Saturday, January 23, 2021

إيران تلوّح أمام بايدن بورقتين خطرتين للغاية

إيران تلوّح أمام بايدن بورقتين خطرتين للغاية

 هآرتس"، 18/1/2021

إيران تلوّح أمام بايدن بورقتين خطرتين للغاية


شموئيل مئير - خبير استراتيجي في مركز الأبحاث الاستراتيجية في جامعة تل أبيب
  • تعريف "الأزمة" هو وضع في غاية االخطورة يتطلب حلاً فورياً. "الأزمة" هي نقطة زمنية تتطلب من الأطراف الذين لهم علاقة بها اتخاذ قرار مهم وعاجل. وكما في الدراما، "الأزمة" هي نقطة يصل فيها الصراع إلى ذروته قبل حله أو انفجاره. وتحديداً، بعد أن تغلب الاتفاق النووي بصعوبة على الجهود الرامية إلى تفكيكه، وعلى سياسة "الضغط الأقصى" لإدارة ترامب، ها هو يصل إلى موعد تنصيب جو بايدن ودخوله إلى البيت الأبيض بينما هو في المحطة الأكثر حساسية لاستمرار وجوده.
  • في كل ما يتعلق بالموضوع النووي الإيراني المجتمع الدولي بالتأكيد أمام أزمة جديدة. إذا أقر المرشد الأعلى علي خامنئي مجمل الخطوات المقبلة لبلده - فإنه سيحسم على ما يبدو مصير الاتفاق الموقّع في فيينا في تموز/يوليو 2015، لأن الباب سيُغلق أمام مخطط بايدن والأوروبيين لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق القائم. ستواجه المنظومة الدولية بصورة فورية واقعاً يكون فيه التصعيد وسيناريوهات مهاجمة المنشآت النووية في إيران مرة أُخرى في مركز جدول الأعمال العالمي كما كانت عليه في الصيف الحار لسنة 2012.
  • كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ اغتيال العالم النووي الكبير محسن فخري زادة في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر كان بمثابة الشرارة التي أطلقت سلسلة سيناريوهات سريعة من طرف إيران. اختارت الجمهورية الإسلامية عدم الرد على الاغتيال بطريقة عسكرية (أو انفعالية أُخرى)، كما مالت إليه التقديرات في إسرائيل، بل بطريقة مدروسة على صعيد الدبلوماسية النووية. وذلك بواسطة قانون مرره المحافظون في البرلمان على الرغم من إرادة رئيس الجمهورية حسن روحاني، وعلى الرغم من جهوده، لعرقلته.
  • القانون الجديد المسمى "خطة عمل استراتيجية لرفع العقوبات" يحدد الخطوات المطلوبة لتسريع مشروع إيران النووي. وهو يتضمن خروقات أكبر وأكثر من الخروقات المدروسة التي نفّذتها إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من طرف واحد من الاتفاق النووي وفرض العقوبات. تتضمن هذه الخروقات: تخصيب اليورانيوم على درجة 20%، ومعنى ذلك السير سريعاً في مسار التخصيب العسكري (90%) الذي يتطلبه سلاح نووي؛ تسريع البحث والتطوير لنماذج أجهزة طرد مركزي متطورة وبناء آلاف منها، إعادة بناء مفاعل المياه الثقيلة في أراك؛ فرض قيود على مراقبي الوكالة الدولية للطاقة النووية؛ إلغاء البروتوكول الملحق الذي يسمح للمراقبين بالقيام بزيارات مفاجئة لمنشآت غير مصرّح بها.
  • الخرقان الملموسان الأكثر خطورة من بين القائمة، واللذان أشرت إليهما، هما تخصيب اليوارنيوم على درجة 20% وإلغاء البروتوكول الملحق الخاص بالوكالة الدولية للطاقة. هذان هما أيضاً الشرطان الضروريان اللذان وضعهما الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الثلاث الموقّعة على الاتفاق (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) على إيران إذا كانت تريد المحافظة على الاتفاق. في الأيام الأولى من سنة 2021 بدأت إيران بتغذية أجهزة الطرد في منشأة فوردو (التي بحسب الاتفاق ممنوع تخصيب اليورانيوم فيها) والتخصيب على درجة 20%. وأكد ذلك مراقبو الوكالة الدولية للطاقة الموجودون هناك.
  • لم يتأخر وصول الرد الأوروبي. ففي بيان مشترك حاد للغاية، أعرب وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن قلقهم العميق إزاء الخطوة الإيرانية، ورأوا أن ليس لها أي مبرر مدني، ودعوا طهران إلى العودة بسرعة إلى القيود التي فرضها الاتفاق. لأول مرة تحدث الأوروبيون بلغة واضحة عن "خرق الاتفاق"، ولم يستخدموا "عدم الانسجام" كما فعلوا في بيانات سابقة. بعثوا في الرسالة بتهديد مبطن يتعلق باحتمال أن يتحركوا. استخدام مصطلح "عدم انصياع إيران للاتفاق" هو بمثابة بطاقة حمراء. خلال العامين الماضيين، ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفي ضوء جهود الأوروبيين للمحافظة عليه، لم نسمع تعابير حادة كهذه.
  • هذه التطورات دفعت مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية رفائيل غروسي إلى التطرق علناً وبصورة مباشرة إلى الوضع الجديد، وعدم انتظار صدور التقرير الفصلي للوكالة. في مقابلة أجرتها معه وكالة رويترز قال إن إيران تتقدم بوتيرة سريعة جداً في تخصيب اليوارنيوم على درجة 20%، وأنها ستصبح مؤهلة لإنتاج 10 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب شهرياً. وأضاف: "هذا وضع جديد يتطلب تحركاً دبلوماسياً لإصلاحه، لأنه ليس لدينا أشهر بل أسابيع."
  • ثمة سِمة مركزية أُخرى "للأزمة" هي تزامن الإلحاح مع ضيق الوقت من حولها. هكذا يمكن أن نفهم القلق الذي عبّر عنه غروسي إزاء احتمال خرق البند المحدد المركزي الثاني في الاتفاق. وبحسب ما فهم غروسي هناك موعد محدد وإنذار لوقف نشاط المراقبين في المنشآت النووية-21 شباط/فبراير- إذا لم تُرفَع العقوبات الأميركية حتى ذلك التاريخ. وأشار غروسي إلى أنه يتعامل مع ذلك بجدية وقلق "لأن هذا هو القانون الذي تنوي الحكومة الإيرانية تطبيقه". يمكن أن نفهم من كلامه وأيضاً من بيانات الشركاء الأوروبيين أن المس بنشاط مراقبي الوكالة الدولية وإلغاء البروتوكول الملحق- أمر مذكور بصورة واضحة في القانون الإيراني – هو بمثابة تصعيد وصعود لدرجة لا يمكن قبولهما.

السير على حافة الهاوية من نوع جديد

  • نتيجة خطوات إيران، الأزمة النووية يمكن أن تصل إلى نقطة غليان في الشهر الأول من ولاية بايدن. إلّا إذا جرى في المقابل القيام بأعمال  يمكن أن تخفف أو تعرقل التطورات السلبية. لا نعلم إذا فُتحت قناة حوار سرية مع إيران من جانب الأوروبيين أو من جانب طاقم بايدن، لكن من كلام غروسي يمكن أن تعرف بوجود "حوار بنّاء ومتواصل" بينه وبين علي أكبر صلاحي، رئيس لجنة الطاقة النووية الإيرانية (وأحد الذين صاغوا الاتفاق النووي الأصلي).
  • يشدد ناطقون إيرانيون رسميون طوال الوقت على مواصلتهم التمسك بالاتفاق النووي، وعلى أن الخطوات التي ستُطبَّق بحسب القانون يمكن العودة عنها (الأمر صحيح من الناحية التقنية - العملانية) إذا عادت الولايات المتحدة إلى الاتفاق ورفعت العقوبات الأحادية الجانب. ما نراه هنا هو أزمة مخطَّط لها ومدروسة لكنها خاصة: فما يجري ليس السير على حافة الهاوية (Brinkmanship) المعروف في الأدبيات الاستراتيجية لأن إيران لا تنوي أن تفرض على الطرف الثاني (الولايات المتحدة) التراجع عن شيء محدد (مثل مطالبة الرئيس كينيدي الاتحاد السوفياتي بإخراج الصواريخ من كوبا)، بل العكس: هي تريد أن تفرض عليها ما تعهدت القيام به، أي تطبيق الاتفاق النووي.
  • لم يتحدث بايدن علناً عن الموضوع، لكن يبدو أنه أدرك خطورة الوضع والحاجة الماسة إلى معالجته. الدليل على ذلك نراه في سلسلة تعيينات كبار المسؤولين في منظومة اتخاذ القرارات في موضوعات الأمن القومي: مثل تعيين أنطوني بلينكن وزيراً للخارجية، وويندي شيرمان نائبة لوزير الخارجية، وجاك سليفان مستشاراً للأمن القومي، ووليام بيرنز رئيساً لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA). تدل هذه التعيينات على توجه واضح، لأن كل هؤلاء كانوا في دائرة المستشارين والمساعدين الذين صاغوا الاتفاق النووي في إدارة أوباما، وهم قادرون على  البدء بالعمل مع الإيرانيين منذ يوم عملهم الأول في الوزارة. ينطبق هذا بصورة خاصة على بيرنز وسليفان اللذين كانا من آباء القناة السرية التي أدارتها الولايات المتحدة مع إيران في عُمان وأدت إلى حدوث الاختراق وتوقيع الاتفاق النووي.
  • أين إسرائيل في هذه الصورة؟ بنيامين نتنياهو يستعد لمخطط بايدن الرامي إلى إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، لكنه يفعل ذلك انطلاقاً من "تصوّر" ليس من المؤكد أنه سيساعده. هو يعتمد من جهة على نظرية "اتفاق نووي محسّن أولاً"- وفي مركزها صيغة "صفر أجهزة طرد مركزي وصفر تخصيب"، أي مواصلة العمل على تفكيك الاتفاق القائم، بينما مخطط بايدن يتحدث عن عودة سريعة إلى الاتفاق الأصلي. من جهة ثانية، ينوي نتنياهو على ما يبدو العودة إلى نموذج العمل الذي تميز به في صراعه ضد الاتفاق في أيام أوباما. أي المخاطرة بإعطاء نفسه صلاحيات حصرية في الموضوع والاحتفاظ بالأوراق من دون الكشف عنها (بواسطة السيطرة على رئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات) واستبعاد كل من وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس الاستخبارات العسكرية.
  • أسلوب العمل هذا يمكن أن يعرقل نقاشاً منتظماً في الطاقم الوزاري المصغر. في هذا الشأن يجب أن نتذكر أن الاستخبارات العسكرية تحديداً تعتبر الاتفاق النووي (على الرغم من بعض العيوب) مساهمة إيجابية في أمن إسرائيل. كلمات بهذه الروحية قالها رئيس شعبة الأبحاث العميد درور شالوم، في مقابلة وداعية أجرتها معه صحيفة "يديعوت أحرونوت".
  • تعتبر الاستخبارات العسكرية أن الاتفاق النووي أزال التهديد الوجودي الوحيد لإسرائيل، ومنع ظهور دولة جديدة تملك سلاحاً نووياً في الشرق الأوسط، ومنع سباقاً إقليمياً نحو التسلح النووي .

