". ومع ذلك، يبدو أن النظام قد تجنب التصعيد الحاد في سبيل إيجاد حل وسط - وهو ردع الغرب من دون فسخ الاتفاق. ففي 22 كانون الثاني/يناير، دافع مدير "منظّمة الطاقة الذرّيّة الإيرانية"، علي أكبر صالحي، عن قرار البقاء في الاتفاق، لكنّه عدّد أيضاً خطواتٍ نووية مختلفة يتّخذها النظام لبعث "الرسالة الضرورية". وشدد على أن هذه الأنشطة ممكنة لأن "المحادثات النووية تركت الكثير من الخروقات في الاتفاق لتستغلّها إيران"، تماماً كما فعلت مع الاتفاقات والقواعد الدولية الأخرى.
المناورات الإيرانية النووية القادمة
إن «خطة العمل الشاملة المشتركة» هي وثيقة تتألف من 159 صفحة وتعرِض شبكةً معقّدة من القيود مع العديد من الثغرات وأوجه الغموض الفنية. وبالنظر إلى سجل طهران في استغلال هذه الثغرات، يمكن أن تتوقع الحكومات الأجنبية أن يتّخذ النظام الخطوات التالية نحو تعزيز نفوذه.
التشديد على حاجته إلى وقود المفاعلات المُثرى [المخصَّب] بنسبة 20 بالمائةإن تخصيب اليورانيوم لكي يحتوي على 20 في المائة من النظير الانشطاري اليورانيوم-235 يمثل معلماً حاسماً في الحصول على اليورانيوم عالي التخصيب اللازم لصنع أسلحة نووية. وتستخدم إيران أيضاً اليورانيوم المخصَّب بنسبة 20 في المائة لتغذية "مفاعل طهران للأبحاث" حيث تُنتج النظائر الطبّيّة - ما يشكّل أحد مصادر الاعتزاز للبرنامج النووي المدني في البلاد.
وبموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة»، يُحظر على إيران حاليّاً التخصيب إلى نسبة 20 في المائة وكان عليها تصدير مخزونها القائم من هذا اليورانيوم إلى روسيا. ومع ذلك، يسمح الاتفاق أيضاً للنظام باستيراد كميات صغيرة منه تكون خاضعة لعمليات تفتيش دولية من أجل إنتاج أقراص [أو أوتاد] الوقود. وقد تأمل إيران في تبرير خرقٍ مستقبلي لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة» بإعلانها أن العقوبات الحالية تمنعها من الحصول على هذه المادة، مدّعيةً أنها بحاجة إلى إنتاج اليورانيوم المخصَّب بنسبة 20 في المائة بنفسها لتلبية احتياجاتها.
وفي الآونة الأخيرة، تعمّد صالحي استخدام لهجة غامضة للإعلان عن أن إيران "تعمل على" تصميمٍ محدَّث لوقود المفاعلات الخاص بها. كما أشار إلى أنه في حين لا يحتاج النظام إلى التخصيب لنسبة 20 بالمائة في الوقت الحالي، فقد يختار تخزين اليورانيوم بهذا المستوى إذا لزم الأمر.
تعزيز مشروع الدفع النووي البحري الإيراني. منذ عام 2012، اقترحت طهران بأنها قد تحتاج إلى إنتاج سفن وغواصات تعمل بالوقود النووي لأن العقوبات أرغمت أسطولها البحري على البحث عن مصادر بديلة للوقود. وقد تتضمن تصميمات النظام لمثل هذه المحركات مفاعلاً مزوّد بيورانيوم عالي التخصيب (أربعة من الأساطيل الستة في العالم التي تمتلك مفاعلات لأغراض الدفع النووي تستخدم يورانيوم عالي التخصيب). وحالياً، تحظر «خطة العمل الشاملة المشتركة» على إيران إنتاج يورانيوم عالي التخصيب لأغراض الدفع النووي.
وفي العام الماضي، بدأت طهران بإعادة التأكيد على المشروع في أعقاب سياسات الضغط التي يتبعها الرئيس ترامب، بتقدمها خطوة إلى الأمام من خلال تنبيه "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بشأن قرارها "الذي تم اتخاذه فيما يتعلق بالتشييد لأغراض الدفع النووي البحري في المستقبل." ويقيناً، أنها أخبرت الوكالة أنه لن يتم إشراك أي مرفق في المشروع للسنوات الخمس القادمة؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن أي جهود من هذا القبيل ستواجه عقبات اقتصادية وفنية هائلة. بيد، بإمكان طهران الاستمرار في استخدام المشروع لردع الغرب دون خرق الاتفاق - على سبيل المثال، عن طريق تغيير إعلانها لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بين عشية وضحاها، والإعلان أنه سيتم إحراز تقدم ملموس في هذا المشروع في المستقبل القريب.
اتخاذ جميع الخطوات المسموحة لإعادة تشغيل البرنامج النووي وبسرعة. منذ تنفيذ «خطة العمل الشاملة المشتركة» للمرة الأولى، أشار المسؤولون الإيرانيون مراراً وتكراراً إلى إحدى توجيهات المرشد الأعلى علي خامنئي لإعداد برنامج نووي للنهوض سريعاً إذا ما انسحبت إيران من الاتفاق. إلا أن صالحي حدد هذه الجهود في الملاحظات التي أدلى بها في 22 كانون الثاني/يناير، موضحاً أن "منظّمة الطاقة الذرّيّة الإيرانية" قامت بالتحضيرات اللازمة لاستئناف التخصيب بقدرة أكبر، وأنها ستخزّن أكثر من ثلاثين طنّاً من الكعكة الصفراء في منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان. ثم تابعت إيران تعهّدها الأخير في الثلاثين من كانون الثاني/يناير الحالي - وهي خطوة حاسمة نحو ضمان امتلاكها ما يكفي من المواد الخام إذا انهار الاتفاق. ولكن في الوقت نفسه، من المحتمل أن تواجه طهران تحديات فنية كبيرة في إعادة تشغيل البرنامج، على غرار التحديات التي واجهتها قبل «خطة العمل الشاملة المشتركة».
كما طمأن صالحي وسائل الإعلام الإيرانية بأن طهران خدعت الغرب عبر استيراد أنابيب معدنية مشابهة لأنابيب مفاعل "أراك" التي تمت تعبئتها بالإسمنت بموجب الاتفاق النووي - وهو تنازلٌ انتقده المتشددون كثيراً في ذلك الوقت. ويبدو أن هذه المشتريات تمت قبل تنفيذ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، لذلك فهي لا تشكّل خروقاتٍ على الرغم من انتهاك روح الاتفاق. وفي الواقع، أشار صالحي إلى أن طهران قد أَبلَغت "الوكالة الدولية للطاقة الذرّيّة" عن الأنابيب الجديدة (ولا تذكر وثائق الوكالة المتاحة للجمهور هذه المسألة).
لدى صالحي سجل حافل في تقديم ادعاءات تدعو إلى الشك، ومع ذلك، على "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" وأجهزة الاستخبارات الأجنبية أن تدرس تصريحاته بعناية. كما لا بد من إثارتها في الاجتماع المقبل الخاص بـ"اللجنة المشتركة"، وهي الهيئة المسؤولة عن مناقشة قضايا تنفيذ «خطة العمل الشاملة المشتركة».  
تمجيد التطورات النووية الصغيرة. بالغ المسؤولون الإيرانيون في بعض الأحيان [في تضخيم] التحسينات النووية الطفيفة من أجل إقناع المتشددين والجمهور الأوسع بأن البرنامج يتقدم على الرغم من «خطة العمل الشاملة المشتركة». وفي نيسان/أبريل 2018، كَشف النظام النقاب عمّا لا يقل عن ثلاثة وثلمانين مشروعاً نووياً جديداً خلال "اليوم الوطني للتكنولوجيا النووية"، لكن معظمها كان غير ذي أهمية من منظور الانتشار النووي. وبينما تقترب إيران من الاحتفالات بالذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في شباط/فبراير، يمكن للمرء أن يتوقع إعلانات مماثلة تهدف إلى حشد الجمهور حول علم "المقاومة" النووية، بما في ذلك الادعاءات عن التحسينات في أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وافتتاح مناجم جديدة لليورانيوم، وخطط لبناء مفاعلات جديدة.
الخرق المتعمَّد لـ«خطة العمل الشاملة المشتركة» من خلال تجميع فائضٍ من المواد النووية "عن طريق الخطأ". في مقابلةٍ جرت في تشرين الثاني/نوفمبر مع "مجموعة الأزمات الدولية"، صرح دبلوماسيٌّ إيرانيٌّ رفيع المستوى لم يُذكر اسمه أنه "إذا ردّ النظام على الوتيرة البطيئة لتخفيف العقوبات من خلال الإفراط في إنتاج اليورانيوم المُثرى"، لكانت أوروبا أكثر فعالية في مساعدة طهران. ووفقاً لهذا المنطق، قد تقرر طهران اعتماد نهجٍ قاسٍ، بالضغط على أوروبا من خلال إنتاج فائضٍ من المواد النووية في حين تدّعي أنها فعلت ذلك دون قصد. وعلى عكس السيناريوهات السابقة، سيشكّل ذلك خرقاً واضحاً لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة».
فعلى سبيل المثال، يتعين على إيران الحفاظ على مخزونٍ لا يتجاوز 300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 3.67 في المائة، ولكن إذا تجاوزت هذه الحدود عن عمد، يمكن أن تنسب مسؤولية المخالفة بشكلٍ قابلٍ للتصديق إلى الأخطاء التقنية الصغيرة الملازمة لعملية تخصيب اليورانيوم الحسّاسة والمعقَّدة. وبالمثل، فإن مخزونها من المياه الثقيلة المسموح به هو 130 طنّاً مترياً، لكن على خلاف القيود المفروضة على اليورانيوم، لا يشكّل هذا الحد سوى كميّةً تقديريةً، وقد تجاوزها النظام بالفعل في الماضي. وإذا انتجت طهران مرةً أخرى فائضاً من الماء الثقيل لمفاعلاتها، فيمكن أن تقدّم عدداً من الأعذار التقنية لتبرير هذه الهفوة. ومن شأن هذه المخالفات أن تضع أوروبا أمام معضلة: فهل يجب أن تبقى صامتةً حيال انتهاكات إيران الصارخة لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة» وتحافظ على الاتفاق، أو أن تردّ بقسوة (كما قال بعض المسؤولين الأوروبيين) وتخاطر بالتسبب بتصعيدٍ أوسع نطاقاً؟
التداعيات السياسية
على مدى العقود القليلة الماضية، طوّرت طهران بمهارة برنامجها النووي، من خلال التمسك بتقدم تدريجي وتقليص الخطوط الحمراء المتغيرة للمجتمع الدولي. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية المتمثلة في استغلال الثغرات وبناء سرد للمقاومة حول أنشطتها النووية قد تسببت أيضاً في صعوبات كبيرة للجمهورية الإسلامية ولشعبها.
وبناء على ذلك، فإن تعزيز الالتزام بسياسة حافة الهاوية النووية في الأشهر المقبلة قد يشكّل سيفاً ذا حدَّيْن بالنسبة لطهران. ففي حين كان المسؤولون الأوروبيون يتعرضون للإبتزاز بسبب تقارير عن أنشطة إيران الإرهابية والتجسسية في القارّة، فقد لا يتعاطفون بعد الآن مع موقف طهران أو يتسامحون مع ألاعيبها، حتى لو استمرّوا في التطلع إلى الحفاظ على الاتفاق. وكان الرئيس ترامب يتطلع إلى إعادة توحيد التحالف الغربي ضد إيران، كما يواجه النظام العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية في الداخل، لذا قد يتبيّن أن اتباع النهج القاسي على المدى القريب قد يضر بأهدافه.

