Thursday, September 21, 2017

كيف تسعى قطر إلى إنشاء مسارات تجارية جديدة

كيف تسعى قطر إلى إنشاء مسارات تجارية جديدة

كيف تسعى قطر إلى إنشاء مسارات تجارية جديدة


متاح أيضاً في English

قطعت كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر في 5 حزيران/يونيو العلاقات الدبلوماسية مع قطر بناءً على مزاعم بأنّ الدوحة تدعم الإرهاب وتحتضن إيران وجدول أعمالها الإقليمي. وفرضت الدول الأربع بقيادة السعودية حظراً اقتصادياً على قطر تضمن قطع جميع الإمدادات الغذائية وإمكانيات الحصول على الأدوية، وتم ذلك عن طريق إغلاق الحدود البرية والبحرية. وتحقيقاً لهذه الغاية، أغلقت الدول الأربع أيضاً كل المسارات الجوية من الدوحة وإليها من هذه البلدان، مما أثر بشكل كبير على قدرة الخطوط الجوية القطرية على منافسة الشركات الإقليمية النظيرة.
بالإضافة إلى ذلك، تم طرد جميع المواطنين القطريين من السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة، كما منحت الدول الأربع رعاياها المقيمين في قطر مهلة أربعة عشر يوماً لمغادرة البلد المحاصر. ولكنّ مصر لم تفرض أي قيود سفر على رعاياها المقيمين في قطر ولم تطرد القطريين المقيمين في مصر، كما أنها لم تفرض حظراً اقتصادياً على الدوحة.
لم تقم قطر من جانبها بطرد أي رعايا من الدول الأربع واتخذت الحكومة خطوات ملموسة لضمان ألا تضطرب الإمدادات الغذائية والدوائية إلا بالحد الأدنى، وذلك من خلال توسيع التجارة مع تركيا وإيران وسلطنة عمان.
اتخذت الدول الأربع مختلف التدابير التصعيدية المتوفرة لها ضد قطر، باستثناء التدابير العسكرية. ومن الجدير بالذكر انه لا يمكن طرد قطر من مجلس التعاون الخليجي لأنّ ذلك يتطلب موافقة بالإجماع، بما في ذلك موافقة الدوحة نفسها. وفي ما يتعلق بالجامعة العربية، كان يمكن تعليق عضوية قطر، ولكن يبدو أنّ واشنطن تدخلت في المسألة عندما اتصل الرئيس دونالد ترامب بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي في 5 تموز/يوليو لمنع الدول الأربع من القيام بذلك، كما لم تتم مناقشة احتمال طرد قطري من جامعة الدول العربية منذ ذلك الحين.
التأثير الاقتصادي للحصار
كان أثر الحصار حتى الآن بسيطاً ولا يُذكر على الحياة والأعمال على أرض الواقع، فقد سعت الحكومة إلى نشر شعور بأنّ الحياة طبيعية على الرغم من العزلة الإقليمية التي تعاني منها الدوحة، وذلك باستخدام احتياطياتها الكبيرة لمواجهة تأثير الحصار، حيث يبلغ احتياطي البنك المركزي القطري 340 مليار دولار.
ما زالت أسس الاقتصاد القطري قوية ويتمتع النظام المصرفي بقدر جيد من الرساميل وسيولة كافية. ومن المفيد أيضاً أنّ نظامها المصرفي لا يعتمد على أي من جيرانها.
وعلاوة على ذلك، استثمرت هيئة قطر للاستثمار، وهي صندوق الثروة السيادية في قطر، مليارات الدولارات في السوق الدولية على مدى العقود الماضية.
ولكن مع ذلك، كان الحصار تجربة مكلفة للحكومة، إذ قطعت السعودية كل الإمدادات الغذائية عنها من خلال الحصار البري والبحري، بما في ذلك منتجات الألبان والدجاج واللحوم، مما أجبر الحكومة القطرية على تأمين إمداداتها الغذائية من أماكن أخرى.
ومن أجل تأمين الإمدادات الغذائية الفورية، أرسلت الحكومة القطرية في اليوم الأول من الحصار، أي يوم 5 حزيران/يونيو، طائرتيْ نقل عسكري من طراز سي-17 غل وبماستر إلى تركيا لنقل سلع استهلاكية أساسية. ويسهم أسطول قطر من طائرات النقل من طراز سي-17 أيضاً في التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" بقيادة الولايات المتحدة، وذلك من خلال نقل الجنود والإمدادات من قاعدة العديد الجوية إلى العراق.
أعلنت قطر في 4 حزيران/يونيو عن أنها ستزيد إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 30٪ في خلال السنوات الخمس إلى السبع المقبلة. ويؤكد هذا الإعلان على أنّ قطر - التي هي أصلاً أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم - لا تتجه إلى التحول نحو مرحلة التوسع السريع في الإنتاج بعد سنوات من النمو الضئيل فحسب، بل تستعد أيضاً لإمكانية فرض حصار شامل ومكلف عليها. وقد رحبت الصين وروسيا بالزيادة في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، مما قد يعزز علاقات الدوحة بكل من بكين وموسكو، إذ تشير الدلائل إلى أنّه لن يتم حل أزمة دول مجلس التعاون الخليجي عما قريب.
اختارت الحكومة القطرية عمداً عدم فرض أي قيود أو حصص إعاشة، وذلك كجزء من هدفها الواضح في الحفاظ على معنويات شعبها، في الوقت الذي واجهت فيه حالة من عدم اليقين الشديد في خلال المرحلة الأولى من الحصار، والتي تزامنت مع شهر رمضان المبارك.
وتحقيقاً لهذه الغاية، حددت الحكومة لنفسها هدف تزويد محلات السوبر ماركت كلها بالكامل صباح 6 حزيران/يونيو، واشتمل ذلك على تزويدها بمنتجات الألبان والدجاج والبيض والخضروات، وذلك حتى لا يتأثر المستهلكون. وقد تمكنت قطر من تحقيق هذا الهدف بفضل مصارفها الغذائية التي وفرت المجال اللازم للانتقال إلى سلاسل توريد بديلة.
وفيما تواصل الحكومة القطرية مراقبة أسعار المواد الغذائية عن كثب واستيعاب ما يعتقد أنها تكاليف تتعلق بتوفير الإمدادات الأساسية من أطراف ثالثة، لم يتم الإفراج بعد عن أي بيانات رسمية تتعلق بالتكلفة على الخزينة القطرية.
أمرت تركيا المتشوقة إلى دخول السوق القطرية الموردين الأتراك بالاستفادة من أزمة دول مجلس التعاون الخليجي من خلال زيادة الأسعار. وتمارس الحكومة التركية أيضاً ضغوطاً دبلوماسية على الدوحة لاختيار بائعين أتراك محددين والتوقيع على اتفاقيات طويلة الأجل. وأظهرت تركيا بسرعة من خلال قطاعها الزراعي الهائل قدرتها على تلبية طلبات السوق القطرية، ألا وهي 200 ألف طن من الخضروات يومياً وكمية غير محددة من منتجات الألبان يومياً. تبقى التكاليف اللوجستية المتعلقة بنقل الأغذية تحدياً طويل الأجل، ولكنّ الحكومة القطرية لم تصدر أي بيانات رسمية ذات صلة بهذا الموضوع.
أنشأت الحكومة القطرية المسارات التجارية التالية لتأمين الإمدادات الغذائية:
المسار الأول: طريق بحري من تركيا إلى الدوحة
المسار الثاني: طريق بري عبر تركيا ثم بحراً إلى الدوحة
المسار الثالث: من العقبة في الأردن ثم بحراً إلى الدوحة

وعلى الرغم من الأزمة، تتوقع الحكومة القطرية أن يصبح أي من مسارات النقل الثلاث أكثر فعالية مع مرور الوقت.
وكجزء من قرار الدوحة الاستراتيجي التخلي عن اعتمادها على الإمدادات الغذائية من السعودية، تسعى الحكومة إلى تنويع سلسلة التوريد. ولكن يتمثل أحد الدروس الرئيسية المستفادة من الحصار بضرورة أن تصبح قطر مكتفية ذاتياً في نهاية المطاف عندما يتعلق الأمر باللحوم ومنتجات الألبان والفواكه والخضراوات. وقد وسّعت قطر احتياطياتها في بنوك الأغذية وأنشأت تخزيناً للحبوب كجزء من هذا الجهد.
وفي الوقت عينه، تواصل الواردات عبر ميناء حمد ومطار حمد الدولي بشكل طبيعي.
نقلت قطر أيضاً سلسلة توريدها من ميناء جبل علي في الإمارات العربية المتحدة إلى مينائيْ صلالة وصحار العمانيتين، مما له انعكاسات استراتيجية على العلاقات بين قطر وعمان. لطالما اعتبرت سلطنة عمان دخيلاً على مجلس التعاون الخليجي، وقد سعت إلى حماية سياستها المتمثلة في الحياد وعدم التدخل من خلال الدعوة إلى حل سلمي للأزمة. وعلى مدى عقود، سعت الرياض مراراً وتكراراً إلى استخدام نفوذها الدبلوماسي لإقناع مسقط أن تأخذ زمام المبادرة في المسائل الإقليمية، وقد قاومت عمان ذلك. لذلك أدت الأزمة مع قطر إلى توتر عمان التي تخشى أن تواجه ضغوطاً من السعودية بسبب علاقتها التاريخية مع إيران.
الصادرات
تمثل تجارة قطر مع السعودية والإمارات والبحرين وفقاً لبيانات الحكومة القطرية أقل من 8% من إجمالي الصادرات. ويشمل ذلك صادرات الغاز إلى دولة الإمارات والتي لا تزال قطر تفي بها فيما تعد الإجراءات القانونية لتشتكي على الدول الأربع في منظمة التجارة العالمية بسبب الحظر الاقتصادي الذي تفرضه عليها.
توفر قطر لدبي بموجب الاتفاقيات التجارية المختلفة مع دولة الإمارات 80% من إمدادات الطاقة، كما توفر 40% من إمدادات الطاقة إلى دولة الإمارات. ومن غير المحتمل أن تقطع الدوحة إمدادات الطاقة إلى الإمارات العربية المتحدة، نظراً للشكوى التي تخطط لها في منظمة التجارة العالمية ضد دولة الإمارات بشأن قرارها - من بين أمور أخرى - بوقف الشحنات المتوجهة إلى قطر من ميناء جبل علي.
وعلى الرغم من الحصار، تبقى قطر أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم ولم تفوّت أو تؤخر أي شحنة واحدة وفقاً للحكومة القطرية.
وتمثّل الصادرات إلى آسيا، بما في ذلك اليابان والهند وكوريا الجنوبية والصين، نحو ثلاثة أرباع صادرات قطر – 150.1 مليار من 208,4 مليار ريال قطري. وظلت التجارة مع هذه الدول على حالها وفقاً لبيانات الحكومة القطرية، وهي تشمل تصدير الغاز الطبيعي المسال والنفط والبتروكيماويات.
الطيران
قد يكون القرار الأولي الذي اتخذته الدول الأربع بإغلاق جميع الطرق الجوية من الدوحة وإليها من بلدانها عاملاً استراتيجياً على حساب الخطوط الجوية القطرية. فمن خلال إجبار هذه الخطوط على تغيير مسارها للمرور فوق تركيا وإيران، لا تزداد التكاليف على المدى القصير فحسب، بل قد تفقد مكانتها في السوق في دول مجلس التعاون الخليجي ككل، وبخاصة في حال استمرار الأزمة.
واستشهاداً بما كتبه كل من إيمالاين أيفي جونسون وغرانت ت. هوكسهام في مقال مؤخراً لـ “‘انترناشونال بوليسي ديجيست' " International Policy Digest:
تعمل الخطوط الجوية ضمن هوامش ربح محدود، وثمة حقيقة في هذه الصناعة مفادها أنّ مقاعد درجة الأعمال والدرجة الأولى تولّد الأرباح، فيما تساهم مقاعد الدرجة الاقتصادية في تغطية تكاليف التشغيل. وقد أشارت الشراكة من أجل سماوات مفتوحة وعادلة أنّ شركة الخطوط الجوية القطرية قد أعلنت عن خسائر تشغيلية قدرها 703 ملايين دولار للسنة المالية 2017 المنتهية، وقد كان ذلك بعد تلقي ما يقرب من 500 مليون دولار في شكل إعانات. وبالإضافة إلى ذلك، أشارت "آرلاين ويكلي في 19 حزيران/يونيو 2017 ... إلى أنّ أداء شركة الخطوط الجوية القطرية كان الرابع الأسوأ في صناعة الطيران العالمية بأكملها" [التركيز من الشراكة من أجل سماوات مفتوحة وعادلة]. والقضية الرئيسية هنا هي أنّ هذا الأداء المالي الباهت قد وقع قبل تقييد حقوق التحليق. ويجعل هذا التقييد السفر الجوي أكثر تكلفة لشركة الخطوط الجوية القطرية اليوم.