اختبار التطبيع: إسرائيل، دول الخليج والتحدي الإيراني

اختبار التطبيع: إسرائيل، دول الخليج والتحدي الإيراني

 "نظرة سياسية - أمنية"، 18/1/2021

اختبار التطبيع: إسرائيل، دول الخليج والتحدي الإيراني


أودي أفينطال - باحث في معهد السياسات والاستراتيجيا في مركز هرتسليا المتعدد المجالات
  • تكشف عملية التطبيع بين دول الخليج وبين إسرائيل اعترافاً متزايداً بأهمية إسرائيل كشريك مهم وشرعي في المنطقة وتفتح أمامها فرصاً متنوعة لتعاون محتمل. في المجال السياسي - الأمني أحد أهداف إسرائيل المركزية إنشاء جبهة إقليمية واسعة لكبح نفوذ إيران في الشرق الأوسط. منذ البداية التهديد الإقليمي المشترك المترائي من إيران كان أحد الحوافز البارزة، بالإضافة إلى الحاجة إلى محاربة الإرهاب والإسلام المتطرف، وهذا ما دفع دول الخليج وإسرائيل إلى إجراء اتصالات وتعاون أمني في المرحلة الأولى، وتحويلها إلى اتصالات رسمية وعلنية لاحقاً.
  • على خلفية المصلحة الواضحة لإدارة أوباما وبعدها إدارة ترامب في تقليص تدخّل الولايات المتحدة في المنطقة، دول الخليج، التي تتخوف من "التخلي" الأميركي عن المنطقة، تعتبر إسرائيل عنصراً مؤثراً في واشنطن، وهي مستعدة للدخول في مواجهة مع الإدارة الأميركية وعرض موقفها أيضاً (كما حدث في مواجهة إدارة أوباما بشأن مسألة الاتفاق النووي مع إيران). تدرك هذه الدول أيضاً أن إسرائيل هي اللاعبة الوحيدة في المنطقة التي لا تتردد في التحرك بفعالية، وفي استخدام القوة من أجل صد جهود التمدد الإيراني.
  • في هذه الأيام، ومع تولّي إدارة أميركية جديدة مهماتها، قدرة إسرائيل ودول الخليج على ترجمة المصالح الاستراتيجية المشتركة فيما يتعلق بإيران إلى سياسة متفَّق عليها بصورة عامة، وإزاء واشنطن بصورة خاصة، هي موضع الاختبار. فيما يلي وجهات النظر والعوامل المتعددة التي ستؤثر في حجم وعمق التنسيق والتعاون بين الأطراف فيما يتعلق بالمسألة الإيرانية.
  • تصور التهديد الإيراني وحجم الاعتماد على الولايات المتحدة- تركز إسرائيل على المشروع النووي الإيراني، وعلى التهديدات التي تعمل إيران على ترسيخها ضدها على حدودها ومن جبهات أبعد. أيضاً تتخوف دول الخليج من تهديد مباشر لأنظمتها على خلفية جهود إيران التآمرية، وخصوصاً من ناحية السكان الشيعة في أراضيها؛ وتشعر بالقلق أيضاً من تحدٍّ مركزي آخر لأنظمتها - التهديد الذي يمثله الإخوان المسلمون والدعم الذي يحظون به من تركيا.
  • وبينما إسرائيل قادرة على مواجهة تهديدات الصواريخ على أنواعها والمسيّرات من إيران، فإن دول الخليج تعتمد اعتماداً عميقاً وكبيراً على مظلة الدفاع الأميركية. ميزان الردع بينها وبين إيران يميل بصورة حاسمة إلى مصلحة طهران، وهي لا تجرؤ على مواجهتها بصورة مباشرة (على الرغم من السلاح المتطور الذي تزودها به الولايات المتحدة) حتى عندما تتعرض لهجوم إيراني ساحق مثل الهجوم الذي أوقع ضرراً استراتيجياً بمنشأت النفط الأساسية في السعودية في أيلول/سبتمبر 2019.
  • لإسرائيل مصلحة في المحافظة على وجود أميركي مهم في الشرق الأوسط، مثلاً في العراق، لكنه في نظر دول الخليج ضرورة وجودية، وهي تسعى للحصول على ضمانات من الولايات المتحدة بأن التفاهمات مع إيران لن تأتي على حسابها.
  • مقاربات خليجية متنوعة إزاء إيران - لا يمكن تصنيف دول الخليج كمجموعة متجانسة عندما يكون المقصود سياستها إزاء إيران. على الرغم من الخطوة الجريئة التي قامت بها دولة الإمارات في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، فهي في المقابل تعمل على "تقييد المخاطر" في مواجهة إيران، وتموضِع نفسها بين واشنطن وطهران. في هذا الإطار تدير أبو ظبي مع إيران منظومة علاقات براغماتية، وتُجري الدولتان حواراً أمنياً لتخفيف التوترات في الخليج.
  • السعودية أيضاً درست إمكان إجراء حوار مشابه مع طهران، في ظل شكوكها في صدقية الدعم الأميركي، بعد امتناع الولايات المتحدة من الرد على الهجوم الإيراني على أراضي السعودية في أيلول/سبتمبر 2019. مع ذلك تنتهج الرياض منذ ذلك الحين خطاً أكثر تشدداً ضد إيران، وهي مستعدة لمواجهتها مباشرة. في هذا السياق برزت مؤخراً، في أثناء قمة المصالحة مع قطر، دعوة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان دول الخليج إلى الوحدة ضد التهديد الإيراني. المنطق في علاقة دول الخليج بإيران جرى التعبير عنه أيضاً في السياسة المستقلة التي تقودها عُمان وقطر. تدير عُمان بصورة تقليدية علاقات وثيقة وتتعاون مع طهران؛ وقطر التي وثّقت علاقتها بإيران في أعقاب مقاطعة دول الخليج لها، لم تخضع ولم تتخلّ عن هذه العلاقات في إطار المصالحة مع هذه الدول، على الرغم من أن أحد المطالب كان أن تقلص الدوحة علاقاتها بطهران.
  • إسرائيل ودول الخليج إزاء الإدارة الأميركية- تريد إسرائيل ودول الخليج أن تتشاور إدارة بايدن معهم وألّا تفاجئهم بخطواتها حيال طهران. تسعى إسرائيل لحوار بنّاء وحميم مع الإدارة، في مركزه المسألة النووية. حوار من هذا النوع هو حساس ومعقد للغاية، سواء من ناحية المضامين السياسية والعملانية والتكنولوجية التي يحتوي عليها، أو من ناحية الصورة الاستخباراتية التي يعتمد عليها، والتي تستند إلى مصادر حساسة ومشتركة للدولتين. من المعقول أن يُطلَب من دول الخليج وإسرائيل على حد سواء المحافظة على الحصرية وخصوصية القنوات القائمة بينها وبين واشنطن، بصورة ستجعل من الصعب التنسيق السياسي الوثيق والتفصيلي بينهما (خصوصاً في تفصيلات المسألة النووية) التي تتخطى خطوطاً سياسية عامة.
  • حوار إقليمي برعاية أميركية - إحدى الأفكار التي تفحصها إدارة بايدن كجزء من استخلاص الدروس من المفاوضات مع إيران في فترة أوباما، هي إجراء حوار إقليمي بقيادة دول الخليج. وذلك في مقابل المفاوضات مع إيران في المسألة النووية التي ستقودها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا (5+ واحد) إذا نشأت فعلاً قناة إقليمية لتخفيف التوتر مع إيران، التي من الواضح جداً أن إسرائيل لن تكون جزءاً منها.
  • المحافظة على التفوق النوعي - دول جديدة ستنضم إلى دائرة التطبيع وعلى رأسها السعودية، ستطلب من الولايات المتحدة الحصول على منظومات سلاح متطور من نوع طائرات أف-35 ومسيّرات مسلحة، على غرار التي قُرِّرت في الاتفاق بين إسرائيل والإمارات. وذلك بحجة أن هذه القدرات المتطورة مطلوبة لمواجهة التهديد الإيراني. من جهة أُخرى تتخوف إسرائيل من سباق تسلح إقليمي، وتعطي المحافظة على تفوقها العسكري أهمية خاصة وتعتبره مكوناً مهماً لضمان استقرار الشرق الأوسط، وتقدّر أن معقولية استخدام دول الخليج لهذا السلاح ضد إيران منخفضة للغاية. تعي دول الخليج التحفظات العميقة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن الموضوع، وهذه مسألة يمكن أن تلقي بظلالها على العلاقات الثلاثية بين إسرائيل- الولايات المتحدة - الخليج.
  • احتمال تعاون عملاني خليجي - إسرائيلي - بالاستناد إلى تقارير منشورة، كان هناك تعاون استخباراتي وأمني في مواجهة التهديد الإيراني وتحديات أُخرى في إطار الأمن والمعلومات موجوداً بين إسرائيل ودول الخليج حتى قبل اتفاقات التطبيع. بعدها من المحتمل ارتفاع درجة العلاقات إلى حد منح إسرائيل مجالاً لنصب قدرات بالقرب من حدود إيران.
  • على الصعيد العلني تفتح اتفاقات التطبيع فرصاً أمام تعاون أمني مستقبلي، في الأساس في المجالات الدفاعية. مثلاً إنشاء هندسة مشتركة دفاعية في مواجهة الصواريخ برعاية أميركية، تخدم مصالح كل الأطراف. تستطيع دول الخليج الاستفادة من القدرات الاعتراضية الإسرائيلية المتطورة للصواريخ، وتستطيع إسرائيل تحسين فرص اعتراض إطلاق الصواريخ من إيران، وتستطيع الولايات المتحدة أن تقود السيطرة والرقابة على المنظومة، وأن تضم إليها قدرات أميركية للدفاع عن أرصدتها في المنطقة.
  • مع ذلك، تعاونات أمنية - استراتيجية على المستويات السرية والعلنية ليست أمراً مفروغاً منه. بالإضافة إلى التعقيد المتعلق بالكشف عن تكنولوجيا وتعاون أمني استخباراتي، يمكن أن تتردد دول الخليج تخوفاً من ردة فعل إيرانية ضدها. وذلك على خلفية تهديدات إيران للإمارات والبحرين بأنهما ستتحملان النتائج الخطِرة إذا منحتا إسرائيل موطئ قدم على أراضيهما أو في الخليج بصورة تهدد أمن إيران القومي.

