Thursday, May 25, 2017

زيارة ترامب لإسرائيل: تحوّل حقيقيّ أم غياب رؤية واضحة؟

زيارة ترامب لإسرائيل: تحوّل حقيقيّ أم غياب رؤية واضحة؟

تقدير موقف

زيارة ترامب لإسرائيل: تحوّل حقيقيّ أم غياب رؤية واضحة؟

انطوان شلحت

ملخص
تحاول هذه الورقة تحليل زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لإسرائيل وانعكاساتها على العلاقات الأميركية الإسرائيلية من جهة، وعلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من جهة ثانية. تنطلق هذه الورقة من أن الزيارة الحالية حملت معاني وأوجها كثيرة، ولكنها في التحصيل الأخير تمثل انقطاعا عن الموقف الأميركي التاريخي وخاصة موقف إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. كما أنها تشكل تبنيا للمواقف العربية في البيئة الإقليمية.

وتؤكد الورقة أن الجانب الفلسطيني تراءى بكونه الجانب الغائب في هذه الزيارة.

ثلاثة مواقف إسرائيلية من زيارة ترامب

وصفت معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية والسياسيين في إسرائيل زيارة رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، لإسرائيل بأنها زيارة تاريخية، وبأنها تحمل تحولا عميقا في التوجهات الأميركية تجاه إسرائيل من جهة وتجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من جهة ثانية. لا بل اعتبرت توجهات ترامب بأنها تحدث قطيعة مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، بل ومع التوجه التاريخي الرسمي للولايات المتحدة بما في ذلك توجهات رؤساء جمهوريين فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومع ذلك لا بُد من ملاحظة أنه ظهرت في النقاش الإسرائيلي حول زيارة ترامب وتصريحاته خلالها ثلاثة مواقف مركزية:

الموقف الأول، ويمثله اليمين الإسرائيلي الذي اعتبر أن توجه ترامب وتصريحاته تنسجم بشكل كامل مع توجهات الحكومة الإسرائيلية ومع اليمين الإسرائيلي، حتى أن وزير العلوم، أوفير أكونيس، من حزب الليكود، صرح بعيد مغادرة ترامب إسرائيل بأنه سعيد بانضمام عضو جديد لليكود وهو الرئيس ترامب، ولا مانع لديه حتى من انضمام ملانيا ترامب عقيلة الرئيس لعضوية حزب الليكود.[1]  وهذا بالإضافة إلى تصريحات بنيامين نتنياهو المتواترة خلال الزيارة حول وجود صديق حقيقي ومختلف لإسرائيل عما سبق في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة الأميركية. يعتمد هذا الموقف على الدلائل التالية:

1- خلال خطاباته وتصريحاته لم يتطرق ترامب إلى الحقوق السياسية للفلسطينيين لا من قريب ولا من بعيد، فلم يذكر حق الفلسطينيين في تقرير المصير، أو حل الدولتين، ولم يشر بكلمة واحدة إلى الاستيطان في مناطق 1967، أو حتى إلى مبادرة السلام العربية، وخاصة بعد زيارته للسعودية، أو إلى أي قضية تتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا في زيارته لإسرائيل أو زيارته للسلطة الفلسطينية في بيت لحم.

2- لم يقم ترامب حتى بمساواة معاناة الإسرائيليين خلال الصراع مع معاناة الفلسطينيين، لا بل تجاهل بشكل كلي معاناة الفلسطينيين، فقد أكد على معاناة الإسرائيليين والأطفال الإسرائيليين من "الإرهاب" والصواريخ التي تطلقها المقاومة الفلسطينية، وبذلك فهو يقوم بقطيعة مع خطاب أوباما الذي كان يتطرق في كلامه وخطابه للمعاناة الفلسطينية إلى جانب المعاناة الإسرائيلية، وهو بذلك تبنى بشكل كامل السردية الإسرائيلية بالنسبة لكونهم ضحايا الصراع وضحايا "الإرهاب".

3- تبنى ترامب الخطاب السياسي للحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بعلاقة "الإرهاب" الفلسطيني مع الإرهاب العالمي، وذكر مرارا الشروط الإسرائيلية حول وقف التحريض في السلطة الفلسطينية وتمويل أسرى الشهداء والأسرى باعتباره تمويلا للإرهاب، ولم يتردد ترامب في ذكر هذا الأمر حتى خلال لقائه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس- أبو مازن في بيت لحم.

4- وكما ذكر نتنياهو في جميع خطاباته تقريبا فإن ترامب يعتبر أول رئيس للولايات المتحدة يزور إسرائيل في أول جولة دولية له، وذلك بالأساس للإشارة إلى قيام باراك أوباما بعدم زيارة إسرائيل بعد زيارته لمصر وخطاب جامعة القاهرة، حيث اعتبر اليمين أن خطاب ترامب في متحف إسرائيل القومي يشكل قطيعة مع خطاب أوباما في جامعة القاهرة، كما أن ترامب أول رئيس أميركي يزور حائط المبكى (البراق) في القدس الشرقية، واعتبر نتنياهو ذلك صفعة لقرارات اليونسكو بخصوص العلاقة بين الشعب اليهودي والقدس عموما وحائط المبكى خصوصا. كذلك فإن ترامب أشار في خطابه في المتحف إلى أن ثمة علاقة قوية بين الشعب اليهودي والقدس.

5- تبنى ترامب خطاب الحكومة الإسرائيلية ما يتعلق باعتبار إيران الخطر الأساس على أمن واستقرار المنطقة، وانسجم مع توجهات الحكومة في أهمية التحالف مع الدول العربية التي تسمى في الخطاب الإسرائيلي "الدول السنية المعتدلة"، في الشأن الإيراني.

الموقف الثاني، وتمثله المعارضة الإسرائيلية، التي اعتبرت أن توجه ترامب ينسجم في مجمله ولكن في عمقه مع التوجهات التي دعت إليها خلال السنوات السابقة في مواجهة مواقف الحكومة الإسرائيلية الحالية. ويعتمد هذا الموقف على الادعاءات التالية:

1- أكد ترامب بما لا يدع مجالا للشك أن الرئيس الفلسطيني، أبو مازن، هو شريك جدي وحقيقي للسلام، وأنه مستعد للتفاوض مع الحكومة الإسرائيلية على الفور.[2] واعتبرت وزيرة الخارجية السابقة وزعيمة "المعسكر الصهيوني" تسيبي ليفني أن الكرة الآن هي في الملعب الإسرائيلي وذلك بعد أن أكد ترامب أن أبو مازن مستعد للتفاوض واعتباره الأخير شريكا للسلام. ويحمل هذا التوجه تناقضا مع خطاب نتنياهو والحكومة الإسرائيلية الذي يعتبر أبو مازن غير شريك للتسوية مع إسرائيل.

2- أكد ترامب خلال تصريحاته وخطابه أن السلام الفلسطيني الإسرائيلي هو مدخل للسلام في المنطقة، وهو بذلك يدحض الادعاء اليميني وخطاب الحكومة الإسرائيلية أن السلام والاستقرار في المنطقة غير متعلقين بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الأمر الذي يضع قضية تسوية هذا الصراع باعتبارها الأولوية الأولى بالنسبة لإدارة ترامب للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

3- أعاد ترامب مصطلح "السلام" إلى مركز الخطاب السياسي بعد أن تم نزع الشرعية عن هذا المصطلح، وهذا يؤكد أن ترامب يرى في السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين المدماك الأساس لسياسته، لدرجة أنه تحدث عنه بشكل رومانسي وأعطى قدرا من الصدقية لهذا الخطاب، فهو تحدث كل الوقت عن السلام وليس عن صفقة كما ذكر سابقا.

4- لم يقم ترامب خلال زيارته والتي تزامنت مع احتفالات إسرائيل بالذكرى الخمسين لاحتلال القدس، بالإعلان عن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، كما أنه لم يصرح أي تصريح حول اعتبار القدس الموحدة عاصمة إسرائيل، وتصريحاته بشأن العلاقة الخاصة بين الشعب اليهودي والقدس هي تصريحات ذات طابع تاريخي وسردي وليست ذات طابع سياسي. كما أنه حرص على زيارة حائط المبكى بشكل شخصي من دون مرافقة سياسيين إسرائيليين، مما يعطي الزيارة طابعا دينيا خاصا وليس سياسيا.

5- اعتبر هذا الموقف أن ضبابية ترامب حول شكل التسوية تنبع من حرصه على إنجاحها من دون أن يحدد بشكل مسبق شروطها وشكلها، وهذا باعتقاد أصحاب هذا الموقف ينم عن طريقته في إدارة الصراع والتسوية ولا يعكس موقفا من الصراع، أو جوهر التسوية العتيدة.

الموقف الثالث، والذي يعتقد أن ترامب لم يقدم أي شيء، لأنه لا يعلم شيئا وليست عنده أي رؤية لا للصراع ولا للتسوية بين الجانبين.

ويعتمد هذا الموقف على الاعتبارات التالية:
1- لم يذكر ترامب في خطاباته أي شيء فيما يتعلق بالتسوية، حتى أنه لم يذكر نقطة البداية للمفاوضات بين الجانبين. وغياب أي شيء في خطاباته عن التسوية وشكلها لا ينم عن حرصه على نجاح المفاوضات بل لكونه لا يمتلك تصورا لها.

2- ترامب حاول إرضاء الجميع في خطاباته. صحيح أنه لم يذكر شيئًا عن الحقوق السياسية لكنه لم يؤكد شرعية إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تحدث عنه حول إسرائيل والشعب اليهودي كان خطابا عاطفيا تاريخيا، ولم يعن أي شيء في الجانب السياسي.

3- كانت زيارة ترامب لإسرائيل عبارة عن زيارة دينية وزيارة بين أصدقاء، فهو لا يمتلك شيئًا وغير مطلع على شيء ولا يعرف طبيعة الصراع ولا شكل الحل، وكانت زيارته عبارة عن محاولة لأحداث قطيعة مع باراك أوباما، وزيارته لإسرائيل كانت عبارة عن تحصيل حاصل لزيارته المركزية في الرياض واجتماعه مع قادة الدول العربية والإسلامية. فهو ما كان ليتجاهل إسرائيل في هذه الزيارة وإلا سيكون مثله مثل أوباما الذي يحرص ترامب على أن يظهر بعكسه تماما.

بين زيارة نتنياهو لأميركا وزيارة ترامب لإسرائيل

لم تتغير أجواء الفرح داخل اليمين وخاصة عند نتنياهو في لقاءاته الثلاثة التي كانت له مع ترامب. وقد التقى نتنياهو ترامب ثلاث مرات مرة في أيلول 2016 على هامش اجتماع الأمم المتحدة عندما كان ترامب مرشحا للرئاسة، والمرة الثانية التقاه بعد انتخابه في البيت الأبيض في شباط الماضي، والمرة الثالثة عند زيارة ترامب لإسرائيل الآن.

لم تكن التصريحات التي أطلقها ترامب في إسرائيل من حيث المضمون مختلفة عن تصريحاته خلال زيارة نتنياهو للولايات المتحدة في شباط 2017. ففي الزيارتين، بقي ترامب على مواقفه من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وذلك على الرغم من زيارته للرياض والتقائه مع الزعماء العرب والمسلمين. في الزيارتين لم يتطرق ترامب إلى الاستيطان كمعيق للسلام، وفي الزيارتين لم يذكر الحقوق الفلسطينية في تقرير المصير، وفي الزيارتين تحدث عن الخطر الإيراني كخطر مركزي على الشرق الأوسط، وفي الزيارتين تحدث عن الإرهاب، لا بل إنه خلال زيارته الحالية سواء في الرياض أو بيت لحم أشار إلى أن حركة حماس الفلسطينية هي حركة إرهابية، وأن على السلطة الفلسطينية أن تتوقف عن دعم وتمويل "الإرهاب".

