Thursday, May 13, 2021

إعادة تأهيل الأسد: "الجامعة العربية" تحتضن منبوذاً

 إعادة تأهيل الأسد: "الجامعة العربية" تحتضن منبوذاً

 إعادة تأهيل الأسد: "الجامعة العربية" تحتضن منبوذاً

بواسطة ديفيد شينكر

٤ مايو ٢٠٢١

  



عن المؤلفين

David Schenker

ديفيد شينكر

ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.

تحليل موجز

ازدادت المساعي الرامية إلى إعادة دمج سوريا في "الجامعة العربية" رغم الجهود الوحشية التي قام بها النظام السوري وأسفرت عن مقتل ما يقدر بنحو 500,000 شخص. وتدفع المصالح الضيقة والتعب من الحرب العديد من الدول الأعضاء في "الجامعة العربية" إلى دعم الانتخابات المبكرة والتطبيع مع دمشق، لكن هذه المقاربة لن تؤدي سوى إلى تعزيز سيطرة الأسد ومساعدته على التهرب من المساءلة عن جرائم الحرب.


في الأسابيع الأخيرة، ازدادت المساعي الرامية إلى إعادة دمج سوريا في "جامعة الدول العربية". وتم تعليق عضوية البلاد في المنظمة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، بعد ثمانية أشهر من الجهود الوحشية التي قام بها النظام السوري وأسفرت عن مقتل 5000 مدني. وبعد مرور عشر سنوات ومقتل ما يقدر بنحو 500,000 شخص، تتخذ العديد من الدول العربية - بتشجيع من روسيا - خطوات لإنهاء عزلة بشار الأسد واستعادة عضوية سوريا التي استمرت عقداً من الزمن. وعلى الرغم من أن "الجامعة العربية" هي منظمة قديمة وغير فعالة وغير جوهرية إلى حد كبير، إلا أن هذه الخطوة مهمة لما تحمله من معانٍ: استعداد أكبر من قبل دول المنطقة للتعاون مع الأسد سياسياً واقتصادياً. وتماشياً مع "قرار مجلس الأمن رقم 2254" (لعام 2015)، ربطت السياسة الأمريكية أي إعادة انخراط مماثلة بانتقال سياسي شرعي، لكن دول المنطقة قد تقّوض احتمالات التغيير الحقيقي من خلال الترحيب بعودة دمشق قبل الأوان.


زيادة الانخراط العربي


بعد تعليق عضوية سوريا لرفضها تنفيذ خطة "الجامعة العربية" للسلام في عام 2011، فرضت المنظمة سلسلة من العقوبات التي شملت حظر السفر على بعض كبار مسؤولي النظام ووضع قيود على الاستثمارات والتعامل مع "مصرف سوريا المركزي". وباستثناء العراق ولبنان واليمن، قام جميع أعضاء "الجامعة العربية" بالمصادقة على هذه الإجراءات وفرضها جزئياً على الأقل على مدى عقد من الزمن، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى مخاوف من معاقبتهم من قبل الدول الغربية في حالة عدم امتثالهم للإجراءات.


ومع ذلك، فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، بدأ عدد من الدول العربية بالضغط من أجل إنهاء تعليق عضوية سوريا، انطلاقاً من مقتضيات اقتصادية، والتعب من الحرب، والمنافسات الإقليمية، والشعور المتزايد بأن نظام الأسد قد انتصر [في الحرب الأهلية]. وعارض كبار مسؤولي إدارة ترامب هذه الجهود، لكن الاتصالات بين العواصم العربية ودمشق تكثفت مع ذلك بين عامي 2016 و 2020، حيث أعادت عدة دول فتح سفاراتها المغلقة وأعادت تعيين كبار الدبلوماسيين.


وكانت دولة الإمارات من بين أكثر هؤلاء المدافعين إصراراً. فعلى الرغم من دعمها للمتمردين في بادئ الأمر، أعادت أبوظبي فتح سفارتها في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2018، ودعت منذ ذلك الحين إلى إعادة عضوية سوريا في "الجامعة العربية". واكتسبت الفكرة مزيداً من الزخم في آذار/مارس بعد أن قام وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بجولة في دولة الإمارات ودول الخليج الأخرى. وفي مؤتمر صحفي مشترك خلال زيارة لافروف، استخف وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد بمقاربة واشنطن في الأمر وأعرب عن أسفه لأن القيود الاقتصادية الأمريكية مثل «قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا» "تجعل الأمر صعباً". ثم دعا إلى إعادة إعمار سوريا ما بعد الحرب.


ولم تكن الإمارات وحيدة في اتباع هذا المسار، فقد:


أعادت تونس فتح سفارتها في عام 2015، حيث أرسلت دبلوماسياً متوسط الشأن إلى دمشق.

أعادت عُمان سفيرها إلى سوريا في تشرين الأول/أكتوبر 2020، لتكون أول دولة خليجية تقوم بذلك. وبعد خمسة أشهر، صرح السفير السوري المعتمد لدى مسقط بأن البلدين اتفقا على "تعزيز الاستثمارات" والتجارة.

أرسل الأردن قائماً بالأعمال إلى دمشق في عام 2019، ليملأ بذلك منصباً بقي شاغراً منذ عام 2012.

أعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري الشهر الماضي أن القاهرة تدعم التطبيع العربي مع سوريا، بعد وقت قصير من لقائه مع لافروف.

استضاف العراق وزير النفط السوري الأسبوع الماضي للتفاوض على صفقة لاستيراد الغاز الطبيعي المصري عبر سوريا.

أرسلت المملكة العربية السعودية رئيس استخباراتها إلى دمشق لإجراء محادثات مع نظيره السوري في 3 أيار/مايو، في اجتماع وصفته صحيفة «الغارديان» البريطانية بأنه "الاجتماع الأول العلني من نوعه منذ اندلاع الحرب". ووفقاً لبعض التقارير ناقشا إعادة فتح السفارتين.

ستعقد مصر والعراق والأردن قريباً اجتماعاً في بغداد يركز على إعادة دمج سوريا في المنطقة، وفقاً لتقرير من نيسان/أبريل في صحيفة "الشرق الأوسط".

ويبدو أن مجموعة من الدوافع الضيقة تقود هذه الجهود. فبالنسبة لدولة الإمارات، إن إعادة دمج الأسد وإعادة بناء سوريا تحملان وعداً بإنهاء انتشار القوات التركية في إدلب، حيث قام الخصم الإماراتي بنشر قواته لمنع تدفق المزيد من اللاجئين. ويبدو أن الأردن مدفوعاً في المقام الأول من رغبته في دعم اقتصاده، وإعادة اللاجئين، واستئناف النشاط التجاري المتسق، وإحياء النقل البري عبر سوريا في طريقه إلى تركيا وأوروبا. وفي هذا الصدد، لا تزال قيود «قانون قيصر» الذي أصدرته واشنطن تثير غضب عَمّان.


وعلى نطاق أوسع، يبدو أن المسؤولين المصريين يؤيدون الفكرة غير المؤكدة بأن عودة سوريا إلى "الجامعة العربية" ستعزز "عروبتها" تدريجياً، وبالتالي تُبعِد دمشق عن إيران الفارسية. ومن المحتمل أن تشارك دول أخرى في المنطقة وجهات نظر مماثلة. حتى أن بعض شخصيات الأمن القومي الإسرائيلي تقدّر بشكل غير محتمل أن روسيا قد تحد من الاجتياح الإيراني لسوريا ما بعد الحرب في ظل حكم الأسد.


كما يبدو أن معظم الدول العربية - وخاصة مصر - مستعدة لتصديق مسرحية الانتخابات الرئاسية الوشيكة في سوريا كدليل على التحوّل السياسي. فخلال مؤتمره الصحفي الذي عقده في 12 نيسان/أبريل مع لافروف، أعلن وزير الخارجية شكري أن التصويت المزمع في 26 أيار/مايو سيسمح للشعب السوري "بتحديد مستقبله... وتشكيل حكومة تمثله"، على الرغم من حتمية النتائج المزوّرة لصالح الأسد.


تحدّي الأمم المتحدة وتجاهل جرائم الحرب


تتعارض جهود إعادة تأهيل نظام الأسد مع "قرار مجلس الأمن رقم 2254"، الذي ينص على ضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة بمشاركة المغتربين، وكتابة دستور جديد، فضلاً عن متطلبات أخرى لم تحققها سوريا بعد. وينص القرار أيضاً على التنفيذ الكامل لـ "بيان جنيف" الصادر في حزيران/يونيو 2012، والذي دعا إلى انتقال سياسي كامل إلى دولة سورية ديمقراطية غير طائفية تحترم حقوق الإنسان.


وبالإضافة إلى هذه الأهداف السياسية التي لا تزال بعيدة المنال، تتجاهل [مبادرة] إشراك الأسد أيضاً ضرورة محاسبة النظام على "انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي"، على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. ومن الناحية الفنية، لا ترقى هذه الانتهاكات إلى مستوى التعريف الدولي لـ "الإبادة الجماعية"، لكن "متحف ذكرى الهولوكوست" في الولايات المتحدة وصفها بأنها "جرائم وحشية ضد الإنسانية وجرائم حرب". وخلال خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيسان/أبريل، كرر غوتيريس أن المسؤولين عن مثل هذه الجرائم - من بينها استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين - يجب ألا يفلتوا بعد الآن من العقاب. وأضاف: "يجب محاسبة الجناة".


تهكّم "الجامعة العربية"


كان قرار "الجامعة العربية" لعام 2011 بتعليق عضوية سوريا مذهلاً في ذلك الوقت لأن المنظمة نادراً ما أبدت نفوراً من جرائم أعضائها ضد الإنسانية. ففي آذار/مارس 2009، على سبيل المثال، استضافت الرئيس السوداني عمر البشير في قمة قطر بعد أسابيع فقط من توجيه الاتهام إليه من قبل "المحكمة الجنائية الدولية" لإصداره أمر بقتل ما يقرب من 500 ألف مدني في دارفور.


وبعد عقد من الزمن، يبدو أن هذه الرغبة في التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان تعود إلى الواجهة. ففي 21 نيسان/أبريل، جُردت سوريا من حقوقها في التصويت في "منظمة حظر الأسلحة الكيميائية"، وهو قرار أيدته 87 دولة عضو في "المنظمة". ومع ذلك، امتنعت ثماني دول أعضاء في "الجامعة العربية" عن التصويت، من بينها الأردن، والعراق التي تعرّض سكانها الأكراد لهجمات كيماوية خلال عهد صدام حسين. وكانت فلسطين، التي هي عضو آخر في "الجامعة العربية"، من بين خمسة عشر صوتاً معارضاً، بانضمامها إلى دول أمثال إيران وروسيا. وحول موضوع آخر، لم تشجب "الجامعة العربية" الإبادة الجماعية التي تُرتكب ضد مسلمي الأويغور الصينيين في شينجيانغ. وعلى العكس من ذلك، أشارت بكين إلى أن "الجامعة العربية" أيّدت صراحة "موقف الصين العادل بشأن ... شينجيانغ" خلال اجتماع "منتدى التعاون الصيني العربي" في تموز/يوليو 2020 في عَمّان.


التداعيات السياسية


على الرغم من عدم التزام العرب بـ "القرار رقم 2254" وفرص النجاح الضئيلة لذلك، يجب على واشنطن الاستمرار في الضغط من أجل إحداث تغيير في سوريا. ومن المسلّم به أن تعب دول المنطقة من الحرب وأزمة اللاجئين آخذة في الازدياد، لكن سوريا تحت حكم الأسد لن تكون أبداً ملاذاً آمناً لعودة هؤلاء الملايين من المنفيين. وبالمثل، فإن إعادة قبول سوريا في "الجامعة العربية" وتمويل إعادة الإعمار بعد الحرب لن يدفع الأسد إلى قطع العلاقة الاستراتيجية للنظام مع طهران التي استمرت أربعين عاماً. وبدلاً من ذلك، من شأن التطبيع مع دمشق أن يخفف ببساطة الضغط على النظام ويمكّنه من تعزيز سلطته.


وبغض النظر عن القبول المتزايد للأسد في العواصم العربية - وحتى في إسرائيل - فإن إعادة تأهيله ليست حتمية. بيد أنه من أجل الحيلولة دون انهيار الإجراءات المنصوص عليها في "القرار رقم 2254"، سيتعين على إدارة بايدن إعادة تأكيد قيادتها، من خلال تعيين مبعوث جديد أو مسؤول كبير آخر مخوّل لتنسيق النهج الدولي مع أوروبا ودول المنطقة.