الصورة الواسعة

  • لإسرائيل ودول الخليج مجموعة مصالح متطابقة فيما يتعلق بإيران والتهديدات الناجمة عنها، وخصوصاً الحاجة إلى كبح طموحاتها للهيمنة الإقليمية وحصولها على قدرة نووية، وإحباط هجماتها من جبهات مجاورة بواسطة وكلائها، أو بصورة مباشرة من أراضيها.
  • على الرغم من تطابق المصالح، فإن تحليلها من خلال نظرة واسعة وشاملة يكشف أن السبيل إلى تعاون استراتيجي فعال وعميق ومكثف بين إسرائيل ودول الخليج في المسألة الإيرانية- معقد. التحديات المتعلقة بذلك لها علاقة بالفوارق في مقاربة التهديد الإيراني والعلاقات المتعددة لدول الخليج بإيران، والفجوات في علاقات الأطراف بالولايات المتحدة ومدى اعتمادها عليها، وتعقيد التعاون من الناحية العملانية.
  • في ضوء المواقف المستقلة لكل من قطر وعُمان حيال إيران، ومقاربة الكويت المعادية لإسرائيل، وجهود دولة الإمارات لضمان أمنها بواسطة حوار أمني مع إيران، تبدو السعودية، أكبر وأقوى دولة في الخليج وتنتهج أيضاً خطاً معادياً بشدة لإيران في نظر إسرائيل، كشريك محتمل ومهم للغاية في السياق الإيراني،.
  • استلام إدارة بايدن عملها وسياستها المعلنة إزاء إيران تضع إسرائيل والسعودية والإمارات أمام أول اختبار لقدرتها على العمل بصورة منسقة في المسألة الإيرانية. في هذه المرحلة ليس واضحاً ما إذا كانت السعودية مستعدة لمواجهة إدارة بايدن فيما يتعلق بسياستها إزاء إيران، أو أنها ستعطي الأولوية لمساعيها لترميم العلاقات مع واشنطن التي تضررت بسبب قضايا حقوق الفرد، وعلى خلفية الحرب الوحشية التي تخوضها في اليمن.
  • بالنسبة إلى إسرائيل - رسائل منسقة مع السعودية والإمارات في المسألة الإيرانية وموقف إقليمي مشترك في الشأن الإيراني يمكن أن تشكل رافعة مهمة للغاية في المساعي الرامية إلى التأثير في السياسات الأميركية. يتعين على إسرائيل - التي تستعد في هذه الأيام لحوار مع إدارة بايدن، وتصوغ مواقفها من قضايا إيران - أن تأخذ في حسابها في هذا السياق أيضاً سياستها إزاء دول الخليج. في هذا الإطار المطلوب منها أن تفحص القواسم المشتركة التي يمكن التوصل إليها مع إدارة بايدن، وعلناً؛ بناء قنوات تواصل للتشاور والتنسيق وتبادل المستجدات الجارية؛ أن تحدد مسبقاً المستوى الذي ترغب إسرائيل في إشراك دول الخليج في الحوار النووي؛ أخيراً، التفكير في كيفية التغلب على توترات مفهومة بين الأطراف، مثلاً في مسألة المحافظة على التفوق النوعي.

الإرهاب ـ عناصر مشتركة : التعريف، الطبيعة و الأغراض . بقلم محمد عبد العظيم

 الإرهاب ـ عناصر مشتركة : التعريف، الطبيعة و الأغراض . بقلم محمد عبد العظيم

يناير 17, 2021 | أمن دولي, تقارير, دراسات, مكافحة الإرهاب


 

 


 


 


 

   


 

 


المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا


إعداد :محمد عبد العظيم  ـ أمستردام


تعريف الإرهاب

 


الإرهاب هو ترجمة كلمة (Terror) الإنجليزية وهى مشتقة من كلمة  Terrere اللاتينية، بمعنى يفزع أو يرهب. ويستخدم هذا المصطلح ومشتقاته بمعانٍ مختلفة كثيرة، فقد يستخدم لقبًا لإمبراطور دموى (مثل إيفان الرهيب)، أو وصفًا لعصور حكم العنف أثناء الاضطرابات السياسية (مثل حكم الإرهاب أثناء الثورة الفرنسية)، أو للتعبير عن الحوادث المتفرقة التى يستخدم فيها العنف والتى تعرف عالميا باسم “الإرهاب الدولى” .


والعنف ليس الصفة الأساسية للإرهاب لأن المواجهات العنيفة مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية لاتعتبر إرهابا، فالإرهاب لا يستخدم العنف غاية فى ذاته، ولكن وسيلة لبث الرعب والفزع بين جموع الشعب. إستراتيجية مكافحة الإرهاب الفرنسية … ترسانة قانونية


وحيث إن غرض الإرهابيين جميعا هو بث الرعب فى أوسع نطاق من الشعب، لذلك نجد أن هناك دافعا مشتركا لكل الأعمال الإجرامية التى يقوم بها الإرهابيون، إلا أنه بسبب وجود مثل هذا العنصر المشترك، نجد أن هناك أساسا يمكن أن تستمد منه مكافحة الإرهاب استراتيجياتها وتكتيكاتها الدفاعية، فأى شئ قد يؤدى إلى تقليل الخوف والقلق لدى جموع الشعب يعد وسيلة فعالة ضد الإرهاب .




طبيعة الإرهاب

حدد بريان جينكنز من مؤسسة رابن، الأنواع الثلاثة الأساسية من الصراعات التى تحدث قبل اللجوء إلى استخدام السلاح النووى وهى:


1- الحرب التقليدية .


2- حرب العصابات


3- الإرهاب الدولى.


وفى النوعين الأول والثانى نجد أن هناك تمايزًا بين المحاربين وغير المحاربين، ولكن ليس معنى ذلك أن غير المحاربين لايتوخون القتل، ولكن يعنى أن ذلك يحدث فى حالات استثنائية، ففى حالات الحرب التقليدية أو حرب العصابات يكون المقصود بالقتل هم القوات المسلحة التى تحارب ضد قوات أخرى مسلحة.


وفى الإرهاب الدولى يكون القصد هو انتهاك المدنيين (أى معاناتهم أو موتهم)، وهذه الطبيعة المستترة للإرهاب الدولى هى التى تجعلنا نعتقد أن الجماعات السياسية المتطرفة هى التى تدعم أهداف الإرهابيين -إن لم تكن تتبنى هذه الأهداف وتطورها- وهناك عدة أسئلة لم ننجح فى الإجابة عليها تماما، فيما يتعلق باحتمال وجود جماعات إرهابية مستقلة فى أنشطتها، أو إن كانت هذه الجماعات يتم استغلالها والتلاعب بها من قبل آخرين.


أغراض الإرهاب

غالبا مايأخذ الإرهاب السياسى شكل المسرحية، ولذلك نجد أن هناك عناصر تكاد تكون عامة فى كل الأنشطة الإرهابية المعاصرة وهى :


1- استخدام العنف من أجل الإقناع : حيث يستخدم التفجير أو الهجمات الأخرى لإحراز مكاسب ضد ضحايا مستهدفة، وهذه الضحايا لاتكون بالضرورة هى المجموعة التى تتعرض للإصابة أو القتل، ولكن تكون الهجمات بغرض التأثير على حكومة معينة أو مجموعة من الحكومات كى تتخذ إجراءات معينة، أو كى توقف إجراءات معينة اتخذتها.


2- انتقاء الأهداف والضحايا من أجل الحصول على أكبر تأثير إعلامى: ويعنى ذلك اختيار الأهداف أو الضحايا التى تجذب أكبر تغطية إعلامية.مكافحة الإرهاب في ألمانيا … وحدة التحقيق و التَّحَرِّي‏


3- شن الهجمات دون التعرض للاستفزاز: وذلك فى الحقيقة يمثل كل الهجمات الإرهابية لأنها لاتفسر إلا بالمنطق المعوج الذى يقدمه الإرهابيون أنفسهم.


4- الحصول على أقصى دعاية بالتعرض لأقل المخاطر: ذلك هو المبدأ الذى يصف معظم الأنشطة الإرهابية خاصة تلك التى تستخدم أجهزة التفجير. وينتج عن التفجير قدر كبير من الدعاية والانتشار تبعا للتوقيت والمكان المختارين. كما أنه يمكن للمفجرين أن يتجنبوا المخاطر من اكتشاف القنبلة أو انفجارها، بضبط توقيت الانفجار قبل الحادث بفترة باستخدام القنابل الزمنية، وإذا انتقلنا خطوة فى قائمة الأنشطة التى يفضلها الإرهابيون، لوجدنا أن الاختطاف أو الاعتداء أو الاغتيال تؤدى إلى قدر أكبر من الدعاية والانتشار، ولكنها أيضا تحمل قدرًا أكبر من المخاطر.


وهناك مايشبه التغير الدورى فى الأنشطة الإرهابية، فإذا كان هناك مثلها سلسلة من حوادث الاختطاف، حينئذ سنجد أن الجمهور قد صار متأقلما معها نوعا ما، وحوادث الاختطاف التالية لن تصبح من أخبار الصفحات الأولى لوسائل الإعلام ، ولو كان هناك عدد قليل من حوادث التفجير ، فإننا سنجد اهتمام جماهيرى بأى حادث تفجير يرتكب عندئذ، أكبر بكثير من أى اختطاف جديد، فالإرهابيون يحبون أن يكونوا فى بؤرة الاهتمام دائما، ولذلك يغيرون تكتيكاتهم من أجل الحصول على أكبر قدر من الدعاية.


5- استخدام المفاجأة للإحاطة بوسائل المكافحة: وتلك هى إحدى الطرق التى يستخدمها الإرهابيون للتغلب على الأهداف الصعبة، فبالرغم من وجود الحراس وأجهزة المراقبة والأجهزة الأمنية المتقدمة، إلا أنه يمكن استخدام عنصر المفاجأة لتعويق النظام الأمنى وشل مقاومة القوات البشرية فى الأجهزة الأمنية القوية.


6- استخدام التهديدات والإزعاجات والعنف لخلق جو عام من الخوف، وقد قامت منظمة إرهابية من بورتو ريكو معروفة باسم “فِلان” بعمل حملات من هذا النوع فى نيويورك حيث قامت بزرع أجهزة لإشعال الحرائق فى الكثير من المتاجر الرئيسية بوسط البلد بمهاتن، وقد وضعت هذه الأجهزة الزمنية فى الأماكن المزدحمة من المتاجر، وكانت النار الناتجة كثيفة الدخان مما أدى إلى إخلاء هذه المتاجر، وحيث إن هذه الهجمات بدت بها أسباب أو نظام أو إيقاع -على الأقل من وجهة نظر الجمهور- لذلك نشأ جو عام من الخوف والهلع، وبدأ المستهلكون يخشون التسوق وسط المدينة مما أدى إلى خسائر فادحة للمتاجر جميعا، ولم تستفد منظمة فلان حتى على المستوى المرحلى.