من جهتها كتبت المحللة السياسية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، سيما كدمون، أن "خطابات ترامب لا تفيد إلا بكيفية عدم قول شيء بكثير من الكلمات"، وأنه بالتالي لم يقل أي شيء زيادة عما قاله لنتنياهو في زيارته إلى واشنطن، وملخصه 'افعلوا ما شئتم" الأمر الذي جعل اليمين راضيا. وأشارت بدورها إلى أن ترامب لم يأت مطلقا على ذكر 'دولتين لشعبين' أو المفاوضات أو حتى عملية السلام، باعتبار أن ما قاله "عملية السلام صعبة" يعرفه الجميع وليس هناك أي داع ليقول ذلك رئيس دولة عظمى. وتضيف أنه مع تصريحات كهذه فإن اليمين سيكون راضيا، وكذلك نتنياهو، حيث لم يزعجه أحد بـ"حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ولا الدولتين، ولا حدود 1967، ولا حتى تجميد البناء في المستوطنات".[3]

ربما يظهر الاختلاف وهو ما قد يثير حفيظة اليمين في إسرائيل لاحقا، هو أن ترامب بعد زيارته للرياض لم يكرر استعمال مصطلح "الإرهاب الإسلامي" بل استعمل مصطلح الأيديولوجية المتطرفة مكانها، وهي احدى النقاط التي كانت محل خلاف بين اليمين الإسرائيلي وبين الرئيس باراك أوباما الذي لم يذكر في تصريحاته وخطاباته مصطلح الإرهاب الإسلامي. ووصف المحاضر في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بار إيلان، د. يهودا بلانجا، الرئيس الأميركي بأنه "الرئيس الصهيوني الإسرائيلي الأول"، وبأن خطابه "خطاب صهيوني حقيقي لوطني إسرائيلي". وأشار إلى أن 4 شهور فقط كانت كافية للتماثل المطلق بين المصالح الوطنية للولايات المتحدة وإسرائيل، وإلى أنه يمكن القول بعد انتهاء زيارته إن "الولايات المتحدة عادت إلى الشرق الأوسط". واعتبر أن عودة الولايات المتحدة بقوة إلى الشرق الأوسط تأتي بعد تراجع وانقطاع دام 8 سنوات، وذلك كي تكون مرة أخرى القوة الأعظم والأكثر نفوذا، بما يعود بالفائدة أساسا على إسرائيل والدول العربية الحليفة للولايات المتحدة .[4]

وعطفا على موضوع الاستيطان فإن زيارة ترامب هذه المرة لإسرائيل لم تحمل أي موقف من المستوطنات، ففي زيارة نتنياهو للبيت الأبيض في شباط ذكر ترامب أن إسرائيل عليها أن "تكبح" جماح الاستيطان في الضفة الغربية، بينما في زيارته الحالية لم يذكر موضوع الاستيطان بتاتا. ولدى زيارة نتنياهو لواشنطن أشار ترامب إلى نتنياهو بأنه يفهم بأن عليه تقديم تنازلات للوصول إلى الصفقة بينما ذكر في زيارته لإسرائيل أن نتنياهو رجل سلام ومحب لشعبه. من خلال تحليل هذه التصريحات نرى أن ترامب بات أكثر متفهما للمصالح الإسرائيلية وأكثر منسجما مع توجهات الحكومية الإسرائيلية.

طبعا هناك من يعتقد أن ما ظهر في تصريحات ترامب لا يُعبّر عما دار بين الأطراف في المحادثات السرية وفي الغرف المغلقة. وقد اعتبر أصحاب هذا الموقف أن تصريحات وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بعد مغادرة ترامب إسرائيل تشكل دليلًا على هذا الموقف، حيث صرح تيلرسون بأن "حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سيطلق مسار الحل في الشرق الأوسط بمجمله". ونقلت "يديعوت أحرونوت" على موقعها الإلكتروني، أن وزير الخارجية الأميركي تيلرسون أجاب: "أعتقد أن ذلك عائد لكل دولة من الدول على حدة. لن أتكلم بالنيابة عنهم"، رداً على سؤال "هل استئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين هو الشرط لإقامة علاقات بين إسرائيل ودول أخرى في الشرق الأوسط أو أنه بالإمكان المضي قدمًا بالمسارين معًا؟".[5]

إجمـال
إلى أن تتضح عناصر رؤية إدارة ترامب إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يجوز اعتبار أن زيارة الرئيس الأميركي للشرق الأوسط مثلت تأييدا للموقف العربي المركزي فيما يتعلق بالبيئة الإقليمية، ومثلت تبنيا للموقف الإسرائيلي فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو على الأقل مثلت تبنيًا للرؤية الإسرائيلية حيال نقطة الانطلاق نحو تسوية الصراع، وأن هذا هو ما فعله ترامب في زيارته.

في ضوء ذلك فإن الجانب الفلسطيني كان الجانب الغائب في زيارة ترامب إلى المنطقة وإسرائيل، لكونه تجاهل الموضوع الفلسطيني في زيارته العربية، وتجاهل الحقوق الفلسطينية في زيارته لإسرائيل.

1.

. صرح أكونيس بذلك خلال لقاء معه مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، في برنامج الخامسة، يوم الثلاثاء 23\5\2017.

2.

أنظر على سبيل المثال لقاء إذاعة الجيش مع تسيبي ليفني رئيسة حزب "الحركة" وعضو الكنيست عن "المعسكر الصهيوني" في برنامج الخامسة، الأربعاء، 24\5\2017.

3.

موقع عرب 48، بوش الرئيس اليهودي الأول وترامب الرئيس الصهيوني الإسرائيلي الأول، 24\5\2017.

4.

المصدر السابق.

5.

يديعوت أحرونوت، تيلرسون: ترامب أوضح لنتنياهو وعباس أن عليهما التنازل، 24\5\2017.

جولة دونالد ترامب في المنطقة العربية وانعكاساتها المستقبلية

جولة دونالد ترامب في المنطقة العربية وانعكاساتها المستقبلية

 

 

جولة دونالد ترامب في المنطقة العربية وانعكاساتها المستقبلية

/بقلم: أ.د. وليد عبد الحي*

مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

 

أولاً: دوافع جولة ترامب:

تمثل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسبوع الأخير من أيار/ مايو 2017 مؤشراً أولياً على الخطوط العريضة لسياسته الشرق أوسطية، والتي يمكن تحديدها في ثلاثة اتجاهات كبرى هي:

1. أولوية البعد التجاري المالي على البعد السياسي في العلاقات مع الدول العربية.

2. أولوية ربط عدم الاستقرار الإقليمي بالدور الإيراني، وليس بانعكاسات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.

3. أولوية التطبيع العربي مع "إسرائيل" على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية.

وقبل الدخول في تحليل هذه الأولويات ودلالاتها المستقبلية، لا بدّ من الإشارة إلى أن ترامب يسعى لتحقيق إنجازات خارجية في أقاليم رخوة —كالشرق الأوسط— ليكبح تداعيات مآزقه الداخلية المتمثلة في هواجس تداعيات مزاعم حول صلة الروس بنجاحه في الانتخابات، والتي يبدو أنها قضية تأبى أن تتوارى؛ ثم محاولة تخفيف صورته المهزوزة لدى الرأي العام الأمريكي والتي رسمتها دوائر الإعلام الأمريكية والغربية؛ إلى جانب اتهامه "بعدم الأهلية" للمنصب من قِبَل نخبة مهمة من علماء النفس الأمريكيين (35 عالماً) والذين وقّعوا على بيان بذلك[1]؛ ناهيك عن دعوات أساتذة قانون دستوري في أبرز الجامعات الأمريكية لمحاكمته على مخالفات دستورية[2]؛ ومواجهته الداخلية مع دوائر الهجرة والمحاكم الاتحادية، والفارق الكبير بين خطاباته في حملاته الانتخابية وخطاباته بعد الانتخاب، في موضوعات عديدة داخلية وخارجية واتهامه بالكذب بنسبة تصل لـ 76% من أقواله كما سنبين لاحقاً.

بناء على هذا الوضع الداخلي لترامب اختار الشرق الأوسط، ليحاول تحقيق إنجازات تعزز مركزه الداخلي، ويسترضي جماعات ضغط مؤثرة في الجسد السياسي الأمريكي، مثل جماعة المُركَّب العسكري الصناعي Military Industrial Complex، واللوبي اليهودي الصهيوني، وبعض الشرائح المسيحية المتطرفة، لا سيّما من المحافظين الجدد وطبقة أصحاب رؤوس الأموال.

ثانياً: المرحلة الأولى من الجولة:

بدأت رحلة ترامب بالمملكة العربية السعودية، التي نظمت مؤتمراً إسلامياً عربياً أمريكياً في الرياض، تحدث فيه ترامب وغيره من القادة العرب، وانتهى المؤتمر ببيان يمكن التوقف فيه عند النقاط التالية[3]:

1. غياب أيّ إشارة في البيان —نصاً أو تأويلاً— وبشكل تام للصراع العربي الإسرائيلي أو القضية الفلسطينية أو الاحتلال للأراضي العربية، وبالرغم من إمكانية التعلل بالإشارات العامة وغير الواضحة لتسوية الصراعات في المنطقة، فإن تواري الموضوع الفلسطيني بشكل تام وراء دخان الموضوع الإيراني، يشير بشكل قاطع لمفهوم التحالف والشراكة الاستراتيجية التي نصّ عليهما البيان في فقرات لاحقة.

2. لما كانت الولايات المتحدة هي الطرف المركزي في المؤتمر، فإن خطاب ترامب يُعدُّ جزءاً من وثائق المؤتمر، وقد أشار ترامب في خطابه إلى أن حركة حماس (وحزب الله ومعهما بشكل ضمني حركة الجهاد الإسلامي) تقع كلها ضمن المنظمات الإرهابية التي تكررت الإشارة لها في البيان لمرات عديدة (وهو ما كُنتُ قد تنبأت به في مقال منشور في 17/10/2015، أي قبل أكثر من سنة ونصف، وقلت بأن "إسرائيل" وأمريكا تسعى لدمج حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله في إطار مكافحة الإرهاب)... . وهنا لا بدّ من ربط ذلك بجوانب أخرى وردت في البيان وهي:

‌أ. يقول البيان إن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي سيبدأ الانضمام إليه سنة 2018. وعلينا أن نلاحظ أن اسم التحالف هو التحالف الشرق أوسطي الاستراتيجي وليس التحالف العربي الإسلامي الأمريكي. فالاسم الأول يتيح لـ"إسرائيل" التقدم للعضوية خلافاً للثاني، الذي أشير له بتعبير "الشراكة بين الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة". فماذا لو تقدمت "إسرائيل" بطلب العضوية، إذ إن البيان يشير إلى إطارين هما "تحالف شرق أوسطي استراتيجي" وهو ما يشمل "إسرائيل" وإلى "شراكة عربية إسلامية أمريكية"، والتعبير الأول أوسع التزاماً من الثاني من حيث العضوية والمهام الموكلة له؛ بل إن درجة الالتزام بـ"التحالف" أكثر من درجة الالتزام بـ"الشراكة".

‌ب. ينص البيان على فتح باب التوقيع على اتفاقية تعاون في مجال مكافحة "تمويل الإرهاب"، ويتم ذلك —حسب البيان— من خلال تأسيس مركز لاستهداف تمويل الإرهاب. ولما كان الطرف المركزي في الاتفاق هو الولايات المتحدة، فإن ذلك يعني أن أيّ مساعدات عربية لمنظمات فلسطينية ستقع ضمن تمويل الإرهاب. وعليه فإن على حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي تحديداً أن تستعدا لاحتمالات أبرزها التضييق المالي عليهما —أو تجفيف مصادرهما المالية بلغة البيان— سواء من الأفراد في الخليج أم من الدول الخليجية؛ مع ملاحظة أن المراقبة ستأخذ طابعاً مؤسسياً، حيث جاء في نصّ البيان "تشكيل فرق عمل ولجان وزارية ورفع تقارير دورية" عن مدى تقدم هذه الجوانب. وهو ما يعني المتابعة لكل خطوة عربية أو إسلامية تجاه حركات المقاومة الفلسطينية المسلحة وأشخاصها بصفتهم تنظيمات "إرهابية" وفق التفسير الأمريكي.

‌ج. يدعو البيان إلى "التصدي ومنع الهجمات الإرهابية". وطبقاً لسياق المؤتمر وتوصيفاته فإن هذا التعبير يمتد بدلالاته إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، طالما أن ترامب وضع التنظيمات الفلسطينية المسلحة ضمن قوائم الإرهاب، وعليه فإن دول البيان ملتزمة بمعاقبة حماس، أو الجهاد الإسلامي، أو غيرهما في حال القيام بأيّ عمليات ضدّ الاحتلال.