ينبغي على واشنطن أيضاً أن ترفض الانتخابات الرئاسية الوشيكة التي ستجري في سوريا، والتي من المؤكد ستمنح الأسد فترة ولاية أخرى أمدها سبع سنوات حتى في الوقت الذي تحاول فيه الدول الأعضاء في "الجامعة العربية" وصفها بأنها "مرحلة انتقالية". وبدلاً من ذلك، يجب على المسؤولين الأمريكيين العمل مع الشركاء الأوروبيين لتشكيل إجماع دولي فيما يتعلق بفشل الانتخابات في تلبية المتطلبات "الحرة والعادلة" المنصوص عليها في "القرار رقم 2254".


وفي الوقت نفسه، ينبغي على الولايات المتحدة أن تزيد من جهودها الإنسانية في سوريا وأن تقنع دول الخليج التي تقود جهود التطبيع بتقديم مساعدات إضافية أيضاً، لا سيما في المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام. ولا يزال الأسد يسيطر على دمشق وضواحيها، لكن قرارات استخدام الأسلحة الكيميائية وارتكاب فظائع جماعية أخرى ضد الشعب السوري تتجاوز الحدود ويجب أن تحول دون إعادة تأهيله. ومع ذلك، ففي هذه المرحلة، يمكن للولايات المتحدة وحدها منع حدوث ذلك.


 


ديفيد شينكر هو "زميل أقدم في برنامج توب" في معهد واشنطن. وشغل منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى في الفترة 2019-2021.

المؤسسة العسكرية الإيرانية تعزز التزامها بـ "الثورة"

 المؤسسة العسكرية الإيرانية تعزز التزامها بـ "الثورة"

 المؤسسة العسكرية الإيرانية تعزز التزامها بـ "الثورة"

بواسطة فرزين نديمي

٥ مايو ٢٠٢١

 




عن المؤلفين

Farzin Nadimi

فرزين نديمي

فرزين نديمي هو محلل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج ومقره في واشنطن.

تحليل موجز

وسط المعلومات الجديدة المثيرة للجدل التي كشف عنها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، دعت قيادة «الحرس الثوري الإسلامي» إلى مراجعة السياسات الإقليمية للبلاد. ويمكن توقُّع ازدياد قوة «الحرس الثوري» وحزمه على جبهات مختلفة، لا سيما في الخليج العربي ومضيق هرمز، وعبر وكلاء في أماكن أخرى في المنطقة.


وسط تنامي الجهود الدبلوماسية في الملف النووي والمعلومات الجديدة المثيرة للجدل التي كشف عنها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، دعت قيادة «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني إلى مراجعة السياسات الإقليمية للبلاد. لكن بعيداً عن فكرة التراجع عن موقفها الحالي، يبدو أن المؤسسة العسكرية - التي غالباً ما يشار إليها بـ"القوة الميدانية" - تبدو عازمة على إضفاء طابع أمني أكبر على السياسة الخارجية الإيرانية، وزيادة ميزانية «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري»، وتعزيز المغامرة العسكرية المتأصلة للجمهورية الإسلامية.


وخلال حفل تنصيب النائب الجديد لقائد "فيلق القدس" الذي جرى في 28 نيسان/أبريل، أشاد قائد «الحرس الثوري» العميد حسين سلامي بـ "الدور الإقليمي البطولي والرائع" الذي لعبه الفيلق خلال العقد الماضي، واصفاً كيف أسس مجموعة من الجهات الفاعلة الوكيلة والجبهات العسكرية القوية في أرجاء الشرق الأوسط لمنع الأعداء من ترسيخ قوتهم. ووفقاً له، أصبح هذا الجهد ممكناً من خلال دمج المصالح الأيديولوجية والوطنية لإيران مع مصالح الأطراف المتعاطفة في أفغانستان والعراق ولبنان وسوريا واليمن وغيرها من الميادين. كما دحض تأكيدات ظريف بأن «الحرس الثوري» قد تدخل في الدبلوماسية الإيرانية، وقال بدلاً من ذلك إن قادة «فيلق القدس» المتوفين قاسم سليماني ومحمد حسين زاده حجازي هم الذين مكّنوا الجهود الدبلوماسية للحكومة من خلال إنجازاتهم العسكرية في الخارج.


وسرعان ما ردد قادة آخرون في «الحرس الثوري» هذه الرسائل، بمن فيهم العميد غلام رضا جلالي فرحاني، الرئيس المتشدد لـ "المنظمة الوطنية للدفاع السلبي". ففي بيان صدر في الأول من أيار/ مايو، اتهم ظريف بالتضحية بالقيم والاستراتيجيات الثورية من أجل تحقيق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى تجعل البلاد أكثر ضعفاً. وانتقد كل من ظريف والرئيس حسن روحاني بسبب "فلسفتهما المثالية الزائفة"، وأشار إلى خطاب المرشد الأعلى علي خامنئي من تشرين الثاني/نوفمبر 2015 القاضي بأن جميع مبادرات وزارة الخارجية يجب أن تخدم المبادئ الاستراتيجية للنظام، وليس العمل ضدها.


ومع أخذ هذا التفويض في عين الاعتبار، دعا جلالي إلى اتباع سياسة خارجية أكثر أمننة، باستخدام "المقاومة النشطة" في "ساحة المعركة" وردع استخدام العدو للقوة الخشنة من أجل كسب اليد العليا في المفاوضات. ويشمل ذلك تعزيز قوة «الحرس الثوري» الإيراني وإظهارها، وإجراء المزيد من التدريبات العسكرية، والكشف عن أسلحة وقدرات جديدة. ومن وجهة نظره، فمثل هذه الجهود ستجعل إيران أقل ضعفاً، وأكثر صعوبة للتنبؤ بخطواتها، وستجعلها في وضع أفضل على طاولة المفاوضات، مع تعقيد حسابات العدو.


التدخل جوهر هوية النظام


لأكثر من ثلاثة عقود، كان «الحرس الثوري» الإيراني يدير جهازه الخاص للسياسة الخارجية عبر «فيلق القدس» و"المجلس الأعلى للأمن القومي" الذي يسيطر عليه خامنئي، لكن في الوقت نفسه يتدخل «الحرس الثوري» إلى حدّ كبير في المؤسسات والأنشطة الدبلوماسية الإيرانية التقليدية. وأشار ظريف إلى هذه الحقيقة في مقابلته المسربة عندما أشار إلى "الأمننة" المتنامية للسلك الدبلوماسي للنظام، لكنه لم يوضح سبب إخفاقه في مقاومة هذا التدخل أو الاستقالة احتجاجاً على ذلك.


ووفقاً لـ "المواد 3 و 152 و 154" من الدستور الإيراني، فإن السياسة الخارجية للبلاد مبنية على التزام غير محدود لدعم كفاح المسلمين المضطهدين في جميع أنحاء العالم بأي وسيلة ممكنة - وهو الهدف الرئيسي نفسه لـ «الحرس الثوري» الإيراني. لذلك، سعت المؤسسة العسكرية والأمنية باستمرار إلى تعزيز القيم الثورية للنظام من خلال التدخلات الأجنبية، بغض النظر عما قد يتفاوض عليه فريق الرئيس الإيراني في اتفاقيات متعددة الجنسيات مثل «خطة العمل الشاملة المشتركة» («الخطة»).


وعلى عكس ما يزعمه ظريف من أن "القوة الميدانية" إما قد تدخلت في عمل الدبلوماسيين الإيرانيين أو لم تقم بالتنسيق معهم بشكل مناسب، فغالباً ما يجري وصف القطاعين بأنهما ذراعان متشابكتان تركزان على حماية الثورة و "النظام الإسلامي" باعتبارهما المصدر الرئيسي لـ "الهوية الوطنية" لإيران. على سبيل المثال، أصرَّت تغريدة نشرها علي شمخاني، أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي"، في 27 نيسان/أبريل، على أن سياسات الدبلوماسية و "القوة الميدانية" لـ "النظام الإسلامي" لا تتبلور إلا بعد مداولات داخلية مكثفة تستند إلى "المبادئ المحددة للثورة الإسلامية".


 


وتتضح الأهمية العملية لهذه العقلية عندما ندرك أن العديد من الشخصيات التي تقود مؤسسات النظام تميل إلى منح الأولوية للثورة و"النظام الإسلامي" على حساب المصالح الوطنية التقليدية، على الرغم من المحاولات النظرية للجمع بينهما في هوية موحدة. ولم ينتهج ظريف مساراً آخر رغم تأييده في بعض المناسبات الواقعية الدبلوماسية خلال «خطة العمل الشاملة المشتركة» وغيرها من الحالات. وحتى عندما كانت الجمهورية الإسلامية في أضعف أحوالها على ما يبدو - في عام 1988، عندما قبلت قراراً من الأمم المتحدة لإنهاء الحرب الطويلة والمدمرة مع العراق - استمر قائدها المؤسس روح الله الخميني في التوجه إلى الشعب قائلاً إن "حماية الإسلام" وتصدير الثورة هما أبرز أولويات البلاد. وقد أكّد خليفته خامنئي مراراً وتكراراً على نفس الهدف.


ويساهم هذا الالتزام الراسخ بانتهاج سياسة التدخل الثوري في تفسير السبب الذي يجعل مقاربة ظريف وروحاني تجاه العلاقات مع الولايات المتحدة تستمر في مواجهة عقبات محلية. وقدّمت المقابلة المسربة مع ظريف نموذجاً لـ "إدارة الصراع" مع الولايات المتحدة من خلال استبعاد المشاكل "غير القابلة للحل" (على سبيل المثال، طبيعة إيران المتشددة ورفض وجود إسرائيل) والتركيز على مجالات التعاون المحتمل، تماماً على غرار تعامل واشنطن في علاقاتها مع الصين وتايوان. لكن المقاربة التي غالباً ما يدافع عنها ظريف في مقابلاته مع وسائل إعلام خارجية والتي لا تقوم على المحصلة الصفرية تتجاهل تماماً النهج الذي لا يكون فيه رابح أو خاسر والذي يتبناه النظام علناً ضد الولايات المتحدة وإسرائيل منذ ثورة 1979.


وتُعتبر «خطة العمل الشاملة المشتركة» أحدث مثال على هذا التناقض. فقد انتقد ظريف "القوة الميدانية" بسبب عدم تنسيقها مع فريقه، مما أدى بالتالي إلى تقويض هذه «الخطة». لكن خامنئي استغل الخطاب الذي أدلى به في 2 أيار/مايو لمنح «فيلق القدس» تأييداً كاملاً والإعلان بأن السلطة العليا (يعني هو نفسه) يجب أن تتولى توجيه السياسة الخارجية وإدارتها، بحيث تتمثل مهمة فريق ظريف بمجرد تقديم مساهمة ضئيلة وتطبيق قرارات القائد - بما في ذلك على الصعيد النووي.


وعلى الرغم من هذه المواقف المتباينة بشأن كيفية إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة، يُعتبر ظريف وأعضاء الحكومة الآخرون متورطين بتسهيل سياسة التدخل التي تنتهجها "القوة الميدانية" أكثر بكثير مما يدّعون. فعلى سيبل المثال، في أحد أجزاء الشريط المسرب، أعرب ظريف عن دهشته إزاء قيام طائرات النقل المدنية الرئيسية التابعة لـ "الخطوط الجوية الإيرانية" بزيادة عدد رحلاتها إلى سوريا ستة أضعاف خلال الحرب من أجل إرسال الأفراد العسكريين والأسلحة، لكن هذه الزيادة الهائلة لا يمكن أن تحدث دون تفويض صريح من مجلس الوزراء عن طريق وزارة النقل و"هيئة الطيران المدني". وبالمثل، فإن روايته عن إسقاط طائرة أوكرانية من قبل «الحرس الثوري» الإيراني تثير الشكوك بأنه، وروحاني، وأعضاء مجلس الوزراء الآخرين كانوا يعرفون سبب التحطم في وقت مبكر وأخفوا المعلومات للتغطية على "القوة الميدانية".


التداعيات السياسية


بغض النظر عن هوية وزير الخارجية، ستستمر الآلة الدبلوماسية الإيرانية في الإضطلاع بدور ثانوي مقارنةً بسياسة التدخل العسكري التي يفرضها الدستور لـ «الحرس الثوري الإسلامي» وفقاً لتوجيهات المرشد الأعلى، وسيواصل قادة «الحرس الثوري» تطوير مشاريعهم الصاروخية وأهداف السياسة الخارجية وفقاً لرؤيتهم العسكرية "غير المحافظة". وكما أبرزته الموجة الأخيرة من المضايقات العدوانية التي مارسها «الحرس الثوري» ضد سفن البحرية الأمريكية في الخليج العربي، فإن أي انخفاض في إجراءات "الردع النشط" و"المقاومة" التي تتخذها إيران هو مؤقت وتكتيكي فقط.