فيما سعت حكومة قطر إلى التقليل من مخاطر الأزمة على اقتصادها وعلى الخطوط الجوية الوطنية على وجه التحديد من خلال التأكيد على أنّ أعمالها الخليجية وحدها هي التي تأثرت وأنّ مختلف الرحلات العابرة للقارات - التي تصل الدوحة بالأمريكيتين وأوروبا وأفريقيا وآسيا - لم تتأثر، قد تقع الخطوط الجوية القطرية ضحية للأزمة، سواء كان ذلك بإجبارها على تقليص أعمالها على خطوطها العالمية أو بمواجهة احتمال الإفلاس. ومن المرجح أن ينظر المراقبون إلى الخطوط الجوية القطرية للحصول على أدلة حول كيفية إدارة الدوحة للتحديات الاقتصادية التي فرضتها المقاطعة وكمقياس للصحة الاقتصادية الشاملة للبلاد.
تنويه:
يعتمد هذا التحليل بشكل كبير على مقابلات مع القيادة القطرية أثناء رحلة إلى البلاد مولتها الحكومة القطرية. ونظراً لحساسية الموضوع، طلب هؤلاء المسؤولون ذكر تعليقاتهم وآرائهم بدون إسنادها إليهم، وبالتالي حُذفت أسماء المسؤولين والمنظمات التي ينتمون إليها. ومع ذلك، أي أخطاء ارتكبت هي أخطاء ارتكبتها أنا لأنّ هذا تحليل برمته.

لا تعقد اجتماعات مع «الإخوان المسلمين» أيها الكونغرس

لا تعقد اجتماعات مع «الإخوان المسلمين» أيها الكونغرس

صفحات رأي ومقالات

لا تعقد اجتماعات مع «الإخوان المسلمين» أيها الكونغرس



 "ذي هيل"
13 أيلول/سبتمبر، 2017

سيُلقي العضو البارز في جماعة «الإخوان المسلمين» المصرية، عمرو دراج، خطاباً في "جامعة جورجتاون" يوم الخميس، 14 أيلول/سبتمبر، وسيحاول أن يوسّع أداءه الخطابي إلى جولة ضغطٍ، تماماً كما فعلت قبله وفود أخرى تابعة لـ «الإخوان المسلمين».
وسيكون من الحكمة أن يرفض المسؤولون الأمريكيون وأعضاء الكونغرس الأمريكي إجراء اللقاءات التي يطلبها دراج: فجماعة «الإخوان المسلمين» هي مجموعة دولية عدائية تسعى للإطاحة بالحكومات القائمة في المنطقة، ويجب ألا تبدي واشنطن أي اهتمام بالسماح لها بإحراز نصرٍ دعائي عبر مقابلة دراج خلال زيارته.
وتتعدد الجهات التي يحرّض «الإخوان» على كراهيّتها. فمنظمة دراج معروفة بالتحريض ضد المجتمع المسيحي في مصر، من خلال قيام «الإخوان» في كثير من الأحيان بتقديم تبريرات للهجمات الإرهابية على الكنائس وغيرها من الأهداف المسيحية. كما يروّج «الإخوان المسلمون» لنظريات المؤامرة المعادية للسامية، وقد نعوا موت أهم الإرهابيين مثل أسامة بن لادن و "الشيخ الضرير" عمر عبدالرحمن، وطوّروا تفسيرات للشريعة لتبرير الهجمات الإرهابية على مجموعة واسعة من الأهداف.
ويعكس هذا التعصب جدول الأعمال السياسي الطويل الأمد الخاص بـ«الإخوان»: فهم يسعون للوصول إلى السلطة في جميع بلدان الشرق الأوسط، ليوحّدوا بعدها هذه الدول تحت سيطرتهم ويعلنوا قيام "دولة إسلامية عالمية" أو خلافة جديدة. وفي الواقع، يُستبعَد جدّاً احتمال تحقق هذه الرؤية. فلم ينجح «الإخوان» في السيطرة على مصر لأكثر من عامٍ واحد، لذلك فإنّ فرصتهم للهيمنة على المنطقة ضئيلة بالفعل.
بيد أنّ «الإخوان» لا يرون الأمور على هذا النحو - فقد تم تلقينهم لكي يؤمنوا بأن منظمتهم ستحقق السيطرة على المنطقة، ويساوون هذه السيطرة مع انتصار الإسلام. وبالتالي، يعتبر «الإخوان» أن أي شخص لا ينتمي إلى صفوفهم - المسيحيون، اليهود، الغرب، المسلمون الذين يعارضونهم - هو من الأعداء الّذين عليهم إما أن يخضعوا وإما أن يُهزَموا.
ويقيناً، يعطي دراج صورةً مختلفة عن العديد من الشخصيات الإسلامية. فبعيداً عن كونه شخصاً متشدّداً ذا لحية طويلة، فهو مهندس يتحدث بلطافة ويحمل شهادة الدكتوراه من جامعة بوردو، وعمل لفترة وجيزة كوزير للتعاون الدولي أثناء فترة رئاسة زعيم «الإخوان المسلمين» محمد مرسي، الذي انتخب رئيساً لمصر في حزيران/يونيو 2012. لكن سلوك دراج اللطيف يعطي انطباعاً خاطئاً عن دوره الأساسي في أحد قرارات «الإخوان» الأكثر تعطشاً للسلطة - والتي تَبيَّن أنها مكلفة للغاية - خلال رئاسة مرسي التي دامت عامٍ واحد.
لقد شغل دراج منصب الأمين العام "للجمعية التأسيسية" التي يهيمن عليها الإسلاميون في مصر، والتي توصلت بالقوة إلى التصديق على دستورها في كانون الأول/ديسمبر 2012. وقد أدّت الطريقة الإقصائية التي استخدمها دراج في الإشراف على صياغة الدستور، واللغة المقيّدة للدستور المتعلقة بتفسير الشريعة الإسلامية، إلى تعزيز المخاوف الواسعة الانتشار من قيام «الإخوان» بفرض الثيوقراطية في مصر، وساهمت في التعبئة الجماهيرية ضد مرسي التي سبقت الإطاحة به في تموز/يوليو 2013.
وبعد الإطاحة بمرسي، هرب دراج إلى قطر، ثم إلى تركيا حيث أسس "المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية". ويعرّف المعهد نفسه على أنه مركز فكري للدراسات العلمية، ولكنه غالباً ما يروّج للتفسيرات العنيفة للنصوص الإسلامية. وفي إحدى مقالات المعهد، على سبيل المثال، يقول أحد الكتّاب السلفيين إن الجهاد "إلزامي لإنهاء الفتنة والشرك والكفر على الأرض"، ويكتب أن بإمكان غير المسلمين اعتناق الإسلام أو العيش في ظل الحكم الإسلامي، من خلال دفعهم "الجزية".
وفي مقال آخر للمعهد، جمع أحد الشباب الإسلاميين مقتطفات من كتاباتِ الشيخ محمد الغزالي، يدافع فيها هذا الأخير عن "الواجب المقدّس للأمة الإسلامية المناضلة بالجهاد من أجل إصلاح أي نظام لا يتماشى مع تعاليم الإسلام"، ويُحذّر من التهديد المفترض من العلمانيين.
وفي نصٍ ثالث، يُفسّر أحد أعضاء «الإخوان» الجهاد على أنه كفاحٌ شامل للجميع بل عنيف ضد الاستبداد - مما يعني صراعاً ضد الحكومة المصرية الحالية. (وقد كَتب بـ "أن الثورات ضد القتلة والسفاحين لا يمكن أن تكون إلا حربية").
على المسؤولين الأمريكيين وأعضاء الكونغرس أن يأخذوا هذا التطرف في عين الاعتبار عندما يطلب دراج عقد اجتماعات معهم خلال زيارته لواشنطن. وفي حين أن لِدراج مصلحة واضحة في ممارسة الضغوط ضد الحكومة المصرية التي تقمع بعنف جماعة «الإخوان»، يجب ألا يبدي المسؤولون الأمريكيون أي اهتمام بإعطائه فرصة لإحراز نصرٍ دعائي من خلال الترحيب به في مكاتبهم. وهذا ما سيسعى إليه دراج على وجه التحديد.
وبالفعل، يريد «الإخوان» أن يظهروا بأنهم يلقَون قبولاً لدى كبار المسؤولين في واشنطن، على الرغم من ترويجهم رؤية سياسية عدائية. على واشنطن أن ترد من خلال إيضاح إدراكها للمناصرة العنيفة التي يخفيها دراج إزاء قضيته، وأن تعيده إلى اسطنبول فارغ اليدين.