‌د. نصّ البيان على تأسيس مركز عالمي (وتعبير "عالمي" وليس عربي أو إسلامي يشمل "إسرائيل" وغيرها) لمواجهة الفكر المتطرف. فهل سيمتد دور هذا المركز إلى الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى؟ إن مثل هذا المركز ينطوي على احتمال للضغط على العربسات والنايل سات لإغلاق المحطات الفضائية التابعة لحماس والجهاد الإسلامي (كما جرى مع قناة المنار). بل قد يمنع توزيع الصحف والمجلات أو مراكز الأبحاث التي تساند مواقف هذه التنظيمات، وقد يمتد الأمر إلى اعتبار أي مستوى من الانتفاضة في الأراضي المحتلة على أنه "تحريض وتعزيز لثقافة الكراهية".

ولا شكّ بأن مثل هذا البيان سيلقى رضاً كبيراً لدى اللوبي اليهودي، الذي يشعر ترامب بأنه في أمسّ الحاجة له في مواجهاته الداخلية مع القوى التي تمت الإشارة إليها.

ثالثاً: البعد التجاري المالي في المرحلة الأولى للجولة:

لقد نجح ترامب في عقد صفقة لبيع السلاح الأمريكي للسعودية، وفي جلب استثمارات سعودية للبنية التحتية الأمريكية، وهو ما جعل قيمة الصفقة تصل إلى نحو 400 مليار دولار. وهي صفقة ستُبهج جماعة المُركَّب العسكري الصناعي الأمريكي. ويكفي أن نعلم أن 15 من كبار المسؤولين في البنتاغون ممن عيّنهم ترامب هم من ذوي العلاقات المباشرة مع المركّب العسكري الصناعي الأمريكي (مثل جارد كوشنر، وبنيامين كاسيدي، وجوناثان هوفمان، وجيم ماتيس، وجون كيلي، وبات شانهان، وهيثر ويلسون، وكيث كيلوج، وتشاد وولف، ولورا رايس، ومايكل كاتنزارو، وجوستون ميكولي...إلخ). وكانت أولى مؤشرات العلاقات بين ترامب والمُركَّب العسكري الصناعي هو زيادة ترامب للإنفاق العسكري بنحو 54 مليار دولار[4].

إن الاتفاق السعودي الأمريكي الذي ينص على شراء أسلحة أمريكية بمبلغ 350 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة، حيث تبدأ بصفقة فورية قيمتها 110 مليار دولار، يعني أن المركّب العسكري الصناعي (الذي كشف عنه منذ أكثر من نصف قرن الكاتب الأمريكي رايت ميلز وحذر الرئيس الأمريكي الأسبق آيزنهاور في ستينيات القرن الماضي من خطورته) سيدفع نحو تأجيج النزاعات الدولية (دون انخراط مباشر فيها، وهو ما اتضح في خطاب ترامب في مؤتمر الرياض من أن على دول المنطقة أن تحمي نفسها بنفسها) لإفساح المجال لمزيد من مبيعات السلاح للمتصارعين. وهو أمر يتضح من حجم المبيعات العسكرية الأمريكية على المستوى العالمي بشكل عام والشرق أوسطي بشكل خاص، وهو ما يتضح في أن أغلب الحروب الإقليمية تدور بسلاح أمريكي مع الطرفين أو مع أحدهما.

يضاف لصفقات الأسلحة أنباء عن استعداد سعودي لاستثمار نحو 40 مليار دولار في البنية التحتية الأمريكية، ناهيك عن الاستثمارات الموجودة أصلاً في الأسواق الأمريكية.

لكن من الضروري التذكير بأن الرئيس السابق أوباما سبق له أن عقد اتفاقاً مع السعودية لمبيعات عسكرية بنحو 115 مليار دولار، لكن التنفيذ تعرض للعرقلة لخلافات حول السياسات السعودية الداخلية والخارجية[5].

من المؤكد أن السعودية تسعى لتضييق المجال أمام "ما تراه خيارات استراتيجية إيرانية" في المنطقة، كما أن طموحاً سعودياً بالتحول لدولة محورية في الشرق الأوسط قد يتعزز بمثل هذه الصفقات العسكرية، لكن نود التذكير بأن الاتحاد السوفييتي كان ثاني قوة عسكرية في العالم، غير أن البنية الداخلية كانت هي الحاكمة لمصيره، كما أن شاه إيران كان أحد أعمدة المنطقة لكن الوضع الداخلي حسم الأمر معه بشكل واضح. ومن هنا فإن السياسة السعودية ستواجه عقبات عدة في طموح تسعى له دول أخرى:

1. كيف سيتم التوفيق بين ضغوط أمريكية لمزيد من الإنفاق العسكري، وبين تراجع الدخل السعودي من مبيعات البترول التي تشكل المورد المركزي للاقتصاد السعودي؟

2. كيف ستوفق السعودية بين "طموح إقليمي يتوارى وراء صفقات سلاح" وبين حزام فقر اقتصادي إقليمي يحيط بها في كل من مصر واليمن والأردن والعراق، وقد يُلقي بظلاله عليها؟

3. هل ستستفيد السعودية من هذه الصفقة في عرقلة التقدم في مسار تطبيق قانون جاستا الذي أقره الكونجرس الأمريكي؟

من جهة أخرى، من الواضح أن السعودية تحاول استكمال مقومات الطموح الإقليمي من خلال بعض الخطوات الإجرائية مع الدول الكبرى الأخرى:

1. التوافق مع الروس على الاستمرار في سياسات الانتاج النفطي، لضمان استقرار الأسعار النفطية ومنع تدهورها.

2. استمرار تصدرها لقائمة موردي النفط ومستوردي السلع مع الاقتصاد الصيني.

3. من الواضح أن توجهات الرئيس الفرنسي ماكرون ستجعل الحركة الديبلوماسية السعودية أكثر "براحاً". فهل ستكتمل هذه التوجهات الخليجية بشكل عام بنوع من الضغوط الناعمة على السلطة الفلسطينية كمقدمة لتعديل المبادرة العربية، لا سيّما في موضوع اللاجئين والحدود، والطبيعة القانونية لأي كيان سياسي فلسطيني مقترح، ناهيك عن عملية التطبيع العربي مع "إسرائيل"؟ وهذا أمر يجب التعامل معه بجدية.

رابعاً: البعد الغائب في المرحلة الثانية:

تمثلت المرحلة الثانية في انتقال ترامب مباشرة من "السعودية لإسرائيل" وزيارته لحائط البراق، وتأكيده في خطاباته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على العلاقة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، والتزامه بأمن "إسرائيل"، ثم لقائه برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

ويمكن الإشارة لعدد من النقاط التي تستحق التأمل في هذه المرحلة من الجولة:

1. خلت كل تصريحات ترامب من أي التزام محدد بخصوص الإطار الذي ستتم فيه التسوية المأمولة من طرفه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فهو ملتزم بـ"السلام" دون تحديد لإطاره الدولي (قرارات الأمم المتحدة، أو قرارات اللجنة الرباعية، أو المبادرة العربية)، أو إطاره الأمريكي المعلن من الإدارات السابقة (قيام دولة فلسطينية منذ قبول الرئيس بوش بها).

2. خلافاً للموقف الأمريكي المعلن حول الاستيطان والاحتلال، فإن ترامب تجنب الإشارة لأي موضوع من موضوعات القضية الفلسطينية سوى الدعوة للسلام وبلغة إنشائية تغطي على الرغبة في التملص من أي التزام أمريكي سابق.

3. يلاحظ أن موضوع نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بقي في الظل، وعلى الرغم من بالونات الاختبار التي أطلقها الإسرائيليون قبيل وصول ترامب، إلا أن الموضوع بقي في نطاق "سيناريو المراوغة" الذي أشرنا له في تقدير استراتيجي سابق صادر عن مركز الزيتونة.

خامساً: التداعيات المستقبلية:

مع الإقرار بأن المؤسسات السياسية في النظام السياسي الأمريكي أقوى من الفرد، إلا أن دور الفرد يبقى له وزنه في سياق تفاعلات المؤسسات مع البيئة المحلية والإقليمية والدولية. وعليه لا بدّ من التوقف عند شخصية ترامب لوضعها في الاعتبار، عند محاولة فهم سياسته وتداعياتها المستقبلية وكيفية التعامل معه:

1. شخصية ترامب:

ما يلفت النظر أن الرئيس الحالي ترامب حظي بقدر غير معتاد من الحوارات حول "بنيته النفسية" أو السيكولوجية؛ وهو أمر لم تعرفه الرئاسات السابقة بهذه الحدة والتوسع في المناقشة؛ بل وحملت عشرات الصحف الأمريكية وبعض المجلات المتخصصة حوارات حول هذا الموضوع وبإسهاب يشير لقدر من القلق. وقد كان أغلبها من أطراف "أكاديمية" متخصصة، فهناك البيان الذي وقّع عليه 35 من الأطباء النفسيين الأمريكيين "ونشرت نيويورك تايمز، والأتلنتيك، ونيويورك ديلي نيوز... وغيرها مقتطفات من البيان[6].

وأهم ما ورد في بيان الأطباء النفسيين هو "أن ترامب غير مؤهل عقلياً لوظيفة قائد عام". ويرى البروفيسور جون غارتنر من جامعة جون هوبكنز أن ترامب يعاني من "نرجسية مرضية، ولديه خلل عقلي لا يؤهله لمزاولة الرئاسة[7].

ويتفق الجميع على "نرجسية" ترامب، لكن الخلاف بينهم على حِدَّة هذه النرجسية وكم مؤشر من مؤشراتها متوفر في شخصيته؟! فالتيار الأكبر يرى أن لديه ثماني خصائص من خصائص النرجسية المرضية (من بين تسع خصائص للنرجسية المرضية)، بينما يرى آخرون أن ترامب يعاني من أربع منها فقط. وتتمثل خصائص النرجسية المرضية طبقاً لهذه المساجلات في أن النرجسي:

‌أ. ينظر لإنجازاته العادية بشكل فيه قدر كبير من المبالغة بأهميتها.

‌ب. لديه وَهْم المثالية.

‌ج. يظن أن الناس العاديين لا يستطيعون فهمه، بل يحتاج لأشخاص غير عاديين لفهمه.

‌د. يستمتع بالإعجاب المفرط من قبل الآخرين به.

‌ه. يرى نفسه دائماً على حق.

‌و. يستغل علاقاته بالآخرين بشكل جشع.

‌ز. لا تعنيه مشاعر الآخرين.

‌ح. لديه وهم بأن الآخرين يحسدونه على ما هو عليه، وتأكلهم مشاعر الغيرة منه.

‌ط. متقلب، ويبرر مواقفه بشكل متعجرف.

إن أغلب ما وجده الباحث من دراسات أمريكية لشخصية ترامب منذ طفولته ومراحل تطوره، وصولاً لعالم المال والأعمال وعلاقاته الفردية وميوله العاطفية وغيرها من الموضوعات، التي يُعنى بها علم النفس السياسي، يشير إلى ما يلي:

أ‌. افتقاده للشعور بالأمن: ويعيد عدد من الباحثين ذلك في شخصية ترامب إلى ثلاثة عوامل:

1. مرحلة التحاقه بالأكاديمية العسكرية، والتي غرزت في نفسه إحساساً بأن الآخر هو "العدو"، فدائماً يتدرب على كيفية مواجهة طرف آخر، وهو ما جعل الشعور بالقلق من الآخر يغوص في أعماقه، ويتوارى وراء دافع آخر لكنه يعززه.

2. انغماسه في عالم المال والأعمال، جعله يشعر بأن اليد الخفية التي يعرفها الاقتصاديون تتسلل بين لحظة وأخرى، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار إمبراطوريات اقتصادية وشركات وبنوك عملاقة، وقد ذاق ترامب بعضاً منها.

3. طفولته تشير إلى أن مستوى المديح الذي كان ينتظره من الوالدين لم يرْقَ لنزعات الطفل. فبالرغم من الثراء والحياة الهادئة التي عاشها، لكنه لم ينل المديح الذي توقعه، مما جعله يطوي بداخله مشاعر القلق لمعرفة لماذا؟

ب. الكذب: تشير دراسة لتصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية إلى أن التحقيق فيما كان يقوله يقود إلى النتائج التالية:

· 2 % مما قاله صحيح تماماً.