وبالتالي، حتى إذا أحرز الطرفان تقدماً في مفاوضات «خطة العمل الشاملة المشتركة»، يمكن أن نتوقع ازدياد قوة «الحرس الثوري» وحزمه على جبهات مختلفة، لا سيما في الخليج ومضيق هرمز، ولكن أيضاً عبر وكلاء في أماكن أخرى في المنطقة. ومن المرجح أيضاً أن يزيد عدد عروض الصواريخ واختباراتها، مع الهدف المعتاد المتمثل في جس نبض المجتمع الدولي. وإذا حاولت واشنطن وأطراف أخرى كبح قدرات إيران الصاروخية ومغامراتها في المنطقة من خلال آليات جديدة لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، أو اتفاقات منفصلة، أو تقديم عروض مختلفة لها، سيفعل «الحرس الثوري» كل ما في وسعه لإحباط هذه الجهود.


 


فرزين نديمي هو زميل مشارك في معهد واشنطن، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج.


 

هل يمكن لـ "ائتلاف التغيير" إنهاء دورة الانتخابات الإسرائيلية التي لا نهاية لها؟

 هل يمكن لـ "ائتلاف التغيير" إنهاء دورة الانتخابات الإسرائيلية التي لا نهاية لها؟

بواسطة ديفيد ماكوفسكي

٦ مايو ٢٠٢١

  Israeli politicians Yair Lapid and Naftali Bennett

عن المؤلفين





ديفيد ماكوفسكي

ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.

تحليل موجز

قد يكون "ائتلاف التغيير" الإسرائيلي المتنوع الذي يضم مجموعة واسعة من البرلمانيين من اليمين والوسط واليسار قادراً على تشكيل حكومة قابلة للاستمرار، لكنه سيحتاج إلى تخطي الصعوبات بحذر في ضوء الخلافات السياسية الداخلية ووجود نتنياهو في المعارضة كمفسد محتمل.


في الخامس من أيار/مايو، كلّف الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين رئيس حزب "ييش عتيد" يائير لبيد بتشكيل حكومة بعد أن عجز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن القيام بذلك خلال الشهر الماضي. وتُمثل هذه الخطوة التحدي الأكبر حتى الآن أمام نتنياهو، الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية منذ عام 2009. ومن المتوقع أن يتحرك لبيد بسرعة لجمع "ائتلاف التغيير"، الذي يضم مجموعة واسعة جداً من البرلمانيين من اليمين والوسط واليسار. وإذا نجحت هذه الجهود، فسيصبح رئيس حزب "يمينا" نفتالي بينيت رئيساً للحكومة خلال النصف الأول من ولايتها التي أمدها خمس سنوات، قبل أن يتناوب مع لبيد الذي سيتولى وزارة الخارجية في غضون ذلك. وسيبقى بيني غانتس وزيراً للدفاع.


ورغم أن عدد المقاعد التي سيضمها الائتلاف من الوسط واليسار سيتخطى عددها من اليمين، فمن المرجح أن يضع نظاماً يقوم على التكافؤ بحيث لا يتمكن أي طرف من إقرار سياسات مثيرة للجدل إلى حدّ كبير. وستؤدي هذه القاعدة التوجيهية التي ستعتمدها الحكومة إلى مساعدة الاقتصاد على التعافي وسط حرمان نتنياهو من فرصة أخرى للتمتع بحصانة فيما يتعلق بقضية الفساد المستمرة ضده. ورداً على ذلك، يبدو أن نتنياهو مصمم على تنظيم المعارضة ضد "ائتلاف التغيير" الناشئ وإرغام إسرائيل على إجراء جولة خامسة من الانتخابات، بينما يبقى الزعيم المؤقت في غضون ذلك.


لماذا لم يتمكن نتنياهو من تشكيل حكومة؟


لا تزال احتمالات جمع لبيد وبينيت ائتلافاً مستقراً وتشكيل حكومة قابلة للاستمرار غير مؤكدة، لكن الأسباب الكامنة وراء إخفاقات نتنياهو في الأسابيع الأربعة الماضية - وإجراء أربع جولات انتخابية - واضحة في هذه المرحلة. ومثلما حدث في عامي 1992 و 1999، يُعزى الفشل الواضح لحزب "الليكود" إلى حد كبير إلى إخفاق القيادة في معسكر اليمين. ومن خلال عدم تعزيز الشعور بالهدف التعاوني بين الزملاء السياسيين لنتنياهو في اليمين، جلب لنفسه الكثير من الأعداء في الداخل.


والجدير بالذكر أن أربعة من كبار المسؤولين المتوقع انضمامهم إلى "ائتلاف التغيير" عملوا سابقاً كأقرب مساعدين لنتنياهو، وهم: بينيت، وجدعون ساعر، وزيئيف إلكين، وأفيغدور ليبرمان - فلماذا ركزوا جميعاً حملاتهم على إسقاطه؟ كانت إحدى اللحظات الرئيسية هي قرار نتنياهو التراجع عن اتفاق التناوب مع غانتس في العام الماضي، الأمر الذي عزز عدم الثقة العميق تجاه وعوده الأخرى وأعاق قدرته على الحكم. بالإضافة إلى ذلك، كان ساعر وإلكين يخشيان من أن يستمر نتنياهو في تشويه سمعة المؤسسات القضائية ومؤسسات إنفاذ القانون في إسرائيل من أجل نزع الشرعية عن قضيته. وذهبت وزيرة العدل السابقة واليمينية المتحمسة أييليت شاكيد إلى حد مهاجمة "شهوة نتنياهو للسلطة" في شريط تم تسريبه مؤخراً، واصفة رئيس الوزراء وزوجته بـ "الديكتاتوريَيْن". لا شك في أن هذه التوترات أثرت على ناخبي اليمين في انتخابات 23 آذار/مارس، حيث خسر حزب "الليكود" أكثر من 20 في المائة من مقاعده مقارنة بالجولات السابقة.


واستمرت الحسابات الخاطئة لنتنياهو خلال الانتخابات وبعدها. وكانت حملته قد ركزت على مساعدة حزب صغير من اليمين المتطرف على اجتياز العتبة الضرورية لدخول البرلمان كي لا تضيع أي أصوات يمينية "هباءً". لكن فصيل "الصهيونية الدينية" بقيادة بتسلإئيل سموتريش انقلب ضده بعد تجاوزه العتبة الانتخابية، فرفض طلب رئيس الوزراء باستخدام "القائمة العربية الموحدة" (برئاسة منصور عبّاس) كشبكة أمان ضد تصويت الكنيست على حجب الثقة. وعندما ضغط نتنياهو على بينيت للانضمام إلى ائتلافه، أخبره زعيم "يمينا" أنه يحتاج أولاً إلى تأمين تفاهم بين سموتريش وعباس من أجل ضمان أغلبية برلمانية تضم واحد وستين مقعداً. وحاول نتنياهو خداع حزب "الصهيونية الدينية" من خلال استمالة الحاخامات المتعاطفين معه، لكن معظمهم وقفوا إلى جانب سموتريش. وبالمثل، فإن افتراضه بأن بينيت سوف ينصاع لضغط اليمين ويعلن الولاء له ثبت خطأه، كما أن وعوده بتناوب رئاسة الوزراء لفترة قصيرة (دون أن تكون له سلطة على الأجهزة الأمنية أو العلاقات مع واشنطن وموسكو وفقاً لبعض التقارير) كانت قليلة جداً ومتأخرة جداً.


وإحدى الخطوات التي كان من الممكن أن تُحدث فرقاً لنتنياهو هي السماح بتولي شخصية أخرى من حزب "الليكود" منصب رئيس الوزراء. فبالإضافة إلى إظهار التزامه تجاه الحزب على حساب مصالحه الشخصية، كان من الممكن أن يمكّنه ذلك من مواصلة السيطرة على معظم عمليات صنع القرار في الحكومة من وراء الكواليس وسط سعيه إلى الحصول على الحصانة من الملاحقة القضائية. ومع ذلك، فمن شأن هذه المقاربة أن تطلق أيضاً صراعاً على تعاقب الرئاسة داخل حزب "الليكود"، ومن الواضح أن نتنياهو ليس مستعداً للنظر في حقبة ما بعد نتنياهو - وفي الواقع، من المتوقع أن يعلن قريباً أنه سيبقى في منصب زعيم الحزب.


وسيحيّي الكثيرون التأثير المجتمعي طويل المدى لإحدى قرارات نتنياهو، وهي - فتح الباب جزئياً أمام "القائمة العربية الموحدة" - لكن هذه الخطوة جاءت بتكلفة سياسية قصيرة المدى. فمن خلال قيامه بذلك، ربما يكون قد ساعد عن غير قصد كل من لبيد وبينيت في إضفاء الشرعية على الأحزاب العربية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من النظام السياسي الإسرائيلي، وبالتالي تعزيز الائتلاف المصطف ضده.


هل يمكن لـ "ائتلاف التغيير" أن ينجح؟


إن نقاط الضعف المحتملة للحكومة التي قد يشكلها لبيد وبينيت واضحة. وحيث يُعتبر "ائتلاف التغيير" هجيناً سياسياً تشوبه خلافات جوهرية حول قضايا مثل حقوق الفلسطينيين والفعالية القضائية، فسيكون عرضةً للتفكك أمام تطورات محلية وإقليمية مختلفة، لا سيما في أوقات الأزمات. وقد أعلن أحد أعضاء الكنيست السبعة التابعين لقائمة بينيت بالفعل أنه لن ينضم إلى الائتلاف، لذلك ستحتاج القيادة إلى ضم المزيد من الأعضاء العرب لضمان الدعم البرلماني الكافي. وهذا هو السبب في عدم إمكان تجاهل تهديد المعارضة من قبل نتنياهو، لأنه سيحاول جذب المزيد من المنشقين ومفاقمة قضايا الإسفين من أجل كسر الائتلاف.  


 


ومع ذلك، سيكون لحكومة لبيد - بينيت نقاط قوة عديدة أيضاً. أولاً، قد يؤدي وجود نتنياهو في صفوف المعارضة إلى تحريك أعضاء الائتلاف، لأنه السبب وراء جمعهم معاً. ومع ذلك، سيظلون بحاجة إلى إظهار حوكمة كفؤة إذا كانوا يأملون في التخلي عن روايته القائلة بأنه لا غنى عنه لإسرائيل.


ثانياً، يبدو أن لبيد وبينيت يثقان ببعضهما البعض، على الأقل في الوقت الحالي. فعندما كانا سوياً عضوان في حكومة نتنياهو في الفترة 2013-2015، سعى كلاهما إلى الحد من سلطة المتدينين، وشعرا بأنه ضحية لقرار رئيس الوزراء بإسقاط تلك الحكومة من أجل مصالحه الشخصية.


ثالثاً، بعد أن تجاوزت الشخصيتان اليمينيتان بينيت وساعر التَخْم السياسي، من المرجح أن يدركا أنهما قد لا يكونا قادرين على العودة إلى الوراء. أي، إذا فشلا في تحقيق نتائج ولم تحرك حكومة "التغيير" ساكناً، فقد يواجهان غضب ناخبين يمينيين في جولة خامسة من الانتخابات. ومَثلهما مثل أعضاء ائتلاف الآخرين، فهما حريصان بالتالي على التمسك بقضايا الإجماع مثل تسهيل الانتعاش الاقتصادي بعد الوباء، وإجراء تحسينات على البنية التحتية، واعتماد الميزانية لأول مرة منذ عام 2018.


رابعاً، من المرجح أن يتعزز الائتلاف بسبب النفور الشعبي المتزايد من واقع قدرة بعض الأفراد من المتدينين المتشددين على الاستخفاف بالقيود الصحية المفروضة خلال الجائحة. ووصل هذا الشعور إلى ذروته بعد أن مُنعت سلطات الدولة من الإشراف على مهرجان ديني جماعي في "جبل ميرون" في نهاية الشهر الماضي، والذي انتهى بمأساة قُتل فيها 45 مشاركاً. إن احتمال استبعاد الأحزاب الدينية المتشددة من الحكومة المقبلة قد يشير إلى أعضاء مجتمع المتدينين أنهم لم يعودوا قادرين على رفض القواعد.    


التداعيات على السياسة الأمريكية


على الرغم من حذرها من الخوض في المياه العكرة للسياسة الإسرائيلية، فقد ترحب إدارة بايدن في الجلسات الخاصة بقيادة أكثر تنوعاً أيديولوجياً بعد ست سنوات من الحكومات اليمينية البحتة، لا سيما بالنظر إلى التزام "ائتلاف التغيير" باستقلال القضاء. وبالمثل، فإن النفوذ المنخفض للمتدينين المتشددين سيكون موضع ترحيب من قبل الجالية اليهودية الأمريكية غير المتشددة دينياً إلى حد كبير، والتي تميل إلى التصويت للديمقراطيين بأعداد كبيرة.