إريك تراجر هو زميل "استير ك. واغنر" في معهد واشنطن، ومؤلف الكتاب "الخريف العربي: كيف ربح «الإخوان المسلمون» مصر وخسروها في 891 يوماً".

خيارات براغماتية لقطاع غزة

خيارات براغماتية لقطاع غزة

خيارات براغماتية لقطاع غزة


متاح أيضاً في English

منذ أن طردت حركة "حماس" قوات "السلطة الفلسطينية" من غزة بشكل عنيف في 2007، فصّل تقرير تلو الآخر تقهقر البنية التحتية وحتمية الأزمات التي سيواجهها القطاع. وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من أن القطاع سيصبح غير قابل للعيش بحلول 2020 - وهو تحذير تكرره بشكل شبه سنوي منذ 2012، وبصوت أعلى وأكثر حزمًا منذ حرب 2014 بين "حماس" وإسرائيل. ورغم أن ذلك قد يبدو منافيًا للمنطق، إلا أن أي خطط استراتيجية كبيرة لإعادة إعمار غزة وتطويرها لن تكون ذات فائدة تذكر في الوقت الراهن. الضرورة الملحة تتمثل بخطوات مدروسة وبراغماتية وتكتيكية من أجل تغيير الوضع القائم، دون فرض أي شروط مسبقة غير واقعية قبل إطلاق مثل هذه الخطوات.       
ولم تمر دعوات التحذير من حدوث أزمة مرور الكرام. فخلال العقد الماضي، برز عدد من الاقتراحات الرامية إلى إرساء الاستقرار في غزة وتطويرها عبر مراكز بحوث وشركات وسياسيين أمريكيين وإسرائيليين وفلسطينيين وغيرهم. غير أن أياً من هذه الخطط لم تطبق على أرض الواقع.
وغالبًا ما يتحمل عدد من اللاعبين مسؤولية فشل التطبيق الفعلي لهذه الاقتراحات والخطط: "حماس" بسبب سيطرتها المتعنتة على غزة؛ قيود إسرائيل الصارمة على التنقل والتبادل من وإلى غزة؛ عدم قدرة "السلطة الفلسطينية" على التغلّب على "حماس" ودعم مصالح الشعب؛ إقفال مصر لدوافع سياسية المعبر الوحيد غير الإسرائيلي؛ عجز الولايات المتحدة عن التوسّط لإبرام اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ لا مبالاة معظم الدول العربية إزاء المشكلة الفلسطينية؛ وفشل المجتمع الدولي النسبي في التركيز بشكل كبير على تحسين الحياة في غزة، بدلًا من الإصرار المستمر على أنها مسؤولية إسرائيل حصرًا.  
ورغم أن هذه الاقتراحات تختلف من حيث التفاصيل والفلسفات، إلا أن خيوطًا مشتركة تجمعها، لا سيما غياب قابلية التطبيق الفعلي نظراً للظروف السيئة في غزة. فمعظم هذه الاقتراحات قائم على أساس افتراضيْن لم ولن يصبحا واقعًا في المستقبل المنظور: وحدة سياسية فلسطينية تحت مظلة "السلطة الفلسطينية" وكافة اتفاقاتها والتزامات ذات الصلة؛ ورغبة إسرائيلية في رفع كافة القيود عن التنقل والتجارة من وإلى غزة.
وطالما أن "حماس"، وغيرها من الجماعات في القطاع، تتبنى العنف كاستراتيجية في معارضتها السياسية ومحاربتها إسرائيل وترفض نزع سلاحها، لن تتشكل حكومة وحدة فلسطينية معترف بها دوليًا تضمّ "حماس" ولن يكون هنالك رفع كامل للحصار الإسرائيلي على القطاع الساحلي. فهذا الواقع، الذي يرافقه تقلّب المسار السياسي الفلسطيني، يجعل من المستحيل وضع خطط على المدى الطويل. هذا بالرغم من أن حركة "حماس" تتبنى مقاربة براغماتية عند تعاملها مع الأصدقاء والأعداء، على غرار تحالفاتها المتعاقبة مع لاعبين إقليميين أو قمعها لجماعات مرتبطة بتنظيم "داعش" في غزة. في الموازاة، واستنادًا إلى هذا المشهد غير المشجع، يدفع سكان غزة ثمنًا باهظًا بسبب عجز النظام السياسي الفلسطيني عن تلبية أبسط حاجاتهم الأساسية، ناهيك عن التعامل مع المسائل التي تعتبر أساسية وتعدّ ركيزة الصراع مع إسرائيل.   
يتمثل المسار الأفضل لسلوكه في المستقبل في اتخاذ خطوات على المستوى التكتيكي من أجل إرساء الاستقرار في غزة وتحسين نوعية الحياة وزرع بذور غير مكلفة لمشاريع تطوير مستقبلية واسعة النطاق على صعيدي البنى التحتية والاقتصاد، بالإضافة لضرورة قبول واقع الفصل بين غزة والضفة الغربية. وفي حين أن الوحدة السياسية بين غزة والضفة مهمة من أجل المحافظة على فرصة حلّ الدولتين، لدى المنطقتين اختلافات وفرص وتحديات سياسية واقتصادية ومجتمعية فريدة. فالوحدة والتضامن لا تعنيان تجانس الحاجات التنموية. وفي حال وجود فرص لتحسين ظروف سكان غزة قبل تحقيق الوحدة البعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى مع الضفة الغربية، لا بدّ من اغتنامها.    
يمثّل توفير التنسيق والمساعدة الدولية في قطاع غزة السبيل الوحيد لمعالجة معاناة الشعب الكبيرة، مع الأخذ بالحسبان أن المجتمع الدولي لا يرغب في ترسيخ سيطرة "حماس". ورغم عدم تلبية الكثير من حاجات غزة، يمكن أن تشكّل مسألتان مهمتان نقطتي انطلاق لتعزيز أمن وسلامة سكان القطاع: إدارة الكهرباء وحرية التنقل.  
نظراً إلى الطبيعة الجغرافية والسياسية التي تحكم تشغيل معبري إيرز ورفح، يبقى السكان رهينة ظروف لا سيطرة لهم عليها.
ويمكن لجزء مُتغاضى عنه من التاريخ أن يقدّم حلًا يعالج جزءًا كبيرًا من المعاناة في غزة مع أخذ الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية الإسرائيلية في الحسبان. فعقب أزمة السويس في عام 1956، تمّ تشكيل "قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة" في غزة للحفاظ على السلام في شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، وهذا ما فعلته لغاية صدور القرار الخاطئ والغير استراتيجي من قبل الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر القاضي بطرد القوات في مسعى لترهيب الإسرائيليين. الجدير بالذكر هو أنه قامت قوت الطوارئ بتشغيل مطار في غزة، وقد استفاد منه كل من القوات الدولية وسكان غزة الذين استقلوا طائرات تابعة للأمم المتحدة قاصدين وجهات متعددة مثل مصر ولبنان وقبرص.
لا يَخفى على أحد ارتياب وكره إسرائيل من الأمم المتحدة. ورغم ذلك، تترافق مظلة الأمم المتحدة مع عدة مزايا. أولًا، تتمتع هذه المنظمة بخبرة واسعة في مجال العمليات الجوية الإنسانية في مناطق تعاني صراعات وعدم استقرار. ويمكن تطبيق نموذج "دائرة الأمم المتحدة لخدمات النقل الجوي للمساعدة الإنسانية" بسهولة في غزة. فهذه المؤسسة تعمل بموجب شروط تختلف تمامًا عن منظمات الأمم المتحدة التي تنظر إليها إسرائيل بعين الريبة والنفور، على غرار "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأونروا) و"برنامج الأمم المتحدة الإنمائي". ثانيًا، تمثّل مظلة الأمم المتحدة الأمل الأفضل لإدخال أعداد كبيرة من المراقبين الدوليين وقوات حفظ السلام (الذين سيقتصر وجودهم في مجمع المطار) من دون أن يعتبر السكان المحليون هذا الوجود "احتلالًا أجنبيًا". فهذا هو الحال بشكل خاص نظرًا إلى الوجود التاريخي والحديث لوكالات مختلفة تابعة للأمم المتحدة في غزة، ويتلقى الآن نحو ثلثي السكان بعض المساعدات من هذه المنظمة. وصحيح أنه غالبًا ما يتمّ استخدام الآليات الجوية للأمم المتحدة لاستعمالات خاصة بها، سواء لنقل العاملين في المجال الإنساني أو نقل مساعدات، إمدادات ومعدات أممية، وفي بعض الأحيان تنقل طائرات الأمم المتحدة مرضى ومدنيين بحاجة إلى مساعدة، خارج الإطار العملياتي المعتاد، كما كانت عليه الحال عقب الزلزال في نيبال أو الفيضانات في باكستان.