· 7 % صحيح بنسبة عالية.

· 15 % نصف صحيح.

· 15 % كذب بنسبة عالية.

· 42 % كذب تماماً.

· 18 % كذب فيه شطط كبير.

وهو ما يعني أن 76% من تصريحاته كانت أقرب للكذب[8]، مقارنة بـ 29% لتصريحات هيلاري كلينتون.

ج. نرجسي بشكل كبير (كما سبق): يشير تحليل لكتابات ترامب والمقابلات الصحفية إلى أن لديه نرجسية عالية، تظهر في تكرار اسمه في مواضع كثيرة، وإحساسه بأن ما يستطيعه يعجز عنه الآخرون، ويطرب للمديح (وهو ما يتضح في كراهيته للإعلام لأنه لم يمدحه). ونظرته للآخرين توحي بقدر قليل من التعاطف الوجداني، بدليل أن لديه نزوعاً قوياً بل وجامحاً لتشويه صورة خصمه.

د. تفاوضه: تدل استنتاجات الباحثين الذين اهتموا بمن تفاوض معه في دنيا المال والأعمال بأنه:

1. يوظف كل أدوات القوة لديه من بداية التفاوض وبشكل شرس.

2. يُغرق الطرف الآخر في أدق التفاصيل مهما بدت بسيطة أو تافهة.

3. يميل لوضع الطرف المقابل في ظروف تفاوضية غير مريحة من خلال تشويه السمعة كما أشرنا سابقاً، وإيجاد بيئة تفاوضية محبطة للآخر تجعله يقبل بشروط ترامب.

4. لا يعرف تأنيب الضمير على ما يقع للآخرين في نطاق العمل التفاوضي.

5. إذا شعر أن عناده قد يقود للخسارة، فإنه يتراجع ولا يرى في ذلك ضيراً.

ه. ماذا يعني كل ذلك للمفاوض العربي:

1. على المفاوض العربي أن يضع في اعتباره أن ترامب لن يتورع عن الكذب عليه، وهذا يعني أن على المفاوض العربي أن لا يأخذ ما يقوله ترامب على محمل الجد، إلا في حدود لا تزيد عن 30%.

2. إذا ما اضطر المفاوض العربي للثناء على ترامب، فيجب ألا يتضمن ذلك الثناء مواقف سياسية، لأنه ينتظر دائماً ممن يتعامل معه أن يثني عليه مهما فعل.

3. لن يتوانى ترامب عن ابتزاز المفاوض العربي سواء أكان الموضوع سياسياً أم مالياً وبمستوى من الابتزاز غير الأخلاقي.

4. كل من يخالفه الرأي من العرب سيعمل على تشويهه تماماً في كل تصريحاته ومواقفه.

5. إذا شعر ترامب بأنه خاسر تماماً فإنه يتراجع ولا يرى في ذلك أيّ حرج (مواقفه مع الصين، ومع كوريا الشمالية، ومع الداخل الأمريكي، ومع موضوع الناتو، بل ومع السعودية...إلخ).

2. توجهات ترامب الكبرى وانعكاساتها على المنطقة العربية:

إن الإنفاق العسكري الأمريكي الذي أعلن عنه ترامب بزيادة 54 مليار دولار لتصل إلى 639 مليار (مجموع إنفاق الدول السبع التالية لها في الترتيب)، يستدعي التساؤل عن كيفية التوفيق بين هذه الزيادة وبين وعود ترامب بإنعاش الاقتصاد الأمريكي. فالولايات المتحدة التي تمثل 4,3% من سكان العالم تنفق 37% من الإنفاق العسكري والدفاعي العالمي.

إن أهم رافعة لتحريك النمو الاقتصادي الأمريكي هو الصناعة العسكرية، ويكفي أن نتنبه إلى بعض المؤشرات:

أ‌. 68% من نفقات البحث العلمي في الولايات المتحدة تذهب للأغراض العسكرية.

ب‌. 46% من الحروب (الدولية والداخلية) في العالم تتم بأسلحة أمريكية يحملها طرفا الصراع، و43% من الحروب يستخدم فيها أحد أطراف الحرب سلاحاً أمريكياً.

ج. كان نصيب الولايات المتحدة من مبيعات السلاح 33% من مبيعات العالم خلال الفترة 2011–2015.

د. من الواضح أن المعاناة من فترات الركود الاقتصادي أو تعثّر النمو (1929، و1970، و1987، و2008) تبعتها زيادة في الإنفاق العسكري، لأن ذلك يسهم في امتصاص البطالة وتطوير التكنولوجيا وتعزيز التجارة العسكرية...إلخ.

الملاحظ أن مشروع ترامب تضمن تخفيضاً في النفقات الخارجية، والإسكان، والبيئة، والكثير من المشروعات الفيدرالية لتعويض بعض الإنفاق العسكري، وكل ذلك يخدم المجمع العسكري الصناعي. ويكفي النظر في خلفيات الشخصيات المهمة في إدارة ترامب لفهم ذلك. وإذا كانت الدول التي صنفها ترامب خلال حملته بأنها الأكثر عدوانية، وهي الإرهاب، والصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وإيران تجعله يبرر زيادة الإنفاق، فإن المجمع العسكري الصناعي هو الذي يُحرّكه، ويكفي أن أحد ممثّلي المجمع قال "جئنا به لخدمتنا"[9].

الاتجاه الأعظم Mega-trend للسياسة الأمريكية (المستقبل البعيد):

من غير الممكن دراسة سياسة الولايات المتحدة في عهد ترامب بمعزل عن اتجاه أعظم للوضع الأمريكي الذي يميل تدريجياً للتراجع على المستوى العالمي، طبقاً لتقديرات عدد كبير من الخبراء في الدراسات المستقبلية أو غيرها (مثل بول كيندي، أو جون غالتنغ أو غيرهما).

بناء على ذلك فإن تحليل السياسة الأمريكية يجب أن يتم بناء على مديين، هما: المدى المباشر (فترة ترامب) والمدى البعيد (عشر سنوات أو أكثر). ولما كان المقام لا يسمح بتناول مؤشرات المدى البعيد، فإننا سنشير لبعضها على عَجَل، لرصد احتمالات السياسة الأمريكية على المدى القصير أو المباشر في المنطقة العربية لا سيّما في الموضوع الفلسطيني:

إن عالم الدراسات المستقبلية جون غالتنغ من أوائل من تتبعنا دراساتهم ونماذجهم خصوصاً أنه يجمع التخصص في علم الاجتماع وفي الرياضيات (يحمل درجة الدكتوراه في كل منهما)، وما يلفت انتباهنا هو سجله الحافل في مجال التنبؤ في الدراسات المستقبلية، ولعل نموذجه الأكثر مدعاة للانتباه هو نموذج رياضي صاغه في نظريته "تزامن وتعاضد التناقضات" synchronizing and mutually reinforcing contradictions سنة 1980[10]، ودرس فيها صعود وهبوط عشر امبراطوريات، وتوقع استناداً لنظريته أن ينهار الاتحاد السوفييتي في سنة 1990 (أي بعد عشر سنوات من نظريته، وهو ما وقع بالفعل).

وتتضح قدرة غالتنغ من خلال تنبؤاته الأخرى مثل: تنبؤه بوقوع الثورة الإيرانية، ووقوع اضطرابات ميدان تيانانمين الصيني 1989، ووقوع الأزمات الاقتصادية 1987 و2008 في الاقتصاد العالمي، ووقوع هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. لكن دراسته الأكثر صلة بالولايات المتحدة هي الدراسة التي نشرها سنة 2009، والتي تنبأ فيها بمسألتين مهمتين هما[11]:

1. أن الولايات المتحدة ستتراجع خلال 25 سنة، وبنى رؤيته استناداً لرصد 15 مؤشراً على التناقض في الجسد الأمريكي، من أهمها:

أ. التناقض الاقتصادي: فائض في الإنتاج، مع بطالة، ونفقات تلوث متزايدة.

ب. تناقض عسكري: خلافات مع الحلفاء في الناتو وخارجه حول من يتحمل نفقات الحروب (وهو ما يثيره ترامب حالياً).

ج. تناقض سياسي: التناقض بين أدوار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي مع الدور الأمريكي.

د. تناقض ثقافي: التناقض بين المكون المسيحي اليهودي والمكون الإسلامي والأقليات الأخرى (موضوع ملتهب الآن).

هـ. تناقض اجتماعي: تزايد الهوة بين الحلم الأمريكي لكل مواطن وبين تآكل الطبقة الوسطى (سيتعزز مع ترامب).

و. تناقضات دولية تظهر في التنافس الأمريكي مع الصين وروسيا (وهي واضحة الآن في مجالات عديدة).

2. العلامة الفارقة في هذا المسار يحددها غالتنغ في الحالة التي تبدأ فيها "نخب الأطراف تتذمر من القيام بمهمات الحروب نيابة عن المركز. وهو ما يشير لبدء انهيار الإمبراطورية وهو ما يتضح في موقف دول الناتو حالياً من الدور الأمريكي (تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً منذ 1945 في 37 دولة وقتلت 20 مليون فرد). ويرى غالتنغ أن تراجع الولايات المتحدة في المسرح الدولي سيقود لتداعيات داخلية قد تصل لحد تفكك الولايات المتحدة ذاتها أو تتحول لدولة كونفيدرالية.

وبعد انتخاب ترامب رأى غالتنغ ان التراجع سيبدأ قبل ذلك بخمس سنوات (2020) وأن الفاشية ستكون المظهر المركزي للانهيار، ويرى أن مواقف ترامب من المهاجرين تكيد لرؤيته[12].

3. المستقبل القريب:

بناء على ذلك، نرى أن المستقبل القريب يحمل القسمات التالية:

‌أ. إن تغليب التطبيع العربي مع "إسرائيل" على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، ستكون أوفر حظاً من الاتجاه المعاكس.

‌ب. إن محاولة فكّ تحالفات بعض القوى الفلسطينية المسلحة أو اقتراب بعضها الآخر من محور المقاومة سيتعرض لمزيد من الضغوط.

‌ج. إن أنصار التسوية السلمية سيواجهون هم الأخرون قدراً كبيراً من الإحباط، مما يجعلهم في موقف أكثر ضعفاً.

وبناء على ما سبق، فإن على المقاومة الفلسطينية أن تتوخى أقصى درجات الحذر، وأن تحاول استثمار القوى الحزبية والشعبية العربية (بغض النظر عن كل ما يشوبها) لأنها ستكون الجدار الواقي لها. كما أن عليها أن لا تنخرط بأي شكل في النزاعات العربية الداخلية، وأن تحاول ترميم علاقاتها مع "كل" من يقدم لها يد العون.

أخيراً:

من الضروري عدم استبعاد أن شبح الاتهامات ولجان التحقيق الداخلية التي تلاحق ترامب في أكثر من جانب "ربما" تلقي بظلالها على وهج الصورة السابقة فيرتبك المشهد بكامله. إن إقالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الأف.بي.آي (جيمس كومي) ومطالبة زعيم الديموقراطيين في الكونجرس بلجنة تحقيق مستقل، حول علاقات ترامب بروسيا، توحي أن الاضطراب ما زال يضرب الإدارة الأمريكية. ولا بدّ من التذكير بأن فضيحة ووترغيت بدأت في منتصف 1972 وانتهت بعد 26 شهراً عندما استقال نيكسون بعد شعوره بأن إدانته صارت مؤكدة... فهل سيتكرر المشهد؟ وهو ما قد يدفع ترامب لتأجيج أزمات خارجية لامتصاص آثار أزماته الداخلية وصورته المهزوزة، وقد يكون الشرق الأوسط هو الأكثر جذباً له لممارسة ذلك.

* أستاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة اليرموك في الأردن، وهو عضو مجلس أمناء جامعة الزيتونة في الأردن. عمل في عدد من الجامعات العربية، وشغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك بالأردن.