ومع ذلك، ليس لدى واشنطن أوهام بشأن وجهات النظر السياسية المحتملة لحكومة برئاسة بينيت. فبإمكان القضية الفلسطينية على وجه الخصوص أن تفكك ائتلافه، لذا فإن أي تقدم على هذا الصعيد يجب أن يكون متواضعاً في أفضل الأحوال. على سبيل المثال، من غير المرجح أن يدعم بينيت منح "السلطة الفلسطينية" سلطة قضائية على أي جزء من المنطقة ("ج")، وهو القسم من الضفة الغربية الذي يقع خارج المناطق الحضرية الفلسطينية والمناطق المحيطة بها.


ويمكن أن تؤدي «خطة العمل الشاملة المشتركة» إلى تعقيد العلاقات الأمريكية أيضاً. فوفقاً لاستطلاعات الرأي، لا يزال العديد من الإسرائيليين يشككون بشروط الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران، لذا فإن جهود الولايات المتحدة للعودة إلى تلك الشروط لا بد أن تؤدي إلى حدوث خلاف. ولطالما أبدى نتنياهو معارضة شديدة لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة»، وعلى الرغم من أنه كان بلا ريب أقل مواجهة بشأن هذه القضية خلال إدارة بايدن، إلّا أن موقفه قد يتغير إذا لم يعد رئيساً للوزراء. يتعين على "ائتلاف التغيير" النظر في تجديد الاتفاق من خلال نفس العدسة المتشككة وأن يشارك وجهات النظر هذه مع واشنطن، خاصة إذا لم يلتزم المفاوضون بالسعي إلى إبرام اتفاقات متابعة تعالج الثغرات الموجودة في "خطة العمل الشاملة المشتركة". وقد لا يلجأ الائتلاف إلى نفس تكتيكات المواجهة التي استخدمها نتنياهو في عام 2015، لكن من المحتمل أن يكون أعضاؤه متحدون في رغبتهم في الحفاظ على خيارات إسرائيل للعمل المستقل إذا استدعت الظروف ذلك.


 


ديفيد ماكوفسكي هو زميل "زيغلر" المميز في معهد واشنطن، ومنتج برنامج البث الصوتي "نقاط القرار"، وهو المؤلف المشارك مع دينيس روس للكتاب "كن قوياً وذو شجاعة جيدة: كيف عمل قادة إسرائيل الأكثر أهمية على تحديد مصيرها".


  

جدول أعمال موسّع للشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل: تقنيات جديدة وفرص جديدة

 جدول أعمال موسّع للشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل: تقنيات جديدة وفرص جديدة

بواسطة` مايكل آيزنشتات, هنري "تري" أوبيرنج الثالث, سامانثا رافيچ, ديفيد بولوك

٧ مايو ٢٠٢١


  

 

تحليل موجز

يساهم عدد قليل من الحلفاء في أمن الولايات المتحدة ونجاحها في العديد من الطرق المتنوعة والمهمة كما تساهم إسرائيل. وفي هذا الصدد، يناقش أربعة خبراء كيف يمكن للحليفتين العمل عن كثب في كل شيء من الذكاء الاصطناعي إلى الدفاع الصاروخي، وبشكل مثالي بمساعدة شركاء عرب ناشئين.


"في 5 أيار/مايو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع مايكل آيزنشتات، واللفتانت الجنرال هنري "تري" أوبيرنج الثالث، وسامانثا رافيتش، وديفيد بولوك. وآيزنشتات وبولوك هما زميلان أقدمان في المعهد ومؤلفان مشاركان لدراسته الأخيرة "اختبار الأصول 2021: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في الاستفادة من تحالفها مع إسرائيل". وأوبيرنج هو ضابط متقاعد من "القوات الجوية الأمريكية"، أكمل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من الخدمة العسكرية، من بينها فترة عمله كمدير لـ "وكالة الدفاع الصاروخي" التابعة للبنتاغون. ورافيتش هي رئيسة "مركز الابتكار الإلكتروني والتكنولوجي" في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات". وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم".


 


مايكل أيزنشتات


لطالما وُصفت الأسس التي يقوم عليها التحالف الأمريكي-الإسرائيلي بأنها قيم مشتركة وسياسات ديمقراطية ومصالح استراتيجية مشتركة. ورغم أن هذه الصيغة لا تزال صحيحة، إلا أنها تعجز عن وصف مدى تعقيد هذه العلاقة بشكل مناسب. وقد أصبح التحالف الثنائي مسألة ثنائية الاتجاه بشكل متزايد، مما يعزز بشكل ملموس قدرة واشنطن على مواجهة التحديات الأمنية "الصعبة" و "الناعمة" في المستقبل.   


وفي الواقع، يساهم عدد قليل من الحلفاء في أمن الولايات المتحدة ونجاحها في العديد من الطرق المتنوعة والمهمة كما تساهم إسرائيل. فقد ساعدت هذه الأخيرة الولايات المتحدة على المنافسة اقتصادياً بشكل أفضل، وكذلك على معالجة قضايا الاستدامة المتعلقة بالأمن المائي والغذائي، والطاقة المتجددة، والصحة العامة (على سبيل المثال، أثناء جائحة "كوفيد-19"). وتُقدم إسرائيل أيضاً مساهمات مهمة في مجالات تبادل المعلومات الاستخبارية، والتعاون في مكافحة الإرهاب، والدفاع بواسطة الطائرات بدون طيار/القذائف/الصواريخ، والدروس العسكرية، والإنتاج الصناعي الدفاعي.


ويكمن السبب جزئياً وراء هذه المساهمات في واقع أن إسرائيل تلعب دوراً أكبر من حجمها بكثير وتثبت حضورها اقتصادياً وتكنولوجياً. وصحيح أنها تمثل 2.5 في المائة فقط من إجمالي سكان الشرق الأوسط إلا أنها تستهلك 20 في المائة من الصادرات الأمريكية إلى المنطقة. ووفقاً لموقع "بلومبرغ"، تحتل إسرائيل المرتبة الأولى في العالم في مقياسين علميين رئيسيين - استثمار البحث والتطوير كنسبة مئوية من "الناتج المحلي الإجمالي"، وعدد المهندسين/العلماء لكل فرد - بالإضافة إلى المرتبة الخامسة في براءات الاختراع للفرد والسابع في الابتكار. كما أنها تحتل المرتبة الأولى في نصيب الفرد من الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والثالثة في إجمالي الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، بعد الولايات المتحدة والصين فقط. وبناءً على ذلك، ستكون الشراكات الثنائية بشأن الذكاء الاصطناعي ضرورية للاستفادة من هذه التكنولوجيا التحويلية.


وفي ضوء هذا النظام البيئي المبتكر والمزدهر، أنشأت أكثر من 300 شركة تكنولوجيا أمريكية مراكز للبحث والتطوير في إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما تقوم الشركات الإسرائيلية التي تسعى إلى الانتشار عالمياً بتوقيع شراكة مع نظيراتها الأمريكية، مما يسفر عن عمليات تبادل تكنولوجي واستحداث عشرات الآلاف من الوظائف الأمريكية. وبينما غالباً ما يتم توجيه المساهمات الإسرائيلية بشكل كبير نحو قطاعات متخصصة في الاقتصاد الأمريكي (على سبيل المثال، تكنولوجيا المعلومات)، فإنها تميل إلى أن يكون لها تأثيرات مضاعفة تعزز العديد من القطاعات الأخرى في الاقتصاد (على سبيل المثال، تعزيز التجارة الإلكترونية).  


هنري أوبيرنج الثالث


يتعاون الجيش الأمريكي مع القوات المسلحة الإسرائيلية ويتعلم منها منذ عقود. وقد أدّى استيعاب إسرائيل للتقنيات المتقدمة إلى جعلها شريكاً مهماً بشكل خاص في تطوير أنظمة الدفاع الصاروخي ونشرها، لذلك يجب على البلدين مواصلة التعاون في مجال الصواريخ قصيرة المدى والدفاع الصاروخي. وفي الآونة الأخيرة، اشترى الجيش الأمريكي بطاريتين من منظومة "القبة الحديدية" كخيار مؤقت ويقوم بتقييم قابلية نجاحها على المدى الطويل، مما يدل على أهمية التكنولوجيا الإسرائيلية في هذا المجال. وفي الفترة المقبلة، يجب على المسؤولين النظر في العمل باتجاه مشروع دفاع صاروخي إقليمي ينطلق من "اتفاقيات إبراهيم".


وفي غضون ذلك، يجب على الشراكة الثنائية للدفاع الصاروخي تطوير قدرات الجيل التالي التي تركز على استكشاف بيئات جديدة كالفضاء مثلاً. وتتطلب التهديدات الناشئة من كوريا الشمالية وإيران والجهات الفاعلة الأخرى ترسيخ أجهزة استشعار قائمة في الفضاء وقدرات على القتل. ومن خلال العمل مع شركات القطاع الخاص التي تقوم حالياً بتطوير التكنولوجيا ذات الصلة، ستكون إسرائيل والولايات المتحدة في وضع جيد للتعاون في مثل هذا النظام.


ومنذ الحرب العالمية الثانية، اعتمد الجيش الأمريكي على التفوق التكنولوجي [الذي يتمتع به] على خصومه، لكن الصين ودول أخرى تعمل على تآكل هذه الميزة تدريجياً. لذلك يجب على واشنطن أن تظل يقظة واستباقية تجاه مثل هذه التحديات. وسيضمن التعاون مع الحلفاء البارعين في مجال التكنولوجيا مثل إسرائيل أن يكون بإمكان كلا الشريكين مواجهة هذه التهديدات الناشئة.


سامانثا رافيتش


ستستفيد الولايات المتحدة كثيراً من مشاركة المزايا التكنولوجية مع إسرائيل. وسيقود الذكاء الاصطناعي و التعلم الآلي الكثير من دفة الازدهار والصحة والأمن المستقبلي في العالم، لذا فإن التعاون الثنائي في هذه المسائل سيؤتي ثماره.


لقد اتخذ البنتاغون بعض الخطوات لدمج الذكاء الاصطناعي في مهمته - على سبيل المثال، يوضح "مركز الذكاء الاصطناعي المشترك" إدراك الجيش أن التطورات في هذه المجالات يجب أن تندمج مع العمليات والسياسات الحالية. وعملت إسرائيل مع الولايات المتحدة في مثل هذه البرامج منذ البداية وكانت أحد الأعضاء المؤسسين لـ "شراكة الذكاء الاصطناعي للدفاع"، التي تضع الأساس لمستقبل الحرب المشتركة.


هناك الكثير من السبل الأخرى للتعاون الثنائي في مجال الذكاء الاصطناعي. فالبيانات والحلول الحسابية هي ركيزة الذكاء الاصطناعي، ولا يحظى تحدي حماية هذه الأصول من الخصوم بالكثير من التركيز. وتُعتبر إسرائيل في طليعة الأمن السيبراني، لا سيما فيما يتعلق بالأجهزة الطبية والأمن المائي، لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تحصل على خبرتها في هذه المجالات. وعلى نطاق أوسع، من الضروري أن تعمل أمريكا على تطوير "هيئة ذكاء اصطناعي" تتألف من خبراء يمكنهم مساعدة الجهود الحكومية لإدراج الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، ومن شأن التعاون الإسرائيلي أن يعزز هذا الجهد. 


ومع ذلك، فإن إحدى المشكلات الرئيسية مع التحالف هي عدم إدراك إسرائيل بصورة تامة التهديد الذي تشكله الصين. ومن المحتمل أن تنبع هذه العقلية من واقع عدم نظر الدول الأصغر في كثير من الأحيان إلى أنشطة الصين العالمية بنفس الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة. [ومع ذلك]، بدأت إسرائيل في تطوير موقف أكثر عدائية تجاه بكين مؤخراً، لكن هذا التحول مدفوع إلى حد كبير من قبل واشنطن ولم يكن كافياً حتى الآن. على سبيل المثال، لا تشمل الهيئة الحكومية الإسرائيلية المسؤولة عن مراجعة تداعيات الاستثمارات الأجنبية على الأمن القومي قطاع التكنولوجيا، ولم تهتم كثيراً بالتهديد الذي تشكله الصين على الجامعات المحلية.


ومع تعمق التعاون الأمريكي الإسرائيلي في مجال التكنولوجيا الفائقة، قد تشعر إسرائيل بتأثير الأنشطة الخبيثة لبكين بشكل أكثر مباشرة وتتصرف وفقاً لذلك. على أي حال، يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في مشاركة معلومات التهديد الصيني مع المسؤولين الإسرائيليين، لأن هذه المقاربة ساعدت في إقناع الحلفاء الآخرين بإعادة النظر في موقفهم تجاه بكين.