من الممكن أن يتم تطبيق نموذج فعال عبر تولي الأمم المتحدة إدارة ومراقبة عمليات جوية لنقل الركاب الفلسطينيين، ويمكن ذلك عبر تشغيل الهيئة لمطار صغير لتلبية حاجات الناس المسافرين عبر ممرات مستقلة غير خاضعة لسيطرة إسرائيل أو مصر. وبدلًا من إنفاق مليارات الدولارات على المنشأة، بإمكان استثمار صغير تصل تكلفته إلى 200 مليون دولار أن يضمن الوصول للقدرة التشغيلية الأولية. ويُعتبر موقع مستوطنة غوش قطيف الإسرائيلية السابقة (مواصي خانيونس) على الساحل الجنوبي الغربي من القطاع الأفضل لإنشاء مطار مستقبلي في غزة. وسيسمح هذا الموقع، غير المطوّر بمعظمه، بإقلاع الرحلات وهبوطها على مقربة من البحر، وبالتالي تجنّب الحاجة إلى استعمال المجال الجوي فوق الأراضي الإسرائيلية والمصرية.         
في عام 1989، بعدما اتضح أنه لا بدّ من حصول تدخل كبير نظرًا إلى الحرب الأهلية السودانية الثانية والمجاعة الكاسحة، وفرت "عملية شريان الحياة للسودان" مساعدة إنسانية إلى جميع المدنيين المعوزين بغض النظر عن موقعهم أو انتمائهم السياسي. وتمّ نقل أولئك الذين هم بحاجة إلى السفر إلى داخل وخارج بعض المناطق بواسطة آليات مختلفة تابعة للأمم المتحدة، بما فيها الطائرات. وقد كان ذلك مثال لتعامل الأمم المتحدة مع جماعة مسلحة غير حكومية بحكم الضرورة، ولكن من دون إضفاء اعتراف رسمي أو شرعية عليها.
قد يسارع بعض المراقبين للإشارة إلى فشل الأمم المتحدة في جنوب لبنان في منع "حزب الله" من تخزين كميات كبيرة من الأسلحة. غير أن الظروف السائدة في غزة مختلفة تمامًا ولن يتمّ تكرار نموذج قوات "اليونيفيل" في القطاع. فجنوب لبنان، بخلاف قطاع غزة المُحدّد والمحدود من حيث المكان والمساحة، هو منطقة شاسعة يتمتع بتضاريس وجغرافيا تسهّل عمليات التهريب. كما أن سوريا، التي تتشارك بحدود واسعة مع لبنان، هي شريك مُتعاون مع "حزب الله" في تهريب الأسلحة، بخلاف مصر التي أقفلت فعليًا أنفاق ومسارات التهريب.
وسيشكّل ضمان أمن المنشأة ومنع حركة "حماس" من التدخل في عملياتها موضع اهتمام كبير بالنسبة لإسرائيل ومصر والأمم المتحدة. وعلى الرغم من التهديدات القائمة، ما من مسألة أمنية لا يمكن تخطيها. فيجب أن يتمتع المطار بالاكتفاء الذاتي بشكل شبه كامل ويعمل كدولة داخل دولة. كما يجب أن يكون مُسوّراً وآمناً بالكامل ضد أي محاولات اختراق ومليئًا بكاميرات المراقبة التي يمكن للسلطات الإسرائيلية مراجعتها عند الضرورة. أما مسؤولو المطار ومدراؤه، فيجب أن يكونوا من خارج قطاع غزة. ويمكن الاستعانة بأعضاء بعثة الاتحاد الأوروبي إلى معبر رفح والتي تولت تنظيم العبور البري كجزء من قوات الشرطة الدولية لحماية مبنى المطار وإدارته. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يخضع الموظفين لتدريب نخبة ويتمتعوا بنزاهة مُثبتة ويتقاضوا رواتب جيدة لتجنب احتمال قبولهم الرشوة.
وسيكون ضمان أمن المطار أسهل أيضًا بما أن المنطقة المقترحة في مواصي خانيونس تضم مساحات مفتوحة قادرة على تحمّل ودعم مباني كبيرة داخل المُجمّع.
ومن شأن جعل المطار يعمل كمنشأة مستقلة، معزولة عن البيئة المسيّسة التي يتواجد فيها، أن يحميه من أي مساعٍ قد تبذلها "حماس" للتدخل في تشغيل أو إدارة المنشأة. فخلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل، طلبت "حماس" إقامة مطار وميناء بحري في غزة للموافقة على وقف إطلاق النار. وقد يساور القلق البعض إزاء اعتبار إقامة مطار انتصارًا سياسيًا حققته الحركة الإسلامية. غير أن مطارًا لا يمكن لـ"حماس" أن تسيطر عليه أو أن تجني منه أي عائدات مالية، سيكون عديم الفائدة من الناحيتين السياسية والتكتيكية بالنسبة للجماعة. وليس من المفاجئ أن يتعارض ما هو مفيد لأبناء قطاع غزة مع مصالح حركة "حماس".
وفي بادئ الأمر، يجب أن يُركزّ المطار على تلبية حاجة سكان قطاع غزة للسفر بغرض الدراسة والعمل وتلقي العلاج ومزاولة العمل والمشاركة في أنشطة مهنية وشخصية. وفي نهاية المطاف، يمكن تحويله إلى شريان اقتصادي وإنساني للشحن بالنسبة للقطاع ويمكنه المساهمة في إنعاش اقتصاد غزة الراكد. علاوةً على ذلك، قد يساعد المطار على تنقل عمال المنظمات غير الحكومية والدبلوماسيين والصحافيين والخبراء الدوليين.
سيساعد تطبيق اقتراح المطار الإنساني الأممي على إرساء الاستقرار في غزة، وجذب مستثمرين محتملين والحؤول دون اندلاع حرب جديدة وإعطاء الناس متنفسًا وزرع بذور التطور. وقد يستخدم كنموذج صغير رخيص نسبيًا لإقامة مرفأ ومحطة كهرباء ومنشأة لتحلية المياه وغيرها من السلع الباهظة الثمن.
من جهة أخرى، يشير تفاقم مشكلة الكهرباء والتجاذبات التي لا تنتهي البتة بين "السلطة الفلسطينية" وحركة "حماس" حول هذه القضية إلى الواقع الذي لا مفر منه المتمثل بأن هذه المشكلة لن تتحسن طالما أن الفلسطينيين يتولون إدارتها. وتماماً كما أقدم "البنك الدولي" على إقامة "مصلحة مياه بلديات الساحل"، المنظمة المسؤولة عن خدمات المياه والصرف الصحي في غزة، قد يسفر ترتيب مماثل عن وضع إدارة الكهرباء تحت إشراف هيئة دولية مؤهلة ومحايدة. فنقل إدارة توليد الكهرباء وتوزيعها وجمع الرسوم التي يدفعها المستهلكون وصيانة البنية التحتية والإشراف على العملية برمتها إلى منظمة أو هيئة دولية قد يؤدي إلى تأسيس نظام فعال يديره متخصصون من شأنه أن يخفف معاناة سكان القطاع ويمكن في نهاية المطاف تسليمه إلى الفلسطينيين ليتولوا إدارته عندما تسمح الظروف بذلك.
ورغم أن "السلطة الفلسطينية" تفرض حاليًا تدابير صارمة لممارسة الضغوط على حركة "حماس" كي تستسلم، أثبتت عشر سنوات من التعنت أن هذه الجهود غير مجدية. لقد استغل الفلسطينيون تدابير عبر الأمم المتحدة لتحقيق انتصارات رمزية ضد إسرائيل خلال الأشهر الماضية. وبدلًا من التركيز على البيانات الرمزية والقرارات الغير الملزمة والغير المجدية، يجدر بـ"السلطة الفلسطينية" الترحيب ودعم خطة أممية لتدويل غزة. سيتيح هذا فرصة فريدة لدخول السلطة بغطاء دولي أممي غير تقليدي إلى القطاع وسيضمن القدرة على محاسبة التعديات والتجاوزات من قبل كافة الأطراف، بما فيها "حماس".
ومن بين كافة الجهات ذات العلاقة بشؤون غزة، تُعتبر إسرائيل أحد أفضل آمال سكان غزة للحصول على شريك براغماتي، يهتم فعليًا بتحقيق هدنة طويلة الأمد والسماح لقطاع غزة بالتطور. وبعد حل مشكلة جثامين الجنود والأسرى الحاليين الإسرائيليين في القطاع، يمكن أن نتوقّع من صناع القرار الإسرائيليين، الحاليين والمستقبليين على السواء، دعم المبادرات التي تُحسّن ظروف غزة بشكل براغماتي وسط أخذ حاجات إسرائيل الأمنية الشرعية في الحسبان في الوقت نفسه. فمعالجة مسألة انقطاع الكهرباء في غزة وإقامة مطار إنساني يتمتع بإدارة دولية وبالحماية الضرورية لسكان القطاع، سيساهم في إرساء الاستقرار في المنطقة وفي مساعدة سكان غزة، وأيضاً، في تحقيق مصالح ومكاسب مفيدة استراتيجياً لإسرائيل.