[1] Catherine Caruso, “Psychiatrists Debate Weighing in on Trump's Mental Health,” site of Scientific American magazine, 15/2/2017, https://www.scientificamerican.com/article/psychiatrists-debate-weighing-in-on-trumps-mental-health/

[2] https://www.aol.com/article/news/2017/05/14/harvard-law-professor-calls-for-trump-impeachment/22085951/

[3] تعرف على نص البيان الختامي للقمة العربية الإسلامية الأمريكية بالرياض، شبكة الإعلام العربية محيط، 21/5/2017، انظر: http://bit.ly/2qiO4LQ

[4] John Nichols, “Donald Trump Goes All In for the Military-Industrial Complex,” site of The Nation, 28/2/2017, https://www.thenation.com/article/donald-trump-goes-all-in-for-the-military-industrial-complex/

[5] Alex Ward, “What America’s new arms deal with Saudi Arabia says about the Trump administration,” site of vox, 20/5/2017, https://www.vox.com/2017/5/20/15626638/trump-saudi-arabia-arms-deal

[6] Catherine Caruso, “Psychiatrists Debate Weighing in on Trump's Mental Health,” Scientific American, 15/2/2017.

[7] May Bulman, “Donald Trump has 'dangerous mental illness', say psychiatry experts at Yale conference,” site of The Independent newspaper, 21/4/2017,

[8] https://www.usnews.com/news/articles/2015-12-21/fact-checking-website-donald-trump-lies-76-percent-of-the-time

[9] Mike Lofgren, The Deep State: The Fall of the Constitution and the Rise of a Shadow Government (New York: Penguin Books, 2016), pp. 100-150; see also Peter Dale Scott, The American Deep State: Wall Street, Big Oil, and the Attack on U.S Democracy (Rowman & Littlefield Publishers, 2014), passim.

[10] http://www.rawstory.com/2016/12/heres-how-the-us-empire-will-devolve-into-fascism-and-then-collapse-according-to-science/

[11] Johan Galtung, The Fall of The U.S Empire-And Then What (Peace, Development Environment) (Transcend University Press, 2009), passim.

[12] Nafeez Ahmed, US Power Will Decline Under Trump, Says Futurist Who Predicted Soviet Collapse,” 6/12/2016, https://motherboard.vice.com/en_us/article/us-power-will-decline-under-trump-says-futurist-who-predicted-soviet-collapse

Monday, May 22, 2017

خطاب ترامب يشكل تحولاً في الموقف الأميركي إزاء العالم العربي

خطاب ترامب يشكل تحولاً في الموقف الأميركي إزاء العالم العربي

هآرتس"، 21/5/2017

خطاب ترامب يشكل تحولاً في الموقف الأميركي إزاء العالم العربي

نتيجة بحث الصور عن ‪shalev haaretz‬‏

حيمي شاليف - محلل سياسي

•أحدث دونالد ترامب بالأمس انقلاباً، قد يكون تاريخياً، في مكانة الولايات المتحدة من العالم العربي. فقد قام بتحول بمقدار نحو 180 درجة عن السياسة التي انتهجها الرئيس الذي سبقه باراك أوباما خلال السنوات الثماني الأخيرة. وقف ترامب إلى جانب السعودية والسنة ضد إيران والشيعة، وبسط وصايته على الممالك، والإمارات، والمستبدين، والأنظمة العسكرية، والجمهوريات الشعبية في العالم الإسلامي، وأعفاهم بجرة قلم من معاقبتهم على عدم احترامهم لحقوق الإنسان ومن كل الكلام عن الديمقراطية الذي كان أوباما يعذبهم به. ومثل بنيامين نتنياهو قبله، فإن ترامب حالياً هو سيد محاربة الإرهاب، ويعتبر هذه الحرب هي كل شيء.

•إن التعارض بين خطاب ترامب المكتوب بصورة جيدة، والذي قرأه من المنصة بدون تسجيل على غير عادته، وبين الحماسة المعادية للإسلام التي تميز بها في الماضي، كان من الصعب فهمه. إن الشخص الذي زعم أن المسلمين يكرهون الولايات المتحدة، واتهم السعودية بالمسؤولية عن هجمات 11 أيلول/سبتمبر ودعا إلى منع المسلمين من دخول بلاده منعاً مطلقاً، تحول بين ليلة وضحاها، إلى شخص في منتهى العذوبة. لقد أثبت ترامب أمام دهشة العالم كله، أن لا قيمة للمنطق ولا معنى للكلام. وعرض ثالوثه المقدس: الانتهازية هي الآب، والبراغماتية هي الإبن، والنزعة السينية المطلقة هي الروح القدس.

•لقد أراد ترامب أن يكون خطابه على النقيض التام مع خطاب أوباما في القاهرة سنة 2009. فهو لم يعبر عن أسفه لعلاقة الغرب السيئة بالإسلام، ولم يشدد على الجذور الإسلامية التي ليست لديه، وبصعوبة ذكر مساهمة الإسلام في الحضارة. وهو لم يذكر التزام بلاده بالحرية والديمقراطية، ولا وعظ سامعيه بالحاجة إلى تحرير النساء، ومحاربة عدم المساواة، والدفاع عن حقوق الأقليات. وهو بالطبع لم يخصص 20% من خطابه للحديث عن النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني كما فعل أوباما. بل اكتفى بذكر مقتضب بشأن احتمال تحقيق سلام، وحذف أيضاً اسم إسرائيل من بين الدول التي تعاني من الإرهاب. 

•هل يتعين على إسرائيل أن تكون راضية عن الخطاب؟ الجواب يتعلق بالجهة التي نسألها. بالطبع الاستهداف الأميركي لطهران وحزب الله و"حماس" لاقى استحساناً في نظر نتنياهو وأتباعه. والوحدة السنية حول ترامب داخل جبهة معادية لإيران أمر إيجابي بالنسبة إلى من يعتبر الاتفاق النووي خطراً وجودياً. لكن يجب الانتباه إلى أن ترامب خصص الجزء الأكبر من الخطاب لمحاربة الإرهاب نفسه، بينما الفقرات المتفرقة ضد إيران بدا كأنها كُتبت بدافع من الواجب. وينطبق هذا على الإشارة القصيرة إلى الفلسطينيين التي بدا أنها على تعارض مطلق مع اللغة المتعاطفة التي أغدقها أوباما عليهم في خطاب القاهرة. وإذا كان الفلسطينيون غير راضين، فإن هذا يشكل سبباً للاحتفال بالنسبة إلى إسرائيل. 

•لكن على الرغم من ذلك، فهناك علامات كثيرة مثيرة للقلق بالنسبة إلى نتنياهو ووزرائه، فرئيس يتمتع بحماسة مسيانية من أجل تحقيق السلام ليس جيداً بتاتاً بالنسبة إلى المقتنعين بعدم وجود فرصة للتوصل إلى تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين. وإذا كان هذا ممكناً، فهم غير مستعدين للقيام بما هو مطلوب منهم من أجل تحقيقه. وعلى الرغم من أن إسرائيل دعمت وشجعت الولايات المتحدة على التقرب من السعودية والإمارات الخليجية واعتبرت ذلك فرصة ذهبية لاندماجها في جبهة معادية لإيران، فإن رضى ترامب الواضح على الاستقبال الملكي الذي أعده له السعوديون يوحي بأن الخطة العبقرية نجحت أكثر من اللازم. لقد كان العنوان البارز لخطاب ترامب دعوته الدول العربية إلى طرد الإرهاب خارج دولهم، وهو بذلك التزم بأن يقدم لهم تعويضاً وسيصغي إلى مطالبهم وسيفعل كل ما في وسعه من أجل حل القضية الفلسطينية في النهاية، وهي القضية التي تقلقهم منذ عدة عقود.

استراتيجية روحاني: تقليص تدخل الحرس الثوري في المنطقة

استراتيجية روحاني: تقليص تدخل الحرس الثوري في المنطقة

يديعوت أحرونوت"، 22/5/2017

 

استراتيجية روحاني: تقليص تدخل الحرس الثوري في المنطقة

 

أليكس فيشمان - محلل عسكري

•أجبر الرئيس الإيراني حسن روحاني، بصورة غير مباشرة، حزب الله على تقليص حجم قواته خاصة تلك العاملة في سورية. قد يبدو هذا القول غريباً: ما علاقة الرئيس روحاني- الذي ليس من  ضمن صلاحياته التأثير في نشر الثورة الإسلامية خارج إيران- بمصير حزب الله؟ يتضح أن الفوز الساحق الذي حققه روحاني في الانتخابات الرئاسية قد تكون له انعكاسات جوهرية على التدخل التآمري الإيراني في الشرق الأوسط، وعلى دعم طهران للتنظيمات الإرهابية المختلفة، وبالتالي على الوضع الأمني لإسرائيل.

•من بين المواجهات الدائمة بين روحاني وأعضاء الحرس الثوري طوال فترة ولايته السابقة وخلال المعركة الانتخابية الأخيرة كانت مسألة: إلى أين تتوجه الثورة الإسلامية الإيرانية؟ وبينما تحدث أعضاء الحرس الثوري المدعوم من المرشد الأعلى خامنئي عن مواصلة نشر الثورة خارج إيران كأولوية عليا، تحدث روحاني عن نظرة داخلية موجهة نحو داخل إيران، وعن التركيز على الاستقرار الاقتصادي. في الحرس الثوري تحدثوا عن زيادة التدخل في سورية وزيادة حجم قوات حزب الله فيها ودعم ذلك كله بالمال الإيراني. لكن روحاني المسؤول عن وزارة المال لم يكن مستعداً للدفع.

•يحاول روحاني تقليص تدخل الحرس الثوري ليس فقط خارج إيران بل في الاقتصاد الإيراني أيضاً. يسيطر الحرس الثوري على شرائح كاملة من الاقتصاد الإيراني- الصناعة العسكرية والنووية، والإعلام، والمواصلات البحرية والجوية- التي لا تساهم بأي شيء في تحسين مستوى حياة الفرد العادي. من هنا نشأت مطالبة روحاني بتقليص الدعم لحزب الله، الذي يتراوح سنوياً بين 700 مليون دولار ومليار دولار. وبسبب تأخر وصول الأموال الإيرانية اضطر حزب الله إلى تقليص وحدات وتخفيض رواتب والتقليل من الدعم لعائلات الشهداء.

•يقول روحاني: مهمة حزب الله الدفاع عن لبنان فقط، ونظراً إلى أن الحزب لا يهتم حالياً بالموضوع الإسرائيلي فيجب أن نقلص بصورة كبيرة الدعم المقدم له. ويعارض روحاني وجوداً واسع النطاق لوحدات الحرس الثوري [الإيراني] في سورية بسبب النفقات الكبيرة. علاوة على ذلك، فإن روحاني ليس مستعداً للاستمرار في الاستجابة لمطالب الحرس الثوري وتخصيص خط اعتماد مفتوح للنظام السوري. لقد انهارت الميزانية السورية ووضعت إيران بتصرف الرئيس الأسد منذ العام 2015 خط اعتماد مفتوح بقيمة ملياري دولار سنوياً. وفي 2016 برزت مطالبة بزيادة المبلغ لكن روحاني عارض. وفي النهاية جرى التوصل إلى حل موقت يقدم بموجبه إلى النظام السوري مبلغ أكثر تواضعاً. مما لا شك فيه أن فوز روحاني الساحق في الانتخابات الرئاسية سيكون له تأثير على حجم الميزانيات التي تخرج من طهران لدعم النظام السوري.

•في العام 2015، اغتيل جهاد مغنية المسؤول في حزب الله الذي عمل في هضبة الجولان، وأبو علي رضا رئيس شعبة العمليات في فيلق القدس التابع للحرس الثوري. وكان التقدير أن الحرس الثوري سيردّ بهجوم انتقامي ضد أهداف يهودية في الخارج. لكن كانت المفاوضات النووية في ذروتها، ونجح الرئيس روحاني الذي عارض أي عملية إرهابية في الخارج، في أن يفرض رأيه من خلال خامنئي. وعلى ما يبدو، فإن دبلوماسية الابتسامات لروحاني إزاء العالم، والتي تشمل أيضاً تخفيض الهجمات خارج إيران، مسألة لا يمكن الاستهانة بها. وفي رأي أتباع روحاني تصدير الثورة يجب أن يجري قدر الإمكان من دون استخدام وسائل عنفية. لكن إذا تسببت سياسة روحاني بضرر كبير لقوة الحرس الثوري الاقتصادية، أو عرقلت نشاطه في الخارج، فإن هذا يمكن أن يؤدي إلى صراع داخلي مرير ودموي.