7- استخدام النساء والأطفال ضحايا: بل غالبا ماتختار مواضع الهجمات بحيث تتضمن الضحايا عددًا كبيرًا من النساء والأطفال، لأن ذلك يجعل الحادث أكثر ترويعا. وماذلك إلا طريقة أخرى يحصل بها الإرهابيون على اهتمام وسائل الإعلام، لأنه يؤكد على أن الضحايا من العزل وغير المحاربين، وهذا هو مايساعدنا على التفرقة بين الإرهابيين والجنود وكتائب حرب العصابات، فالجندى يحارب تحت سلطة الحكومة بغرض حمايتها، وكذلك تحارب العصابات بطريقة مشابهة للجنود من حيث التقنيات والالتزامات السلوكية (بمعنى أن النساء والأطفال لايشكلون أهدافا أساسية)، ولكن الإرهابى على العكس من ذلك يستهدف النساء والأطفال بصفة خاصة لخلق جو عام من الخوف.


8- استخدام الدعاية لزيادة تأثير الهجمات خاصة فيما يتعلق بالأهداف السياسية والاقتصادية . مكافحة الإرهاب دوليا و محليا ..القواعد الأساسية.


إن محاربة التطرف والإرهاب، يعتمد على مدى إمكانية الحكومات بالتعاون مع المجتمعات، من إيجاد سياسات أمن قومي متكاملة تقوم على أساس التنمية والتعايش السلمي. المجموعات المتطرفة، تستغل دوما الفراغ السياسة للسلطة بمعناها الأيجابي، لتضع نفسها بديلا عن تلك المجتمعات، لمواجهة الحكومات ونشر الفوضى، التي تعتبر البيئة المثالية لظهور وتنامي التطرف والإرهاب.


*كتاب ـ أسس مكافحة الإرهاب ـ الدكتورفرانك بولتز و كينيث

عشرة تحديات تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد

عشرة تحديات تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد

 

الإرث الثقيل:

عشرة تحديات تواجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد
الأربعاء، 20 يناير، 2021
الإرث الثقيل:

عرض: سارة عبد العزيز – باحثة في العلوم السياسية

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم 20 من يناير 2021، مراسم تنصيب الرئيس الأمريكي رقم (46)؛ إلا أنه في ظل عالم من عدم اليقين، وتعدد الأزمات والتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل الإرث الثقيل الذي تركه الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته "دونالد ترامب"؛ فإن فترة ولاية "جو بايدن" وربما من يخلفه ستكون أصعب بكثير من فترات عمل الرؤساء السابقين. 

وقد حاول الكاتب "جراهام أليسون"، وهو خبير سياسي وكاتب أمريكي مخضرم، في مقاله المنشور بمجلة "فورين بوليسي"، في 15 يناير الجاري استعراض أهم عشرة تحديات دولية تعد الأكثر تعقيدًا، والتي من المرجح أن تواجه صانعي السياسة الأمريكيين. ويمكن استعراض أهم تلك التحديات على النحو التالي:

1- انقسام الداخل الأمريكي: 

يشكل انقسام الداخل الأمريكي التحدي الأكبر الذي سيواجه صناع السياسة الأمريكيين خلال عام 2021، وما بعده. وحقيقة الأمر فإن انقسام الداخل لن يؤثر على الأمريكيين وحدهم، بل إن تفاعل الإدارة الجديدة مع تلك الحالة غير المسبوقة من الانقسام الذي لم تشهده الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب الأهلية، من المتوقع أن تنعكس آثاره على العالم كله. 

فما لم تجد الإدارة الأمريكية الجديدة حلًّا وسطًا يُمكّنها من إحداث قدر من التوافق المبدئي بين الحزبين الكبيرين، واستعادة الثقة في مؤسساتها الديمقراطية، والعودة إلى المشروع الأمريكي الكبير في إرساء ونشر المبادئ الديمقراطية الليبرالية ورفض العنصرية؛ فإن واشنطن ستفتقر إلى الأساس الذي من خلاله تستطيع أن تستعيد دورها كقائد في النظام العالمي الجديد في ظل منافسة شرسة من الجانب الصيني. ربما يدرك "بايدن" خطورة ذلك التحدي، إلا أن الأمر قد يحتاج إلى أكثر من مجرد الإدراك.

2- التحدي الاقتصادي: 

في حين أنه لا يمكن إنكار حجم القوة الاقتصادية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ أيّ تقلص أو اهتزاز في حجم تلك القوة قد يحمل العديد من التبعات على الاقتصاد العالمي بل وأكثر من ذلك. فالاقتصاد هو البنية التحتية للقوة في العلاقات الدولية، كما أن القوة الاقتصادية تمول القدرات العسكرية والاستخباراتية، بما يؤثر -في المجمل- على حركة التجارة والاستثمار العالمي. 

وبناءً عليه، فإنه مع انخفاض القوة الاقتصادية النسبية للولايات المتحدة، تتقلص قائمة الخيارات السياسية المتاحة أمام صناع السياسة، سواء في الداخل أو الخارج. فعلى الصعيد العالمي، ستواجه واشنطن تراجعًا كبيرًا في دورها في النظام العالمي، وسيصبح عليها التكيف مع عالم لم تعد فيه واشنطن قادرة على توفير الدعم العسكري الأمني المجاني للدول الأخرى، أو تمويل أنظمة التسليح وتقديم الدعم والتدريب العسكري، أو ملاحقة الصين في تقديم القروض للدول الفقيرة لتمويل مشروعات النقل والبنية التحتية الرقمية.

3- تراجع أهمية الترسانة المفاهيمية التي اعتمد عليها صانعي السياسة:

 فوفقًا للافتراضات القائمة على الخلفية الديمقراطية الليبرالية لصانعي السياسة الأمريكيين في إدارتي "جورج دبليو بوش" و"باراك أوباما"، كان هناك توقع بأن الإطاحة بالحكام "المستبدين" في العراق وليبيا سيولّد أنظمة ديمقراطية في تلك الدول بشكل تلقائي. أما الفرضية الثانية، فتتعلق بأن العالم الذي تتبنى فيه جميع الدول نظام الأسواق الحرة ستجعل مواطني تلك الدول أغنياء. إلا أن تلك الفرضيات قد تكون غير قائمة في عالم اليوم، وهو ما يستدعي إحداث قدر من التكيف والمراجعة للفرضيات التي يمكن الاعتماد عليها في صنع السياسة الأمريكية. 

4- تحدي التنافس الصيني: 

تشكل الصين التحدي الدولي الأكثر إرباكًا للولايات المتحدة. فعلى عكس الاتحاد السوفيتي السابق والذي كان معزولًا اقتصاديًا ومقيّدًا من الناحية التكنولوجية؛ فإن الوضع التنافسي الحالي مع بكين، وما تمتلكه من الموارد اللازمة لتنمو بشكل أكبر وأسرع وأقوى من واشنطن؛ قد يفرض على الرئيس القادم وضع استراتيجية متكاملة في مواجهة ذلك الصعود الصيني الذي سيغير شكل النظام العالمي. 

فباستخدام أفضل المعايير والمؤشرات الدولية لمقارنة الاقتصادات الوطنية، نجد أن الصين أضحت بالفعل أكبر اقتصاد في العالم. بالشكل الذي يجعلها ربما تكون قد حلت محل الولايات المتحدة باعتبارها المحرك الأساسي للنمو العالمي. كما أنه من بين جميع الاقتصادات الرئيسية، تعد الصين هي الوحيدة التي حققت أكبر معدل للنمو الاقتصادي في نهاية عام 2020، وذلك مقارنة بما كان عليه الوضع مع بداية العام. 

وهنا يشير الكاتب إلى أنه عندما تُهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة حاكمة، غالبًا ما تكون النتيجة حربًا كارثية، واستدل على ذلك بما كان عليه الحال في أوروبا عام 1914. كما أكد أن الدفع بما يسمى باستراتيجية فك الارتباط مع الصين، هو أمر غير ممكن. 

5- صعود أهمية العوامل الجيواقتصادية: 

مع بزوغ نجم العولمة أضحى للعامل الاقتصادي أهميته بدرجة تماثل القوة العسكرية. ومن ثمّ، كانت محاولة إدارة "ترامب" إقناع الحلفاء بالاختيار بين العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة أو العلاقة الاقتصادية مع الصين بمثابة خطأ استراتيجي كبير. فبكين حاليًا هي ورشة التصنيع الأولى في العالم، والشريك التجاري الأول لمعظم الدول، بما في ذلك اليابان وأستراليا وحتى ألمانيا. وقد تعمقت الصين خلال السنوات الماضية في كيفية استغلال الأدوات الجيواقتصادية وتوظيفها لصالح تحقيق الأهداف الجيوسياسية الخاصة بها. 

6- القوة العسكرية الصينية: 

بينما لا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية الرائدة في العالم، فقد دشنت الصين خلال العقد الماضي أقوى قوة عسكرية في آسيا. بل إن ميزانية الدفاع لبكين الآن أضحت تقترب من ستة أضعاف ميزانية طوكيو، وحوالي أربعة أضعاف ميزانية نيودلهي. وعلى عكس الولايات المتحدة التي تمتلك التزامات عسكرية عالمية، فإن جهود الصين الدفاعية تتركز بشكل أساسي على حدودها ومياهها الإقليمية. الأمر الذي حوّل ميزان القوة العسكرية لصالحها، خاصة في المناطق الأكثر اشتعالًا والتي تمتلك فيها بكين ميزة نسبية، وعلى الأخص في منطقة مضيق تايوان. 

وقد سبق أن اعترف نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق "روبرت وورك" بأنه من بين (18) نموذج محاكاة أجراه البنتاجون لمناورات عسكرية بين الصين والولايات المتحدة في تايوان، كانت النتيجة دائمًا لصالح الصين.

7- المنافسة التكنولوجية الشرسة: 

أصبحت الصين منافسًا تقنيًا حقيقيًا للولايات المتحدة الأمريكية في المجال التكنولوجي، بل إن أغلب التوقعات أضحت تتوقع أن يأخذ النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين منحى آخر، بحيث ينتقل النزاع من التجارة إلى التكنولوجيا. ويعد الذكاء الاصطناعي من المجالات الأكثر احتمالًا لأن تشهد منافسة حادة بين الجانبين، هذا إلى جانب ما حققته الصين من خطوات متقدمة في مجال شبكات الجيل الخامس (5G)، وانعكاس ذلك على تكنولوجيا الاتصالات والخدمات المالية. 

كما أنه من المحتمل كذلك أن يكون للتكنولوجيا التأثير الأكبر على الاقتصاد والأمن القومي خلال العقد المقبل، ومن ثم فإنه في حين فرضت إدارة "ترامب" قيودًا صارمة على وصول الصينيين إلى أشباه الموصلات المتقدمة؛ إلا أن حجم السكان الكبير ودولة المراقبة في الصين ستمنحها دائمًا المزيد من البيانات لتغذية التقدم في مجال التعلم الآلي. 