فصل المجتمع المدني عن الجهاديين في إدلب

فصل المجتمع المدني عن الجهاديين في إدلب

المرصد السياسي 2858

فصل المجتمع المدني عن الجهاديين في إدلب



 14 أيلول/سبتمبر 2017

خلال الأشهر الأخيرة، أسست «هيئة تحرير الشام»، الجماعة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» والتي خلفت «جبهة النصرة» و«جبهة فتح الشام»، معقلاً لها في محافظة إدلب في سوريا. ولكي تتمكن الأطراف الخارجية من منع المزيد من سيطرة الجهاديين على المحافظة، لا سيما في القسم الشمالي الغربي منها، ستضطر إلى فصل المجتمع المدني عن «هيئة تحرير الشام» فضلاً عن جماعة متطرفة أخرى هي «أحرار الشام».
الخلفية
تأوي محافظة إدلب، التي يبلغ عدد سكانها الحالي نحو مليوني نسمة، عناصر «هيئة تحرير الشام» و«أحرار الشام» على حد سواء، وهما جماعتان سلفيتان-جهاديتان كانتا في السابق حليفتين وأصبحتا اليوم متنافستين. ففي السابق، أنشأت الجماعتان بشكل مشترك ميليشيا «جيش الفتح» التي سيطرت على معظم محافظة إدلب في عام 2015. واليوم، في حين أصبحت «هيئة تحرير الشام» مدرجة على قائمة الإرهاب الأمريكية، تمكّنت جماعة «أحرار الشام» من تجنب تصنيفها كمنظمة إرهابية، رغم أنها تتشارك إيديولوجيا نظيرتها المتطرفة ورؤيتها القائمة على الشريعة الإسلامية إزاء الحوكمة.
وفي ظل إحكام قبضتها بشكل كبير على إدلب منذ عام 2015، استفادت «هيئة تحرير الشام» وتشكيلاتها السابقة من انتقال مقاتليها من جنوب ووسط سوريا، من بين مناطق أخرى. وخلال معركتها مع «أحرار الشام» في وقت سابق من صيف 2017، استولت الجماعة الجهادية أيضاً على أراضٍ حيوية ومنشآت عسكرية ومعابر حدودية على غرار عتمة وخربة الجوز وباب الهوى. كما استولت على أسلحة وذخائر من فصائل مسلحة أخرى، بما فيها «جيش المجاهدين».
واليوم، تأوي إدلب أكثر من 20 ألف مقاتل إسلامي - وما يصل إلى50,000  وفقاً لبعض التقديرات - إلى جانب أسرهم. ولا تكمن قوة «هيئة تحرير الشام» في تفوّقها العسكري فحسب بالمقارنة مع فصائل عسكرية أخرى، بل أيضاً في مرونتها عند التفاوض بشأن صفقة ما على غرار وقف إطلاق النار مع «أحرار الشام» في صيف 2017، حين اتفق الطرفان على تأسيس إدارة بقيادة مدنية، من بين تدابير أخرى. كما حققت «هيئة تحرير الشام» نجاحاً متواضعاً في حكمها مدينة إدلب من خلال رعاية مشاريع اقتصادية وتقديم خدمات وبسط الأمن، فضلاً عن حملة توعية عامة هدفت إلى جعل مجتمع إدلب متديّناً ومحافظاً، وصقل جاذبيتها في خضم ذلك.
توترات حول الحوكمة
مع ذلك، تواجه «هيئة تحرير الشام» مقاومةً من شرائح كبيرة من المجتمع المدني السوري. ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه، على الرغم من الأنشطة المذكورة، غالباً ما منحت الجماعة الأولوية للتغلب على خصمها «أحرار الشام» في مجال تقديم الخدمات. فعلى سبيل المثال، خلال الصراع مع «أحرار الشام»، فشلت الجماعتان في توفير الخدمات الأساسية للسكان مثل الكهرباء، على الرغم من أن نظام الأسد كان يتيح النفاذ مجاناً إلى البنية التحتية للطاقة الكهربائية. وبصرف النظر عن الدور الذي اضطلع به الأوصياء الجهاديون، لا يمكن تقسيم توزيع الكهرباء بشكل موثوق في إدلب حيث يعتمد السكان على مصدرين: مولدات ضخمة وكهرباء ذو جهد عالي توفره البنية التحتية للنظام، والتي يتمّ تزويدها لساعات قليلة فقط في اليوم. وبالتالي، وعلى الرغم من جهود «هيئة تحرير الشام» لإعادة تصنيف نفسها ككيان ثوري أصلي ومحلي، اعتبر عدد كبير من سكان إدلب أن سيناريو الكهرباء دليل على أن الجماعة تريد الاستئثار بالسلطة في المدينة أكثر من إدارتها بشكل منصف وفعال. وهكذا، لا يزال هؤلاء السكان يعتبرون الجماعة خطيرة وغريبة وغير مرحب بها.
وبعد أن انتصرت على «أحرار الشام»، تسيطر «هيئة تحرير الشام» حالياً على مصادر الطاقة الكهربائية في إدلب بما فيها الفرع المحلي لـ"مؤسسة توزيع الكهرباء" الرسمية. ومقابل كل نوع من أنواع إمدادات الكهرباء (سواء عبر المولدات أو تلك التي يوفرها النظام)، يدفع سكان إدلب رسماً يبلغ حوالي 5 دولارات/للأمبير الواحد. ووفقا لمنظمة غير حكومية مقرها في إدلب وناشطين محليين سوريين آخرين، تسعى الآن «هيئة تحرير الشام» إلى السيطرة على المياه والاتصالات وغيرها من الخدمات في حين يبدو أنها تحدّ من أنشطتها العسكرية. وستسفر مثل هذه السيطرة، التي تطمح إليها الجماعة بوضوح، عن المزيد من الأموال وتساهم في تعزيز وجودها الإقليمي بشكل أكبر.
وفي آب/أغسطس، سعت «هيئة تحرير الشام» إلى إطلاق "إدارة مدنية" تتولى قيادة المناطق "المحررة" في إدلب، مما يعني محاولة تخريب عمل المجالس المحلية المنتخبة والمدعومة من الولايات المتحدة وبريطانيا. ووفقاً لناشط يعمل أيضاً كمقاول لصالح منظمة غير حكومية مموّلة من الولايات المتحدة، تسعى «هيئة تحرير الشام» كلياً إلى انخراط أكبر في الشؤون السياسية والمدنية للمجتمع - وإظهار قدرة مُقابِلة للحوكمة.
وما يُظهر رغبتها في السيطرة على كافة مرافق الحياة في إدلب، أقدمت الجماعة على وقف مشروع لتنظيف الشوارع في مدينة إدلب في آب/أغسطس، زاعمةً أنه مدعوم من الولايات المتحدة ومرتبط بمجلس محلي. ووفقاً لناشط آخر، جاء أعضاء «هيئة تحرير الشام» إلى مستودع، حيث قاموا بإزالة كافة معدات التنظيف وهددوا المشاركين بعدم مواصلة المشروع. وأضاف الناشط أن سكان إدلب لم يكونوا راضين عموماً عن التدخل المفرط لـ «هيئة تحرير الشام» في مجال المجتمع المدني.
الفكر السلفي الجهادي 'الشامي'
على الرغم من أن «هيئة تحرير الشام» و«أحرار الشام» تنتميان إلى مدارس فكرية متشابهة، اكتسبت الجماعة الأولى تصنيفها الإرهابي بفضل إعلان ولائها في وقت سابق (خلال فترة «جبهة النصرة») لتنظيم «القاعدة» وزعيمه، أيمن الظواهري. ووفقاً لبعض المحللين، مثل رامي دالاتي، وهو إسلامي سوري "معتدل" مقيم في تركيا، يتمثل اختلاف آخر بين الفريقين في أن «أحرار الشام» لا تؤمن بفكرة الجهاد العالمي - أو استخدام الصراع المسلح لتوسيع العالم الإسلامي.
وفي غضون ذلك، يبرز منحى سلفي- جهادي جديد في إدلب يركّز على الشام (سوريا الكبرى)، مقارنةً بالمنحى "السلفي-الجهادي في نجد"، المرتبط بالسعودية. (ونجد هي المنطقة السعودية الأكثر ارتباطاً بالسلفية في المملكة). وقد استقطبت السلفية ذات القومية السورية بالفعل غالبية الإسلاميين وقادة الميليشيات العاملين في إدلب، ومعظمهم من «هيئة تحرير الشام» و«أحرار الشام». ووفقاً لعدة دراسات، مثل "السلفية، والجهادية، وتعريف الإسلام السني"، التي نشرها روب جاي ويليامز في عام 2017، فإن إحدى الطرق التي تختلف فيها "السلفية الشامية" عن الوهابية تتضمن تقاربها الكبير من الصوفية. وبطبيعة الحال، كانت الوهابية أساس الفلسفة السلفية-الجهادية التي اعتنقتها الجماعات الإرهابية مثل تنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية».
ومن جهتها، تأثرت إيديولوجيا "السلفية الشامية" بعدد من العلماء الإسلاميين "الإصلاحيين"، مثل علي الطنطاوي (1909-1999)  وبهجت البيطار (1894-1976( وعصام العطار (وُلد عام 1927). ويُعتبر العطار، الذي تزعَّم سابقاً جماعة «الإخوان المسلمين» في سوريا، مفكّراً سلفياً شامياً لأنه رفض التفسير المتطرف للقرآن و "السنّة" المعتمدين من قبل العلماء التقليديين. ووفقاً لرامي دالاتي، فإن "عصام العطار سلفي، لكن برنامجه السياسي كان "إخواني" التوجه [مرتبط بجماعة «الإخوان المسلمين»]. وتؤمن "السلفية الشامية" بالتغيير التدريجي، وبأن تطبيق الشريعة الإسلامية يجب أن يحصل من الأسفل إلى الأعلى، تماماً مثلما يفعل «الإخوان المسلمون». وفي المقابل، يرفض تفكير تنظيم «القاعدة» والوهابية التغيير التدريجي".  
ومن بين الانحرافات المحددة التي تروّج لها "السلفية الشامية" هي حظر أي شكل من أشكال "الحدود" - ما يشير إلى العقاب البدني لارتكاب جرائم ضد الله - وقطع الرؤوس، في تعارض واضح مع ممارسات تنظيم «الدولة الإسلامية». وبرأي دالاتي، تسارع "سلفية نجد" إلى فرض عقوبة "الحدود"، في حين تعتبر "السلفية الشامية" أنه يجب حصر "الحدود" بأولئك الذين يرتكبون انتهاكاً فاضحاً لقانون الله على النحو الذي تحدده عملية محددة جداً و"شاملة".  
ولا يقتنع ممثل «أحرار الشام» السابق لبيب النحاس بفكرة "السلفية الشامية" الناشئة. وبدلاً من ذلك، يعتقد أن «هيئة تحرير الشام» وزعيمها أبو محمد الجولاني، سيسعيان إلى إنشاء جماعة "وطنية" متميّزة عن تنظيم «القاعدة» يمكنها في نهاية المطاف وضع التنظيم الأم العابر للحدود وفروعه السورية في صراع. وخلال مقابلة عبر الإنترنت، وصف النحاس الجولاني بـ"المخادع" الذي "لم يهتم قط حقاً بتنظيم «القاعدة» أو بالجهادية"، بل ما يهمه هي السلطة فقط. ويرى النحاس أن جعل «هيئة تحرير الشام» جماعة وطنية سيعود بنتائج عكسية على الجولاني، مما يؤدي إلى مواجهات مع عدد من الجماعات الإسلامية المتطرفة النافذة الأخرى التي اعتبرها الجولاني سابقاً أنها تخدم مصالحه الخاصة.      
السياسة الأمريكية
من الممكن أن تكون التداخلات بين «هيئة تحرير الشام» و«أحرار الشام» مربكة إلى حدّ كبير بالنسبة إلى الجمهور الغربي، لا سيما بالنظر إلى أن مختلف القادة في الجماعتين نادراً ما يتكلمون الإنجليزية بطلاقة. ويمثّل التباعد عن "سلفية نجد" - والمرونة والبراغماتية التي تنطوي عليها - سبباً آخر لمزيد من الارتباك.   
ومن حيث المبدأ، سيتطلب إضعاف «هيئة تحرير الشام» تواجداً عسكرياً أمريكياً محدوداً، يشمل بعض القوات الخاصة، والاستخدام المحتمل لطائرات أمريكية بدون طيار لاستهداف زعماء متطرفين محدّدين واستحداث فصائل جديدة لتكون شريكة محلية وتنفذ عمليات برية. وسيُطلب من هؤلاء المقاتلين في النهاية الانتقال من قرية إلى أخرى لتعقّب أخطر المتطرفين ومؤيديهم.    
وفي إطار أي مسعى أوسع يرمي إلى دحر «هيئة تحرير الشام» بالكامل في إدلب، لن تحظى الولايات المتحدة على الأرجح بالكثير من المساعدة من قوى أخرى. ومن المستبعد أن تتدخل شريكة محتملة، هي تركيا، نظراً للصراعات القائمة في سوريا والتركيز على قوات كردية مدعومة من «حزب الاتحاد الديمقراطي». وبالفعل، قد تضطر واشنطن إلى ممارسة بعض الضغوط الدبلوماسية لمنع أنقرة من غض الطرف، أو حتى مساعدة «هيئة تحرير الشام» كوسيلة لوقف تقدم «حزب الاتحاد الديمقراطي». وبالمثل، سيتطلب الهدف الأكثر طموحاً للقضاء على «هيئة تحرير الشام» في إدلب تدخلاً عسكرياً أمريكياً أكبر بكثير، يشمل استخدام أسلحة ثقيلة وتوفير دعم قتالي مباشر إلى الفصائل المحلية التي تم التدقيق والتحقق منها. وأخيراً، ستحتاج المناطق المحررة من «هيئة تحرير الشام» إلى إدارة مدنية، يفترض أن تشكّل قوامها المجالس المحلية الممولة أساساً من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا.  
وأياً كان شكل التدخل الأمريكي المحتمل، فإن تحديد شركاء محليين جدد، لا سيما في سياق "سلفية شامية" ناشئة، سيتطلب أساليب مبتكرة، فضلاً عن تجربة خبراء محليين وغربيين على حد سواء فيما يتعلق بمعرفة الأهداف التي يروج لها كل جانب.