•إن الرئيس الإيراني ليس إصلاحياً ليبرالياً، وهو غير قادر على التأثير في الموضوع النووي، ولن يتراجع العداء لإسرائيل في إيران. إن الجدل بينه وبين الحرس الثوري جدل إيديولوجي، لكنه في الأساس جدل اقتصادي بشأن سلم الأولويات، وربما نستطيع نحن أن نربح من ذلك شيئاً.

Wednesday, May 17, 2017

قلّة خبرة خطرة

قلّة خبرة خطرة
معاريف"، 17/5/2017
قلّة خبرة خطرة
نتيجة بحث الصور عن يوسي ميلماِن - محلل سياسي
يوسي ميلماِن - محلل سياسي
•بالأمس تجنّبت إسرائيل التطرق ولو تلميحاً إلى التقارير الآتية من الولايات المتحدة، والتي تحدثت عن كشف ترامب عن معلومات استخباراتية سرية للغاية خلال اجتماعه هذا الأسبوع مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وسفير روسيا في واشنطن. وهذا فقط ما كان ينقص المسؤولين الكبار في المؤسسة الأمنية: التورط في مشكلة مع ترامب الذي لا يمكن توقع ردود فعله، قبل زيارته إلى إسرائيل الأسبوع المقبل.
•في تقدير وسائل الإعلام الأميركية بالأمس أن المعلومات السرية وصلت من الأردن أو إسرائيل حيث لأجهزة الاستخبارات فيهما صلات وثيقة مع الاستخبارات الأميركية، كما أن لهاتين الدولتين قدرات جيدة. لدى الأردنيين قدرة أفضل على صعيد استخدام العملاء ويمكن افتراض أن إسرائيل تمتاز بالتكنولوجيا الاستخبارتية التي تغطي سورية وتنظيم داعش. وكانت صحيفة "نيويوك تايمز" ذكرت بالأمس أن المعلومات وصلت من إسرائيل، التي طلبت من الولايات المتحدة التعامل معها بمنتهى الحذر.
•وبغض النظر عن المصدر، فقد تناولت المعلومات مؤامرت إرهابية يخطط لها تنظيم داعش. ويمكن افتراض أن ترامب قال ما قاله بهدف تجنيد الروس وحثهم على العمل أيضاً ضد التنظيم الإرهابي، وهي جبهة يجرّون فيها أقدامهم جراً. لكن الكشف عن معلومات سيف ذو حدين، فالروس الذين يعملون في سورية من أجل تعزيز حكم بشار الأسد، يستطيعون نقل المعلومات إليه وربما أيضاً إلى حلفائه في الحرب الأهلية السورية - إيران وحزب الله. وكل طرف من هذه الأطراف يمكنه ان يستخدمها، إذا حصل عليها، بطريقة تعرض للخطر عمليات استخباراتية وتكشف مصادر معلومات. وفي عالم الظلال هذا ليس هناك من خطأ أكبر من خطأ عدم المحافظة على سرية المصادر وكشف عملاء. تذكروا قضية إيلي زعيرا [رئيس سابق للموساد، ومؤلف كتاب عن حرب تشرين/أكتوبر 1973 بعنوان "الواقع يحطم الأسطورة"] وقضية العميل المصري أشرف مروان.
•في الدولة الديمقراطية يجب على أجهزة الاستخبارات أن تقدم كل المعلومات التي في حوزتها إلى المستوى السياسي. وكان هناك زعماء في إسرائيل (مثل يتسحاق شامير ويتسحاق رابين) يطلبون الحصول ليس فقط على "ملخص تنفيذي"، بل وأيضاً معرفة مصادر هذه المعلومات. ومن الممكن افتراض أن ترامب لم يكشف المعلومات عن قصد، ولكن ببساطة، بسبب عدم فهمه لقواعد اللعبة الاستخباراتية. لكن إن كان فعل ذلك عن قصد، فتلك قصة أخرى تلامس الخيانة والتجسس.
•إن نقل معلومات إلى طرف ثالث من دون إذن من مصدرها، يلحق من دون شك الضرر بالثقة بين الدولتين، فالتعاون الاستخباراتي يعتمد قبل كل شيء على الثقة. ولا شك أيضاً في أن الأجهزة الاستخباراتية الأميركية محرجة من قلّة خبرة الرئيس. لكن ماذا تستطيع فعله؟ وهناك أيضاً مَن هم على مسار تصادمي معه، ونموذج على ذلك طرد ترامب رئيس الـ"أف. بي. آي" جايمس كومي من منصبه. في النهاية، ترامب هو الرئيس المنتخب والقائد الأعلى للجيش.
•وحتى قبل أن ينتخب رئيساً تورط ترامب في زلة لسان وتسريب معلومات استخباراتية حصل عليها حينها من خلال التقارير التي كانت تصل إليه.

•والآن تتحدث تقارير في أوروبا عن تفكير بعض الدول بعد الحادثة بتقليص تعاونها مع الولايات المتحدة. هذا كلام لا قيمه له، فالولايات المتحدة دولة عظمى استخباراتية، وجميع أجهزة الاستخبارات في العالم الغربي، وبالتأكيد في دول صغيرة مثل إسرائيل، تعتمد عليها. العلاقات هنا ليست علاقات متساوية. وحتى الذين يشعرون بالغضب من ترامب لا يستطيعون اتخاذ خطوات ضده لأنهم سيكونون عرضة للانتقام والعقاب الأميركيين. وإذا كان مصدر المعلومات بالفعل إسرائيل أو الأردن، فليس هناك ما يدعو إلى القلق- ستواصل الدولتان تعاونهما مع الولايات المتحدة، ولا سيما أنه ليس لديهما خيار آخر. لكن على الرغم من ذلك، فهما ستكونان أكثر حذراً.

Tuesday, May 16, 2017

مفهوم مُعدَّل للأمن القومي الإسرائيلي: المكونات، الجبهات والمحددات

مفهوم مُعدَّل للأمن القومي الإسرائيلي: المكونات، الجبهات والمحددات
هرتسيليا: معهد دراسات السياسة والاستراتيجيا، كانون الأول/ديسمبر 2016

مفهوم مُعدَّل للأمن القومي الإسرائيلي: المكونات، الجبهات والمحددات

نتيجة بحث الصور عن مركزهرتسليا
شاؤول شاي وأليكس مينتس - باحثان في مركز هرتسليا المتعدد الاختصاصات


•كان رئيس الحكومة ووزير الأمن، دافيد بن غوريون، هو الذي صاغ مفهوم الأمن الإسرائيلي في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. وقد افترض مفهوم الأمن هذا وجود عدم تناسب أساسي (من حيث الجوانب الجغرافية، الديمغرافية وحجم الموارد الاقتصادية) بين دولة إسرائيل والعالم العربي والإسلامي المحيط بها. وكان في صلب المفهوم الأمني إياه افتراض مفاده أن إسرائيل لن تستطيع التغلب على تخلفها العددي مقابل الدول العربية، وأن العامل الذي يحسم نتيجة نزاع متواصل هو القوة الكامنة التي تمتلكها الأطراف المتنازعة، وليس قوتها المتوفرة في لحظة عينية تحديداً. 
•لم يتبلور مفهوم الأمن الذي صاغه بن غوريون إلى عقيدة أمنية متماسكة، مكتوبة ومُلزمة، إنما بقي بمثابة "عقيدة شفوية" كانت مقوماتها الأساسية مقبولة من المؤسسة الأمنية - السياسية في دولة إسرائيل طوال سنوات وجودها. غير أن مفهوم الأمن الإسرائيلي، أصبح اليوم متقادماً وأقل أهمية وملاءمة في الواقع الدينامي السائد في الشرق الأوسط الراهن،  وبالنظر إلى وضع إسرائيل الجيو - استراتيجي وإلى ميادين القتال الحالية والمستقبلية. 
•تستوجب سيرورات العولمة، والثورات التكنولوجية في مجالات الاتصالات المختلفة، والإنترنت والفضاء، التغيرات الإقليمية والكونية، وتغير طبيعة وطابع الحروب، كما التغيرات في المجتمع الإسرائيلين إعادة النظر مجدداً في مفهوم الأمن وملاءمته للواقع الدينامي في القرن الحادي والعشرين. ونظراً لاضطرار دولة إسرائيل إلى مواجهة تشكيلة واسعة من التحديات المختلفة الأنواع، إلى جانب الفرص السياسية، فإن ثمة أهمية خاصة لتعديل، وتحديث وملاءمة مفهوم الأمن للمحيط الإقليمي والاستراتيجي المتغير. 
•جرت، على مرّ السنوات، بضع محاولات لتعديل مفهوم الأمن وتحديثه، غير أن حكومات إسرائيل المتعاقبة لم تتبن تلك المحاولات. في العام 2013، أقيم "منتدى هرتسليا لتحديث مفهوم الأمن" في "المركز المتعدد المجالات"، في هرتسليا، بهدف الاستفادة من خبرات المختصين الأكاديميين، وصناع القرارات وقادة الأجهزة الأمنية، في تشخيص الفجوات القائمة اليوم في مفهوم الأمن الإسرائيلي واقتراح مكونات جديدة وتعديلات ضرورية لمفهوم الأمن التقليدي. وهذا ينطبق، أيضاً، على استراتيجية الجيش الإسرائيلي التي نُشرت مؤخراً. 
استراتيجية الجيش 
•في مطلع 2016، نشر رئيس هئية أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي آيزنكوت، وثيقة بعنوان "استراتيجية الجيش الإسرائيلي"، والتي جرى على أساس مبادئها المركزية وضع الخطة المتعددة السنوات لبناء قوة الجيش وتحديد المتطلبات المالية لتطبيقها. بوثيقته تلك، أرسى رئيس هيئة الأركان فعلياً أسس عملية التنظيم الرسمي لمنطقة التماس ما بين مفهوم الأمن، من جهة، واستراتيجية الجيش الإسرائيلي، من جهة أخرى، وترجمتها إلى خطة عمل في مجال بناء القوة ومفهوم استخدام القوة.   ففي غياب مفهوم رسمي للأمن القومي، جاءت وثيقة رئيس الأركان هذه لتسدّ الفراغ. 
•تقدّر وثيقة استراتيجية الجيش الإسرائيلي أن :"(وثيقة) استراتيجية الجيش الإسرائيلي هي الأساس النظري والعملي لجميع الوثائق التأسيسية العسكرية. وبصفتها هذه، ترتكز على المصالح القومية الحيوية، وعلى الثوابت الأساسية في مجال الأمن القومي وعلى أسس التفكير والعمل العسكريين. وهي تُرشد إلى كيفية دمج ثوابت الأمن القومي الأساسية ضمن المبادئ والقواعد التي تقوم عليها العقائد العسكرية". 
•ينبغي لاستراتيجية الجيش الإسرائيلي، إذن، أن تكون مشتقة من مفهوم الأمن القومي، الذي يُفترض أن يكون مشتقاً بدوره من استراتيجية شاملة، كما هو مبين في التخطيط التالي: 
استراتيجية شاملة
مفهوم الأمن القومي
استراتيجية الجيش الإسرائيلي
                                          بناء القوة           منظور الاستخدام
 
•تحدد وثيقة استراتيجية الجيش الإسرائيلي أيضاً الأهداف القومية لدولة إسرائيل:
أ‌.ضمان وجود دولة إسرائيل، حماية سلامة ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها وسكانها؛
ب‌.الحفاظ على قيم دولة إسرائيل وطابعها، كدولة يهودية وديمقراطية وكوطن قومي للشعب اليهودي؛
ت‌.ضمان مناعة دولة إسرائيل، الاجتماعية والاقتصادية؛
ث‌.تعزيز مكانة دولة إسرائيل الدولية والإقليمية، إلى جانب السعي إلى تحقيق السلام مع جيرانها.
 