يقترح الكاتب أنه يمكن للولايات المتحدة استخدام سياسات الهجرة الذكية (Intelligent Immigration Policies )، وكذلك تجنيد الشخصيات المؤثرة للاحتفاظ بميزة تنافسية في مواجهة الصين، بما يُمكّنها من الوصول إلى أكبر نسبة من السكان.

8- التأثيرات التدميرية المتبادلة: 

تعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين أكبر دولتين مصدرتين لانبعاثات الغاز المتسببة في الاحتباس الحراري في العالم، الأمر الذي يجعل كلًّا منهما من أكبر الدول المتحكمة في تأثيرات التغير المناخي. ومن ثم، فإنه قد يكون من الأفضل لكل من واشنطن وبكين العمل على إيجاد طريقة مشتركة لمواجهة تحديات التغيرات المناخية، للحفاظ على كوكب صالح للعيش للجميع، لأن البديل الآخر قد يكون التدمير المشترك لكليهما.

9- حشد الحلفاء: 

إن الوضع الاقتصادي الحالي للصين يمنحها ميزة تنافسية في مواجهة الولايات المتحدة بما يجعلها قادرة على تمويل ميزانيات الدفاع والاستخبارات بشكل قد يكون أكبر مما تخصصه الولايات المتحدة الأمريكية في المقابل. 

وبناء عليه، يقترح الكاتب أنه في حال الرغبة الأمريكية في تقييد سلوك بكين؛ فإنه سيتعين على واشنطن اجتذاب دول أخرى ذات ثقل إلى جانبها لإحداث التوازن في ميزان القوة العالمي لصالحها. لكن هذا سيكون أكثر تحديًا مما كان عليه الأمر خلال الحرب الباردة. حيث إنه أصبح لكل حليف محتمل وفقًا للوضع الحالي اهتماماته وأولوياته، والتي قد لا تكون الولايات المتحدة الأمريكية في موضع الصدارة منها. 

وقد تضاعفت أهمية الصين الاقتصادية قد خلال الآونة الأخيرة بالنسبة للأعداء والحلفاء. ومن ثم، فقد يصطف الحلفاء إلى جانب الولايات المتحدة ضد الصين، فيما يتعلق ببعض القضايا الأمنية، بينما يصبحون أكثر تشابكًا مع الصين في القضايا الاقتصادية. وليس أدل على ذلك من توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (R.C.E.P)، التي تعد واحدة من أكبر الصفقات التجارية في التاريخ، حيث يعمل هذا الاتفاق على إنشاء منطقة تجارة حرة بين (الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، ودول رابطة الآسيان العشرة، وأستراليا، ونيوزيلندا)، وذلك سعيًا لتقليص الحواجز التجارية بين هذه الدول، وهو ما يخلق إطارًا مشتركًا للتعاون الاقتصادي بينها. وينطبق الأمر ذاته -بدرجة أو بأخرى- على توقيع اتفاق التجارة والاستثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي، وهو ما يسمح بالنفاذ التجاري والاستثماري بينهما.

10- تحدي العولمة: 

على الرغم من العديد من منتقديها، ستظل العولمة قوة هائلة في إعادة تشكيل العلاقات الدولية. فحتى مع تقلص حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فقد ساهمت قوى العولمة في الدفع نحو استمرارية نمو الاقتصاد العالمي لأكثر من مائة ضعف خلال الفترة من عام 1950 وحتى اليوم. إلا أن الإشكالية تتمثل في أنه في الوقت الذي أنتجت فيه العولمة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، مكاسب ضخمة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والطبية وتبادل الأفكار والخبرات البشرية وغيرها؛ فإن المنافسة العالمية التي لا هوادة فيها تسببت في تداعيات غير متكافئة، خاصة بالنسبة لدول العالم الثالث. 

ومن ثم، أضحى يتعين على صانعي السياسات في الولايات المتحدة إحداث قدر من الموازنة بين هذه المكاسب المتحققة لهم، وخسائر الآخرين. وهو ما يتطلب من واشنطن أن تتجاوز استراتيجيتها التقليدية المتمثلة في التغلب على مشاكل الموارد، ومحاولة إحداث التمييز الدقيق بين المصالح القومية بما لا يتجاوز مصلحة الآخرين.

وختامًا، يمكن القول إن الوضع العالمي الحالي بما يتضمنه من تحديات جسيمة، أصبح يستدعي ضرورة تقييد الطموحات الأمريكية الكبرى من أجل ضمان البقاء والاستمرارية كقوة عظمى. وبناءً عليه، فإنه قد يتعين على "بايدن" وخلفائه استدعاء الخيال الاستراتيجي لترتيب الأولويات واتخاذ الإجراءات التي تصب في صالح حماية المصالح الأمريكية.

المصدر: 

Graham Allison, "Grave New World: Why Biden’s job will be so much harder than his predecessors’", Foreign Policy, January 15, 2021. 

دوافع الضربات الإسرائيلية على الحدود العراقية - السورية

دوافع الضربات الإسرائيلية على الحدود العراقية - السورية

 

جبهة جديدة:

دوافع الضربات الإسرائيلية على الحدود العراقية - السورية
الأربعاء، 20 يناير، 2021
جبهة  جديدة:

شنّت إسرائيل عدة ضربات جوية على مواقع بالقرب من الحدود السورية- العراقية خلال الأسبوعين الأخيرين. ووفقاً لتقارير سورية وإسرائيلية متقاربة، فإن تلك الضربات وُجِّهت لمواقع رصدت فيها عمليات تخرين لأسلحة فى محيط مدينة البوكمال السورية المتاخمة للحدود العراقية، بالتزامن مع عقد اجتماعات لقيادات من الحرس الثورى الإيراني وفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران، حيث يرجح أن الأخيرة تسعى لتوسيع بنيتها العسكرية في تلك المنطقة لتفادي الضربات الإسرائيلية التي تستهدف مواقعها بالقرب من العاصمة دمشق، بحيث تستعيض عن ذلك بقدرات عسكرية لاسيما صاروخية طويلة المدى. ووفقاً لتلك التقارير، فإنه لا يمكن الفصل بين كثافة الضربات الإسرائيلية في نطاق دائرة واسعة من البوكمال إلى الحدود العراقية عن تزايد قدرة المليشيات الموالية لإيران على التمويه في عمليات نقل شحنات الأسلحة إلى مواقع عديدة، حيث تم نقلها عبر العراق في شاحنات (برّادات) ومركبات عسكرية تحمل العلم السوري. 

دلالات عديدة: 

يعكس هذا السياق دلالات عديدة ترتبط بمسارات المواجهة بين إسرائيل من ناحية وإيران وحلفائها من ناحية أخرى، يتمثل أبرزها في: 

1- تموضع عسكري واسع شرق سوريا: لاسيما في منطقة البوكمال باعتبارها الأقرب إلى العمق العراقي، وبالتالي يسهل من الناحية اللوجستية نقل الأسلحة من التمركزات والنقاط اللوجستية العراقية، بحيث تصبح نقطة تمركز للتوزيع والإمداد، بما يشكل تحدياً بالنسبة لإسرائيل، خاصة وأن قِصَر المسافة من الحدود العراقية يحقق ميزة تقليص الفترة الزمنية التي يستغرقها نقل شحنات الأسلحة إلى العمق السوري من ساعات، بحيث كان من السهل على إسرائيل رصدها وتتبعها، إلى جزء من الساعة على نحو يضعف من قدرة إسرائيل في هذا الصدد. ومن المرجح أن تلك الشحنات يتم تخزينها في مواقع داخل العمق العراقي مثل منطقة حصيبة (20 كلم)، وبالتالي لن تزيد رحلة الشحنة عن 30 إلى 40 كلم. كما أن هناك العديد من المليشيات العراقية التي تسيطر على الحدود المشتركة تحت قيادة الحرس الثوري. وتشير محاور الحركة على خريطة تلك المنطقة، إلى أن بناء قاعدة واسعة في منطقة البوكمال سيمنح إيران القدرة على التحرك في ثلاث محاور باتجاه العراق والعمقين السوري واللبناني أيضاً.

2- متغير في معادلة الاشتباك: كانت هذه المنطقة ساحة لعمليات أساسية خلال الحرب على تنظيم "داعش"، وكانت قاعدة "التنف" هى القاعدة المركزية التي تتصدى لتحركات التنظيم على الحدود العراقية الطويلة التي تمتد إلى 600 كلم مع سوريا، إلا أن مهمة هذه القاعدة تراجعت بشكل نسبي بعد انهيار التنظيم، كما أنها كانت محل استهداف من جانب قوات الجيش السوري، فيما كانت إيران تسلك طرقاً التفافية حول القاعدة للعبور إلى داخل سوريا، إضافة إلى فصائل "الحشد الشعبي" التي تسيطر على الطريق الدولي. إلا أن إيران استهدفت تمركزات في المنطقة في مطلع عام 2018 بعد عملية لتنظيم "داعش" في الأحواز، حيث شن الجيش الإيراني هجمات صاروخية كانت لافتة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة. وفي أعقاب تلك العمليات، بدأت إيران تطور من مسرح العمليات في تلك المنطقة مع بناء قاعدة "الإمام علي"، والتي تشير تقارير للجيش الأمريكي إلى أنها رصدت عمليات واسعة لبناء خنادق ومخازن تحت الأرض لتكديس الأسلحة فيها، ومنها صواريخ إيرانية يصل مداها إلى 750 كلم مثل صواريخ "ذو الفقار" و"قيام" (800 كلم). وبالتالي يمكن القول إن الهجمات الأخيرة ستنقل المواجهات بين إيران وإسرائيل إلى الجبهة الشرقية الإسرائيلية، فيما توفر القاعدة الأمريكية معلومات استخبارية حول طبيعة الوجود العسكري الإيراني في تلك المنطقة وفقاً لمعهد ستراتفور، وهو ما يتماشى مع تقديرات عاموس يادلين قائد سلاح الجو الإسرائيلي الذي أشار فيها إلى أن حجم الغارات الأخيرة يكشف استهداف أعلى مستوى من التموضع الإيراني في تلك المنطقة. 

3- ترتيبات انتشار جديدة: من المتصور أن الترتيبات التي تقوم بها واشنطن تركزت حول توسيع انتشار مليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) الأقرب اليها في تلك الساحة، وبالتالي من المرجح أن الاستراتيجية الإيرانية تعمل على عدم تمدد "قسد" باتجاه محور الجنوب في المنطقة الشرقية مع الحدود العراقية، ومحاصرة قاعدة "التنف" الأمريكية، وبإمكانها نشر مليشيات على هذه الخطوط لعزل تلك المناطق، التي تأوي العديد من تلك المليشيات بالفعل حالياً مثل المليشيات التابعة لـ"حزب الله" اللبناني و"لواء فاطميون" الأفغاني و"لواء زينبيون" و"كتيبة 313" و"لواء باقر"، وبالتنسيق المشترك مع الجيش السوري، كما يمكنها بسهولة استقدام مليشيات للدعم من داخل الحدود العراقية. وبالطبع، فإن كل تمدد إضافي في منطقة دير الزور، التي تضم تلك المدن، يأتي على حساب مناطق انتشار الفصائل العشائرية العربية وقوات "قسد" التي باتت محصورة حالياً بين قوات تركية في الشمال والمليشيات الإيرانية في الجنوب.