عومير كرمي هو مدير الاستخبارات في شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية "سيكسجيل" وزميل عسكري سابق في معهد واشنطن. وقد قاد سابقاً جهوداً تحليلية وبحثية في "جيش الدفاع الإسرائيلي" تتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط.

فهم مخاطر المناطق الآمنة التركية في سوريا

فهم مخاطر المناطق الآمنة التركية في سوريا

فهم مخاطر المناطق الآمنة التركية في سوريا


متاح أيضاً في English
31 كانون الثاني/يناير 2019
لقد مرّ شهرٌ تقريبًا منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، متسببًا بصدمةٍ لأعداء أمريكا وحلفائها وللمسؤولين الأمريكيين في إدارة ترامب على السواء. فقد كانت الخطوة التالية بالنسبة إلى واشنطن موضع نقاشٍ وتمعُّن كبيرَين. وتبقى المسألة مسألة بقاء ليس لشمال شرق سوريا وملايين الأشخاص هناك الذين حاربوا تنظيم "الدولة الإسلامية" وبنَوا ديمقراطيةً هشّة رغم كل المصاعب.
فقد اتفق ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان على أن خطوتهما التالية في سوريا سوف تتمثل بإنشاء ما يسمّى بـ "منطقة آمنة" تمتدّ إلى 20 ميلًا داخل الأراضي السورية. وقد أعلن أردوغان أن هذه المنطقة سوف تخضع لإدارة القوات التركية وأن تركيا قد نشرتآلاف الجنود على الحدود السورية تحضيرًا لهذا الإجراء. وبرر أردوغان هذه الخطوة متحججًا بضرورة وجود قوة ضخمة لمحاربة الإرهاب، مع أن حدود المنطقة المذكورة تبعد كلّ البعد عن الجيب الأخير لتنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا، حيث تستمر "قوات سوريا الديمقراطية" بانتزاع الأراضي الأخيرة المتبقية تحت سيطرة المجموعة.

ويشكّل مخططًا كهذا انحرافًا جذريًا عن السياسة التي ردعت تنظيم "الدولة الإسلامية" وأرست السلام والاستقرار في ما يقارب ثلث الأراضي السورية. وإذا تم السماح لأردوغان بالمضيّ قدمًا كما يأمل، فلن تكون هذه المنطقة المزعومة "منطقة أمان"، بل ممرّ موت.