روان رجولة، التي تحمل شهادة الماجستير في التنمية العالمية والسلام من "جامعة بريدجبورت"، كتبت أكثر من 25 تقريراً عن الجماعات المتطرفة العنيفة، مع التركيز على بلدها سوريا.

تداعيات عبور روسيا لنهر الفرات

تداعيات عبور روسيا لنهر الفرات
تنبيه سياسي

تداعيات عبور روسيا لنهر الفرات


 18 أيلول/سبتمبر 2017

في الثامن عشر من أيلول/سبتمبر أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن "قوات الحكومة السورية" عبرت إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات باستخدامها جسر عائم روسي ومركبات برمائية. وعلى الرغم من أن الوضع ما زال غير  مستقر، فإن عبور عناصر من "الفيلق الخامس"، على ما يبدو، المدربة من قبل إيران والمدعومة من روسيا له تداعيات عميقة على السياسة الأمريكية بشأن تنظيم «الدولة الإسلامية» والحرب السورية وإيران.
أولاً، تُضعف هذه الخطوة إلى حد كبير الحجة القائلة بأن نهر الفرات يمكن أن يكون بمثابة خط تجنّب المواجهة قابل للتطبيق في الوقت الذي ينهار فيه تنظيم «الدولة الإسلامية»، مثلما فَصَل نهر إلْبيه (Elbe) القوات الروسية والأمريكية في أوروبا في ختام الحرب العالمية الثانية. وتصل «قوّات سوريا الديمقراطية» التي تدعمها الولايات المتحدة إلى دير الزور من الشمال الشرقي بينما تصل القوات السورية المدعومة من روسيا والميليشيات الشيعية (من بينها «حزب الله») من الغرب. ووفقاً لوسائل الإعلام الروسية فإن الوحدة التي عبرت نهر الفرات هي مجموعة من قوات النظام المحلية والوطنية تسمى "الفيلق الخامس" الذى تم تنظيمه وتدريب العديد من أفراده من قبل «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني وروسيا. ويزيد المعبر من احتمال المواجهة بين الوكلاء أو حتى بين القوات الأمريكية والروسية، كما برز ذلك في 16 أيلول/سبتمبر عندما أفادت بعض التقارير أن الطيران الروسي قصف أهداف «قوّات سوريا الديمقراطية» على بعد بضعة أميال من "قوات العمليات الخاصة" الأمريكية. ويثير ذلك تساؤل حول الكيفية التي تنوي بها الولايات المتحدة حماية «قوّات سوريا الديمقراطية» وغيرها من الوكلاء الذين يحاربون تنظيم «الدولة الإسلامية».
وتؤدي هذه الخطوة أيضاً إلى تعقيد أي عملية ضغط محتملة تقوم بها «قوّات سوريا الديمقراطية» في الضفة الشرقية من نهر الفرات ونحو التقدم إلى حقول النفط والغاز المحلية، التي يمكن استخدامها لتمويل إعادة الإعمار في المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية» سابقاً. وقالت المتحدثة باسم النظام السوري بثينة شعبان لقناة "بريس تي في" [[Press TV الإيرانية إن "الهدف الاستراتيجي" لبشار الأسد هو وقف تقدم «قوّات سوريا الديمقراطية» ووصفت اللواء الكردي-العربي المشترك بأنه معتدٍ غير شرعي وساوتْه مع تنظيم «الدولة الإسلامية». وإذا احتفظت القوات الروسية والقوات الموالية للأسد برأس جسر على الضفة الشرقية، فمن المحتمل أن تغلق الطريق الرئيسي الواصل بين الشمال والجنوب على ذلك الجانب من النهر، مما يجبر «قوّات سوريا الديمقراطية» على الاستمرار في الضغط على "وادي نهر الخابور" الخاضع لسيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» من أجل الوصول إلى حقول النفط إلى الجنوب.
وعلى افتراض أن «قوّات سوريا الديمقراطية» - وواشنطن - غير قادرتين على الاستيلاء على مناطق الطاقة والزراعة الكبرى جنوب دير الزور، فسوف تفقدان الكثير من نفوذهما على نظام الأسد وإيران وروسيا في أي تسوية سياسية للأزمة السورية. وهذا السيناريو قد يزيد أيضاً من خطة الأسد لاستعادة "كل شبر" من البلاد بالوسائل العسكرية. وفي ضوء القوة البشرية المستنفذة للنظام، من المرجح أن ينطوي هذا النهج على مشاركة أوسع من قبل «الحرس الثوري الإسلامي» والميليشيات الشيعية من العراق وأفغانستان ودول أخرى. وبالنظر إلى العدد الكبير من السكان العرب السنة في وادي الفرات، ستؤدي مثل هذه النتيجة إلى تفاقم العنف الطائفي والمتطرف في المنطقة، مما يؤدي إلى "سوريا جديدة" التي من غير المرجح أن يعود إليها اللاجئون.
وبالإضافة إلى ذلك، سيؤدي المعبر إلى جلب إيران خطوة أقرب نحو هدفها المعلن المتمثل في إنشاء جسر بري بين العراق وسوريا، مما يمنح الجمهورية الإسلامية وسيلة أخرى تتمكن من خلالها نشر القوات والأسلحة على الحدود [التي يتواجد فيها] حلفاء الولايات المتحدة. وقد عملت طهران باطراد على تحقيق هذا الهدف حتى في الوقت الذي توصلت فيه إسرائيل إلى اتفاق لوقف التصعيد في جنوب غرب سوريا يهدف إلى إبقاء «حزب الله» وغيره من الميليشيات المدعومة من إيران على بعد بضعة كيلومترات من حدود مرتفعات الجولان. وقد أدت هذه التطورات إلى غضب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مما يزيد من احتمال توسيع عملياتها العسكرية في سوريا وحولها لتخفيف قبضة إيران المتعمقة على البلاد.
ولتفادي هذه القائمة المتزايدة من المشاكل، تنخرط الولايات المتحدة بدبلوماسية جادة وتجري اتصالات مع موسكو لتجنب المزيد من التعقيدات العسكرية. ومع ذلك، تحتاج واشنطن أيضاً إلى إعادة تأكيد دعمها لـ «قوّات سوريا الديمقراطية» فى الوقت الذى تتضايق فيه خطوط السيطرة بينها وبين القوات الموالية للأسد. ويعني ذلك وضع سياسة واضحة بشأن ما ستفعله الولايات المتحدة وما لن تفعله للدفاع عن وكلائها في شرق سوريا وأماكن أخرى. وفي حزيران/يونيو، قامت القوات الأمريكية بضرب ميليشيات شيعية تهدد قاعدة التنف في جنوب سوريا، وإسقاطها بعد ذلك طائرة تابعة لنظام الأسد كانت تهاجم «قوّات سوريا الديمقراطية»؛ وتشكّل هذه الحوادث بمثابة نماذج لكيفية دعم الوكلاء مع تجنب التصعيد.
يكمن هدف واشنطن الأساسي في دحر تنظيم «الدولة الإسلامية»، ولكن الإدارة الأمريكية أعلنت أيضاً عزمها على احتواء "النشاط الخبيث" التي تقوم به إيران في المنطقة. ويدّعي دبلوماسيون روس أنه لا يوجد حل عسكري للصراع، إلّا أنّ معبر الفرات يُظهر اليوم أن هناك شئ مختلف في أذهان المسؤولين في شؤون الدفاع في موسكو وطهران، مما يزيد من خطر المواجهة الأمريكية المباشرة مع الأسد وإيران وروسيا. وإذا كان أحد أهداف الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للجهات الفاعلة المحلية مثل «قوّات سوريا الديمقراطية» هو "تهيئة المناخ" لاحتواء إيران وحلفائها، فإن واشنطن تحتاج إلى الاعتراف بأن طهران والأسد يتحديان هذا الهدف بشكل مباشر بمساعدة القوات الجوية الروسية. ولذلك يتعين على المسؤولين الأمريكيين أن يقرروا ما هي الخطوات الدبلوماسية والعسكرية اللازمة، التي تشمل  إجراء محادثات صريحة مع الروس.

أندرو تابلر هو زميل "مارتن جي. غروس" في برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.

الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية للشرق الأوسط

الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية للشرق الأوسط

المرصد السياسي 2859

الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية للشرق الأوسط



 19 أيلول/سبتمبر، 2017

بينما تَوَجه الرئيس الأمريكي إلى الأمم المتحدة هذا الأسبوع، تتصدر قضايا الشرق الأوسط وكوريا الشمالية جدول الأعمال. ففي تلك المناطق، تواجه الولايات المتحدة تصعيداً شديداً في التوتر وهي غير مستعدة له بعد بشكل كاف. فإيران والميليشيات الشيعية التابعة لها، المدعومة من قبل القوات الجوية الروسية، تُهيئ نفسها لملء الفراغ في العراق وسوريا بعد هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية». ويشكّل انتشار الوجود الإيراني ونفوذه خطراً على إسرائيل والأردن ودول الخليج، وربما على تركيا أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، وبينما تقوّض إيران سيادة العراق وسوريا ولبنان، حيث الميليشيات الشيعية أكثر ولاءً للجمهورية الإسلامية من دولها الأصلية، من المؤكد تقريباً أنهيار الاستقرار ونظام الأمن الإقليمي الذي تتولى الولايات المتحدة صونه.
وعادة ما يكون دعم الولايات المتحدة للنظام الإقليمي بديهياً، خاصة بالنظر إلى مصلحة أمريكا في الشرق الأوسط. ولا تزال المنطقة تسهم إسهاماً كبيراً في الطاقة العالمية، وعندما لا تُدار، تبقى منطقة مولّدة للإرهاب ومصدراً خطيراً لانتشار أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك، فإن الجمع بين صراعين بقيادة الولايات المتحدة اللَذيْن سارت فيهما الأمور بشكل سيء، إلى جانب الاستياء الشديد من العنف المستمر في المنطقة، قد قوّضا الرغبة الأمريكية [للعب] دور الموازن الإقليمي. وفي حين تعتبر إدارة ترامب أن إيران تشكل تهديداً إقليمياً، واتخذت خطوات تكتيكية ضدها، إلّا أنّ سياساتها لا تزال قيد المراجعة، ولم تضع بعد استراتيجية شاملة. وللأسف، لدى إيران استراتيجية كهذه وتتصرف بموجبها.
لقد بدأ الوقت ينفذ بالنسبة للولايات المتحدة، وإذا لم تضع استراتيجية، فإن الأحداث هي التي ستقود السياسة. فالنزاعان في بلاد الشام - الحرب في سوريا والحملة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» - على وشك الانتهاء. وقد أصبح من الواضح الآن في النزاع الأول أن الرئيس السوري بشار الأسد - بفضل روسيا وإيران - سوف يبقى مسيطراً على معظم أنحاء سوريا وليس كلها. وفي النزاع الثاني، سيختفي بشكل متزايد الحاجز المؤقت الذي كان يفصل جهود إيران وسوريا من الجهود التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وسرعان ما ستقف الولايات المتحدة والحلفاء المحليون في جميع أنحاء سوريا والعراق إلى جانب المتشددين التابعين لإيران، كما هم الآن في جنوب سوريا، وفي منبج في الشمال، وبالقرب من الموصل. وبدون تنظيم «الدولة الإسلامية» لتبرير هذا الوجود، يجب على الولايات المتحدة أن تنسحب أو تستخدم موطئ قدمها لمقاومة برنامج إيران لتحويل سوريا والعراق إلى دول تابعة.
إن أي خطة أمريكية للطعن في التوسع الإيراني لا تشمل سوريا والعراق، فالسؤال الذي يطرح نفسه عندئذ، أين يمكن للولايات المتحدة وضع الحد الفاصل؟ فمن شأن هيمنة إيران في تلك المنطقة أن تُقسّم الشرق الأوسط، وتُهدد إسرائيل وتركيا، ومن خلال هيمنتها على المناطق العربية ستقوّض مطالبة العالم العربي بالتحكّم في مصيره. وبدعم من روسيا المنبعثة من جديد، يمكن لإيران كهذه أن تهدد بشكل خطير مصالح الولايات المتحدة وأصدقائها.
وواشنطن تدرك ذلك. ولهذا السبب تقوم إدارة ترامب بمراجعة سياساتها تجاه إيران، وتُصنّف المزيد من المسؤولين الإيرانيين والشركات الإيرانية كميسّرين للإرهاب، وتهدّد بالإعلان بأن إيران لا تفي بالتزاماتها بموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة»، كما يُعرف الاتفاق النووي الإيراني. ولكن حتى عند أخذ هذه العوامل مجتمعة في عين الاعتبار، لا ترقى هذه الخطوات إلى استراتيجية حقيقية. فالاستراتيجيات الحقيقية تحدّد أهم أهداف بلد ما، وتضع السياسات التي تسمح له باتباعها، وتحشد الحلفاء والثروات القومية، بما فيها مجموعة كاملة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لتحقيق الأهداف المعلنة. وقد رأى الرؤساء تاريخياً، أنه من الممكن تركيز أقصى قدر من الاهتمام والاستراتيجيات الشاملة على عدد قليل جداً من القضايا في وقت واحد. ومن الأمثلة على ذلك توحيد ألمانيا في "حلف شمال الأطلسي" أثناء رئاسة جورج بوش الأب؛ والبلقان أثناء رئاسة بيل كلينتون؛ والعراق أثناء رئاسة جورج دبليو بوش؛ وبرنامج إيران النووي أثناء رئاسة باراك أوباما. أما السياسات الأخرى التي لا تتوفر فيها الموافقة الكاملة من قبل الرئاسة الأمريكية - مثل تلك التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري حول سوريا وإزاء اتفاق إسرائيلي - فلسطيني، أو ما طرحتاه مادلين أولبرايت وكوندوليزا رايس فيما يتعلق بكوريا الشمالية - فهي تفتقر لهذه المعايير لـ "الاستراتيجية الحقيقية ". وهكذا، فمن أجل التعامل مع إيران بشكل فعال، يجب على الرئيس الأمريكي أن يجعلها إحدى اثنتين أو ثلاثة من استراتيجياته المميزة في مجال السياسة الخارجية.
ما هي المبادئ التي ينبغي أن توجه هذه الاستراتيجية؟
أولاً، العمل بهدوء مع حلفاء الولايات المتحدة لمساعدتهم على الشعور بأنهم جزء من الاستراتيجية المتعلقة بإيران - من خلال ضمان أن بإمكان الولايات المتحدة زيادة النفوذ على إيران، وإبقائها معزولة، والحفاظ على دعم الحلفاء في التمسك بهذا الجهد. (وفيما يتعلق بالحلفاء، يجب التفكير حول المخاطر المحتملة، فضلاً عن التأثير المحتمل للإجراءات على قضايا أخرى مثل كوريا الشمالية - أو كيف يمكن للإجراءات التي تتناول معالجة [المشاكل مع] كوريا الشمالية أن تؤثر على الاستراتيجية تجاه إيران.)
ثانياً، إذا كانت إيران تشكل التهديد الرئيسي الذي تواجهه الولايات المتحدة في المنطقة، فلا يمكن للإدارة الأمريكية أن تُخضِع استراتيجيتها [لرغبة] الإيرانيين في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية». فإيران دولة تشكل خطراً أكبر بكثير، خاصة في ضوء نجاحها في استخدام الميليشيات الشيعية. ولا شك أن السياسة التي تركز على تنظيم «الدولة الإسلامية» لا بد وأن تضر على الأرجح [بالمصالح الأمريكية] لأن السياسات الإيرانية الطائفية تجازف بإبعاد السنة وإعادة تهيئة الظروف التي ولّدت تنظيم «الدولة الإسلامية» في البداية.
ثالثاً، الإدراك بأنه لا يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يصلح معضلة أمريكا مع إيران في سوريا. فالتواصل والتنسيق مع الروس أمر منطقي، ولكن ما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لرفع الثمن الذي يدفعه الروس، فسيواصلون معاملة الإيرانيين والميليشيات الشيعية كمنفذيهم الميدانيين. يجب التوضيح بأن أمريكا لن توقف الإيرانيين أو وكلائهم في سوريا، ولكنها ستستخدم قوتها الجوية المتفوقة لمنعهم من التوسع بصورة أكثر، وهي السياسة الوحيدة التي من شأنها أن تجبر بوتين على أن يحاول تقييد التحركات الإيرانية. وآخر ما يريده هو تصوّر دولي بأن القوة الأمريكية هي التي تقرر النتيجة في سوريا.
رابعاً، يتعيّن ممارسة النفوذ الأمريكي لإنهاء الموقف المعقّد الذي حرّض السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضد قطر. وفي حين تحتاج قطر إلى تغيير سلوكها، فقد آن الأوان لإنهاء تشتت الفكر وحشد جميع الشركاء الأمريكيين، مع سكانهم المتفوقين، وجغرافيتهم، وقدراتهم العسكرية، وثرواتهم، والذين يصلون مجتمعين إلى مستوى تتضاءل فيه إمكانية مواجهتهم من قبل الشراكة بين إيران وروسيا.
خامساً، يجب شرح السياسة الأمريكية بشكل متكرر للأصدقاء والأعداء على حد سواء؛ ولا ينبغي لأحد أن يشك في النوايا الأمريكية.
سادساً، يتعيّن الاعتراف بالمعايير الدولية وليس الاستهانة بها. وقد تكون «خطة العمل الشاملة المشتركة» هدفاً رابحاً، ولكن يجب التعامل معها بطريقة تُظهر أن واشنطن تأخذ في الإعتبار مخاوف حلفائها حتى في الوقت الذي تريد منهم أن يعالجوا المخاطر التي يراها المسؤولون الأمريكيون في الاتفاق.
سابعاً، يجب عدم الانسحاب من مناطق أو التخلّي عن مواجهات ما لم تكن المخاطر هائلة. ولا تزال مصداقية الولايات المتحدة، التي تشكل إطار جميع النظم الأمنية، ضعيفة على الرغم من الردود العسكرية الأخيرة التي أذن بها الرئيس ترامب.
وأخيراً، لكي تكون الولايات المتحدة ناجحة، يجب ألا تتمادى في رد فعلها وتضغط  من أجل الحصول على مطالبها. وقد فهم الرئيس جون كندي ذلك خلال "أزمة الصواريخ الكوبية"، ولكن الأهداف الطموحة قد أضعفت الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وحيث تتمتع الولايات المتحدة بقوة جوية متفوقة إلى حد كبير من تلك التي نشرتها روسيا لتحويل المسار في الحرب السورية، بإمكان أمريكا بالتأكيد احتواء إيران و ووكلائها. وليس هذا هو الوقت أو المكان المناسب للولايات المتحدة للالتزام [بنشر] قوات برية - حيث أن احتواء الوجود الإيراني وإقامة حواجز ومناطق آمنة حقيقية للشركاء المحليين في سوريا ودول أخرى سوف يعالج المصالح والاحتياجات الأمريكية.

جيمس إف. جيفري هو زميل متميز في زمالة "فيليب سولوندز" في معهد واشنطن، وقد أمضى ثلاثين عاماً في وزارة الخارجية الأمريكية، من بينها شغله منصبي سفير الولايات المتحدة في تركيا والعراق. دينيس روس هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في المعهد، وقد عمل في خمس إدارات رئاسية، كان آخرها مساعد خاص للرئيس أوباما.