مكونات أساسية في مفهوم الأمن القومي المعدّل لدولة إسرائيل:
•يقف "مثلث الأمن" - الردع، الإنذار، والحسم - في صلب مفهوم الأمن القومي التقليدي. وقد أوصت "لجنة مريدور" في سنة 2006 بإضافة مركّب رابع إضافي إلى هذه المركّبات الثلاثة، على ضوء احتدام تهديدات ومخاطر الأسلحة على العمق الإسرائيلي وتفاقم مخاطر الإرهاب. وبناء على ذلك، قام مفهوم الأمن على "مربع الأمن" - الردع، الإنذار، الدفاع، والحسم. 
•الدفاع، الضلع الرابع الذي أضيف إلى "مثلث الأمن"، هو مجمل الجهود الأمنية اللازمة في المنظور القومي الواسع للدفاع عن الجبهة الداخلية (العمق الإسرائيلي) وحمايتها التي تحولت إلى ساحة قتال مركزية، مع التشديد على السكان المدنيين ومنشآت البنى التحتية القطرية. وينطوي الدفاع عن الجبهة الداخلية أيضاً على فرصة كامنة لتعزيز الردع، ولتوسيع هامش المناورة لدى القيادة السياسية، ولتعميق الشعور بالأمن والمناعة القومية، ولتقليص الضرر المحتمل للسكان المدنيين ولمنشآت البنى التحتية القومية. ويتمحور البُعد الدفاعي، بوجه مركزي، في مجالات الدفاع الفاعل والسلبي، وحماية الحدود، بما في ذلك "الجدار الأمني" [الاسم الإسرائيلي الرسمي لجدار الفصل العنصري الذي أقامه الاحتلال الإسرائيلي في مناطق واسعة جدا من الضفة الغربية المحتلة ـ المترجم] وأنشطة الحراسة في مواقع حيوية، وتجمعات سكانية وغيرها. 
•يقوم المفهوم الأمني الذي نقترحه ونوصي به على مكوّنين اثنين: أحجار الأساس في مفهوم الأمن القومي التقليدي (مع ملاءمتها للواقع وللتغيرات المتوقعة) وأربعة أحجار أساس جديدة: الوقاية (المنع)، والإحباط، العلاقات المميزة مع الولايات المتحدة الأميركية، والتحالفات الإقليمية، والتكيّف والملاءمة. وفي رأينا، من غير الممكن الاكتفاء بالنموذج التقليدي الذي يتركز، بصورة أساسية، في الردع [الموجّه لمنع] اندلاع حرب شاملة، وذلك حيال تهديدات السلاح غير التقليدي والإرهاب. ينبغي للمفهوم المعدّل أن يكون فعالاً، تجاه العوامل الدولتية أو غير الدولتية على حد سواء. وهو يرمي، في جوهره، إلى منع وتجنب المواجهة العنيفة، وفي حال الفشل في ذلك - إلى تعيين حدود المواجهة (من حيث "قواعد اللعبة"، حيز المواجهة ومدة المواجهة). إن التهديد الكامن في تبلور تحالف عسكري عربي يحاول احتلال دولة إسرائيل عبر هجوم مفاجئ هو تهديد غير موجود في الوقت الراهن، وثمة حاجة اليوم إلى تعزيز جدي في قدرة الردع حيال سيناريوهات متنوعة لمواجهات غير تقليدية، وكذلك حيال ساحات وجبهات قتال جديدة. ويتطرق مفهوم الأمن المعدّل الذي نقترحه إلى أربع ساحات جديدة لم يكن يشملها مفهوم الأمن التقليدي: السايبر، البحر، الفضاء، والمجال التحت أرضي (الأنفاق). 
 
 
 
التغييرات في مفهوم الأمن القومي
(مثلث) الردع، الإنذار، الحسم 
(مربع) الردع، الإنذار، الحسم، الدفاع
(مثمن) الردع، الإنذار، الحسم، الدفاع، المنع والإحباط، العلاقات المميزة مع الولايات المتحدة، التحالفات الإقليمية، الملاءمة
 
•ينبغي أن يأخذ المفهوم الأمني بالحسبان المقيّدات، أيضاً. أما المقيّدات الأساسية فهي اقتصادية (كما تجسدها ميزانية الأمن)، وقضائية ووجدانية. ويجب التأكيد على أن جزءا كبيرا من توصيات منتدي هرتسليا لمفهوم الأمن القومي تنسجم تماماً مع وثيقة "استراتيجية الجيش الإسرائيلي". 
 
ميادين المواجهة في مفهوم الأمن القومي
الميادين التقليدية: اليابسة، البرّ، الجو
الميادين الجديدة: المجال التحت أرضي، السايبر، الفضاء
محددات
ساحة الوجدان والإعلام
الساحة القضائية 
ميزانية الأمن 
 
توصيات
•يشمل مفهوم الأمن الحالي، التقليدي، ثلاثة مركّبات (الردع، الإنذار، الحسم)، إلى جانب مركّب الدفاع. أما توصياتنا بشأن تعديل مفهوم الأمن فهي: 
1.اعتبار المنع والإحباط مركّباً (خامساً) في مفهوم الأمن القومي لإسرائيل؛
2.اعتبار العلاقات المميزة مع الولايات المتحدة الأميركية مركّباً أساسياً (سادساً) في مفهوم الأمن القومي. وبناء عليه، يجب صون هذه العلاقات المميزة وتعزيزها، قدر الإمكان؛
3.اعتبار مسألة التحالفات الإقليمية والتسوية الإقليمية مركّبا أساسياً (سابعاً) في مفهوم الأمن القومي؛
4.اعتبار الملاءمة مركّباً إضافيا آخر (ثامناً) في مفهوم الأمن القومي. تفترض الملاءمة توفر التكيف والمرونة  إزاء دينامية التغيرات السريعة والمتواترة جداً. ويتعين على إسرائيل المبادرة إلى إملاء خطوات، وإلا فستنجرّ إلى توازن إقليمي جديد في الشرق الأوسط قد يتحقق من دون مُدخَلاتها ومساهمتها (Inputs). 
5.ينبغي لمفهوم الأمن المعدل لإسرائيل أن يغطي ميادين جديدة للمواجهة، مثل السايبر، الفضاء، المجال التحت أرضي (الأنفاق)، علاوة على التغيرات على الساحة البحرية. 
6.ينبغي لمفهوم الأمن القومي المعدّل لإسرائيل أن يأخذ في الحسبان، أيضا، مقيدات اقتصادية، وجدانية وإعلامية، فضلاً عن مقيدات مشتقة من قوانين وأحكام ومعايير القانون الدولي. 
7.الحسم: إلى جانب الحاجة إلى تحقيق حسم "تقليدي"، ثمة حاجة أيضاً إلى وضع تعريفات مجددة لمفهوم الحسم، حيال تشكيلة من سيناريوهات المواجهة المترتبة على التغيرات الحاصلة لدى الخصوم (لاعبون غير دولتيين) والتغيرات في طابع الحروب. 
 
8.ينبغي ألا ننسى أيضاً إرث بن غوريون الذي يقول بأن السعي إلى السلام يشكل عنصراً استراتيجياً هاماً في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي. 
__________
- ترجمة: سليم سلامة.
 .   تدل هذه العملية أيضاً على الحاجة إلى صياغة مفهوم للأمن القومي، وهذا ما كان يُفترض بالقيادة السياسية أن تقوم به، ومنه كان يمكن للجيش الإسرائيلي أن يشتق استراتيجيته. 
 .   استناداً إلى "ع ك د" مكونات وثائق التأسيس الأمنية والعسكرية، ماهيتها، أهدافها وترتيبها، هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، 4 - 10. 
 .   لمزيد من التفاصيل حول هذه التوصيات، أنظر: شاؤول شاي وأليكس مينتس، مفهوم أمن قومي معدّل لإسرائيل 2017. 
 

اتفاق إنشاء مناطق "خفض التوتر" في سورية: مخاطر على إسرائيل وفرص للتأثير

اتفاق إنشاء مناطق "خفض التوتر" في سورية: مخاطر على إسرائيل وفرص للتأثير
مباط عال"، العدد 928، 15/5/2017