وإن أول الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها إدارة ترامب من خلال النظر في هذه الفكرة هو الوثوق بمحاربة تركيا تنظيم "الدولة الإسلامية". فقد سبق ورفضت تركيا التحرك ضد هذه المجموعة الإرهابية في أوقات عزّها في عامَي 2014 و2015، فغضّت الطّرْف عن المقاتلين الأجانب الذين كانوا يعبرون حدودها. وتجدر الإشارة إلى أنّ المناطق التي يروّج لها المسؤولون الأتراك على أنها نموذج لهذه المنطقة الآمنة، هي في الحقيقة مناطق استحوذت فيها "هيئة تحرير الشام" التابعة لتنظيم "القاعدة" على مساحاتٍ ملحوظة في الأسابيع الأخيرة فحسب.
ويتّضح لأي شخص يتابع الأحداث الراهنة أنّ تركيا قد اتّخذت إجراءات أكثر قسوةً ضد "قوات سوريا الديمقراطية" - التي حررت أراضٍ سورية من قبضة تنظيم "الدولة الإسلامية" أكثر من أي جهة فاعلة في هذا النزاع – من تلك التي اتخذتها ضد أي من المجموعات الإسلامية التي تتخذ من سوريا قاعدةً لترهيب العالم. حتى أنّ القوات التركية أدرجت هذه الميليشيات العام الماضي كشركاء لها لغزو مدينة عفرين السورية الكردية، ما تسبب بتشريد مئات آلاف الأشخاص وعرّض من بقي في المدينة لأعمال النهب والقبض التعسّفي والاعتناق الديني القسري والعنف الجنسي.
وبعد أن عاد السلام لهذه المدينة وانتقل اللاجئون في جميع أنحاء سوريا إليها لبناء حياة جديدة، باتت عفرين الخاضعة للاحتلال التركي تذكّر سكّانها بالمدن الخاضعة لحكم "الدولة الإسلامية". فقد تمّ منع استخدام اللغة الكردية في الحياة العامة، كما أنّ المدنيين يتعرّضونللخطف والتعذيب بشكلٍ متكرر للحصول على فدية من أقربائهم. أمّا النساء فلا يمكنهنّ الخروج إلى الأماكن العامة من دون الالتزام بنظم اللباس الإسلامي الصارمة. وقد عمت رجال الميليشيا إلى الطلب من المسيحيين والعلويين واليزيديين، الذين كانوا يمارسون شعائرهم الدينية بفخر وبشكل علني، بأن يختاروا بين اعتناق الدين الإسلامي أو الهرب أو التعرّض للقتل. وقد سبق أن أقرّت وزارة الدفاع الأمريكية بأنّ غزو مدينة عفرين وسوء الحوكمة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات المدعومة من تركيا قد وفّرت لتنظيم "الدولة الإسلامية" ملاذًا آمنًا للتجمّع من جديد.
لذا لا يمكن للعالم أن يسمح بأن يتكرر ما حصل في عفرين مع 3.5 مليون شخص يعيشون حاليًا في شمال شرق سوريا. فتضمّ حدود "المنطقة الآمنة" التي يتحدث عنها أردوغان مساقط رأس جميع الأكراد والمسيحيين واليزيديين في سوريا تقريبًا، وكلها مجموعات تعرّضت لفظائع الدولة التركية منذ نشوء هذه الأخيرة. وليست عملية التوغل العسكري التي يقترحها إلا سياسة الاحتلال والتطهير العرقي نفسها، لكن تحت تسميةٍ جديدة.
ومن أجل تفادي إراقة المزيد من الدماء والحرص على الاستقرار في سوريا، قد يكون إنشاء منطقة آمنة دولية حلًا فعالًا، إذ يمكن أن تخضع هذه المنطقة لإدارة القوات الدولية التي تعمل أساسًا عن كثب مع "قوات سوريا الديمقراطية" وتفهم أهمية المجتمع الديمقراطي والتعددي والمتساوي الذي يحاول شمال شرق سوريا بناءه. ويمكن لـ "قوات سوريا الديمقراطية" أن تعمل مع هؤلاء الشركاء الدوليين ضمن حدود هذه المنطقة من أجل محاربة خلايا تنظيم "الدولة الإسلامية" النائمة – على غرار تلك المسؤولة عن الهجوم الدامي الذي وقع في منبج في وقت سابق من هذا الأسبوع – وإعادة إعمار المناطق المحررة في ما يسمح للمزيد من المواطنين السوريين المشردين أن يعودوا إلى ديارهم.
وسوف تتطلب الهزيمة المتينة لتنظيم "الدولة الإسلامية" جهودًا ملحوظة على مر السنوات بعد هزيمته من حيث الأراضي. وقد باشرت "قوات سوريا الديمقراطية" والمنظمات المدنية النظيرة هذا العمل في جميع أنحاء شمال شرق سوريا، إذ بدأت ببناء المؤسسات الديمقراطية وحماية الحرية الدينية والمساواة بين الجنسين وتعزيز الأمن المحلي والإعداد لحلّ توافقي للحرب السورية. لذا إنّ "منطقةً آمنةً" تركية الصّنع لن تساهم إلا في تحويل هذا السلام الذي تمّ إرساؤه بعرق الجبين إلى المزيد من سفك الدماء والفوضى. وإذا اقتنعت الولايات المتحدة بمزاعم أردوغان، فسيتبدد الأمل الوحيد بإعادة إرساء السلام في سوريا.

تقارير من السعودية وإسرائيل والكونغرس الأمريكي

تقارير من السعودية وإسرائيل والكونغرس الأمريكي

تقارير من السعودية وإسرائيل والكونغرس الأمريكي
تكهنات في سياسات الشرق الأوسط لعام 2019

 4 شباط/فبراير 2019
"في 31 كانون الثاني/يناير، خاطب دينيس روس، باربرا ليف، ودانا سترول منتدى سياسي في معهد واشنطن. وروس، هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في المعهد، وكان قد شغل عدة مناصب في أربع إدارات اأمريكية سابقة، وعاد مؤخراً من زيارة دامت شهر إلى إسرائيل والخليج. وليف هي زميلة متميزة في المعهد وسفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الإمارات، وقد عادت مؤخراً من رحلة استغرقت عشرة أيام في جميع أنحاء السعودية. وسترول هي زميلة متميزة في المعهد وموظفة أقدم سابقة في "لجنة العلاقات الخارجية" في مجلس الشيوخ الأمريكي. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم، بالإضافة إلى مقدمة من المدير التنفيذي للمعهد روبرت ساتلوف".