ديفيد بولوك


كانت ريادة إسرائيل في المجال الطبي واضحة للعيان خلال جائحة "كوفيد-19"، مما عزز السمعة التي بنتها على مدى عقود كشريك حيوي للشركات الأمريكية. وأدى الجمع والإدارة المتقدمان للبيانات الطبية في البلاد إلى قيام شركة "فايزر" بتبادل اللقاحات للوصول إلى هذه المعلومات، مما يؤكد أهمية إسرائيل في جهود التطعيم العالمية.


كانت إسرائيل أيضاً رائدة عالمياً في صون المياه والري لبعض الوقت. وتشمل أحدث ابتكاراتها دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة المياه من أجل تحسين استخدامها والحفاظ على الموارد. ودخلت البلاد في شراكة مع الولايات المتحدة في مجال الطاقة البديلة ومواجهة المناخ أيضاً.


وحالياً حيث تقوم إسرائيل بتطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية، ستستفيد المنطقة حتماً من براعتها التكنولوجية. وبقدر الإمكان، يجب أن يشمل التعاون الإسرائيلي والعربي والأمريكي في هذا الصدد الفلسطينيين أيضاً. وعلى الرغم من التعقيدات السياسية للتعاون الرسمي، يبدو أن الفلسطينيين في القطاع الخاص يعملون بالفعل مع الإسرائيليين والعرب في قطاع التكنولوجيا.


وفيما يتعلق بقضايا الدفاع، يجب على الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان قدرة بيروقراطياتهما على إدارة التهديدات الناشئة بفعالية. ويُعد الإعلان الأخير عن تشكيل لجنة لتعزيز التنسيق الثنائي بشأن التهديدات الإيرانية في المنطقة خطوة واعدة في هذا الاتجاه. وسيستفيد كلا الشريكين من توسيع هذا النهج الثنائي إلى مقاربة متعددة الأطراف، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن "الناعمة" مثل تغير المناخ.


 


أعد هذا الملخص هنري ميهم.


عن المؤلفين

Michael Eisenstadt

مايكل آيزنشتات

مايكل آيزنشتات هو زميل أقدم ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.

Henry Obering III

هنري "تري" أوبيرنج الثالث

اللفتنانت جنرال هنري "تري" أوبيرنج الثالث تقاعد من "القوات الجوية الأمريكية" بعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من الخبرة في مجال تطوير أنظمة الفضاء والدفاع والعمليات.


سامانثا رافيچ

سامانثا رافيتش هي رئيسة "مركز الابتكار الإلكتروني والتكنولوجي" في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات".


ديفيد بولوك

ديفيد بولوك زميل أقدم في معهد واشنطن يركز على الحراك السياسي في بلدان الشرق الأوسط.

Saturday, January 23, 2021

إيران تلوّح أمام بايدن بورقتين خطرتين للغاية

إيران تلوّح أمام بايدن بورقتين خطرتين للغاية

 هآرتس"، 18/1/2021

إيران تلوّح أمام بايدن بورقتين خطرتين للغاية


شموئيل مئير - خبير استراتيجي في مركز الأبحاث الاستراتيجية في جامعة تل أبيب
  • تعريف "الأزمة" هو وضع في غاية االخطورة يتطلب حلاً فورياً. "الأزمة" هي نقطة زمنية تتطلب من الأطراف الذين لهم علاقة بها اتخاذ قرار مهم وعاجل. وكما في الدراما، "الأزمة" هي نقطة يصل فيها الصراع إلى ذروته قبل حله أو انفجاره. وتحديداً، بعد أن تغلب الاتفاق النووي بصعوبة على الجهود الرامية إلى تفكيكه، وعلى سياسة "الضغط الأقصى" لإدارة ترامب، ها هو يصل إلى موعد تنصيب جو بايدن ودخوله إلى البيت الأبيض بينما هو في المحطة الأكثر حساسية لاستمرار وجوده.
  • في كل ما يتعلق بالموضوع النووي الإيراني المجتمع الدولي بالتأكيد أمام أزمة جديدة. إذا أقر المرشد الأعلى علي خامنئي مجمل الخطوات المقبلة لبلده - فإنه سيحسم على ما يبدو مصير الاتفاق الموقّع في فيينا في تموز/يوليو 2015، لأن الباب سيُغلق أمام مخطط بايدن والأوروبيين لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق القائم. ستواجه المنظومة الدولية بصورة فورية واقعاً يكون فيه التصعيد وسيناريوهات مهاجمة المنشآت النووية في إيران مرة أُخرى في مركز جدول الأعمال العالمي كما كانت عليه في الصيف الحار لسنة 2012.
  • كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ اغتيال العالم النووي الكبير محسن فخري زادة في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر كان بمثابة الشرارة التي أطلقت سلسلة سيناريوهات سريعة من طرف إيران. اختارت الجمهورية الإسلامية عدم الرد على الاغتيال بطريقة عسكرية (أو انفعالية أُخرى)، كما مالت إليه التقديرات في إسرائيل، بل بطريقة مدروسة على صعيد الدبلوماسية النووية. وذلك بواسطة قانون مرره المحافظون في البرلمان على الرغم من إرادة رئيس الجمهورية حسن روحاني، وعلى الرغم من جهوده، لعرقلته.
  • القانون الجديد المسمى "خطة عمل استراتيجية لرفع العقوبات" يحدد الخطوات المطلوبة لتسريع مشروع إيران النووي. وهو يتضمن خروقات أكبر وأكثر من الخروقات المدروسة التي نفّذتها إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من طرف واحد من الاتفاق النووي وفرض العقوبات. تتضمن هذه الخروقات: تخصيب اليورانيوم على درجة 20%، ومعنى ذلك السير سريعاً في مسار التخصيب العسكري (90%) الذي يتطلبه سلاح نووي؛ تسريع البحث والتطوير لنماذج أجهزة طرد مركزي متطورة وبناء آلاف منها، إعادة بناء مفاعل المياه الثقيلة في أراك؛ فرض قيود على مراقبي الوكالة الدولية للطاقة النووية؛ إلغاء البروتوكول الملحق الذي يسمح للمراقبين بالقيام بزيارات مفاجئة لمنشآت غير مصرّح بها.
  • الخرقان الملموسان الأكثر خطورة من بين القائمة، واللذان أشرت إليهما، هما تخصيب اليوارنيوم على درجة 20% وإلغاء البروتوكول الملحق الخاص بالوكالة الدولية للطاقة. هذان هما أيضاً الشرطان الضروريان اللذان وضعهما الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الثلاث الموقّعة على الاتفاق (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) على إيران إذا كانت تريد المحافظة على الاتفاق. في الأيام الأولى من سنة 2021 بدأت إيران بتغذية أجهزة الطرد في منشأة فوردو (التي بحسب الاتفاق ممنوع تخصيب اليورانيوم فيها) والتخصيب على درجة 20%. وأكد ذلك مراقبو الوكالة الدولية للطاقة الموجودون هناك.
  • لم يتأخر وصول الرد الأوروبي. ففي بيان مشترك حاد للغاية، أعرب وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن قلقهم العميق إزاء الخطوة الإيرانية، ورأوا أن ليس لها أي مبرر مدني، ودعوا طهران إلى العودة بسرعة إلى القيود التي فرضها الاتفاق. لأول مرة تحدث الأوروبيون بلغة واضحة عن "خرق الاتفاق"، ولم يستخدموا "عدم الانسجام" كما فعلوا في بيانات سابقة. بعثوا في الرسالة بتهديد مبطن يتعلق باحتمال أن يتحركوا. استخدام مصطلح "عدم انصياع إيران للاتفاق" هو بمثابة بطاقة حمراء. خلال العامين الماضيين، ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفي ضوء جهود الأوروبيين للمحافظة عليه، لم نسمع تعابير حادة كهذه.
  • هذه التطورات دفعت مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية رفائيل غروسي إلى التطرق علناً وبصورة مباشرة إلى الوضع الجديد، وعدم انتظار صدور التقرير الفصلي للوكالة. في مقابلة أجرتها معه وكالة رويترز قال إن إيران تتقدم بوتيرة سريعة جداً في تخصيب اليوارنيوم على درجة 20%، وأنها ستصبح مؤهلة لإنتاج 10 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب شهرياً. وأضاف: "هذا وضع جديد يتطلب تحركاً دبلوماسياً لإصلاحه، لأنه ليس لدينا أشهر بل أسابيع."
  • ثمة سِمة مركزية أُخرى "للأزمة" هي تزامن الإلحاح مع ضيق الوقت من حولها. هكذا يمكن أن نفهم القلق الذي عبّر عنه غروسي إزاء احتمال خرق البند المحدد المركزي الثاني في الاتفاق. وبحسب ما فهم غروسي هناك موعد محدد وإنذار لوقف نشاط المراقبين في المنشآت النووية-21 شباط/فبراير- إذا لم تُرفَع العقوبات الأميركية حتى ذلك التاريخ. وأشار غروسي إلى أنه يتعامل مع ذلك بجدية وقلق "لأن هذا هو القانون الذي تنوي الحكومة الإيرانية تطبيقه". يمكن أن نفهم من كلامه وأيضاً من بيانات الشركاء الأوروبيين أن المس بنشاط مراقبي الوكالة الدولية وإلغاء البروتوكول الملحق- أمر مذكور بصورة واضحة في القانون الإيراني – هو بمثابة تصعيد وصعود لدرجة لا يمكن قبولهما.

السير على حافة الهاوية من نوع جديد

  • نتيجة خطوات إيران، الأزمة النووية يمكن أن تصل إلى نقطة غليان في الشهر الأول من ولاية بايدن. إلّا إذا جرى في المقابل القيام بأعمال  يمكن أن تخفف أو تعرقل التطورات السلبية. لا نعلم إذا فُتحت قناة حوار سرية مع إيران من جانب الأوروبيين أو من جانب طاقم بايدن، لكن من كلام غروسي يمكن أن تعرف بوجود "حوار بنّاء ومتواصل" بينه وبين علي أكبر صلاحي، رئيس لجنة الطاقة النووية الإيرانية (وأحد الذين صاغوا الاتفاق النووي الأصلي).
  • يشدد ناطقون إيرانيون رسميون طوال الوقت على مواصلتهم التمسك بالاتفاق النووي، وعلى أن الخطوات التي ستُطبَّق بحسب القانون يمكن العودة عنها (الأمر صحيح من الناحية التقنية - العملانية) إذا عادت الولايات المتحدة إلى الاتفاق ورفعت العقوبات الأحادية الجانب. ما نراه هنا هو أزمة مخطَّط لها ومدروسة لكنها خاصة: فما يجري ليس السير على حافة الهاوية (Brinkmanship) المعروف في الأدبيات الاستراتيجية لأن إيران لا تنوي أن تفرض على الطرف الثاني (الولايات المتحدة) التراجع عن شيء محدد (مثل مطالبة الرئيس كينيدي الاتحاد السوفياتي بإخراج الصواريخ من كوبا)، بل العكس: هي تريد أن تفرض عليها ما تعهدت القيام به، أي تطبيق الاتفاق النووي.
  • لم يتحدث بايدن علناً عن الموضوع، لكن يبدو أنه أدرك خطورة الوضع والحاجة الماسة إلى معالجته. الدليل على ذلك نراه في سلسلة تعيينات كبار المسؤولين في منظومة اتخاذ القرارات في موضوعات الأمن القومي: مثل تعيين أنطوني بلينكن وزيراً للخارجية، وويندي شيرمان نائبة لوزير الخارجية، وجاك سليفان مستشاراً للأمن القومي، ووليام بيرنز رئيساً لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA). تدل هذه التعيينات على توجه واضح، لأن كل هؤلاء كانوا في دائرة المستشارين والمساعدين الذين صاغوا الاتفاق النووي في إدارة أوباما، وهم قادرون على  البدء بالعمل مع الإيرانيين منذ يوم عملهم الأول في الوزارة. ينطبق هذا بصورة خاصة على بيرنز وسليفان اللذين كانا من آباء القناة السرية التي أدارتها الولايات المتحدة مع إيران في عُمان وأدت إلى حدوث الاختراق وتوقيع الاتفاق النووي.
  • أين إسرائيل في هذه الصورة؟ بنيامين نتنياهو يستعد لمخطط بايدن الرامي إلى إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، لكنه يفعل ذلك انطلاقاً من "تصوّر" ليس من المؤكد أنه سيساعده. هو يعتمد من جهة على نظرية "اتفاق نووي محسّن أولاً"- وفي مركزها صيغة "صفر أجهزة طرد مركزي وصفر تخصيب"، أي مواصلة العمل على تفكيك الاتفاق القائم، بينما مخطط بايدن يتحدث عن عودة سريعة إلى الاتفاق الأصلي. من جهة ثانية، ينوي نتنياهو على ما يبدو العودة إلى نموذج العمل الذي تميز به في صراعه ضد الاتفاق في أيام أوباما. أي المخاطرة بإعطاء نفسه صلاحيات حصرية في الموضوع والاحتفاظ بالأوراق من دون الكشف عنها (بواسطة السيطرة على رئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات) واستبعاد كل من وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس الاستخبارات العسكرية.
  • أسلوب العمل هذا يمكن أن يعرقل نقاشاً منتظماً في الطاقم الوزاري المصغر. في هذا الشأن يجب أن نتذكر أن الاستخبارات العسكرية تحديداً تعتبر الاتفاق النووي (على الرغم من بعض العيوب) مساهمة إيجابية في أمن إسرائيل. كلمات بهذه الروحية قالها رئيس شعبة الأبحاث العميد درور شالوم، في مقابلة وداعية أجرتها معه صحيفة "يديعوت أحرونوت".
  • تعتبر الاستخبارات العسكرية أن الاتفاق النووي أزال التهديد الوجودي الوحيد لإسرائيل، ومنع ظهور دولة جديدة تملك سلاحاً نووياً في الشرق الأوسط، ومنع سباقاً إقليمياً نحو التسلح النووي .