متغيران رئيسيان:

يمكن القول إن مستقبل التموضع الإيراني يعتمد على متغيرين رئيسيين هما: 

1- دور الحكومة العراقية في عملية ضبط الحدود: فخلال العام الماضي، وسّعت الحكومة العراقية من أدوات الرقابة باستخدام التقنية الجوالة مثل بالونات الرصد، بالإضافة إلى نشر الكاميرات الحرارية لمراقبة الحدود. لكن من المرجح أنها تواجه تحديات في السيطرة على المليشيات التابعة لـ"الحشد الشعبي" التي تنسق مع إيران في هذا السياق. فعلى سبيل المثال، فإن إحدى عمليات شحن الأسلحة التي قامت بها مليشيا "أبو الفضل العباس" عبر محور "القائم" الحدودي تمت دون اعتراض من جانبها. كذلك، فإن مشاركة قيادات من الفصائل المسلحة في الاجتماع الأخير الذي رصده الجانب الأمريكي بين قيادات الحرس الثوري والجيش السوري والفصائل العراقية، تمت من خلال عملية تأمين تحركات الدخول والعودة من جانب تلك الفصائل عبر الحدود. وبالتالي فإن التوسع في عامل التقنية لمراقبة حدود مشتركة طويلة لا يشكل قيمة عملية في ظل عدم السيطرة الحكومية على تلك المواقع. 

2- الموقف الأمريكي في ظل إدارة بايدن: على الرغم من إشارة وزارة الخارجية السورية، في بيانها رداً على تلك الضربات، إلى أن هناك إمدادات عسكرية أمريكية وصلت تلك المنطقة، لكن اللافت للانتباه هو انحصار الانخراط الأمريكي في العمليات الميدانية على الأرض على تلك الجبهة، ما يوفر هامش حركة للمليشيات الموالية لإيران، حتى وإن كانت القوات الأمريكية قادرة على رصد طبيعة التحولات التي تقوم بها إيران في تلك المنطقة، وإمداد الإسرائيليين بها. لكن العديد من التقديرات الأمريكية كشفت أن إسرائيل كانت تحظى بدعم كبير في ظل إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب، في حين أن إدارة الرئيس الجديد جو بايدن قد لا توفر المستوى نفسه من الدعم، وبالتالي ستحتاج لفترة لتقييم هذا الموقف، خاصة وأنها تواجه معضلة في هذا السياق، حيث أن تنامي النفوذ الإيراني على حساب "قوات سوريا الديمقراطية" يشكل تحدياً لحلفاء واشنطن المحليين في تلك الساحة.

لكن على جانب آخر، فإن الوجود الإيراني يحول دون تجدد حضور تنظيم "داعش"، إلا أنه يشكل معضلة لإسرائيل في ظل توسع البنية العسكرية الإيرانية في المنطقة، مما سيخل بطبيعة التوازن التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه في معادلة الاشتباك الخاصة بسوريا، ومن ثم فعلى الأرجح لن تعارض الإدارة الجديدة استمرار تلك الضربات، بهدف إضعاف إيران فقط وليس بهدف إبعادها عن المنطقة، الأمر الذي لا يتعارض مع الاستراتيجية الإسرائيلية. 

انعكاسات جانبية:

في مرحلة ما بعد "داعش" في شرق الفرات، توزعت نقاط السيطرة بين مواقع للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وانتشار أوسع لـ"قوات سوريا الديمقراطية" على مساحة تعادل حالياً ما يقارب 26% من الأراضي السورية، مع سيطرة المليشيات الإيرانية وقوات النظام على مفاصل الحركة والممرات. وفي حال نجاح إيران في السيطرة على تلك المواقع فبمقدورها توسيع مساحة سيطرة النظام، الذي قد يجد بيئة حاضنة للتقارب مع عشائر شرق الفرات في ظل توتر العلاقة بينها وبين "قسد"، وهى نقطة التقاء مصلحة مشتركة بين إيران وتركيا والنظام السوري. 

ومن المتصور أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على شرق سوريا تستهدف تقويض تنامي البنية العسكرية الإيرانية في تلك المنطقة، لكن إسرائيل، في الغالب، لن يكون بإمكانها إزاحة هذا الوجود الإيراني وفقاً لطبيعة قوة هذا المحور وعمقه المشترك بين سوريا والعراق، وبالتالي ستظل معادلة الصراع بين الطرفين محكومة بمتغير التوازنات العسكرية، وفي ظل مساعي ايران الحالية سيقود هذا السياق إلى نقل جبهة المواجهة من العمق في محيط دمشق إلى الشرق مع الحدود العراقية، الأمر الذي سيخفف نسبياً من الضغط على النظام من جهة ويمنحه فرصة لإبعاد المواجهة عن خطوط دفاعه الرئيسية، وربما يوفر له فرصة أكبر تعبد له الطريق إلى شرق الفرات في المستقبل. 

مصر تؤيد المصالحة الخليجية لكنها لا تزال متشككة

 مصر تؤيد المصالحة الخليجية لكنها لا تزال متشككة

 مصر تؤيد المصالحة الخليجية لكنها لا تزال متشككة

بواسطة هيثم حسنين

١٤‏/٠١‏/٢٠٢١


 

عن المؤلفين


هيثم حسنين

هيثم حسنين هو زميل "جليزر" السابق في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لعام 2016-2017، حيث ركزت كتاباته على العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية.

تحليل موجز

يشكّك المسؤولون المصريون إلى حدّ كبير في التزام قطر باتفاق المصالحة ويبدو أنهم مقتنعون بأن السعودية لن تعاقب الدوحة إذا انتهكت الاتفاق. وعلى الرغم من تظاهر هؤلاء المسؤولين بالتعاون من أجل الحفاظ على علاقات جيدة مع السعودية، إلا أنهم يبدون مقتنعين بأن قطر ستستغل الاتفاقية الجديدة بطرق تضر بالمصالح السياسية والأمنية للقاهرة في الداخل.


في الخامس من كانون الثاني/يناير، أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً يؤيد الاتفاق الجديد بين دول "مجلس التعاون الخليجي" لإعادة العلاقات مع قطر، والذي أنهى رسمياً خلافاً دام لسنوات مع "الرباعية العربية" التي تضم البحرين ومصر والسعودية والإمارات. ووفقاً للبيان، وافقت القاهرة على الاتفاق كوسيلة لإعادة التأكيد على تضامنها مع الرباعي العربي والثني عن التدخل في شؤونها المحلية. غير أن ذكر كلمة "تدخل" هو أحد المؤشرات العديدة على أن القادة المصريين ما زالوا متشككين حول قطر.


وانضمت القاهرة إلى المقاطعة في حزيران/يونيو 2017 بناءً على عدة اتهامات ضد الدوحة - أبرزها أنها كانت تثير اضطرابات سياسية في مصر من خلال تمويلها وإيوائها أعضاء من جماعة «الإخوان المسلمين» والسماح لهم بإطلاق خطب تلفزيونية يومية ضد حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي. وهذه المخاوف وغيرها بشأن السياسة القطرية كانت قد نشأت قبل فترة طويلة من الحظر.


ومن غير المستغرب إذن أن التغطية الإعلامية المصرية لاتفاق المصالحة كانت في حدها الأدنى وبعيدة عن الاحتفالية - حتى أن بعض المثقفين الموالين للحكومة أعربوا عن تشاؤمهم من تغيير قطر لسلوكها. وعلق الصحفي المخضرم عماد أديب، الذي تربطه علاقات وثيقة بالحكومة، بأن القاهرة ستحكم على الاتفاق من خلال نتائجه، وليس من خلال قطعة من الورق. والتزم معلقو التلفزيون الآخرون الصمت، بعد أيام فقط من معارضتهم الصاخبة لفكرة التقارب في الفترة التي سبقت القمة. وردد البرلماني مصطفى بكري انتقاداتهم - ففي اليوم السابق لإعلان الاتفاق، ناشد دول الرباعية عبر موقع "تويتر" ألا تُكْمِل جهود المصالحة الأمريكية.


ويشير صمت الإعلام النسبي منذ ذلك الحين، إلى جانب القرار غير المتوقع بإرسال وزير الخارجية سامح شكري إلى مؤتمر القمة، إلى أن القادة الخليجيين مارسوا الضغوط على القاهرة كي لا تعرب عن اعتراضاتها علناً وتسمح بمضي الاتفاق قدماً. لكن الشكاوى المصرية المتعددة قد تستمر إلى أجل غير مسمى:


انتقاد قناة "الجزيرة" للسيسي. منذ أن ساعد السيسي على الإطاحة بحكومة الرئيس محمد مرسي بقيادة «الإخوان المسلمين» في عام 2013، كانت القاهرة قلقة للغاية بشأن مدى تفضيل شبكة "الجزيرة" التلفزيونية القطرية للجماعة خلال تغطيتها للشؤون الداخلية المصرية، علماً بأن العديد من أعضاء «الإخوان» يستخدمون هذه الشبكة لانتقاد السيسي، والتشهير بسمعته في جميع أنحاء العالم العربي، وتحريض الجمهور المصري ضد حكومته. ومن وجهة نظر القاهرة، تهدف هذه الحملات الإعلامية إلى إثارة انتفاضة مستقبلية في مصر.


وواصلت "الجزيرة" تغطيتها السلبية حتى بعد أن وافقت مصر على اتفاق المصالحة. فعلى سبيل المثال، بثت مؤخراً تقريراً حول الكيفية التي كان فيها عام 2020 سيئاً للغاية بالنسبة للمصريين العاديين بسبب سياسات الحكومة التي خفضت الرواتب، وزادت أسعار تذاكر "المترو"، وخففت من وزن الخبز. وفي غضون ذلك، استخدم المعارضون السياسيون المصريون المقيمون في الدوحة وتركيا برامجهم التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي للاحتفال برفع الحصار باعتباره انتصاراً لقطر.


دعم قطر وتركيا للإسلاميين. أظهر المسؤولون في الدوحة وأنقرة تعاطفاً ليس فقط مع جماعة «الإخوان المسلمين»، ولكن أيضاً مع الإسلاميين في ليبيا - وهي سياسة تتعارض تماماً مع رفض الحكومة المصرية الشديد للإسلام السياسي. وما يثير القلق بشكل أكبر هو أن القاهرة اتهمت الدولتين بتمويل ودعم جماعات إرهابية داخل الأراضي المصرية وفي شبه جزيرة سيناء. وتشعر القاهرة بالقلق أيضاً من وجود القوات التركية في ليبيا، التي تعج حدودها الشرقية الطويلة بتهريب الأسلحة.