روبرت ساتلوف
مع حلول عام 2019، تجدر الإشارة إلى ثلاثة أمور خاصة بالوضع الراهن للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، أولها أن أمريكا تعيش منذ عامين تجربةً يتجادل فيها حزباها السياسيان الرئيسيان بشأن حصر دور الولايات المتحدة في المنطقة، وهو موقف غير مسبوق في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. والأمر الثاني هو أن البلاد تخوض سنتها العاشرة في تجربةٍ طالب خلالها الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا على السلطة من كلا الحزبين باتباع هذا النهج. أما النقطة الثالثة فهي أن دونالد ترامب يدخل عامه الرئاسي الثالث ولكنه لم يواجه بعد أزمة في الشرق الأوسط - وهو أمرٌ لابد وأن يواجهه كل رئيس أمريكي.
باربارا ليف
ما يلفت انتباه المرء عقب زياراته المتكررة إلى السعودية هو وتيرة التغيرات الاجتماعية الحاصلة في المملكة وعمقها. فقد أصبحت النساء يظهرن في الأماكن العامة ومكاتب العمل بشكل لم يكن يتصوّره أحدٌ قبل عامين أو ثلاثة أعوام فقط، وغالباً ما يجلسن في مجموعات مختلطة مع الرجال بينما يتركن وجوههن مكشوفة. إلا أن هذه التغيرات تترك تأثيراً نفسياً عميقاً على السعوديين - حتى أولئك الذين يؤيدوها يجدونها مربكة.
ويعزى الكثير من السعوديين في مدن مثل الظهران والرياض وجدة هذه التغيرات إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وهم مقتنعون بأن لا رجوع عنها. ويجادل مؤيّدو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي بأن الخصائص الديمغرافية تصب في صالحهم وأن الأشخاص الذين يقاومون الإصلاح ينتمون إلى شريحة سكانية أكبر سناً تزداد تهميشاً. كما أن بعضهم يصف الأمير محمد بن سلمان كأول شخص يواجه الأمور بشكل مباشر في المجتمع السعودي، مجادلين أنه على استعداد لزعزعة الوضع القائم وتحمّل مسؤولية العواقب بدلاً من تلطيف الحاجة إلى التغيير.
وفي الوقت نفسه، فإن الكثير من السعوديين يدركون جيداً الاحتقار الدولي الذي وصم المملكة بسبب مقتل جمال خاشقجي فضلاً عن مجموعة الخطوات المحلية والدولية المزعجة التي اتخذها الأمير محمد بن سلمان. ويميلون إلى الشعور بعدم الاستقرار والقلق بسبب تلك الانتقادات.
وعلى نطاق أوسع، أعرب شركاء الولايات المتحدة في المنطقة عن قلقهم المتنامي، بل حتى هلعهم بشأن الالتزام الأمريكي تجاه الشرق الأوسط. فإسرائيل تشعر بأنها وحدها في مواجهة إيران ومخطط النظام الإيراني ببناء منصة دفاع واستخبارات دائمة في سوريا. وفي بعض الحالات، أخذ هؤلاء الشركاء يتبنّون سياسات ويقيمون علاقات تتعارض بشكل واضح مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، مثل قيام دول الخليج بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع بشار الأسد دون قيد أو شرط.
وفي اليمن، من المحتمل أن ينهار الوضع هذا العام إلا إذا أصبحت إدارة ترامب معنية مباشرةً فيما يجري هناك. ولا تستطيع الأمم المتحدة القيام بذلك بمفردها، بصرف النظر عن الانطلاقة الجيدة لعملية السلام تحت قيادتها.
وفي العراق، قد تضرّ الديناميات السياسية بالجنود الأمريكيين المتبقين هناك نظراً إلى القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا. وإذا حدث ذلك، قد يشهد العراقيون تكرّر السيناريو الذي وقع بين عامَي 2010 و2011.
وفي الوقت نفسه، تساهم كثرة المناصب الشاغرة في السفارات الأمريكية والتبدلات المستمرة في الحكومة ووكالات الأمن القومي، في تضاؤل الانخراط العالي المستوى والمتبادل مع الأصدقاء والشركاء. فالعلاقة مع السعودية متّجهة نحو جمودٍ حاد في عام 2019، ويعود ذلك جزئياً إلى مشاكل هيكلية في النهج الذي تتبعه واشنطن. كما أن الحلفاء قد تُركوا في حيرة حول مَن يتحدث باسم الإدارة الأمريكية. وقد بلغ هذا الارتباك ذروته خلال الشهرين الماضيين حين وجّه مسؤولون أمريكيون مختلفون رسائل متناقضة كلياً حول موعد سحب القوات الأمريكية من سوريا وتحت أي شروط.
دانا سترول
نظراً لسيطرة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين على التوالي، سيكون من الصعب على المشرّعين الأمريكين إحداث تغيير جوهري في أيٍّ من سياسات إدارة ترامب في المنطقة. فالسيناتور جيم ريش (جمهوري من ولاية أيداهو) هو الرئيس الجديد للجنة العلاقات الخارجية، في حين أن السيناتور جيم إنهوف (جمهوري من ولاية أوكلاهوما) هو الرئيس الجديد للجنة الخدمات المسلحة. وصحيح أنّ اللجنة الأولى قادرة على العمل، ولكنّ ذلك يعتمد على الطريقة التي سيقرر رئيسها السيناتور ريش اعتمادها لإدارتها. فنجاح أي لجنة رهنٌ بجلسات استماعها وباستعداد أعضائها لإحراز تقدم جماعي بشأن القوانين الهامة. وقد أشار السناتور ريش إلى أنه لا ينوي عقد جلسات استماع تتعلق بقضايا الشرق الأوسط، وأن أي خلافات مع الرئيس ترامب ستتم مناقشتها على انفراد.
ويستدعي إقرار أي تشريعات هامة متعلقة بالسياسة الخارجية في الشرق الأوسط تأييداً من كلا الحزبين، الأمر الذي سيكون من الصعب تحقيقه إذا استمرت الأجواء الحزبية الحادة التي تهيمن حالياً. وفي هذا السيناريو، لن تحدث النسبة الكبرى من التشريع داخل لجان الشؤون الخارجية، بل داخل لجنة الخدمات المسلحة ولجنة المخصصات المسؤولتين عن السير بالبنود "الواجب إقرارها" على غرار «قانون تخويل الدفاع الوطني». وخير مثالٍ عن ذلك هو أحدث اتفاق بشأن مخصصات وزارة الخارجية الأمريكية. فمع أن مشروع القانون التوافقي هذا لم يصبح بعد قانوناً نافذاً، إلا أنه يحجب مساعدات التدريب العسكري عن السعودية ويواصل نمط إخضاع بعض المساعدات لمصر لشروط معينة.
وإذا لم يكن الكونغرس قادراً على التوافق حول التشريعات فيما يتخطى المجموعة المتنوعة من القوانين "الواجبة الإقرار"، من الممكن أن يسعى أعضاؤه منفردين إلى تأكيد مكانتهم بأشكالٍ أخرى، على غرار إصدار قرارات تعارض بيع الأسلحة وفرض شروط على المساعدات خلال عملية توزيع المخصصات، أو استغلال الترشيحات كعملية لممارسة الرقابة. ويمكن أيضاً أن يبحث الديمقراطيون في مجلس الشيوخ عن وسائل بديلة إذا تم منعهم من العمل من خلال الإجراءات النظامية في اللجان، على غرار إصدار التقارير وعقد جلسات سرية غير رسمية.