اختبار التطبيع: إسرائيل، دول الخليج والتحدي الإيراني

اختبار التطبيع: إسرائيل، دول الخليج والتحدي الإيراني

 "نظرة سياسية - أمنية"، 18/1/2021

اختبار التطبيع: إسرائيل، دول الخليج والتحدي الإيراني


أودي أفينطال - باحث في معهد السياسات والاستراتيجيا في مركز هرتسليا المتعدد المجالات
  • تكشف عملية التطبيع بين دول الخليج وبين إسرائيل اعترافاً متزايداً بأهمية إسرائيل كشريك مهم وشرعي في المنطقة وتفتح أمامها فرصاً متنوعة لتعاون محتمل. في المجال السياسي - الأمني أحد أهداف إسرائيل المركزية إنشاء جبهة إقليمية واسعة لكبح نفوذ إيران في الشرق الأوسط. منذ البداية التهديد الإقليمي المشترك المترائي من إيران كان أحد الحوافز البارزة، بالإضافة إلى الحاجة إلى محاربة الإرهاب والإسلام المتطرف، وهذا ما دفع دول الخليج وإسرائيل إلى إجراء اتصالات وتعاون أمني في المرحلة الأولى، وتحويلها إلى اتصالات رسمية وعلنية لاحقاً.
  • على خلفية المصلحة الواضحة لإدارة أوباما وبعدها إدارة ترامب في تقليص تدخّل الولايات المتحدة في المنطقة، دول الخليج، التي تتخوف من "التخلي" الأميركي عن المنطقة، تعتبر إسرائيل عنصراً مؤثراً في واشنطن، وهي مستعدة للدخول في مواجهة مع الإدارة الأميركية وعرض موقفها أيضاً (كما حدث في مواجهة إدارة أوباما بشأن مسألة الاتفاق النووي مع إيران). تدرك هذه الدول أيضاً أن إسرائيل هي اللاعبة الوحيدة في المنطقة التي لا تتردد في التحرك بفعالية، وفي استخدام القوة من أجل صد جهود التمدد الإيراني.
  • في هذه الأيام، ومع تولّي إدارة أميركية جديدة مهماتها، قدرة إسرائيل ودول الخليج على ترجمة المصالح الاستراتيجية المشتركة فيما يتعلق بإيران إلى سياسة متفَّق عليها بصورة عامة، وإزاء واشنطن بصورة خاصة، هي موضع الاختبار. فيما يلي وجهات النظر والعوامل المتعددة التي ستؤثر في حجم وعمق التنسيق والتعاون بين الأطراف فيما يتعلق بالمسألة الإيرانية.
  • تصور التهديد الإيراني وحجم الاعتماد على الولايات المتحدة- تركز إسرائيل على المشروع النووي الإيراني، وعلى التهديدات التي تعمل إيران على ترسيخها ضدها على حدودها ومن جبهات أبعد. أيضاً تتخوف دول الخليج من تهديد مباشر لأنظمتها على خلفية جهود إيران التآمرية، وخصوصاً من ناحية السكان الشيعة في أراضيها؛ وتشعر بالقلق أيضاً من تحدٍّ مركزي آخر لأنظمتها - التهديد الذي يمثله الإخوان المسلمون والدعم الذي يحظون به من تركيا.
  • وبينما إسرائيل قادرة على مواجهة تهديدات الصواريخ على أنواعها والمسيّرات من إيران، فإن دول الخليج تعتمد اعتماداً عميقاً وكبيراً على مظلة الدفاع الأميركية. ميزان الردع بينها وبين إيران يميل بصورة حاسمة إلى مصلحة طهران، وهي لا تجرؤ على مواجهتها بصورة مباشرة (على الرغم من السلاح المتطور الذي تزودها به الولايات المتحدة) حتى عندما تتعرض لهجوم إيراني ساحق مثل الهجوم الذي أوقع ضرراً استراتيجياً بمنشأت النفط الأساسية في السعودية في أيلول/سبتمبر 2019.
  • لإسرائيل مصلحة في المحافظة على وجود أميركي مهم في الشرق الأوسط، مثلاً في العراق، لكنه في نظر دول الخليج ضرورة وجودية، وهي تسعى للحصول على ضمانات من الولايات المتحدة بأن التفاهمات مع إيران لن تأتي على حسابها.
  • مقاربات خليجية متنوعة إزاء إيران - لا يمكن تصنيف دول الخليج كمجموعة متجانسة عندما يكون المقصود سياستها إزاء إيران. على الرغم من الخطوة الجريئة التي قامت بها دولة الإمارات في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، فهي في المقابل تعمل على "تقييد المخاطر" في مواجهة إيران، وتموضِع نفسها بين واشنطن وطهران. في هذا الإطار تدير أبو ظبي مع إيران منظومة علاقات براغماتية، وتُجري الدولتان حواراً أمنياً لتخفيف التوترات في الخليج.
  • السعودية أيضاً درست إمكان إجراء حوار مشابه مع طهران، في ظل شكوكها في صدقية الدعم الأميركي، بعد امتناع الولايات المتحدة من الرد على الهجوم الإيراني على أراضي السعودية في أيلول/سبتمبر 2019. مع ذلك تنتهج الرياض منذ ذلك الحين خطاً أكثر تشدداً ضد إيران، وهي مستعدة لمواجهتها مباشرة. في هذا السياق برزت مؤخراً، في أثناء قمة المصالحة مع قطر، دعوة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان دول الخليج إلى الوحدة ضد التهديد الإيراني. المنطق في علاقة دول الخليج بإيران جرى التعبير عنه أيضاً في السياسة المستقلة التي تقودها عُمان وقطر. تدير عُمان بصورة تقليدية علاقات وثيقة وتتعاون مع طهران؛ وقطر التي وثّقت علاقتها بإيران في أعقاب مقاطعة دول الخليج لها، لم تخضع ولم تتخلّ عن هذه العلاقات في إطار المصالحة مع هذه الدول، على الرغم من أن أحد المطالب كان أن تقلص الدوحة علاقاتها بطهران.
  • إسرائيل ودول الخليج إزاء الإدارة الأميركية- تريد إسرائيل ودول الخليج أن تتشاور إدارة بايدن معهم وألّا تفاجئهم بخطواتها حيال طهران. تسعى إسرائيل لحوار بنّاء وحميم مع الإدارة، في مركزه المسألة النووية. حوار من هذا النوع هو حساس ومعقد للغاية، سواء من ناحية المضامين السياسية والعملانية والتكنولوجية التي يحتوي عليها، أو من ناحية الصورة الاستخباراتية التي يعتمد عليها، والتي تستند إلى مصادر حساسة ومشتركة للدولتين. من المعقول أن يُطلَب من دول الخليج وإسرائيل على حد سواء المحافظة على الحصرية وخصوصية القنوات القائمة بينها وبين واشنطن، بصورة ستجعل من الصعب التنسيق السياسي الوثيق والتفصيلي بينهما (خصوصاً في تفصيلات المسألة النووية) التي تتخطى خطوطاً سياسية عامة.
  • حوار إقليمي برعاية أميركية - إحدى الأفكار التي تفحصها إدارة بايدن كجزء من استخلاص الدروس من المفاوضات مع إيران في فترة أوباما، هي إجراء حوار إقليمي بقيادة دول الخليج. وذلك في مقابل المفاوضات مع إيران في المسألة النووية التي ستقودها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا (5+ واحد) إذا نشأت فعلاً قناة إقليمية لتخفيف التوتر مع إيران، التي من الواضح جداً أن إسرائيل لن تكون جزءاً منها.
  • المحافظة على التفوق النوعي - دول جديدة ستنضم إلى دائرة التطبيع وعلى رأسها السعودية، ستطلب من الولايات المتحدة الحصول على منظومات سلاح متطور من نوع طائرات أف-35 ومسيّرات مسلحة، على غرار التي قُرِّرت في الاتفاق بين إسرائيل والإمارات. وذلك بحجة أن هذه القدرات المتطورة مطلوبة لمواجهة التهديد الإيراني. من جهة أُخرى تتخوف إسرائيل من سباق تسلح إقليمي، وتعطي المحافظة على تفوقها العسكري أهمية خاصة وتعتبره مكوناً مهماً لضمان استقرار الشرق الأوسط، وتقدّر أن معقولية استخدام دول الخليج لهذا السلاح ضد إيران منخفضة للغاية. تعي دول الخليج التحفظات العميقة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن الموضوع، وهذه مسألة يمكن أن تلقي بظلالها على العلاقات الثلاثية بين إسرائيل- الولايات المتحدة - الخليج.
  • احتمال تعاون عملاني خليجي - إسرائيلي - بالاستناد إلى تقارير منشورة، كان هناك تعاون استخباراتي وأمني في مواجهة التهديد الإيراني وتحديات أُخرى في إطار الأمن والمعلومات موجوداً بين إسرائيل ودول الخليج حتى قبل اتفاقات التطبيع. بعدها من المحتمل ارتفاع درجة العلاقات إلى حد منح إسرائيل مجالاً لنصب قدرات بالقرب من حدود إيران.
  • على الصعيد العلني تفتح اتفاقات التطبيع فرصاً أمام تعاون أمني مستقبلي، في الأساس في المجالات الدفاعية. مثلاً إنشاء هندسة مشتركة دفاعية في مواجهة الصواريخ برعاية أميركية، تخدم مصالح كل الأطراف. تستطيع دول الخليج الاستفادة من القدرات الاعتراضية الإسرائيلية المتطورة للصواريخ، وتستطيع إسرائيل تحسين فرص اعتراض إطلاق الصواريخ من إيران، وتستطيع الولايات المتحدة أن تقود السيطرة والرقابة على المنظومة، وأن تضم إليها قدرات أميركية للدفاع عن أرصدتها في المنطقة.
  • مع ذلك، تعاونات أمنية - استراتيجية على المستويات السرية والعلنية ليست أمراً مفروغاً منه. بالإضافة إلى التعقيد المتعلق بالكشف عن تكنولوجيا وتعاون أمني استخباراتي، يمكن أن تتردد دول الخليج تخوفاً من ردة فعل إيرانية ضدها. وذلك على خلفية تهديدات إيران للإمارات والبحرين بأنهما ستتحملان النتائج الخطِرة إذا منحتا إسرائيل موطئ قدم على أراضيهما أو في الخليج بصورة تهدد أمن إيران القومي.