اتفاق إنشاء مناطق "خفض التوتر" في سورية: مخاطر على إسرائيل وفرص للتأثير
نتيجة بحث الصور عن ‪inss‬‏
كرميت فالنسي وأوفيك إيش ماعس - باحثان في معهد دراسات الأمن القومي
•في 5 أيار/مايو، وفي ظل اليأس والتشاؤم اللذين أحاطا بالمحاولات المتكررة لحل الأزمة المستمرة منذ ست سنوات في سورية، وقعت كل من روسيا وإيران وتركيا، في العاصمة الكازاخستانية الأستانة، "مذكرة تفاهم لإقامة مناطق خفض للتوتر (de-escalation) في سورية." هذا الاتفاق الذي ضمنت الدول الموقعة تنفيذه هو رابع محاولة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في سورية خلال أقل من سنة. لكن الجديد هذه المرة هو إقامة 4 مناطق في مختلف أنحاء الدولة: المنطقة الأولى والأكبر تشمل محافظة إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة تقع في شمال سورية بالقرب من تركيا، وتتمركز فيها تنظيمات معارضة كثيرة ويعيش فيها نحو مليون مدني. والمنطقة الثانية هي عبارة عن الجيب الواقع بين مدينتي حماه وحمص، والذي يعيش فيه حالياً نحو 200 ألف مدني. أمّا المنطقة الثالثة فهي جيب يقع شرقي العاصمة دمشق، ويعيش فيه نحو 700 ألف نسمة. بينما تقع المنطقة الرابعة في جنوب سورية، وتضم أجزاء من محافظة درعا والقنيطرة القريبة من حدود إسرائيل والأردن، ويقيم فيها نحو 800 ألف شخص.
•إن الأهداف المعلنة للاتفاق، الذي دخل حيز التنفيذ غداة توقيعه، هي: الحد من القتال وحجمه؛ تخفيف الضائقة الإنسانية قدر الإمكان؛ السماح ببدء عودة اللاجئين إلى الدولة. أمّا الهدف النهائي فهو وضع الأسس لحل شامل للأزمة من خلال المحافظة على سلامة ووحدة الأراضي السورية (وبرؤية روسية)، وتهيئة الأرضية لبنية دولة فدرالية. ووفقاً للاتفاق سيحظر القتال بين النظام والمعارضة المسلحة في المناطق الأربع طوال ستة أشهر، مع إمكان التمديد، بما في ذلك نشاط سلاح الجوّ السوري. في المقابل، نص الاتفاق على استمرار الحرب ضد تنظيم داعش في مناطق خفض التوتر وفي شتى أنحاء سورية، وكذلك ضد هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وجهات إرهابية أخرى تتماهى مع الإسلام السني الجهادي. وسيتم أيضاً إدخال مساعدات إنسانية، كما سيعاود النظام تقديم الخدمات العامة مثل التزويد بالمياه والكهرباء وتهيئة الأوضاع لعودة طوعية للاجئين والنازحين. وتنتشر قوات عسكرية تابعة للدول الضامنة على نقاط العبور والمراقبة على امتداد تخوم المناطق الآمنة، من أجل الإشراف على تطبيق الاتفاق وفرضه.
•بيد أن الطرف الذي لم يشارك في هذا الاتفاق هم السوريون أنفسهم. وعلى الرغم من إعلان نظام الأسد التزامه بشروط الاتفاق (باستثناء شرط المراقبة الخارجية من قبل طرف ثالث) فلا شيء يضمن أن يفي بتعهداته. من جهتها، رفضت المعارضة السورية، التي اعترضت على تطبيق وقف إطلاق النار على جزء من أراضي الدولة فقط، بشدة الاعتراف الرسمي بدور إيران، فدعت إلى تدخل ضروري للولايات المتحدة والدول السنية برئاسة السعودية، التي كانت الغائب الأبرز في مفاوضات الأستانة (مندوب الولايات المتحدة حضر الاجتماعات لكنه لم يؤد فيها دوراً فاعلاً). ومن المحتمل أن يكون الاجتماع المقرر في 10 أيار/مايو في واشنطن بين الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف بمثابة مؤشر إلى انضمام الولايات المتحدة لاحقاً.
•منذ اندلاع الحرب في سورية وحتى اليوم تنتهج إسرائيل سياسة عدم التدخل، باستثناء منع هجمات عليها ومنع تهريب أسلحة متطورة إلى حزب الله. لكن المبادرة الروسية تزيد من الحاجة إلى إعادة تقويم هذه السياسة، لأن الخطوة الأخيرة تشكل مرحلة إضافية في بلورة مستقبل سورية وتنطوي على تحديات ومخاطر على عدة مستويات. 
•على مستوى الدول العظمى، وأيضاً على المستوى الإقليمي، من شأن غياب الولايات المتحدة عن إطار الاتفاق أن يجعل مسألة قيادة بلورة سورية ومستقبلها في يد روسيا وإيران والمحور الراديكالي، وفي يد تركيا أيضاً (التي مواقفها إشكالية تجاه إسرائيل)، ومن شأنه أن يترك مصالح إسرائيل الأمنية من دون تمثيل صحيح.
•أمّا على المستوى العسكري - الاستراتيجي، فيقدم هذا الاتفاق لإيران، بما أن جميع الأمور مرتبطة بروسيا، مكانة رسمية معترف بها في سورية المستقبلية، كما يمنحها شرعية للتمركز العسكري في الدولة، الأمر الذي يتعارض بشدة مع موقف المعارضة السورية ومع الخطوط الحمر التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الشأن. ووفقاً للاتفاق ستقوم قوات إيرانية بجزء مهم من الرقابة على تنفيذ الاتفاق، وبهذه الطريقة تكون إيران قد أُعطيت صلاحية إضافية لنشر قواتها على أراضي سورية واستخدام "جميع الوسائل المطلوبة" من أجل تنفيذ مهمتها. في هذه المرحلة، الأطر ليست جلية تماماً، وليس واضحاً ما إذا كانت هذه القوات ستشارك في مراقبة المنطقة القريبة من حدود إسرائيل.
•وعلى المستوى المحلي، ينطوي الاتفاق على خطر آخر هو احتمال العودة التدريجية لقوات نظام الأسد إلى مناطق لا تقع تحت سيطرته اليوم، من خلال عودة الخدمات الأساسية التي سيقدمها هذا النظام في مناطق خفض التوتر. ومن شأن تطورات في هذا الاتجاه أن تزيد من تبعية المواطنين في مختلف المناطق للنظام وستعزز تأثيره فيهم. وبينما سيحظى النظام بفترة سماح تتيح له ترميم الجيش وحشد القوة، وفي غياب مساعدة خارجية لتعزيز قدرة القوات المحلية على الدفاع الذاتي، بالإضافة إلى عدم تحسن قدرة السكان على الصمود الاقتصادي والاجتماعي، فإن مناطق خفض التوتر يمكن أن تجد نفسها بسرعة في موقع ضعف ومكشوفة أمام محاولات عودة النظام وحلفائه المعادين لإسرائيل.
•كما أن قضية عودة اللاجئين والنازحين إلى المناطق الآمنة تُعدُّ مشكلة إضافية معقدة وتطرح تحديات. إذ يمكن أن تتسبب عودة اللاجئين والنازحين إلى المناطق المدمرة غير المؤهلة لاستيعابهم بأزمة إنسانية ضخمة تلقي بظلالها على الوضع الداخلي في سورية، وعلى الدول المجاورة لها وبينها إسرائيل والأردن.
•وعلى المستوى التكتيكي، يمكن أن يؤدي إعلان وقف القتال بين النظام والمتمردين واستمراره ضد تنظيمات إرهابية، كما جرى في اتفاقات تهدئة سابقة، إلى استمرار مهاجمة قوات الأسد وروسيا المتمردين والسكان بحجة محاربة جهات إرهابية.
•من أجل الحؤول دون حدوث هذه التطورات السلبية ودون بلورة مستقبل سورية بصورة أحادية الجانب على يد المحور الروسي – الإيراني، سيكون من الصائب أن تعمل إسرائيل على محورين متقابلين: الأول، إظهار الحزم إزاء روسيا ومواصلة إبراز قوة إسرائيل وقدرتها على الإضرار بالجهود الروسية في المنطقة بهدف تحسين مكانتها التفاوضية. والثاني، تشجيع الولايات المتحدة والأردن والسعودية على إظهار تدخل أكبر في النقاشات الاستراتيجية المتعلقة بحل الأزمة في سورية، والدفع قدماً بالمبادىء التالية:
-عدم التوصل إلى اتفاق من دون تدخل ملائم من الولايات المتحدة ودول الخليج للمحافظة على توازن المصالح في سورية.
-احترام "الخطوط الحمر" التي وضعتها إسرائيل، وفي أساسها منع تمركز قوات تابعة لإيران وحزب الله جنوب سورية وغربها، ولا سيما في هضبة الجولان، وحظر استخدام الوسيط السوري لنقل السلاح إلى حزب الله.
-يجب أن تجري بلورة الاتفاقات المتعلقة بالمناطق المتاخمة للحدود بالتنسيق مع الدول المجاورة. وكما كانت تركيا طرفاً في الترتيبات المتعلقة بشمال سورية، فإنه يجب أن تؤخذ في الاعتبار مصالح الأردن وإسرائيل في جنوب سورية.
-يجب درس توسيع مهمات قوات الأمم المتحدة في الجولان "الأندوف" بصفتها الطرف المسؤول عن مراقبة واستقرار المنطقة في هضبة الجولان السورية، وعن تقديم المساعدة للسكان المدنيين.
-تنظيم قوات محلية براغماتية بدعم إقليمي ودولي ضمن أطر عسكرية فعالة، على أن تقدم لها خطط تدريب وعتاد وسلاح، سواء بهدف الدفاع عن السكان أو بهدف المشاركة في محاربة التنظيمات الجهادية في المنطقة.
-يجب أن تعمل دول الغرب ومنظمات دولية بدعم من الدول المجاروة، وبينها إسرائيل، على تعزيز الصلات بالسكان المحليين في جنوب سورية، وتقديم المساعدة الإنسانية والدعم بواسطة ترميم وتطوير مناطق خفض التوتر، بهدف منح هذه المناطق قدراً من الاستقلالية في مجالات الطاقة والإسكان والغذاء والزراعة والتعليم والصحة.
-تحديد حصص ومستويات استيعاب اللاجئين والنازحين بما يتلاءم مع وتيرة إعادة البناء وإقامة آليات للسيطرة والرقابة.
-بلورة آليات للتنسيق المشترك بين إسرائيل والأردن والولايات المتحدة، تجري في إطاره بلورة استراتيجيا مشتركة فيما يتعلق بمحادثات تسوية الموضوع السوري وإدارة الجهود العسكرية والمدنية في جنوب سورية. 
•إن اتفاق مناطق خفض التوتر هو محاولة لبلورة واقع جديد في سورية، وفي مناطق ذات أهمية واضحة بالنسبة إلى إسرائيل والأردن من دون أخذ مصالحهما في الاعتبار، ولا سيما مع احتمال نشوء تهديدات وواقع أمني جديد في جنوب سورية، الأمر الذي يشكل مؤشراً إضافياً لإسرائيل كي تعيد دراسة سياسة عدم التدخل التي تنتهجها في سورية، وكي تظهر حرصها على الدفاع عن مصالحها الحيوية.


Monday, May 15, 2017

مجازفة أردنية في سورية

يسرائيل هَيوم"، 14/5/2017

مجازفة أردنية في سورية
نتيجة بحث الصور عن ‪israel hayom‬‏
•في سنة 1970 دخلت القوات السورية إلى الأردن لمساعدة منظمة التحرير في صراعها ضد الملك حسين، والد الملك عبد الله، وإسقاط المملكة الهاشمية. وبطلب من الولايات المتحدة تجندت إسرائيل لمساعدة الأردن، فوُضع الجيش الإسرائيلي في حالة تعبئة، وأرسلت القدس رسالة صارمة إلى السوريين بواسطة واشنطن مفادها أنه إذا واصلت القوات السورية تقدمها في الأردن ستتدخل إسرائيل في المعارك. وقد فعلت الرسالة الشديدة اللهجة فعلها ودفعت السوريين، فضلاً عن أسباب أخرى، إلى التوقف قبل فوات الأوان، وتراجعت القوات السورية نحو أراضيها، وأصبح لإسرائيل دين على كل من الأردن والولايات المتحدة.
•بعد مرور 50 عاماً على ذلك، وبحسب تقارير في الإعلام العربي، فإن الأردن على وشك إرسال قواته إلى داخل سورية. يريد الأردنيون أن يقيموا على حدودهم مع سورية منطقة أمنية تبعد عناصر تنظيم داعش عن أراضيهم، وتشكل حاجزاً في حال حاول مقاتلون من إيران أو من حزب الله إقامة موطىء قدم لهم في جنوب سورية.
•هذه التطورات ليست مفاجِئة بل تأتي على خلفية استمرار القتال في سورية، وكل من اعتقد خطأ قبل بضعة أشهر فقط - بعد احتلال مدينة حلب، ثاني أكبر مدينة سورية، على يد بشار الأسد وحلفائه - أن انتصار بشار وبوتين والإيرانيين أصبح أمراً مفروغاً منه، اكتشف أن فرح دمشق وموسكو بالنصر كان سابقاً لأوانه. فالروس يفتقرون إلى قوات، سواء أكانت سورية أم إيرانية، قادرة على إخضاع التمرد والانتشار في شتى أنحاء الدولة وضمان الهدوء والتهدئة. وهكذا يواصل المتمردون القتال ويوجهون ضرباتهم إلى الجيش السوري.
•لهذا يعمل الروس على الدفع قدماً في اتجاه إقامة مناطق آمنة، الأمر الذي يعني تقسيم سورية إلى مناطق نفوذ بين مختلف اللاعبين. وبهذه الطريقة يحتفظ الأتراك لأنفسهم بمنطقة تحت سيطرتهم في شمال سورية، كما يستطيع الأميركيون والأكراد مواصلة الاحتفاظ بشرق الدولة (إذا نجحوا في طرد داعش من هناك)، ويُعطى الأردنيون منطقة لهم في جنوب سورية. في المقابل سيضطر الروس إلى التنازل عن ثلاثة أرباع الأراضي السورية، لكنهم يضمنون بذلك بقاء بشار الأسد في الحكم في غربي الدولة، والجزء المهم المأهول من سورية.
•ومثل إسرائيل، يواجه الأردن تحدياً صعباً، فقد تمركز تنظيم داعش على طول حدوده الشمالية ولديه فرع ناشط في منطقة حوض اليرموك (جيش خالد بن الوليد)، وبالإضافة إلى ذلك ينتشر مقاتلون تابعون له على طول مئات الكيلومترات على الحدود السورية - الأردنية. وقبل عامين حاول هذا التنظيم اختراق جبل الدروز لكنه طُرد من هناك، ناهيك عن أنه يتحمل المسؤولية عن قائمة طويلة من هجمات وقعت على طول الحدود، والأسوأ من هذا أنه أدخل الإرهاب إلى المملكة، إذ نفذ أعضاؤه أو المؤيدون له عدداً من الهجمات المؤلمة داخل الأردن.
•لكن إذا كانت الخلاصة المطلوبة في الماضي هي: بشار أفصل من داعش، فإن الخيار اليوم هو بين داعش والحرس الثوري الإيراني، ولا يريد الأردنيون لا هذا ولا ذاك. لذا اضطر الأردن إلى التفكير في إمكان التدخل في الأحداث السورية من خلال الاستعانة بالقبائل البدوية في الجانب السوري من الحدود وأيضاً بالدروز الذي يتخوفون على مستقبلهم. 

•في المقابل، لا يمكن أن تسمح إسرائيل لنفسها بالتدخل مباشرة في الحرب السورية، ومن الواضح أن الإرادة الطيبة التي تظهرها إزاء الطرف الثاني من الحدود من خلال تقديم مساعدة طبية وإنسانية لا تكفي. وحتى الآن تعلق القدس كل آمالها على موسكو من أجل منع قوات إيرانية من التمركز في الجانب السوري من الجولان، لكن للروس مصالحهم الخاصة في سورية، وقد ثبت هذا أكثر من مرة في الماضي. لقد حان الوقت لإيجاد حلول خلاقة أخرى. في الماضي تخوفت إسرائيل من نشوء جبهة شرقية معادية تمتد من رأس الناقورة وصولاً إلى النقب، واليوم لإسرائيل حدود شرقية آمنة نتيجة السلام مع الأردن، ولا يضر أن تمتد المنطقة الأمنية الأردنية شمالاً حتى منطقة الجولان.