وفي الوقت الراهن، يناقش مجلس الشيوخ الأمريكي «قانون تعزيز أمن أمريكا في الشرق الأوسط»، بينما أعلن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب إليوت إنجل (ديمقراطي من ولاية نيويورك) أن جلسة الاستماع الأولى التي ستعقدها لجنته ستركّز على السياسة الأمريكية في شبه الجزيرة العربية.
بيد، هناك بعض المسائل تستدعي المراقبة عن كثب. ففيما يتعلق بإسرائيل، كانت جوانب مختلفة من العلاقة مثيرة للانقسام في التكتل الديمقراطي. وفيما يخص إيران، لطالما كانت مسألة تعزيز الإجراءات العقابية ضد النظام تلقى تأييد كلا الحزبين، ولكن هذا الإجماع تبدد في أعقاب انسحاب واشنطن بشكل فردي من الاتفاق النووي. وقد يحاول أعضاء الكونغرس إعادة هذا التوافق الحزبي على خلفية رعاية طهران للإرهاب، وبرنامج صواريخها البالستية، وسجل انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ولكن حتى هذه الخطوة ستكون صعبة للغاية نظراً للتباين الحاد في وجهات النظر بشأن الملف النووي. وفيما يتعلق بسوريا، كانت الجبهتان اليمينية واليسارية من مؤسسة السياسة الخارجية موحدتين إلى حدٍّ كبير بشأن معارضة إعلان الإدارة الأمريكية عن الانسحاب العسكري.
وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، صوّت الكونغرس على القضايا المتعلقة بالسعودية واليمن أكثر من أي قضية أخرى متعلقة بالسياسة الخارجية في الشرق الأوسط. وقد أدى تعامل الإدارة الأمريكية مع نزاع قطر في عام 2017 ومقتل خاشقجي في العام الماضي إلى قيام أعضاء من كلا الحزبين بتبنّي مواقف عدائية كوسيلة للتعبير عن قلقهم.
وأخيراً، حين أقرّ الكونغرس «قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات» عام 2017، فرض عقوبات واضحة وإلزامية على حكومات المنطقة التي تشتري أسلحة من روسيا أو تُوقّع معها اتفاقيات تجارية أو استخباراتية. فمع اتخاذ أمريكا خطوات ظاهرة للحد من دورها في المنطقة، توجّهت أنظار العديد من الدول نحو موسكو سعياً لملء الفراغ. ولذلك قد تضطر إدارة ترامب أن تقرر ما إذا كانت ستفرض عقوبات على هذه الدول - لا سيما وأن بعضها شريكٌ للولايات المتحدة - إذا ما سعت إلى عقد اتفاقيات أعمق مع روسيا.
دينيس روس
يحاول الأمير محمد بن سلمان استبدال الوهابية بالقومية سعياً منه لتعزيز شرعيته. وفي ضوء هذا التحوّل، ليس من المستغرب أن تكون المملكة قد جابهت الإدانة الدولية على حادثة خاشقجي بردّ فعل قومي. وكشفت الاجتماعات الأخيرة مع السعوديين عن شعور قوي بأن بلادهم تتعرض حصراً لاستهداف غير منصف في ظل انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها دول أخرى في المنطقة، بما فيها إيران.
وعلى الرغم من تفاوت آراء السعوديين حول طريقة تعامل ولي العهد مع الموقف الذي أثاره مقتل خاشقجي، إلّا أنه يُنظر إليه على النطاق العالمي تقريباً على أنه محور التغيير في المملكة. فالعديد من المسؤولين والمواطنين السعوديين مقتنعون بأنه بدون الأمير محمد بن سلمان، ستحاول "قوى الظلام" إبطال الإصلاحات الأخيرة وإثارة اضطرابات كبيرة.
وفي دلالة أخرى على التغيير، تضم اللجنة الدائمة لإصلاح النظام التعليمي الأمين العام لـ "رابطة العالم الإسلامي" محمد العيسى الذي يحقق خطوات مبتكرة ومفيدة في التعامل مع الأديان الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، يتم التساهل في "نظام الوصاية" السعودي حيث لم تعد المرأة بحاجة إلى موافقة الرجل للتقدم من أجل الحصول على وظيفة أو طلب قرض مصرفي.
يجدر بإدارة ترامب اتخاذ عدة خطوات لتحسين العلاقة مع الرياض لا سيما وأن الغضب يسيطر على الأجواء في "مبنى الكابيتول" (الكونغرس الأمريكي). يتعيّن عليها المطالبة بشفافية المحاكمات في مقتل خاشقجي، بالإشارة إلى تحمل الأمير محمد بن سلمان مسؤولية انحراف السياسة عن مسارها وأن يبيّن التغيير في تعاطي الحكومة مع المنشقين. ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يشجعوه أيضاً على العودة إلى مسيرته الإصلاحية السابقة، على الرغم من أن ذلك قد يكون صعباً في الوقت الذي لا تزال تُزجّ فيه الناشطات في السجون.
وفيما يتعلق بالكارثة الإنسانية في اليمن، يجب على الرياض أن تغيّر الرواية المتداولة عن الأحداث. فقد تم تشويه سمعة الأمير محمد بن سلمان بسبب ما يحدث، لكن الحقيقة هي أن الثوار الحوثييين يواصلون لعب دور رئيسي في استمرار الوضع على هذا الحال. لذا يجب على السعوديين اقتراح اتفاق محدود زمنياً لوقف إطلاق النار من جانب واحد - على أن يكون قابلاً للتمديد إلى أجلٍ غير مسمّى إذا تجاوب معه الحوثيون، وأن يتم تحميلهم المسؤولية إذا لم يفعلوا ذلك. وعلى الرغم من انتهاك الحوثيين مراراً الاتفاق المحدود لوقف إطلاق النار في الحديدة، فإن الاقتراح السعودي بتوسيع نطاق هذا الاتفاق قد ينجح في التأثير على وجهات النظر والواقع في اليمن.
وفي المقابل، يشعر مسؤولو الأمن في إسرائيل منذ بعض الوقت بأنهم يتعاملون بمفردهم إلى حد كبير مع التهديد الإيراني في سوريا، وجاء إعلان الرئيس ترامب عن سحب القوات الأمريكية ليزيد من حدة هذا الشعور. واليوم يبدو أن إسرائيل وإيران تجسّان نبض إحداهما الأخرى بشأن القواعد الأساسية التي ستطبَّق في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي. فقد كان "الجيش الإسرائيلي" قد حدّ من عملياته في سوريا على مدى أشهرٍ بسبب الضغوط الروسية، ولكنه نفّذ غارتين بعد إعلان ترامب بالانسحاب من سوريا. ورداً على ذلك، أطلقت إيران صاروخاً ذي حمولة ثقيلة من قاعدة سورية فاعترضته منظومة الدفاع الإسرائيلية المعروفة باسم "القبة الحديدية". وبالتالي فإن احتمالات التصعيد عالية جداً - إذ تبدو حكومة طهران مصممة على نشر صواريخ دقيقة في سوريا ولبنان، بينما تبدو حكومة القدس عازمة على منعها من القيام بذلك. وإذا نشب نزاعٌ جديد تسبّب بسقوط عشرات آلاف الصواريخ والقذائف على إسرائيل، فقد يجد "الجيش الإسرائيلي" نفسه ملزماً بمهاجمة إيران. لذلك إذا أرادت واشنطن إقناع روسيا بضرورة بذل المزيد من الجهود للحد من قيام إيران بنشر أسلحة دقيقة، عليها أن تُفهم موسكو أن القوات الأمريكية قد تعود إلى سوريا إذا ما اندلع مثل هذا النزاع.