الصورة الواسعة

  • لإسرائيل ودول الخليج مجموعة مصالح متطابقة فيما يتعلق بإيران والتهديدات الناجمة عنها، وخصوصاً الحاجة إلى كبح طموحاتها للهيمنة الإقليمية وحصولها على قدرة نووية، وإحباط هجماتها من جبهات مجاورة بواسطة وكلائها، أو بصورة مباشرة من أراضيها.
  • على الرغم من تطابق المصالح، فإن تحليلها من خلال نظرة واسعة وشاملة يكشف أن السبيل إلى تعاون استراتيجي فعال وعميق ومكثف بين إسرائيل ودول الخليج في المسألة الإيرانية- معقد. التحديات المتعلقة بذلك لها علاقة بالفوارق في مقاربة التهديد الإيراني والعلاقات المتعددة لدول الخليج بإيران، والفجوات في علاقات الأطراف بالولايات المتحدة ومدى اعتمادها عليها، وتعقيد التعاون من الناحية العملانية.
  • في ضوء المواقف المستقلة لكل من قطر وعُمان حيال إيران، ومقاربة الكويت المعادية لإسرائيل، وجهود دولة الإمارات لضمان أمنها بواسطة حوار أمني مع إيران، تبدو السعودية، أكبر وأقوى دولة في الخليج وتنتهج أيضاً خطاً معادياً بشدة لإيران في نظر إسرائيل، كشريك محتمل ومهم للغاية في السياق الإيراني،.
  • استلام إدارة بايدن عملها وسياستها المعلنة إزاء إيران تضع إسرائيل والسعودية والإمارات أمام أول اختبار لقدرتها على العمل بصورة منسقة في المسألة الإيرانية. في هذه المرحلة ليس واضحاً ما إذا كانت السعودية مستعدة لمواجهة إدارة بايدن فيما يتعلق بسياستها إزاء إيران، أو أنها ستعطي الأولوية لمساعيها لترميم العلاقات مع واشنطن التي تضررت بسبب قضايا حقوق الفرد، وعلى خلفية الحرب الوحشية التي تخوضها في اليمن.
  • بالنسبة إلى إسرائيل - رسائل منسقة مع السعودية والإمارات في المسألة الإيرانية وموقف إقليمي مشترك في الشأن الإيراني يمكن أن تشكل رافعة مهمة للغاية في المساعي الرامية إلى التأثير في السياسات الأميركية. يتعين على إسرائيل - التي تستعد في هذه الأيام لحوار مع إدارة بايدن، وتصوغ مواقفها من قضايا إيران - أن تأخذ في حسابها في هذا السياق أيضاً سياستها إزاء دول الخليج. في هذا الإطار المطلوب منها أن تفحص القواسم المشتركة التي يمكن التوصل إليها مع إدارة بايدن، وعلناً؛ بناء قنوات تواصل للتشاور والتنسيق وتبادل المستجدات الجارية؛ أن تحدد مسبقاً المستوى الذي ترغب إسرائيل في إشراك دول الخليج في الحوار النووي؛ أخيراً، التفكير في كيفية التغلب على توترات مفهومة بين الأطراف، مثلاً في مسألة المحافظة على التفوق النوعي.

الإرهاب ـ عناصر مشتركة : التعريف، الطبيعة و الأغراض . بقلم محمد عبد العظيم

 الإرهاب ـ عناصر مشتركة : التعريف، الطبيعة و الأغراض . بقلم محمد عبد العظيم

يناير 17, 2021 | أمن دولي, تقارير, دراسات, مكافحة الإرهاب


 

 


 


 


 

   


 

 


المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا


إعداد :محمد عبد العظيم  ـ أمستردام


تعريف الإرهاب

 


الإرهاب هو ترجمة كلمة (Terror) الإنجليزية وهى مشتقة من كلمة  Terrere اللاتينية، بمعنى يفزع أو يرهب. ويستخدم هذا المصطلح ومشتقاته بمعانٍ مختلفة كثيرة، فقد يستخدم لقبًا لإمبراطور دموى (مثل إيفان الرهيب)، أو وصفًا لعصور حكم العنف أثناء الاضطرابات السياسية (مثل حكم الإرهاب أثناء الثورة الفرنسية)، أو للتعبير عن الحوادث المتفرقة التى يستخدم فيها العنف والتى تعرف عالميا باسم “الإرهاب الدولى” .


والعنف ليس الصفة الأساسية للإرهاب لأن المواجهات العنيفة مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية لاتعتبر إرهابا، فالإرهاب لا يستخدم العنف غاية فى ذاته، ولكن وسيلة لبث الرعب والفزع بين جموع الشعب. إستراتيجية مكافحة الإرهاب الفرنسية … ترسانة قانونية


وحيث إن غرض الإرهابيين جميعا هو بث الرعب فى أوسع نطاق من الشعب، لذلك نجد أن هناك دافعا مشتركا لكل الأعمال الإجرامية التى يقوم بها الإرهابيون، إلا أنه بسبب وجود مثل هذا العنصر المشترك، نجد أن هناك أساسا يمكن أن تستمد منه مكافحة الإرهاب استراتيجياتها وتكتيكاتها الدفاعية، فأى شئ قد يؤدى إلى تقليل الخوف والقلق لدى جموع الشعب يعد وسيلة فعالة ضد الإرهاب .




طبيعة الإرهاب

حدد بريان جينكنز من مؤسسة رابن، الأنواع الثلاثة الأساسية من الصراعات التى تحدث قبل اللجوء إلى استخدام السلاح النووى وهى:


1- الحرب التقليدية .


2- حرب العصابات


3- الإرهاب الدولى.


وفى النوعين الأول والثانى نجد أن هناك تمايزًا بين المحاربين وغير المحاربين، ولكن ليس معنى ذلك أن غير المحاربين لايتوخون القتل، ولكن يعنى أن ذلك يحدث فى حالات استثنائية، ففى حالات الحرب التقليدية أو حرب العصابات يكون المقصود بالقتل هم القوات المسلحة التى تحارب ضد قوات أخرى مسلحة.


وفى الإرهاب الدولى يكون القصد هو انتهاك المدنيين (أى معاناتهم أو موتهم)، وهذه الطبيعة المستترة للإرهاب الدولى هى التى تجعلنا نعتقد أن الجماعات السياسية المتطرفة هى التى تدعم أهداف الإرهابيين -إن لم تكن تتبنى هذه الأهداف وتطورها- وهناك عدة أسئلة لم ننجح فى الإجابة عليها تماما، فيما يتعلق باحتمال وجود جماعات إرهابية مستقلة فى أنشطتها، أو إن كانت هذه الجماعات يتم استغلالها والتلاعب بها من قبل آخرين.


أغراض الإرهاب

غالبا مايأخذ الإرهاب السياسى شكل المسرحية، ولذلك نجد أن هناك عناصر تكاد تكون عامة فى كل الأنشطة الإرهابية المعاصرة وهى :


1- استخدام العنف من أجل الإقناع : حيث يستخدم التفجير أو الهجمات الأخرى لإحراز مكاسب ضد ضحايا مستهدفة، وهذه الضحايا لاتكون بالضرورة هى المجموعة التى تتعرض للإصابة أو القتل، ولكن تكون الهجمات بغرض التأثير على حكومة معينة أو مجموعة من الحكومات كى تتخذ إجراءات معينة، أو كى توقف إجراءات معينة اتخذتها.


2- انتقاء الأهداف والضحايا من أجل الحصول على أكبر تأثير إعلامى: ويعنى ذلك اختيار الأهداف أو الضحايا التى تجذب أكبر تغطية إعلامية.مكافحة الإرهاب في ألمانيا … وحدة التحقيق و التَّحَرِّي‏


3- شن الهجمات دون التعرض للاستفزاز: وذلك فى الحقيقة يمثل كل الهجمات الإرهابية لأنها لاتفسر إلا بالمنطق المعوج الذى يقدمه الإرهابيون أنفسهم.


4- الحصول على أقصى دعاية بالتعرض لأقل المخاطر: ذلك هو المبدأ الذى يصف معظم الأنشطة الإرهابية خاصة تلك التى تستخدم أجهزة التفجير. وينتج عن التفجير قدر كبير من الدعاية والانتشار تبعا للتوقيت والمكان المختارين. كما أنه يمكن للمفجرين أن يتجنبوا المخاطر من اكتشاف القنبلة أو انفجارها، بضبط توقيت الانفجار قبل الحادث بفترة باستخدام القنابل الزمنية، وإذا انتقلنا خطوة فى قائمة الأنشطة التى يفضلها الإرهابيون، لوجدنا أن الاختطاف أو الاعتداء أو الاغتيال تؤدى إلى قدر أكبر من الدعاية والانتشار، ولكنها أيضا تحمل قدرًا أكبر من المخاطر.


وهناك مايشبه التغير الدورى فى الأنشطة الإرهابية، فإذا كان هناك مثلها سلسلة من حوادث الاختطاف، حينئذ سنجد أن الجمهور قد صار متأقلما معها نوعا ما، وحوادث الاختطاف التالية لن تصبح من أخبار الصفحات الأولى لوسائل الإعلام ، ولو كان هناك عدد قليل من حوادث التفجير ، فإننا سنجد اهتمام جماهيرى بأى حادث تفجير يرتكب عندئذ، أكبر بكثير من أى اختطاف جديد، فالإرهابيون يحبون أن يكونوا فى بؤرة الاهتمام دائما، ولذلك يغيرون تكتيكاتهم من أجل الحصول على أكبر قدر من الدعاية.


5- استخدام المفاجأة للإحاطة بوسائل المكافحة: وتلك هى إحدى الطرق التى يستخدمها الإرهابيون للتغلب على الأهداف الصعبة، فبالرغم من وجود الحراس وأجهزة المراقبة والأجهزة الأمنية المتقدمة، إلا أنه يمكن استخدام عنصر المفاجأة لتعويق النظام الأمنى وشل مقاومة القوات البشرية فى الأجهزة الأمنية القوية.


6- استخدام التهديدات والإزعاجات والعنف لخلق جو عام من الخوف، وقد قامت منظمة إرهابية من بورتو ريكو معروفة باسم “فِلان” بعمل حملات من هذا النوع فى نيويورك حيث قامت بزرع أجهزة لإشعال الحرائق فى الكثير من المتاجر الرئيسية بوسط البلد بمهاتن، وقد وضعت هذه الأجهزة الزمنية فى الأماكن المزدحمة من المتاجر، وكانت النار الناتجة كثيفة الدخان مما أدى إلى إخلاء هذه المتاجر، وحيث إن هذه الهجمات بدت بها أسباب أو نظام أو إيقاع -على الأقل من وجهة نظر الجمهور- لذلك نشأ جو عام من الخوف والهلع، وبدأ المستهلكون يخشون التسوق وسط المدينة مما أدى إلى خسائر فادحة للمتاجر جميعا، ولم تستفد منظمة فلان حتى على المستوى المرحلى.


7- استخدام النساء والأطفال ضحايا: بل غالبا ماتختار مواضع الهجمات بحيث تتضمن الضحايا عددًا كبيرًا من النساء والأطفال، لأن ذلك يجعل الحادث أكثر ترويعا. وماذلك إلا طريقة أخرى يحصل بها الإرهابيون على اهتمام وسائل الإعلام، لأنه يؤكد على أن الضحايا من العزل وغير المحاربين، وهذا هو مايساعدنا على التفرقة بين الإرهابيين والجنود وكتائب حرب العصابات، فالجندى يحارب تحت سلطة الحكومة بغرض حمايتها، وكذلك تحارب العصابات بطريقة مشابهة للجنود من حيث التقنيات والالتزامات السلوكية (بمعنى أن النساء والأطفال لايشكلون أهدافا أساسية)، ولكن الإرهابى على العكس من ذلك يستهدف النساء والأطفال بصفة خاصة لخلق جو عام من الخوف.


8- استخدام الدعاية لزيادة تأثير الهجمات خاصة فيما يتعلق بالأهداف السياسية والاقتصادية . مكافحة الإرهاب دوليا و محليا ..القواعد الأساسية.


إن محاربة التطرف والإرهاب، يعتمد على مدى إمكانية الحكومات بالتعاون مع المجتمعات، من إيجاد سياسات أمن قومي متكاملة تقوم على أساس التنمية والتعايش السلمي. المجموعات المتطرفة، تستغل دوما الفراغ السياسة للسلطة بمعناها الأيجابي، لتضع نفسها بديلا عن تلك المجتمعات، لمواجهة الحكومات ونشر الفوضى، التي تعتبر البيئة المثالية لظهور وتنامي التطرف والإرهاب.


*كتاب ـ أسس مكافحة الإرهاب ـ الدكتورفرانك بولتز و كينيث

عشرة تحديات تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد

عشرة تحديات تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد

 

الإرث الثقيل:

عشرة تحديات تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد
الأربعاء، 20 يناير، 2021
الإرث الثقيل:

عرض: سارة عبد العزيز – باحثة في العلوم السياسية

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم 20 من يناير 2021، مراسم تنصيب الرئيس الأمريكي رقم (46)؛ إلا أنه في ظل عالم من عدم اليقين، وتعدد الأزمات والتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل الإرث الثقيل الذي تركه الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته "دونالد ترامب"؛ فإن فترة ولاية "جو بايدن" وربما من يخلفه ستكون أصعب بكثير من فترات عمل الرؤساء السابقين. 

وقد حاول الكاتب "جراهام أليسون"، وهو خبير سياسي وكاتب أمريكي مخضرم، في مقاله المنشور بمجلة "فورين بوليسي"، في 15 يناير الجاري استعراض أهم عشرة تحديات دولية تعد الأكثر تعقيدًا، والتي من المرجح أن تواجه صانعي السياسة الأمريكيين. ويمكن استعراض أهم تلك التحديات على النحو التالي:

1- انقسام الداخل الأمريكي: 

يشكل انقسام الداخل الأمريكي التحدي الأكبر الذي سيواجه صناع السياسة الأمريكيين خلال عام 2021، وما بعده. وحقيقة الأمر فإن انقسام الداخل لن يؤثر على الأمريكيين وحدهم، بل إن تفاعل الإدارة الجديدة مع تلك الحالة غير المسبوقة من الانقسام الذي لم تشهده الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب الأهلية، من المتوقع أن تنعكس آثاره على العالم كله. 