علاقة الدوحة مع حركة «حماس». تستضيف قطر عدداً من أعضاء حركة «حماس» الفلسطينية الإرهابية وتعمل معهم على توفير الأموال لقطاع غزة بالتنسيق مع إسرائيل. ومنذ انقلاب عام 2013، تبنت الحكومة المصرية نهجاً متشدداً تجاه غزة، ودمرت أنفاق التهريب عبر الحدود واتهمت «حماس» بدعم الجماعات الإرهابية في سيناء. ولكن في الوقت نفسه، أبقت القاهرة قنواتها السياسية مع «حماس» لتشجيع المصالحة الفلسطينية الداخلية والحفاظ على دور مصر كوسيط مع إسرائيل.


ويُعتبر الهدف الأخير مهماً للقاهرة لأن المسؤولين يخشون أن الدوحة تنوي التدخل في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وتقوم بتنحيتهم كوسطاء - وهو سيناريو قد يضر بمكانة مصر الدولية والإقليمية. وعلى مدى عقود، افتخرت القاهرة بكونها المحاور الرئيسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن قطر وسّعت نفوذها مؤخراً من خلال إرسال مبالغ كبيرة من المال إلى غزة والإظهار لواشنطن أنها تستطيع تسهيل الحوار بين «حماس» وإسرائيل.


وعلى الرغم من هذه المخاوف الدبلوماسية، قد توفر ثروة قطر المالية الكبيرة أيضاً وسيلة لتخفيف التوترات مع مصر من خلال زيادة الاستثمارات. وبعد ساعات قليلة من توقيع الاتفاق الخليجي، انضم وزير المالية القطري علي شريف العمادي إلى نظيره المصري محمد معيط ووزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين في حفل افتتاح "فندق سانت ريجيس" الفاخر في القاهرة. وتعود ملكية العقار إلى شركة استثمار عقاري قطرية، وقد تم شراؤه عام 2008، ولكن أعمال البناء تأخرت عدة مرات بسبب انتفاضة 2011 والمقاطعة عام 2017. ولمّح العمادي إلى المزيد من الصفقات المقبلة، قائلاً: "يمثل هذا المشروع إضافة جديدة للاستثمارات القطرية في مصر، تتجاوز 5 مليارات دولار في مختلف المجالات".


التداعيات السياسية


يشكّك المسؤولون المصريون إلى حدّ كبير في التزام قطر باتفاق المصالحة ويبدو أنهم مقتنعون بأن السعودية لن تعاقب الدوحة إذا انتهكت الاتفاق. وبالفعل، قد يكون وقف الدوحة للهجوم الإعلامي الذي تشنه ضد السعوديين وسط مواصلة حملتها ضد السيسي كابوساً للقاهرة. فواقع أن قطر تمكنت من إنهاء الحصار دون تنفيذ أي من المطالب الثلاثة عشر الأصلية للرباعي أمر محرج للغاية بالنسبة للسيسي، مما دفع المؤيدين والمنتقدين على حد سواء لطرح أسئلة غير مريحة - أي لماذا وافقت القاهرة على الصفقة دون تحقيق مطالبها، ولماذا يبدو أنها تتراجع أمام الدول العربية الأخرى على الرغم من إصرار السيسي منذ فترة طويلة على إبقاء السياسة الخارجية المصرية مستقلة عن الضغوط الخارجية؟ وبالنظر إلى هذه المخاوف، من المرجح أن يستمر عداء القاهرة تجاه قطر عندما يتعلق الأمر بـ «الإخوان المسلمين» والقضايا الإقليمية الأخرى، ويمكن أن يتصاعد ليصبح أزمة أخرى في المستقبل إذا دعمت دولة خليجية مطالب القاهرة.


 


هيثم حسنين هو محلل لشؤون الشرق الأوسط وزميل "غليزر" السابق في معهد واشنطن.

هل "مدينة المستقبل" السعودية طموحة بشكل مفرط؟

  هل "مدينة المستقبل" السعودية طموحة بشكل مفرط؟

  هل "مدينة المستقبل" السعودية طموحة بشكل مفرط؟

بواسطة سايمون هندرسون

١٤‏/٠١‏/٢٠٢١

 


Also published in The Hill

Concept art of the Saudi NEOM project

عن المؤلفين

Simon Henderson

سايمون هندرسون

سايمون هندرسون هو زميل بيكر في معهد واشنطن ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في المعهد، ومتخصص في شؤون الطاقة والدول العربية المحافظة في الخليج الفارسي.

مقالات وشهادة

لم تؤد التشتيتات الرئيسية من خارج السعودية إلى تغيير الواقع بأن نيوم لا تزال مركزية في رؤية ولي العهد محمد بن سلمان لتحويل المملكة، على الرغم من التحديات السياسية والمالية الحادة.


في هذا الوقت من انتشار جائحة "كوفيد-19" والانتقال الرئاسي الأمريكي، يتساءل الكثيرون: "ما هو المستقبل؟" إنه السعودية على ما يبدو. وبشكل أكثر تحديداً، إنها منطقة في الصحراء الجبلية شمال غرب المملكة تشكل موقع إقامة مدينة مستقبلية عالية التقنية تسمى نيوم.


وكان قد تمّ الإعلان عن مشروع "نيوم" في عام 2017. ويبدو أنه قد أعيد إطلاقه هذا الأسبوع وسط حملة علاقات عامة ضخمة شملت عرضاً عبر الفيديو قدّمه الداعم الرئيسي للمشروع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي ذو الرؤية المستقبلية (والمثير للجدل).


وأثناء كتابة هذه السطور، لم تقدم صحيفة "وول ستريت جورنال" أي إشارة افتتاحية لتلك الأخبار، لكن في يوم الثلاثاء حملت الصفحة الخلفية لقسمها الرئيسي إعلاناً عرض لقطة جوية رمادية اللون لمدينة ما، ربما نيويورك، مقسمة عامودياً بواسطة خط بعرض الإصبع تصوّر أوراق الشجر الخضراء التي تطغى على فسحة غابة. وفي جهة من الصفحة كُتبت الكلمات التالية "المدن فصلتنا عن الطبيعة"؛ ومن الجهة الأخرى "حان الوقت لرسم الخط". أما في أسفل الصفحة، فورد الموقع الإلكتروني whatisTHELINE.com وكلمة "نيوم".


ويبدو أن مدينة "ذا لاين" هي قطاع تطوير بطول 105 أميال من مضيق تيران، حيث يلتقي خليج العقبة بالبحر الأحمر، وصولاً شرقاً إلى مدينة تبوك، عاصمة المحافظة المحلية. وفي الفيديو، يعلن محمد بن سلمان أن سكان "نيوم" (نموذج للمستقبل الجديد) سيتمكنون من الوصول من أبعد نقطة في "ذا لاين" إلى [نظيرتها] الآخرى في 20 دقيقة. ولن يحتاج معظمهم حتى إلى القيام بهذه الرحلة. فهم يستطيعون أن يقضوا حاجاتهم اليومية سيراً على الأقدام لمدة أقصاها 5 دقائق ضمن محطات التوقف الأربع على ما يبدو، وفقاً للرسم البياني، في مدينة "ذا لاين".


وتمّ نشر فيديو آخر طُرحت فيه سلسلة من الأسئلة: "ماذا لو ألغينا استخدام السيارات؟ و"ماذا لو تخلصنا من الشوارع؟" و"ماذا لو أضفنا ابتكارات على المساحات العامة؟" (أياً كان معنى ذلك). وفي هذه المدينة المستقبلية، لن يكون هناك تنقل [بين الأماكن] وهذا أفضل أيضاً لأنه "لن تكون هناك سيارات، لن تكون شوارع". وقال للصحفيين إن العمل في مشروع البنية التحتية سيبدأ في الشهرين المقبلين ومن المتوقع أن يكتمل بحلول عام 2025 بتكلفة تقديرية تتراوح بين 100 مليار و 200 مليار دولار. ومن المتوقع أن تبلغ التكلفة الإجمالية لنيوم حوالي 500 مليار دولار.


قد يكون ذلك هو المستقبل المرجو، لكن الواقع الحالي يشير إلى قيود على حجم الطموح والجدول الزمني. وقد يؤكد عدم وجود أي ذكر حتى لكلمة "سعودي" في الإعلان في صحيفة "وول ستريت جورنال" للبعض أن الكثيرين من الذين لا يزالون مصعوقين من حادثة قتل الصحفي المعارض جمال خاشقجي واحتجاز الناشطة لجين الهذلول يعتبرون المملكة مؤذية.


ويشير العرض الذي نُشر بعد أسبوع من حث محمد بن سلمان دول الخليج العربية على حل نزاعها مع قطر إلى أنه أدرك أن الإجراءات القانونية الناتجة عن هذا الخلاف تضر بمدى قدرته على جذب المستثمرين الأجانب. ووصفت خدمة "رويترز بريكينغ فيوز" (Reuters BreakingViews) الشركات الأجنبية بأنها ترى المملكة وكأنها مادة "كريبتونايت" (مادة مضرة)، وأن سجلها في حقوق الإنسان لا يزال يشكل مصدر قلق كبير لإدارة بايدن المقبلة. 


وكلما قلّت مساهمة الأجانب في "نيوم" وغيرها من المشاريع، زاد اعتماد المملكة على عائدات النفط - وبالتالي، عكس الاعتماد على مبيعات النفط لتمويل مستقبل ما بعد النفط. وما فاجأ السوق، أن المملكة خفّضت مبيعات النفط هذا الأسبوع بواقع مليون برميل يومياً، لتساعد افتراضياً في دعم الأسعار خلال انخفاض الطلب الموسمي في نهاية فصل الشتاء. وارتفعت الأسعار بالفعل، لكن بالنسبة للرياض، ربما لم يكن ذلك كافياً لتعويض انخفاض حجم المبيعات.  


ويمكن القول إن التحدي الرئيسي الذي يواجه "نيوم" هو جذب السعوديين والأجانب لكي يرغبوا في العيش فيها. فالأجانب لا يريدون حتى العيش في الرياض، وفقاً لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، التي ذكرت هذا الأسبوع أن الحكومة السعودية كانت تواجه صعوبة في حث الشركات الأجنبية التي تعمل في الشرق الأوسط على نقل مقرات أنشطتها إلى المدينة. وسيكون الخاسر الرئيسي دبي في دولة الإمارات، وهي المدينة المفضلة حالياً للأجانب المقيمين في المنطقة. وكونها مركز "طيران الإمارات"، فإن شركة الطيران التي لديها وجهات مباشرة إلى معظم أنحاء العالم، هي عامل مساعد، إلى جانب المدارس وغيرها من المرافق التي تبحث عنها العائلات المغتربة الوافدة.  