أعدت هذا الموجز جو-آن إستس.
أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".

Tuesday, February 5, 2019

سيناريوهات فنزويلا.. حسم الجيش أم حرب أهلية؟

سيناريوهات فنزويلا.. حسم الجيش أم حرب أهلية؟
تنازع الشرعية:
سيناريوهات فنزويلا.. حسم الجيش أم حرب أهلية؟
الخميس, 31 يناير, 2019Shar   SMS
تنازع الشرعية:
 تصاعدت الأزمة الفنزويلية مع إعلان رئيس البرلمان "خوان جوايدو" تنصيب نفسه رئيسًا لفترة انتقالية للبلاد، والاعتراف به من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبعض دول أمريكا اللاتينية. وازدادت حالة التوتر في البلاد، مع وضع الاتحاد الأوروبي مهلة لمدة أسبوع للرئيس الفنزويلي المنتخب "نيكولاس مادورو" لإعلان إجراء انتخابات رئاسية عاجلة، وإلا فإنها ستتجه هي الأخرى للاعتراف بـ"جوايدو" رئيسًا لفنزويلا.
انفراط المجتمع: 
تعود جذور الأزمة الفنزويلية إلى عام 2014، حينما شهدت انهيارًا اقتصاديًّا سريعًا ارتباطًا بتراجع أسعار النفط الذي يُمثّل المصدر الوحيد تقريبًا للدخل القومي في البلاد، حيث يشكل إنتاج النفط حوالي 96% من عائدات فنزويلا، فضلًا عن تراجع إنتاجها من النفط إلى مستوى هو الأقل منذ 30 عامًا، حيث بلغ 1,4 مليون برميل في اليوم مقارنة بمعدل إنتاج قياسي حققته البلاد قبل الأزمة، وهو 3,2 ملايين برميل. وبات العجز المالي يُشكل نحو 20% من إجمالي الناتج الداخلي، في حين بلغ الدين الخارجي 150 مليار دولار في أغسطس 2018.
ومع تراجع سعر النفط، تراجعت قدرة البلاد على الاستيراد؛ حيث قلت بالتبعية العملة الأجنبية، وتسبب سوء إدارة الحكومة للوضع في دخول البلاد في حالة ركود حاد، وهو ما أطلق عليه البعض "السقوط الحر للاقتصاد"، حيث تدهورت قيمة العملة، وارتفعت أسعار السلع الأساسية عشرات الأضعاف، ووصل التضخم إلى معدلات قياسية، حيث وصل إلى مليون في المائة. 
ولم تستطع حكومة "مادورو" احتواء الأزمة، بل إن السياسات التي اتخذتها زادت الأمر سوءًا، حيث قامت الحكومة بطباعة المزيد من الأوراق النقدية، وأطلقت عملة نقدية جديدة، ورفعت ضريبة القيمة المضافة من 4% إلى 16%، كما رفعت الحد الأدنى للأجور 34 ضعفًا عن المستوى السابق في محاولة لتقليل الاحتقان الشعبي. 
وصاحب تدهور الوضع الاقتصادي اضطرابات اجتماعية تمثلت في اندلاع احتجاجات، سواء من جانب حركات المعارضة أو من المواطنين الذين يعانون نقصًا شديدًا في الغذاء والدواء، بالإضافة إلى تراجع قدرتهم على شراء السلع الأساسية التي أصبحت أسعارها خيالية (وصل سعر الكيلوجرام من الأرز إلى 2 مليون وخمسمائة ألف بوليفار)، فضلًا عن معاناتهم من انقطاع الكهرباء المتكرر. وقد دفعت تلك الأوضاع ملايين السكان إلى النزوح خارج فنزويلا، حيث تقدر أعداد المهاجرين منذ 2014 بحوالي ثلاثة ملايين فرد، ولا يزال هناك الملايين الذين لم يستطيعوا الفرار ممن علقوا في هذه الأوضاع المزرية. وعمدت الحكومة إلى مواجهة الاحتجاجات بالقوة، وهو ما ترتب عليه سقوط حوالي 1230 قتيلًا حتى منتصف عام 2017.
 تصعيد "جوايدو": 
تجدّدت الأزمة الفنزويلية من جديد بعد تأدية "مادورو" اليمين الدستورية في بداية يناير 2019، وذلك عقب الإعلان عن توليه فترة رئاسية جديدة لمدة 6 سنوات، وكان ذلك إثر الانتخابات الرئاسية المبكرة التي تمت في منتصف العام الماضي، والتي أثارت جدلًا واسعًا.
فعلى الرغم من رفض قوى المعارضة وبعض القوى الدولية الاعتراف بنتائجها؛ إلا أن مراقبي الانتخابات الدوليين أكدوا عدم حدوث أي تجاوزات تؤثر على نتيجتها، وإن تراجعت نسبة المشاركة إلى حوالي 46% في ظل مقاطعة المعارضة للانتخابات، وغياب منافسين حقيقيين أمام "مادورو".
وقد اعتبرتها المعارضةُ وبعض دول الإقليم غير شرعية، وأعلنت صراحة عدم اعترافها بنتائج الانتخابات، وطالبت "مادورو" بعقد انتخابات أخرى في نهاية عام 2018. وحفزت بداية الفترة الرئاسية الجديدة لـ"مادورو" (2019-2025) المعارضة مرة أخرى للتعبئة، والخروج في مظاهرات ومسيرات احتجاجية، والتي وصلت إلى ذروتها مع تنصيب "خوان جوايدو" (رئيس البرلمان) نفسَه رئيسًا لفنزويلا لفترة انتقالية.
ويُعد "جوايدو" أحد مؤسسي حزب الإرادة الشعبية الذي نشأ في عام 2009، وقضى فترة في الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الدراسات العليا بجامعة جورج واشنطن، وكان من بين المعارضين لحكم "شافيز". وقد انتُخب "جوايدو" في عام 2011 نائبًا في الجمعية الوطنية (البرلمان)، وأصبح في عام 2016 ممثلًا عن ولاية فارجاس التي تُعتبر واحدة من أفقر الولايات في فنزويلا.
ومن الجدير بالذكر أن "جوايدو" (35 عامًا) قد تم انتخابه رئيسًا للجمعية الوطنية قبل إعلانه تنصيب نفسه رئيسًا بثلاثة أسابيع فقط، وقبل 5 أيام فقط من بداية رئاسة "مادورو" الجديدة، حيث اختارته أحزاب المعارضة الفنزويلية زعيمًا لقيادتها كمرشح تم التوافق عليه بالإجماع، وتولى المنصب في الخامس من يناير 2019، وقد أدى انتخابه إلى إعادة تعبئة معارضي الرئيس "مادورو".
وكان من اللافت للنظر الدعم السريع الذي حصل عليه "جوايدو" من الجانب الأمريكي، حيث أعلن الرئيس "ترامب" اعترافه بـ"جوايدو" رئيسًا شرعيًّا لفنزويلا بديلًا عن "مادورو" لفترة انتقالية، ومن بعده كندا وبعض الدول الإقليمية وعلى رأسها كولومبيا والبرازيل، فضلًا عن فرنسا من الجانب الأوروبي، وهو ما يشير إلى وجود ترتيب مسبق بين هذه الأطراف حيال الأزمة.
المعادلة الدولية: 
فتحت الأزمة السياسية والاقتصادية الحادة في فنزويلا الباب أمام تدخل القوى الدولية، ومحاولة التأثير عليها بما يخدم مصالحها، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:
1- التصعيد الأمريكي لاستعادة النفوذ: تنظر الولايات المتحدة إلى أمريكا اللاتينية كمنطقة نفوذ أمريكي خالص، وسعت على مدار عقود للهيمنة على فنزويلا التي اتبعت سياسات معادية للولايات المتحدة تحت حكم الرئيس السابق "هوجو تشافيز"، الذي تبنى أيضًا سياسات اشتراكية خلقت له شعبية كبيرة امتدت خارج فنزويلا، وهو ما زاد الأمر سوءًا، خاصة وأن المعسكر الاشتراكي في المنطقة المدعوم من روسيا أخذ في التوسع خلال هذه الفترة، مع وصول حكومات اشتراكية إلى الحكم في بعض دول القارة. 