فما لم تجد الإدارة الأمريكية الجديدة حلًّا وسطًا يُمكّنها من إحداث قدر من التوافق المبدئي بين الحزبين الكبيرين، واستعادة الثقة في مؤسساتها الديمقراطية، والعودة إلى المشروع الأمريكي الكبير في إرساء ونشر المبادئ الديمقراطية الليبرالية ورفض العنصرية؛ فإن واشنطن ستفتقر إلى الأساس الذي من خلاله تستطيع أن تستعيد دورها كقائد في النظام العالمي الجديد في ظل منافسة شرسة من الجانب الصيني. ربما يدرك "بايدن" خطورة ذلك التحدي، إلا أن الأمر قد يحتاج إلى أكثر من مجرد الإدراك.

2- التحدي الاقتصادي: 

في حين أنه لا يمكن إنكار حجم القوة الاقتصادية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ أيّ تقلص أو اهتزاز في حجم تلك القوة قد يحمل العديد من التبعات على الاقتصاد العالمي بل وأكثر من ذلك. فالاقتصاد هو البنية التحتية للقوة في العلاقات الدولية، كما أن القوة الاقتصادية تمول القدرات العسكرية والاستخباراتية، بما يؤثر -في المجمل- على حركة التجارة والاستثمار العالمي. 

وبناءً عليه، فإنه مع انخفاض القوة الاقتصادية النسبية للولايات المتحدة، تتقلص قائمة الخيارات السياسية المتاحة أمام صناع السياسة، سواء في الداخل أو الخارج. فعلى الصعيد العالمي، ستواجه واشنطن تراجعًا كبيرًا في دورها في النظام العالمي، وسيصبح عليها التكيف مع عالم لم تعد فيه واشنطن قادرة على توفير الدعم العسكري الأمني المجاني للدول الأخرى، أو تمويل أنظمة التسليح وتقديم الدعم والتدريب العسكري، أو ملاحقة الصين في تقديم القروض للدول الفقيرة لتمويل مشروعات النقل والبنية التحتية الرقمية.

3- تراجع أهمية الترسانة المفاهيمية التي اعتمد عليها صانعي السياسة:

 فوفقًا للافتراضات القائمة على الخلفية الديمقراطية الليبرالية لصانعي السياسة الأمريكيين في إدارتي "جورج دبليو بوش" و"باراك أوباما"، كان هناك توقع بأن الإطاحة بالحكام "المستبدين" في العراق وليبيا سيولّد أنظمة ديمقراطية في تلك الدول بشكل تلقائي. أما الفرضية الثانية، فتتعلق بأن العالم الذي تتبنى فيه جميع الدول نظام الأسواق الحرة ستجعل مواطني تلك الدول أغنياء. إلا أن تلك الفرضيات قد تكون غير قائمة في عالم اليوم، وهو ما يستدعي إحداث قدر من التكيف والمراجعة للفرضيات التي يمكن الاعتماد عليها في صنع السياسة الأمريكية. 

4- تحدي التنافس الصيني: 

تشكل الصين التحدي الدولي الأكثر إرباكًا للولايات المتحدة. فعلى عكس الاتحاد السوفيتي السابق والذي كان معزولًا اقتصاديًا ومقيّدًا من الناحية التكنولوجية؛ فإن الوضع التنافسي الحالي مع بكين، وما تمتلكه من الموارد اللازمة لتنمو بشكل أكبر وأسرع وأقوى من واشنطن؛ قد يفرض على الرئيس القادم وضع استراتيجية متكاملة في مواجهة ذلك الصعود الصيني الذي سيغير شكل النظام العالمي. 

فباستخدام أفضل المعايير والمؤشرات الدولية لمقارنة الاقتصادات الوطنية، نجد أن الصين أضحت بالفعل أكبر اقتصاد في العالم. بالشكل الذي يجعلها ربما تكون قد حلت محل الولايات المتحدة باعتبارها المحرك الأساسي للنمو العالمي. كما أنه من بين جميع الاقتصادات الرئيسية، تعد الصين هي الوحيدة التي حققت أكبر معدل للنمو الاقتصادي في نهاية عام 2020، وذلك مقارنة بما كان عليه الوضع مع بداية العام. 

وهنا يشير الكاتب إلى أنه عندما تُهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة حاكمة، غالبًا ما تكون النتيجة حربًا كارثية، واستدل على ذلك بما كان عليه الحال في أوروبا عام 1914. كما أكد أن الدفع بما يسمى باستراتيجية فك الارتباط مع الصين، هو أمر غير ممكن. 

5- صعود أهمية العوامل الجيواقتصادية: 

مع بزوغ نجم العولمة أضحى للعامل الاقتصادي أهميته بدرجة تماثل القوة العسكرية. ومن ثمّ، كانت محاولة إدارة "ترامب" إقناع الحلفاء بالاختيار بين العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة أو العلاقة الاقتصادية مع الصين بمثابة خطأ استراتيجي كبير. فبكين حاليًا هي ورشة التصنيع الأولى في العالم، والشريك التجاري الأول لمعظم الدول، بما في ذلك اليابان وأستراليا وحتى ألمانيا. وقد تعمقت الصين خلال السنوات الماضية في كيفية استغلال الأدوات الجيواقتصادية وتوظيفها لصالح تحقيق الأهداف الجيوسياسية الخاصة بها. 

6- القوة العسكرية الصينية: 

بينما لا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية الرائدة في العالم، فقد دشنت الصين خلال العقد الماضي أقوى قوة عسكرية في آسيا. بل إن ميزانية الدفاع لبكين الآن أضحت تقترب من ستة أضعاف ميزانية طوكيو، وحوالي أربعة أضعاف ميزانية نيودلهي. وعلى عكس الولايات المتحدة التي تمتلك التزامات عسكرية عالمية، فإن جهود الصين الدفاعية تتركز بشكل أساسي على حدودها ومياهها الإقليمية. الأمر الذي حوّل ميزان القوة العسكرية لصالحها، خاصة في المناطق الأكثر اشتعالًا والتي تمتلك فيها بكين ميزة نسبية، وعلى الأخص في منطقة مضيق تايوان. 

وقد سبق أن اعترف نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق "روبرت وورك" بأنه من بين (18) نموذج محاكاة أجراه البنتاجون لمناورات عسكرية بين الصين والولايات المتحدة في تايوان، كانت النتيجة دائمًا لصالح الصين.

7- المنافسة التكنولوجية الشرسة: 

أصبحت الصين منافسًا تقنيًا حقيقيًا للولايات المتحدة الأمريكية في المجال التكنولوجي، بل إن أغلب التوقعات أضحت تتوقع أن يأخذ النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين منحى آخر، بحيث ينتقل النزاع من التجارة إلى التكنولوجيا. ويعد الذكاء الاصطناعي من المجالات الأكثر احتمالًا لأن تشهد منافسة حادة بين الجانبين، هذا إلى جانب ما حققته الصين من خطوات متقدمة في مجال شبكات الجيل الخامس (5G)، وانعكاس ذلك على تكنولوجيا الاتصالات والخدمات المالية. 

كما أنه من المحتمل كذلك أن يكون للتكنولوجيا التأثير الأكبر على الاقتصاد والأمن القومي خلال العقد المقبل، ومن ثم فإنه في حين فرضت إدارة "ترامب" قيودًا صارمة على وصول الصينيين إلى أشباه الموصلات المتقدمة؛ إلا أن حجم السكان الكبير ودولة المراقبة في الصين ستمنحها دائمًا المزيد من البيانات لتغذية التقدم في مجال التعلم الآلي. 

يقترح الكاتب أنه يمكن للولايات المتحدة استخدام سياسات الهجرة الذكية (Intelligent Immigration Policies )، وكذلك تجنيد الشخصيات المؤثرة للاحتفاظ بميزة تنافسية في مواجهة الصين، بما يُمكّنها من الوصول إلى أكبر نسبة من السكان.

8- التأثيرات التدميرية المتبادلة: 

تعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين أكبر دولتين مصدرتين لانبعاثات الغاز المتسببة في الاحتباس الحراري في العالم، الأمر الذي يجعل كلًّا منهما من أكبر الدول المتحكمة في تأثيرات التغير المناخي. ومن ثم، فإنه قد يكون من الأفضل لكل من واشنطن وبكين العمل على إيجاد طريقة مشتركة لمواجهة تحديات التغيرات المناخية، للحفاظ على كوكب صالح للعيش للجميع، لأن البديل الآخر قد يكون التدمير المشترك لكليهما.

9- حشد الحلفاء: 

إن الوضع الاقتصادي الحالي للصين يمنحها ميزة تنافسية في مواجهة الولايات المتحدة بما يجعلها قادرة على تمويل ميزانيات الدفاع والاستخبارات بشكل قد يكون أكبر مما تخصصه الولايات المتحدة الأمريكية في المقابل. 

وبناء عليه، يقترح الكاتب أنه في حال الرغبة الأمريكية في تقييد سلوك بكين؛ فإنه سيتعين على واشنطن اجتذاب دول أخرى ذات ثقل إلى جانبها لإحداث التوازن في ميزان القوة العالمي لصالحها. لكن هذا سيكون أكثر تحديًا مما كان عليه الأمر خلال الحرب الباردة. حيث إنه أصبح لكل حليف محتمل وفقًا للوضع الحالي اهتماماته وأولوياته، والتي قد لا تكون الولايات المتحدة الأمريكية في موضع الصدارة منها. 

وقد تضاعفت أهمية الصين الاقتصادية قد خلال الآونة الأخيرة بالنسبة للأعداء والحلفاء. ومن ثم، فقد يصطف الحلفاء إلى جانب الولايات المتحدة ضد الصين، فيما يتعلق ببعض القضايا الأمنية، بينما يصبحون أكثر تشابكًا مع الصين في القضايا الاقتصادية. وليس أدل على ذلك من توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (R.C.E.P)، التي تعد واحدة من أكبر الصفقات التجارية في التاريخ، حيث يعمل هذا الاتفاق على إنشاء منطقة تجارة حرة بين (الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، ودول رابطة الآسيان العشرة، وأستراليا، ونيوزيلندا)، وذلك سعيًا لتقليص الحواجز التجارية بين هذه الدول، وهو ما يخلق إطارًا مشتركًا للتعاون الاقتصادي بينها. وينطبق الأمر ذاته -بدرجة أو بأخرى- على توقيع اتفاق التجارة والاستثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي، وهو ما يسمح بالنفاذ التجاري والاستثماري بينهما.

10- تحدي العولمة: 

على الرغم من العديد من منتقديها، ستظل العولمة قوة هائلة في إعادة تشكيل العلاقات الدولية. فحتى مع تقلص حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فقد ساهمت قوى العولمة في الدفع نحو استمرارية نمو الاقتصاد العالمي لأكثر من مائة ضعف خلال الفترة من عام 1950 وحتى اليوم. إلا أن الإشكالية تتمثل في أنه في الوقت الذي أنتجت فيه العولمة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، مكاسب ضخمة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والطبية وتبادل الأفكار والخبرات البشرية وغيرها؛ فإن المنافسة العالمية التي لا هوادة فيها تسببت في تداعيات غير متكافئة، خاصة بالنسبة لدول العالم الثالث. 

ومن ثم، أضحى يتعين على صانعي السياسات في الولايات المتحدة إحداث قدر من الموازنة بين هذه المكاسب المتحققة لهم، وخسائر الآخرين. وهو ما يتطلب من واشنطن أن تتجاوز استراتيجيتها التقليدية المتمثلة في التغلب على مشاكل الموارد، ومحاولة إحداث التمييز الدقيق بين المصالح القومية بما لا يتجاوز مصلحة الآخرين.

وختامًا، يمكن القول إن الوضع العالمي الحالي بما يتضمنه من تحديات جسيمة، أصبح يستدعي ضرورة تقييد الطموحات الأمريكية الكبرى من أجل ضمان البقاء والاستمرارية كقوة عظمى. وبناءً عليه، فإنه قد يتعين على "بايدن" وخلفائه استدعاء الخيال الاستراتيجي لترتيب الأولويات واتخاذ الإجراءات التي تصب في صالح حماية المصالح الأمريكية.

المصدر: 

Graham Allison, "Grave New World: Why Biden’s job will be so much harder than his predecessors’", Foreign Policy, January 15, 2021.