ما الذي يجب أن يعمله الرئيس الجديد للمعونة عن تاريخ المعونة الامريكية؟

ما الذي يجب أن يعمله الرئيس الجديد للمعونة عن تاريخ المعونة الامريكية؟

ما الذي يجب أن يعمله الرئيس الجديد للمعونة عن تاريخ المعونة الامريكية؟


متاح أيضاً في English
المرة الأولى لتعرضى للمعونة الأمريكية لمصر كانت في بداية التسعينيات. كنت طفلا في أحد المناطق النائية بإمبابة (واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية وتطرف بمصر)، المنطقة لم يكن بها مجارير صرف صحى، والسبيل الوحيد لصرف مخلفات المنازل آنذاك كانت عن طريق عربة خاصة تأتي للمنزل كل شهر أو أثنين لصرف المخلفات.
مع بداية واحد من أيام الصيف جاءت عربات محملة بعمال يصعب عدهم. خلال أيام كانوا قد حفروا جميع شوارع الحي. وفي أحد الأسابيع جاؤوا بيافطة كبيرة وثبتوها على المخرج الرئيسي للحي عليها صورة لشخصين كل منهم يمسك يد الأخر وتصميم يشبه علم أمريكا (عملت بعدها بسنوات أن هذا هو شعار المعونة الامريكية). بقى العمال طوال صيف وشتاء وبعدها ذهبوا جميعًا بعد أن عادت شوارع المنطقة لحالها. مع ذهابهم كان جميع سكان الحي مبتهجين للمشروع الجديد الذي قامت به "الحكومة" يشعرون برضا بالغ بسبب إهتمام الحكومة بهم. بقى المشروع هو المحور الرئيسي لحديث سكان الحي، وكيف أن هذا الحكومة تساعدنا لتجعل منطقتنا نظيفة وأقل مرضًا. شعر القليل من السكان بالأسى لحال صاحب العربة الخاصة التي اعتادت تفريغ مخلفات المنازل لأنهم لن يحتاجوا إليه بعد اليوم. 
التفت سكان الحي كل منهم لأعماله ودراسته لا يجتمعون إلا يوم الجمعة يوم الصلاة الرئيسية للمسلمين خلال الأسبوع. يختلف الموضوع الذي يتحدث فيه الإمام كل جمعة ولكن الجميع الائمة كانوا يتفقوا على أمر وحيد، وهو الدعاء بالموت لأمريكا.
بعد ما يقرب من عشرة أعوام على مشروع المعونة الأمريكية، أو كما إعتاد أن يطلق عليه سكان الحي "مشروع الحكومة" كنت في السنة الأولى للجامعة في كليه الحقوق جامعة القاهرة. كانت مجموعات الإخوان المسلمين والسلفيين لا تخطئهم العين. يعرضون على كل الطلبة المساعدة في كل خطوة ما له علاقة بالدراسة وما هو بعيد عنه. وعلى حياء كانت هناك مجموعة صغيرة من الاشتراكيين الثوريين لا يتحدثون إلا عن السياسه. بالرغم من الإختلاف الكبير بين المجموعات الثلاثة كانوا مجتمعين على أمر فكري وحيد وهو أن أصل الشر في العالم هو للولايات المتحدة وإسرائيل.  
بعدها بحوالي عام قرأت أول قرأت أول كتاب عن الإسلام والسياسة كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ على عبد الرازق، والذي يذكر فيه الشيخ عبد الرازق بإختصار أن الشريعة لا تصلح للحكم وإنها فقط للعبادات. كتاب الشيخ عبد الرازق كان أول خطوة لخروجي من الحى (المتطور بأموال المعونة الأمريكية) ومن جدار أفكاره التي تكونت إما عن طريق إمام المسجد أو عن طريق التليفزيون الحكومي. إنتهى بي الأمر أن أكون الأول في كلية الحقوق الذي عمل لنشر الأفكار الليبرالية بين الطلبة وتأسيس أول منظمة شبابية تدعو لليبرالية الكلاسيكية في مصر 2007. وذلك بعد الإنفتاح السياسي في مصر بدافع من ضغط دولي. 
بالرغم من أن الحي الذي نشأت فيه هو مثال مباشر لمنطقة تطورت بأموال المعونة الامريكية على أمل أن يخلق هذا التطور منطقة أو سكان أصدقاء للولايات المتحدة، إلا أن هذا التطور لم يوفر أي بديل لأفكار كره الولايات المتحدة التي طالما إعتاد سكان الحي سماعها سواء من الإسلاميين أو من الإشتراكيين الثوريين في التلفزيون أو الجامعة. طوال ما يزيد ثلاثون عامًا حاولت الولايات المتحدة من خلال المعونة وغيرها من السبل أن تخلق نظام حليف ومجتمع يشارك أو على الأقل يتقبل القيم الأمريكية. خلال هذه السنوات كانت مصر –ولازالت- الدولة الثالثة المتلقية للمعونة الامريكية على مستوى العالم، كما أشار تقرير في واشنطن بوست. استثمرت الولايات المتحدة طوال هذه الفترة ما يقرب من 28 مليار دولار في المساعدات الاقتصادية. ولكن النتيجة لم تتحقق.
بالرغم من هذا الاستثمار الكبير لا تزال المؤسسات المصرية تحتاج إلى إصلاح جوهري. المعونة الأمريكية قامت ببناء 200 مدرسة، وقامت بتوفير 24 مليون كتاب لمكتبات المدارس، وقامت بتدريب ما يزيد عن 200.000 مدرس، ومساعد و مسؤوليين إداريين، بالاضافة إلى توفير التكنولوجيا اللازمة للتعليم داخل هذه المدارس. بعد كل هذه الجهود كانت النتيحة أن يأتي التعليم المصري الاخير في ترتيب جودة التعليم في العالم بأن جاء رقم 118 ضمن 118 دولة في العالم في تقرير التنافسية العالمية لعام 2013-2014.
نفذت المعونة الكثير من مشروعات البنية التحتية التي غيرت حياة المصريين بشكل لا يمكن إنكاره. قدمت المعونة ما يقارب 5.7 مليار دولار (وهو أكثر من 20% من كامل المعونة المقدمة لمصر) ما بين عام 1975 حتى 2006 ونفذت مشروعات جعلت ثلث المصريين يحصلون مياة شرب. وذادت نسبة انتاج انتاج الكهرباء في مصر عشرة أضعاف منذ بدأ دعم المعونة للطاقة عام 1975 وزاد استهلاك المصريين للطاقة بنسبة 600%. لا يعلم المصريون عن مساهمة المعونة في تطوير حياتهم بشكل ملحوظ ولا يسمعون من الحكومة المصرية أو من الاعلام الحكومي والخاص غير شيطنة الولايات المتحدة. على مسؤولي المعونة الامريكية في حال تمويل مشروعات بنية تحتية في مصر أن يطلبوا من الحكومة المصرية ذكر دور المعونة في هذه المشروعات لتغيير الصورة النمطية عن الولايات المتحدة في مصر.
صورة الولايات المتحدة لدى الغالبية العظمي للمصريين سيئة السمعة ولكنها لم تكن دومًا كذلك. في عام 1974 رحب المصريون بالرئيس نيسكون بآمال وطموحات عريضة لبدأ علاقة دافئة وصادقة مع الولايات المتحدة، تم ذلك بدعم واضح من الرئيس السابق أنور السادات، الذي أعتاد الحديث بصورة جيدة عن الولايات المتحدة وعن ضرورة بناء صداقة بين الدولتين. السادات أعتاد الحديث للمصريين على ضرورة وأهمية هذه الصداقة لمصر على عكس الرئيس السيسي الذي فقط يذكر ذلك بالانجليزية في أحاديث للصحف الامريكية ولا يذكره على الاطلاق بالعربية، فالرئيس السيسي قال في أحد لقاءاته بصحيفة وول ستريت جورنال "نحن نريد علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة تكون أهم من أي شيئ أخر. مصر لن تدير ظهرها للولايات المتحدة حتى وإن أدرات الولايات المتحدة ظهرها لمصر." كل المطلوب أن يذكر السيسي نفس الحديث للمصريين ليغير الصورة الشيطانية التي أعتاد الاعلام أن يستخدمها في وصف الولايات المتحدة.
جزء لا يتجزأ من تقوية العلاقة المصرية – الأمريكية هو ضرورة العمل على الإصلاح الديمقراطي وحقوق الانسان وجلعها شق رئيسي من دور الوكالة الامريكية الدولة للتنمية. وعلى وجه الخصوص، تعديل قانون المنظمات غير الحكومية الصارم الذي صادق عليه السيسي مؤخرًا والذي سيعرقل جهود جميع المنظمات الإنمائية في مصر، سواء الأجنبية أو المحلية. وكان السفير مارك غرين، الذي وافق الكونغرس مؤخرًا على رئاسته للوكالة الأمريكية الدولية للتنمية، والذي كان في السابق رئيس المعهد الجمهوري الدولي، وأعرب عن دعمه لتعزيز الديمقراطية وإعتبارها واحدة من أهداف الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
بالإضافة إلى ضرورة الوقوف ضد القانون الجديد للمنظمات غير الحكومية، يجب على السفير غرين إعادة النظر في استراتيجية الوكالة  وعملها في مصر. ووفقا لتقرير بوميد لعام 2017 بشأن مقترح الميزانية، فإن مستويات المساعدات المقترحة من الإدارة في ميزانية العام المالي 2018 موجهه بأغلبية ساحقة نحو المعونة العسكرية، مع تخصيص 5% فقط للمساعدة الاقتصادية، وخصص 1% فقط لبرامج الديمقراطية والحكم. إن هذه السياسة من تهميش مساعدات الاصلاح لن تخلق مجتمعا ودودًا أو حكومة ودية قي مصر بل ستكون كما كان الحي الذي نشأت فيه يستفيد من أموال المعونة ولكنه يرى الولايات المتحدة كأصل الشر في الكون.
وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يؤدي الإنفاق المتواصل على البرامج الاقتصادية والتعليمية دون معالجة الفساد في مصر إلى نفس النتائج. ويجب على السفير جرين أن يتعلم من الماضي وأن يضع هدفًا واضحا لبناء علاقات مع المستفيدين المحليين من المشاريع الإنمائية بعقد اجتماعات علنية مباشرة مع المجموعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني المحلية. يجب على الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الاستثمار في بناء المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لمكافحة الفساد. كما ينبغي أن تطالب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بأن يكون تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات في مصر علنيًا ومتاحًا للمواطنين والنواب والصحافة، أو على الأقل الأقسام والمراجعة التي تغطي المشاريع  التي تقوم بها  أو تساهم فيها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

يجب على السفير جرين أن يطلب ضمانات من مسؤولين حكوميين مصريين بأنهم سيتكلمون عن أهمية العلاقات القوية مع الولايات المتحدة، وينبغي للسفارة الأمريكية بالقاهرة أن تقف ضد التقارير الإعلامية التي تهاجم الولايات المتحدة في مصر. السفير جرين يجب أن يعلم أن المساعدات الخارجية الأمريكية لمصر يمكن أن تكون عنصرا قيمًا لتحويل مصر إلى حليف حقيقي، ولكن يجب عليه أيضا الامتناع عن الإستمرار في دعم الحكومة التي لا تتردد في عض اليد التي تمتد بالمساعدة.