وفي ضوء الوضع السابق، جعلت الولايات المتحدة من أولوياتها ضمان تولي حكومات موالية لها في القارة عمومًا، وفنزويلا على وجه الخصوص. ومثّلت الأزمة التي تمر بها فنزويلا فرصة جيدة سعت لاقتناصها. ولا يتمثل الدور الأمريكي فقط في تأييد "جوايدو" في الأزمة الحالية، فقد سبقتها محاولات كثيرة لإسقاط نظام "مادورو"، والتي يعتقد الأخير أنها تمت بدعم أمريكي، وقد تمثل أهمها في محاولة الانقلاب الفاشلة في 21 يناير 2019، والتي على إثرها هرب إلى الولايات المتحدة بعض الضباط المتورطين، أي قبل الأزمة الأخيرة بأيام معدودة.
ومنذ اللحظة الأولى التي نصّب فيها "جوايدو" نفسه رئيسًا، اعترفت به الولايات المتحدة، بل إنها دعمته بطرق مختلفة آخرها إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في 30 يناير حق "جوايدو" في السيطرة على أي أصول تابعة لحكومة فنزويلا أو بنكها المركزي، في حوزة بنك نيويورك الاحتياطي الاتحادي، أو أي بنوك أخرى تضمنها الولايات المتحدة.
وسعت الولايات المتحدة إلى تصعيد ضغطها الاقتصادي على فنزويلا، حيث فرضت عقوبات جديدة منذ يومين على الشركة الوطنية للنفط في فنزويلا، والتي تمتلك شركة النفط "سيتجو" (Citgo) التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًّا لها. وتتضمن العقوبات تجميد أصول مملوكة لشركة النفط الفنزويلية في الولايات المتحدة، والتي تقدر قيمتها بنحو 7 مليارات دولار، الأمر الذي سيؤدي إلى تكبد الشركة خسائر تزيد عن 11 مليار دولار خلال عام 2019. ومن ناحية أخرى، تلوح الولايات المتحدة بالتصعيد العسكري، حيث تؤكد أن كل الخيارات متاحة أمامها. ويمكن القول إن هذا التهديد يهدف إلى الضغط على قيادة القوات المسلحة الفنزويلية للتخلي عن "مادورو" والانحياز للتيار الآخر. 
2- الضغط الأوروبي المفتعل: اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا حاول خلاله أن يبدو فيه مدافعًا عن الشرعية الدستورية، حيث منح مهلة ثمانية أيام أمام الرئيس "مادورو" لعقد انتخابات رئاسية مبكرة، تنتهي يوم 3 فبراير. وفي حال امتناعه فسوف يعترف الاتحاد الأوروبي بشرعية "جوايدو" رئيسًا لفنزويلا، وذلك خلال المرحلة الانتقالية، ولحين إجراء انتخابات جديدة.
وتسببت المهلة التي حددها الاتحاد الأوروبي في تصعيد الأزمة، حيث يدعو "جوايدو" المعارضة والجماهير إلى القيام بمسيرات مكثفة للتأثير على القوات المسلحة والشرطة الوطنية للتخلي عن "مادورو" والانحياز "للشعب". وقد أعلنت فرنسا صراحة رفضها لـ"مادورو" وتأييد "جوايدو"، بينما رفضت بريطانيا، بعد تدخل أمريكي، طلب "مادورو" إعادة سبائك الذهب المُودَعة لديها والمُقدّرة بـ1.2 مليار دولار، وذلك لتصعيد الضغط على الرئيس الفنزويلي للاستقالة.
3- الدعم الصيني-الروسي: في مقابل الضغط الأمريكي الأوروبي، تدعم روسيا والصين بقاء الرئيس "مادورو"، وأعلنت كلا الدولتين عدم الاعتراف بشرعية "جوايدو"، وقدمت كلا الدولتين مساعدات لحكومة "مادورو" لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها فنزويلا. فقد أعلنت روسيا العام السابق ضخ 6 مليارات دولار كاستثمارات بفنزويلا، فضلًا عن إبرام اتفاقيات لتصدير القمح الروسي لفنزويلا، حيث إن فنزويلا من الدول المستوردة للسلاح الروسي.
من جانبها، أعلنت الصين عن توقيع مذكرات تفاهم بشأن صفقات متعلقة بالطاقة والتعدين تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، كما أرسلت مساعدات طبية في سبتمبر الماضي من خلال سفينة السلام لتعويض النقص الشديد في الأدوية، والذي وصل إلى 85%. ومن جانبها، تصدر فنزويلا 300 ألف برميل من النفط يوميًّا إلى الصين، في سداد جزئي للديون البالغة 20 مليار دولار. كما أنها مدينة لروسيا بمبلغ 10,5 مليارات دولار، بحسب العديد من الشركات الاقتصادية الاستشارية، وهو ما يجعل الدولتين تدعمان "مادورو" أو أي مرشح يطرحه الجيش خلفًا له، وذلك لضمان مصالحهما هناك.
العامل الحاسم:
يُعد موقف القوات المسلحة هو العامل الحاسم في سير الأزمة الحالية، وهو الكارت الرابح الذي يحاول "مادورو" التمسك به ويحاول الطرف الآخر استمالته بشتى الطرق. ولا يزال الجيش الفنزويلي داعمًا لـ"مادورو" ويُناوئ المرشح المفروض أمريكيًّا، إذ أعلن وزير الدفاع الفنزويلي أن الجيش يرفض إعلان رئيس البرلمان نفسه "رئيسًا بالوكالة" لفنزويلا. مؤكدًا أن الجيش يدافع عن الدستور. 
وعلى جانب آخر، يحاول "جوايدو"، من جانبه، استمالة الجيش للتخلي عن "مادورو" من خلال عرض العفو العام عن قياداته، فضلًا عن القيام بمسيرات سلمية أمام مراكز قيادات الجيش والشرطة، وهو ما لم يتجاوب معه الجيش، ومن المتوقع أن تتصاعد هذه المسيرات، وتحاول استمالته للتدخل قبل انتهاء مهلة الاتحاد الأوروبي. 
وتشير بعض التقديرات إلى صعوبة تخلي الجيش عن "مادورو". ويرجع ذلك إلى الإشارات المتناقضة التي يرسلها "جوايدو" نفسه أثناء محاولاته استمالة الجيش، فبينما يعطي وعودًا بالعفو، فإنه في مواقف أخرى يشير إلى مطالبته باتخاذ إجراءات دولية لمعاقبة هؤلاء الذين تسببوا في قتل عشرات الأفراد أثناء التظاهرات.
وعلى جانب آخر، تحاول مؤسسات الدولة الداعمة لـ"مادورو" اتخاذ خطوات مضادة لتحركات "جوايدو" غير القانونية، فقد أعلن رئيس المحكمة العليا "مايكل مورينو"، أن رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية "ممنوع من مغادرة البلاد حتى انتهاء التحقيق"، فضلًا عن تجميد المحكمة أيضًا حساباته المصرفية. وتأتي هذه الخطوة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة، في وقت سابق، أنها سلمت "جوايدو" السيطرة على حساباتها المصرفية في فنزويلا لمنع الرئيس "نيكولاس مادورو" من الاستيلاء عليها في حال خروجه من السلطة.
ختاماً  تدور احتمالات تطور الأزمة بين أربعة سيناريوهات، هي: انحياز الجيش لصالح المعارضة، وهو السيناريو الأبعد. أو أن يقوم بالسيطرة على زمام الأمور وتنحية الطرفين، ولكن البديل ليس واضحًا في هذه الحالة. أو نجاح محاولات التفاوض التي تحاول المكسيك التوسط فيها في الأزمة الحالية، والوصول لتسوية بين الطرفين. بينما يبقى الاحتمال الرابع، وهو الأضعف، في بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، ونجاح "مادورو" في التشبث بالسلطة.