وفي قصة في نهاية الأسبوع الماضي، وصفت "فاينانشيال تايمز" دبي بأنها "مدينة الحفلات" حيث "يمكن للزوار، خلال فترة الوباء، الاستمتاع بالمطاعم والحانات وحتى الهذيان المتباعد اجتماعياً". ولم يتم ذكر الاحتمال الأخير كجزء من رؤية محمد بن سلمان لنيوم في مقاطع الفيديو على المواقع الألكترونية للمشروع.


ويمكن القول إن المفاجأة في إعادة إطلاق "نيوم"، هي التذكير بأن رؤية محمد بن سلمان بتحويل المملكة لا تزال محورية في طريقة تفكيره، على الرغم من التشتيت الذي تسببه إيران، والتطبيع مع إسرائيل من قبل حلفائه في الإمارات والبحرين، والرحيل الوشيك لمستشار البيت الأبيض وصهر دونالد ترامب جاريد كوشنر، الذي سهّل الكثير مع واشنطن. كما يصادف هذا الشهر، مؤتمر المستثمرين السنوي الذي يعقده "صندوق الاستثمارات العامة" السعودي، وهو صندوق الثروة السيادية في المملكة.


وأشارت "فاينانشيال تايمز" إلى أن الأمير محمد بن سلمان يأمل في اغتنام هذه الفرصة من أجل إقناع شركات متعددة الجنسيات بدخول مركز الملك عبد الله المالي، وهو مشروع يضم 59 ناطحة سحاب في الرياض غير مشغولة. وتُعتبر هذه المشاريع الفخمة بل المهجورة، الإرث الطبيعي للقادة السعوديين. ولابد أن محمد بن سلمان يأمل ألا تلقى مدينة "نيوم" المصير نفسه وتؤثر على مستقبله. 


 


سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.

على بايدن البناء على "اتفاقيات إبراهيم" وليس التراجع عنها

 على بايدن البناء على "اتفاقيات إبراهيم" وليس التراجع عنها

 على بايدن البناء على "اتفاقيات إبراهيم" وليس التراجع عنها

بواسطة جاي سولومون

١٤‏/٠١‏/٢٠٢١

 


 

Also published in "نيوزويك"

Vice President Joseph R. Biden

عن المؤلفين


جاي سولومون

جاي سولومون، زميل زائر مميز في "زمالة سيغال" في معهد واشنطن، وكان سابقاً كبير مراسلي الشؤون الخارجية لصحيفة "وول ستريت جورنال".

مقالات وشهادة

وافق الرئيس جو بايدن على عدد قليل من مبادرات السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، من بينها "اتفاقيات إبراهيم". وإذا أراد أن يبني على هذا التحول الجذري في سياسات الشرق الأوسط، من الضروري أن يتحدى الجناح التقدمي في حزبه الديمقراطي الذي ينتقد الاتفاقيات ويسعى في الوقت نفسه إلى إبعاد واشنطن عن حلفائها التقليديين في المنطقة، ولا سيما السعودية، والإمارات، وإسرائيل.


على مدى السنوات الأربع الماضية، وافق الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن على عدد قليل من مبادرات السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، ربما باستثناء مبادرة واحدة، وهي "اتفاقيات إبراهيم"، أي اتفاقيات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والدول ذات الغالبية المسلمة التي ازدهرت في الأشهر الأخيرة. فقد أعطى بايدن علناً بركته لهذه الاتفاقيات.


ولكن، إذا أراد بايدن أن يبني على هذا التحول الجذري في سياسات الشرق الأوسط، من الضروري أن يتحدى الجناح التقدمي في حزبه الديمقراطي الذي ينتقد الاتفاقيات ويسعى في الوقت نفسه إلى إبعاد واشنطن عن حلفائها التقليديين في المنطقة، ولا سيما السعودية، والإمارات، وإسرائيل. فبعد الهجوم الذي تعرّض له مبنى الكابيتول هذا الشهر، فإن أي موضوع مرتبط بإدارة ترامب أصبح معرّضاً لأن يصبح معيباً مذموماً.


فالأصوات البارزة داخل "الحزب الديمقراطي" في الولايات المتحدة، سواء في الكونغرس أم في المؤسسات المعنية بالسياسة الخارجية، تجادل بأن "اتفاقيات إبراهيم" تتسبب بخطر استحكام الملوك والزعماء غير الديمقراطيين بالسلطة في المنطقة، بينما تزيد من عسكرة الخليج العربي من خلال مبيعات الأسلحة. ويقولون أيضاً إن اتفاقيات التطبيع ستقلل الضغط على إسرائيل لتقديم التنازلات الإقليمية اللازمة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو هدف يحتل الأولوية في السياسة الخارجية الأمريكية منذ فترة طويلة.


كما أن بعض المشرّعين في الحزب الديمقراطي، الذين يتطلعون إلى [بدء] السيطرة على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ هذا الشهر، يضغطون على الكونغرس للطعن في أحكام "اتفاقيات إبراهيم"، إن لم يكن التراجع عنها. وتشمل هذه صفقات بيع الأسلحة للإمارات والبحرين، وحزمة المساعدات المالية الموعودة للسودان.


وفي هذا السياق، كان السيناتور الديمقراطي كريس مورفي من ولاية كونيتيكت قد صرّح في كانون الأول/ديسمبر قائلاً: "صحيحٌ أننا اليوم نبيع طائرات "أف-35" و"أم كيو- 9" لدولة الإمارات، لكن السعوديين سيرغبون في امتلاكها أيضاً، وقد سبق أن طلبها القطريون، وهذا لن يؤدي سوى إلى تأجيج رغبة إيران في الاستمرار ببناء برامجها العسكرية الخاصة."


يجب ألا يتجاهل بايدن الإسهامات البناءة من القادة الآخرين في حزبه، بل عليه استخدامها للبناء على "اتفاقيات إبراهيم"، وليس التراجع عنها.


ويسير الشرق الأوسط في اتجاهات بإمكان واشنطن تحديدها، ولكن ليس السيطرة عليها بالكامل. ينبغي على الإدارة الأمريكية المقبلة أن تستخدم هذا التقارب التاريخي بين مصالح إسرائيل والدول ذات الأغلبية العربية للمساعدة في تقوية المنطقة بشكل أكبر وتعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة إلى حدٍّ كبير على المدى البعيد.


التكامل الاقتصادي: من الخصائص الرئيسية التي اتسمت بها "اتفاقيات إبراهيم" هي تركيزها على إدخال إسرائيل في اقتصادات منطقة الشرق الأوسط الأوسع، والتي يعاني عدد كبير منها من الركود بسبب الصراعات الطائفية وعدم الاستقرار السياسي. فقطاع التكنولوجيا المتطور في إسرائيل في وضع مثالي للدخول في شراكة مع دول الخليج الغنية بالنفط من أجل استدراج الاستثمارات في تكنولوجيات الطاقة النظيفة والري وتكنولوجيا المعلومات. والغرض من هذا التعاون هو مساعدة الإمارات والبحرين والسودان على التخلص من اعتمادها على الوقود الأحفوري، وكذلك تعزيز الاستثمارات في البلدان الأقل ثراءً بالموارد في المنطقة.


وهنا تستطيع إدارة بايدن الاضطلاع بدور مباشر في هذه النهضة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة. فقد نصت "اتفاقيات إبراهيم" على إنشاء صندوق مدعوم من الولايات المتحدة يخصص في البداية مبلغاً قدره 3 مليارات دولار لتمويل مشاريع الأعمال في المنطقة. ويمكن أن ينمو هذا الاستثمار على مدى السنوات الأربع القادمة، ويشمل مشاركة الشركات الأمريكية والجامعات والمنظمات غير الحكومية.


السلام في الشرق الأوسط: في إطار اتفاق التطبيع المبرم مع الإمارات في أيلول/سبتمبر، وافقت إسرائيل على تعليق خططها بضم أجزاء من الضفة الغربية في العام الماضي. وجادل العديد من الديمقراطيين التقدميين بأن "اتفاقيات إبراهيم" كافأت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمجرد تراجعه عن خطوة كانت لتشكل انتهاكاً للقانون الدولي. بإمكان إدارة بايدن استخدام التراجع الإسرائيلي عن الضم في محاولة لإعادة الحياة إلى عملية السلام في الشرق الأوسط.


ومن شأن ازدهار العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول الرائدة ذات الأغلبية العربية أن يُظهر للقيادة الفلسطينية فوائد إنهاء الصراع والانضمام إلى التكامل الاقتصادي الإقليمي. وفي الوقت نفسه، باستطاعة السعودية، التي لم تطبّع العلاقات مع إسرائيل، أن تلوّح بهذا الاحتمال كوسيلة للضغط على إسرائيل للمضي قدماً في إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وتَعْلم القيادة الإسرائيلية أن قبولها الكامل في الشرق الأوسط لا يمكن أن يحدث إلا بعد إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع الرياض.


إيران: كانت المخاوف المشتركة بين إسرائيل والدول ذات الأغلبية العربية من إيران وأنشطتها الإقليمية أحد المحفزات الرئيسية لـ "اتفاقيات إبراهيم". وجاءت هذه الاتفاقيات لتضفي طابعاً رسمياً على سنوات من التعاون الأمني والاستخباراتي السري بين الدولة اليهودية وهذه الدول. ويزداد الطلب على الطائرات بدون طيار ومعدات المراقبة وغيرها من المعدات الإسرائيلية عالية التقنية في عواصم الشرق الأوسط.


لقد تعهد الرئيس المنتخب بايدن بإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي المبرم مع إيران في عهد إدارة أوباما، وبناء اتفاقيات أوسع لتقييد برنامج طهران الصاروخي ودعمها للميليشيات في الشرق الأوسط والجماعات الإرهابية. لكن عليه أن يستفيد من التحالف المتعاظم بين إسرائيل والدول ذات الأغلبية العربية كوسيلة لزيادة الضغط على طهران وإبراز عزلتها الإقليمية. فمن شأن هذا التكتل الاقتصادي والأمني الناشئ أن يكون بمثابة رمز للإمكانيات التي تنطوي عليها المنطقة إذا تم استبدال القتال والتطرف بالتكامل والنشاط الاقتصاديين. يجب أن تساعد هذه الشراكة الجديدة أيضاً إدارة بايدن على صياغة هذه الاتفاقيات الجديدة المقترحة مع إيران.


لقد جعلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة من كلا الحزبين وعلى مدى أكثر من 70 عاماً، اندماج إسرائيل في الشرق الأوسط الأوسع ركناً أساسياً من أركان السياسة الخارجية الأمريكية. والآن بعد أن بدأ هذا المسعى، لا ينبغي لواشنطن أن تقف حاجزاً أمام توسعه، بل عليها أن تسعى إلى تعزيزه. ويتمتع الرئيس المنتخب بايدن بمكانة فريدة تخوله رسم معالم الشرق الأوسط الجديد بطريقة تدعم المصالح الأمريكية على أفضل وجه.


 


جاي سولومون هو زميل مساعد في معهد واشنطن ومدير أقدم في "APCO Worldwide". وتم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع "نيوزويك".