أسباب تراجع ثقة مدراء الشركات الكبرى في الاقتصاد العالمي

أسباب تراجع ثقة مدراء الشركات الكبرى في الاقتصاد العالمي
مهددات النمو:
أسباب تراجع ثقة مدراء الشركات الكبرى في الاقتصاد العالمي
الخميس, 31 يناير, 2019    
مهددات النمو:
عرض: نسرين جاويش - باحثة في العلوم السياسية
اتساقًا مع توقعات الكثير من التقارير الدولية التي تشير إلى أن الاقتصاد العالمي سيشهد خلال هذا العام جملة من التحديات بسبب النزاعات التجارية، والسياسات الحمائية لبعض الدول، والعلاقات المتوترة بين القوى الكبرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، والاضطرابات السياسية، والتباطؤ المتوقع في معدلات النمو؛ أظهر تقرير لإحدى كبرى شركات الاستشارات الدولية "برايس ووتر هاوس كوبرز" (PwC) البريطانية أن المدراء التنفيذيين للشركات العالمية لديهم نظرة حذرة للاقتصاد العالمي في ٢٠١٩.
توقعات حذرة
تمثلت المخاطر الخمس الأكبر التي يتوقعها المديرون التنفيذيون خلال العام الحالي في: حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، والنزاعات التجارية، إلى جانب الإفراط في القيود والقواعد التنظيمية، ونقص العمالة الماهرة، والقرصنة المعلوماتية. وفي ظل النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، فإن نسبة المديرين الصينيين الذين يعتبرون واشنطن سوقًا لنمو أنشطتهم تراجعت بشدة.
ووفقًا لاستطلاع الرأي السنوي الذي تُجريه مؤسسة "برايس ووتر هاوس كوبرز"، يتوقع 29٪ من المدراء التنفيذيين (1378) لشركات عالمية، أن النمو الاقتصادي العالمي سوف ينخفض خلال هذا العام بزيادة قدرها ستة أضعاف عن توقعات العام الماضي. في حين يرى ٤٢٪ أن الاقتصاد العالمي سيتحسن خلال ٢٠١٩، وقد كانت تلك النسبة ٥٧٪ في استطلاع العام الماضي (٢٠١٨). هذا بالإضافة إلى توقّعاتهم انخفاض إيرادات الشركات والمنظمات على المديين القصير والمتوسط.
ويتوقع ٣٨٪ من المدراء التنفيذيين أن منطقة الشرق الأوسط ستكون من أكثر المناطق التي ستشهد انخفاضًا في النمو الاقتصادي على المستوى العالمي، وقد كانت تلك النسبة في استطلاع العام الماضي 10%. ووفقًا لنتائج الاستطلاع فإن منطقة غرب أوروبا تأتي في المرتبة الثانية بنسبة 33% مقابل 4% في العام الماضي.
وعن نتائج استطلاع هذا العام، أشار رئيس مجلس إدارة المؤسسة "بوب موريتز" أنها بمثابة انقلاب إلى حد كبير مقارنة بنتائج استطلاع العام الماضي (٢٠١٨) الذي تزامن مع تصاعد التوترات التجارية والسياسات الحمائية بين القوى الكبرى، وعليه تراجعت الثقة في مناخ الاقتصاد العالمي.
واتساقًا مع سياق التقرير المنتهي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وانخفاض الثقة في آفاق الإيرادات المتوقعة اقتصاديًّا؛ فقد سُجّل التحول الأكثر وضوحًا في صفوف قادة الأعمال في الولايات المتحدة، وكذلك في سويسرا، وفقًا للنتائج الواردة بالتقرير، حيث اعتقد ما يقرب من نصف المدراء التنفيذيين من 30 شركة مُدرجة في البورصة السويسرية أن معدل النمو الاقتصادي سينخفض على مدار العام الجاري.
ويُضيف التقرير أنه في ظل ممارسة السياسيين الشعبويين التأثير على السياسة الاقتصادية؛ فإن النتيجة الحتمية والمُعترف بها تتمثل في سيادة حالة من عدم اليقين. ويستشهد التقرير بتصريح للمدير التنفيذي لبنك دي بي إس، البنك الأكبر بجنوب شرق آسيا، ومفاده: "إن النمو العالمي سيكون أبطأ؛ ولكنه لن يصل إلى حالة الركود التام خلال الأشهر الثمانية عشر المقبلة، إلا إذا استمرت حالة عدم اليقين حول التجارة العالمية، واستمرار إصدار الصين للسندات والتصادم التجاري مع الولايات المتحدة".
وعن عوامل تهديد نمو الاقتصاد العالمي، أشار التقرير إلى أن العائق التشريعي لا يزال يحتل المركز الأول بنسبة 35% خلال استطلاع هذا العام مقابل 42% في العام الماضي. وكانت حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات المتبعة كأحد عناصر التهديد تحتل نسبة 35%، وهي المرة الأولى التي يسأل فيها الاستطلاع المديرين التنفيذيين عن عدم اليقين بشأن السياسات. وعلى عكس استطلاع العام الماضي، جاء الإرهاب كمهدِّد لممارسة الشركات أعمالها وتحقيق النمو في المرتبة الثالثة والعشرين بنسبة 13% مقابل 41% في العام الماضي الذي احتل المرتبة الثانية.
ورغم اختلاف النسب في العام الجاري عن مثيلاتها بالعام المنصرم، فإن العوامل الناشئة في التقرير الحالي ترتبط بمحددات السياسة والبيئة الداخلية داخل الدول. ويُقدم التقرير تحليلًا خاصًّا بكل منطقة على حدة لتحتل الشعبوية المركز الأول بمنطقة أمريكا اللاتينية بنسبة 60%، وعدم الاستقرار الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط بنسبة 53%، وعدم اليقين بشأن السياسات في إفريقيا بنسبة 49%.
ويُشير التقرير إلى أن النمو الاقتصادي يجب أن يبدأ من داخل الدول نفسها، ويتجه إلى خارجها، خاصة مع ما تواجهه دول العالم المختلفة من قضايا شائكة على نحو مشترك مثل ظاهرتي الإرهاب وتغير المناخ. وعليه، لا بد من إعادة النظر في التوجه نحو سهولة ممارسة الأعمال التجارية في داخل الدول، بداية من العمل على القضاء على حالة عدم اليقين بشأن السياسات العامة، والعمل على توفر المهارات الأساسية في العمالة، والقضاء على النزاعات التجارية الداخلية، لتهيئة الدول وجعلها جاذبة للاستثمارات.
ويؤكد التقرير أيضًا أهمية توفير وتدفق المعلومات، حيث يعمل الرؤساء التنفيذيون على سد الثغرات الخاصة بالحصول على المعلومات، وتنمية قدراتهم على تحليلها واتخاذ قرارات أفضل، خاصةً مع ندرة العقول "الموهبة التحليلية" ذات القدرات الاستثنائية على دمج واستخراج وتحليل البيانات المتدفقة عبر عدة قنوات، ولا سيما مع الاتجاه العالمي نحو "الذكاء الاصطناعي". وقد أفاد التقرير بأن المسح الذي تم إجراؤه هذا العام ألقى الضوء على نتيجة هامة مفادها "فجوة المعلومات"؛ وهي الفجوة بين احتياجات المديرين التنفيذيين للبيانات، وما هم في حاجة فعلية إليه من معلومات.
استراتيجية مكافحة المخاطر
ورد بالتقرير عدد من الاستراتيجيات التي حددها المدراء التنفيذيون للتعامل مع المخاطر الناشئة عن انخفاض النمو الاقتصادي المتوقع، وهي على النحو التالي:
أولًا: النظر إلى ما هو أبعد من الأرقام كقياس لفعالية الأداء، والقفز لقياس مؤشرات التقدم؛ من خلال العمل على عودة المساهمين للمشاركة في الاستثمارات المحلية، والحفاظ على استدامتها في داخل الدول.
ثانيًا: تسخير التكنولوجيا لتلبية حاجة المجتمع، وتسخيرها لخدمة أهداف التنمية بالشكل الصحيح. فالعصر الرقمي الذي يتجه إليه العالم في حاجة لتصميم برامج تكنولوجية قادرة على التعامل مع المصاعب الحالية بما تتجاوز حدود المؤسسات من أجل الوصول إلى تطبيق تكنولوجيا مستدامة وإيجابية.
ثالثًا: الاهتمام والتركيز على العنصر البشري الذي هو العامل الأساسي في مشاريع التحول الرقمي؛ والتدريب على المهارات الرقمية، والسعي نحو الابتكار الحقيقي وتنمية مهارات الإبداع وحل المشكلات جنبًا إلى جنب مع تنمية المهارات التقنية بهدف التحرك عبر الحدود الوطنية والوصول للتعاون بين الحكومات والشركات العالمية.
ويُختتم التقرير بالتأكيد على أن توقعات المديرين التنفيذيين لنمو إيرادات شركاتهم والعائدات العالمية الفعلية ونمو الناتج المحلي الإجمالي في الأعوام القادمة وانكماشها في العام الحالي لا بد من أخذها على محمل الجد. بعبارة أخرى، يمكن اعتبار ثقة المدراء التنفيذيين في الإيرادات مؤشرًا رئيسيًّا لاتجاه الاقتصاد العالمي.
المصدر: