Wednesday, October 24, 2018

حرب سوريا لم تنتهِ

حرب سوريا لم تنتهِ

حرب سوريا لم تنتهِ


متاح أيضاً في English
16 تشرين الأول/أكتوبر 2018
تحولت المحادثات حول مستقبل سوريا بصورة متزايدة نحو إعادة الإعمار و"اليوم التالي"، وتضاءلت الدعوات الدولية لإنهاء النظام السوري في وجه سنوات طويلة من الحرب والمعاناة. فخلال ندوة عُقدت في 2 تشرين الأول/ أكتوبر في السويد حول الوساطة في النزاعات، وصف مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا ستافان دي ميستورا مهمته هناك كطبيب "يكافح للحد من الألم" وغير قادر على تقديم أي علاج. وفي هذا الإطار، إنّ الوضع الجديد، المقبول على ما يبدو، والذي يسمح باستمرار النظام السياسي الذي كان سائدًا قبل عام 2011 مع الإضافة السامّة المتمثلة بروسيا وإيران، لا يعتبر وصفةً فعّالة لإعادة بناء سوريا بشكل فعلي. وإذا فقدت الأمم المتحدة الأمل في التوصل إلى حل سياسي وتوقفت عن بذل أي جهد جاد لتنفيذ هذا الحل، فهذا يعني أننا نحن – أي الشعب السوري والنفوذ الغربي والقانون الدولي - قد خسرنا.
فقد أمضيتُ عقودًا وأنا أعارض النظام السوري، وقد احتُجزت في سجونه لمدة تقارب العشر سنوات. كما شاركت في العديد من حركات المعارضة السورية من عام 1976 حتى عام 2014، عندما استقلتُ من "المجلس الوطني السوري" وهيئات تحالف المعارضة بسبب الفساد والعلاقات القائمة مع الجهات الحكومية الأجنبية والمجموعات الإرهابية. وبالنظر إلى هذه الخلفية التاريخية، لدي وجهة نظر تم استئصالها مع الوقت من الرواية الدولية، ولكنها مع ذلك مهمة لإعادة بناء سوريا، وطني السابق الذي خسرته والذي ما زلت أهتم لأمره.
في هذه المرحلة، يبقى أي نظام سياسي أفضل من الفوضى أو حكم أسياد الحرب، أو بالطبع سيطرة الإرهاب. ولكن عندما نتحدث عن النظام السوري الحالي، لا يمكن الاعتراف به كنظام اجتماعي أو سياسي، لأنه يعمل كنظام إجرامي يستخدم تكتيكات الجريمة المنظمة بدلاً من تلك الخاصة بالجهات الفاعلة السياسية. كما يجب أن تكون الخطة الانتقالية الهادفة إلى نظام سياسي ونظام جديد أولويةً دوليةً حاسمةً ومهمة، إذ من غير المعقول بالنسبة لأغلبية السوريين أنه، بعد كل ما حدث، يمكن إعادة تأهيل النظام الحالي ليكون جهةً سياسيةً معيارية. وبالتالي، لا يمكن للنظام ولا للمعارضة المنظمة - التي تعاني من مسائل خطيرة فيها من حيث التمثيل – التوصل إلى حلّ. لذلك، يحتاج الشعب السوري إلى العدالة من المجتمع الدولي، وليس إلى إعادة تمثيل من الهيئات نفسها التي قمعته. وفي حين يتم تقديم هذا الخيار بصورة متزايدة باعتباره الخيار الوحيد الذي لن يزعزع الاستقرار، الطريقة الوحيدة لضمان عدم حدوث انتفاضة أخرى هي البدء بصفحة بيضاء – لأن استمرار سيطرة النظام السوري على سوريا ليس سوى الخطوة التالية في دوامة من الانتفاضات والقمع والإرهاب.
وبالفعل، وصف معظم الخطاب الأخير النظام كبديل للإرهاب، فالواقع هو أن الديكتاتورية والإرهاب وجهان لعملة واحدة، حيث يعتمد كل من نظامي السيطرة على القسوة لقمع الحياة السياسية الطبيعية. وفي ظل غياب الأحزاب القانونية والتمثيل الصحيح، يمكن أن يزدهر أي من نسختَي القمع، وسيتم التحكم بها بواسطة المصالح الاستراتيجية الخاصة بالدول الأجنبية، كما هو الحال الآن، بدلاً من المثل العليا التي تؤكد الأمم المتحدة دعمها لها.
وينعكس ذلك من خلال الواقع التاريخي بأن سوريا هي دولة مصطنعة أنشأتها القوى الاستعمارية والدولية في القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، تغيب إمكانيات الشعب السوري لتطوير شعور موحد بالوطنية. وبالتالي، يحتاج الشعب السوري إلى مساعدات وجهود دولية لإنشاء عقد وطني جديد لإعادة بناء وطن حقيقي. إلا أن بعض الدول المحلية والدولية لا تحترم قوانين الإنسانية ومسؤوليتها، فهي لسوء الحظ تتصرف بطريقة وحشية، وفي رأيي تتحمل المسؤولية الرئيسية لما حدث في سوريا. كما لا تتوافق منافعها الوطنية مع منافع الشعب السوري، أقلّه على المدى القصير، لذا فهي تدعم قاتل هذا الشعب. أمّا الدول الأخرى فتختار عادةً أرخص الحلول (وهو الأسوأ).
وبالرغم من ذلك، يبرز العديد من العناصر الواضحة والضرورية لإعادة بناء سوريا بشكل فعلي. إذ تتطلب الدولة دستورًا جديدًا، ونظامًا قانونيًا من شأنه أن يسهّل صياغته - والأهم من ذلك، إجراء انتخابات ديمقراطية. ومن أجل التفكير في تيسير الانتخابات، تحتاج البلاد إلى الاستقرار. وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة قد شعرت بالثقة من تشكيلها لبنية سوريا بواسطة قرارها الذي منح سوريا استقلالها عام 1947. واليوم، يتعين على الأمم المتحدة أن تستأنف هذا الدور بإعلانها أن سوريا دولة فاشلة، والطلب من روسيا وإيران احترام اتفاقيات جنيف بشأن وضع الحرب والاحتلال، وتحديد خارطة طريق للسلطة الانتقالية الجديدة، وذلك باستخدام العدالة لاستبعاد الزعماء المجرمين الحاليين من كلا الجانبين، ووضع حد لاحتلال الميليشيات والجيوش الأجنبية.
ففي غياب هذه الخطوات، لن يؤدي اهتمام المجتمع الدولي الحالي بتوفير المال لإعادة بناء سوريا إلاّ إلى تعزيز أنظمة الفساد والإرهاب والدكتاتورية التي تسود سوريا حاليًا، وبالتالي دفع الصراع حتى العقد القادم. وتجدر الإشارة إلى أن النظام السوري ينتهك بشكل واضح عددًا من مفاهيم الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والحوكمة الشرعية.
أمّا من حيث البنية السياسية الانتقالية الملائمة، فمن الواضح أن النظام السياسي الرئاسي المركزي لا يصلح لبنية المجتمع السوري. كما تتوفر لسوريا فرصة أفضل للحفاظ على الديمقراطية كدولة فدرالية تقوم على التمييز الثقافي، وليس الجغرافي. وفي هذا الصدد، يجب احترام حقوق الأقلية والأغلبية من خلال هوية الدولة والعاصمة واللغة والتحالفات الخارجية. علاوةً على ذلك، ينبغي على الحكومة إتاحة الفرص أمام كل من المجتمع التقليدي (الذي يشمل المكونات الوطنية والطائفية وفق حصص معينة) والمجتمع المدني للمساعدة في تشكيل الحكومة، على أن يقوم النظام السابق بتشكيل وظائف الدولة السيادية ومن بينها وزارة الخارجية والدفاع والعدالة والاقتصاد، وعلى أن تقوم هذه الوزارات بدورها بتشكيل وظيفة الخدمة للدولة المنتخبة بواسطة نظام نسبي. وبموجب هذا الهيكل، ينبغي أن تكون الرئاسة منصبًا فخريًا، وليس منصبًا شاملاً.
ليست الخطوات المذكورة أعلاه بالحلول السهلة، ويخفي ضرورتها إحساسٌ بالإرهاق من الحرب السورية وشعور خاطئ بأن النظام السوري سيكون قادرًا على الحفاظ على الاستقرار. بدلاً من ذلك، سوف يستمر القمع المتواصل الذي يقوم به النظام السوري، إلى جانب الاحتلال الوحشي لروسيا وإيران، في إثارة النزاعات في العقود القادمة. وإذا كان المجتمع الدولي مهتمًا فعليًا بإنهاء هذه الدوامة، فسيتعيّن عليه تشكيل حكومة جديدة في سوريا، سواء في الوقت الحاضر أو عندما يتدهور وضع البلاد من جديد في المستقبل.

تزويد روسيا بصواريخ "إس-300" لسوريا هي رسالة أكثر منها تهديداً

تزويد روسيا بصواريخ "إس-300" لسوريا هي رسالة أكثر منها تهديداً
صفحات رأي ومقالات

تزويد روسيا بصواريخ "إس-300" لسوريا هي رسالة أكثر منها تهديداً

 "ذي هيل"
١٦ تشرين الأول/أكتوبر، ٢٠١٨
قد يبدو مستغرباً قيام موسكو بتزويد سوريا هذا الشهر بنظامها الصاروخي المضاد للطائرات من نوع "إس-300"، لاسيما وأن القرار جاء بعد أن أقدم نظام الرئيس الأسد عن غير قصد على إسقاط طائرة استطلاع روسية من طراز "إليوشن-20" شمال سوريا في 17 أيلول/سبتمبر باستخدامه صواريخ "إس-200" الأقل تطوراً. فلماذا إذاً قامت روسيا بإعطاء نسخة أكثر تطوراً من هذا السلاح إلى حليف يفتقر إلى الكفاءة وأسقط لتوه إحدى طائراتها؟ ألن تؤدي هذه التقدمة إلى زيادة المخاطر التي يواجهها الروس الذين ينفذون العمليات في المجال الجوي السوري؟
قد يكون ذلك صحيحاً، لكن بالنسبة للكرملين، يدور تسليم صواريخ "إس-300" حول أمر واحد، وهو: التأكيد على هيمنته المتنامية في سوريا. فهو بمثابة رسالة سياسية موجهة إلى الغرب وإلى كافة الأطراف الأخرى في المنطقة، ومفادها أن روسيا جاءت لتبقى.
ويقيناً، أن الحادثة التي تعرضت لها طائرة "إليوشن-20" كانت محرجة لموسكو. فقد كشفت عن عدم كفاءة روسيا وحليفها السوري على حدٍّ سواء. فادّعاء موسكو بأن إسرائيل تعمّدت خلال الحادثة على استغلال وجود طائرة "إليوشن-20" كغطاءٍ لضربتها على سوريا بواسطة طائرات "إف-16" وأبلغت نظيرتها الروسية بالضربة قبل وقوعها "بدقيقة واحدة" فقط كان اتهاماً سخيفاً. لقد كانت محاولة خرقاء لحفظ ماء الوجه.
ومع ذلك، إن إمداد الأسد بصواريخ "إس-300" يمنح بوتين تأثيراً إضافياً على الغرب ويدعم حلفاء موسكو. فهذه الصواريخ لا تهدد إيران و «حزب الله» أو التنظيمات الإرهابية الأخرى في سوريا، لكنها قادرة على الحد من حرية العمل العسكري لإسرائيل وتركيا، أو على الأقل جعلها أكثر تعقيداً.
وفي الوقت نفسه، تعطي صواريخ "إس-300" خيارات للأسد (وبالتالي لموسكو) لم تكن متاحةً لهما في السابق من أجل تقويض الدور الأمريكي في سوريا. ومن المحتمل أن تزيد من قدرة "نظام الدفاع الجوي المتكامل" التي تملكه سوريا، وبالتالي توفير غطاء إضافي لأنشطة إيران والأسد في سوريا. كما يمكن أن تعقّد العمليات التي تشنّها الولايات المتحدة وقوات التحالف ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وبالفعل، تشكل سلسلة صواريخ "إس-300" - التي هي أساساً النسخة السابقة من الجيل الراهن المعروف بـ "إس-400" - جوهرة الصادرات الروسية من صواريخ أرض-جو. وإذا أثبتت فعاليتها فقد تعزز مكانة موسكو بصفتها المَصدْر المفضّل لإمدادات السلاح في المنطقة.
بيد، لا يزال مدى سيطرة الأسد على سوريا غير مؤكد. فعلى الرغم من الاتفاق الأخير بين روسيا وتركيا، من المرجح أن تكون المعركة على إدلب في سوريا مشتركة وقد تحدث في المستقبل القريب. وثمة احتمال فعلي بوقوع اشتباك بين إسرائيل وإيران في سوريا. أما الولايات المتحدة فستبقى في سوريا وتواصل العمل مع «قوات سوريا الديمقراطية»، بينما ستواصل فرنسا وبريطانيا ضرباتهما الجوية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا. وبالنسبة لبوتين، يعني هذا الوضع أمراً واحداً، وهو: استخدام كل تأثير ممكن لضمان احتفاظ موسكو بنفوذها هناك.
وفي الوقت نفسه، لا تزال العديد من التفاصيل المهمة الخاصة بصفقة بيع صواريخ "إس-300" غير معروفة، ومن بينها: عدد الصواريخ التي حصل عليها الأسد، ونوع النظام الذي استلمته سوريا، والموقع الذين ستُنشر فيه هذه الصواريخ، وما إذا كان سيتعيّن على سوريا دفع ثمن هذه المعدات، والأهم من ذلك، مَن سيشغّل صواريخ "إس-300"؟
إن تعلّم كيفية تشغيل صواريخ "إس-300" يستغرق شهوراً من التدريب المكثّف. وقد أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن تدريب السوريين على استعمال الصواريخ سيستغرق ثلاثة أشهر. ومع ذلك، يستخدم السوريون صواريخ "إس-200" التي وفّرها الاتحاد السوفيتي على مدى 30 عاماً، ومع ذلك أسقطوا طائرةً روسية. ولا شك في أن ثقة بوتين بالكفاءة العسكرية السورية متدنية وتُلقي بظلال الشك على الموعد النهائي الذي أعلنه شويغو. لكن إذا تولّى الروس تشغيل هذه الأنظمة الصاروخية في سوريا - ضد إسرائيل - فسيكون للأمر تداعيات مهمة و/أو خطيرة.
وفي الوقت نفسه، قد تفقد موسكو بعضاً من نفوذها في سوريا مع تزويد هذه الأخيرة بصواريخ "إس-300". فحتى الآن، حافظ بوتين على علاقات جيدة مع كافة الأطراف في الشرق الأوسط، على الرغم من تفضيله الواضح للتكتل الشيعي المعادي للولايات المتحدة. لكن من غير الواضح ما إذا كان سيواصل الحفاظ على هذا التوازن.
إن صواريخ "إس-300" هي سلاحٌ قوي، ولكن لها حدودها. فهي قائمة منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد تسنّى للجيشين الأمريكي والإسرائيلي دراستها على مدى سنوات ومعرفة إمكانياتها. وفي هذا الإطار، هناك أهمية أيضاً للمراقبة الجوية وإدارة المعارك. فإذا كان نظام المراقبة الجوية بطيئاً جداً في رؤية طائرة ما، على سبيل المثال، فلن تكون هناك أهمية لمدى قوة نظام "إس-300". كما أنه ليس من الواضح كيف سيتم دمج إمكانيات الدفاع الجوي السورية والروسية في نظام آلي واحد، على الرغم من ادّعاء شويغو بأن هذه العملية ستُستكمل بحلول 20 تشرين الأول/أكتوبر. وأخيراً، إذا لم تحصل سوريا إلا على بطارية صاروخية واحدة من نوع "إس-300" - كما أُشيع - فإن عملية النقل ستكون أكثر رمزيةً من كونها فاعلية.
وبالتالي، فبالرغم من جميع المشاكل التي قد تحدثها صواريخ "إس-300"، إلّا أن نشرها لن يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة. وطالما بقيت الولايات المتحدة في سوريا وتعمل على ردع إيران، كما قرّرت إدارة ترامب لحسن الحظ، فقد لا تحظى موسكو بالضرورة بالميزة الإقليمية التي تسعى إليها. ومن المفارقات أن قرار موسكو قد يؤدي إلى إضعاف المكانة ذاتها التي كانت تعتزم روسيا تعزيزها.

آنا بورشفسكايا هي زميلة "آيرا وينر" في معهد واشنطن وزميلة في "المؤسسة الأوروبية للديمقراطية". وقد عملت سابقاً في "المجلس الأطلسي" و"معهد بيترسون للاقتصاد الدولي" وهي محللة سابقة لمقاول عسكري أمريكي في أفغانستان.

لماذا يريد «حزب الله» وزارة الصحة في لبنان؟

لماذا يريد «حزب الله» وزارة الصحة في لبنان؟
المرصد السياسي 3027

لماذا يريد «حزب الله» وزارة الصحة في لبنان؟

 ١٩ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٨
منذ الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان في أيار/مايو، كان رئيس الحكومة المكلّف يتفاوض مع الأحزاب اللبنانية المتنافسة لتشكيل حكومة جديدة، اعتقاداً منه على ما يبدو أن باستطاعته تشكيل حكومة تتم فيها مشاركة السلطة على غرار حكومتيْ الوحدة الوطنية السابقتيْن. إلا أن «حزب الله» وحلفاءه شاركوا في هاتيْن الحكومتيْن السابقتيْن كأقلية - والآن، بعد أن أصبح ائتلافهم يسيطر على الأغلبية، يبدو أنهم أقل اهتماماً بمشاركة السلطة.
فبدلاً من ادّخار المقاعد الحكومية لنفسه، يتخذ «حزب الله» مقاربةً مدروسةً للوضع، سامحاً لمعارضيه بتشكيل حكومة يرأسها الحريري، بينما يمنح لحلفائه سيطرة على معظم الوزارات السيادية في لبنان. وقد يساعد ذلك بيروت على تجنب بعض الضغوط الدولية التي قد تنشأ عن ذلك إذا سيطرت جماعة إرهابية مباشرةً على حقائب مهمة؛ كما قد يساعد ذلك «حزب الله» على تجنّب اللوم الداخلي إذا أساء إدارة هذه الوزارات. وحتى في الوقت الذي يتخلى عن الحقائب السيادية لأحزاب أخرى، يبدو أن «حزب الله» ينوي السيطرة بنفسه مباشرةً على حقيبة خدمات رئيسية وهي: وزارة الصحة العامة.
بديل مالي
تتحكم وزارة الصحة، بعد وزارات الدفاع والتربية والداخلية، برابع أكبر ميزانية في لبنان بقيمة 338 مليون دولار سنوياً. وبينما يتم تخصيص معظم الأموال في الوزارات الثلاث الأولى إلى الرواتب، تُمنح غالبية الأموال في وزارة الصحة إلى الجمهور مباشرةً.
ووفقاً لبعض التقارير يريد «حزب الله» الوصول إلى هذا التدفق النقدي لأنه قلق من خسارة بعض تمويله من إيران. ويقيناً، تبقى الميليشيات الشيعية الأجنبية ذات أولوية عالية في الميزانية بالنسبة لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني. إلا أن «حزب الله» يبدو غير متأكّدٍ من إمكانية الاستمرار عمليّاً في تلقي المبلغ السنوي من طهران الذي يُقدّر بنحو 700 مليون دولار في ظل العقوبات الأمريكية الأكثر صرامة، التي من المقرر أن يتم تنفيذ المزيد منها في 4 تشرين الثاني/نوفمبر. وبالمثل، إذا تحوّل التوتر المتزايد بين إيران وإسرائيل إلى حربٍ إقليمية، فقد يخشى «حزب الله» من عدم قدرة طهران على تمويل إعادة إعمار البلدات اللبنانية المدمَّرة كما فعلت في أعقاب الحرب التي اندلعت عام 2006.
وينبع أحد مكامن القلق الأخرى من واقع وَضْع إيران للعمليات العسكرية الإقليمية على رأس أولوياتها. ونتيجة لذلك، تم تحويل نسبة أكبر من تمويلها للميليشيات الشيعية إلى أنشطة عسكرية، لذلك تم تقليص الدعم المالي لشبكات الخدمات الاجتماعية الخاصة بـ «حزب الله»، مما أدّى إلى تخفيضات كبيرة في الخدمات. واليوم، يستفيد جنود «حزب الله» وعائلاتهم بشكلٍ أساسي من مثل هذه الخدمات، أما العديد من الأعضاء غير المقاتلين والمؤيدين الخارجيين الذين تلقوا سابقاً هذه الهبات فيُترَكون جانباً، لكنهم يواجهون الآن احتمال تخفيض الرواتب وخفض العمالة. وبالإضافة إلى الحرب السورية المضنية، أدّى سير الأمور في هذا الاتجاه إلى إثارة شعور الاستياء في صفوف المجتمع الشيعي في لبنان.
وتشير بعض التقارير إلى أنه حتى «حزب الله» واجه صعوبة في التعويض لعائلات المحاربين الذين قُتلوا أو جُرحوا في الحرب. فعلى سبيل المثال، تم تأسيس "مؤسسة الشهيد" جزئيّاً لتقديم المساعدة المالية والدعم الصحي والاجتماعي إلى أقرباء أولئك الذين لقوا حتفهم في القتال، في حين تم تشكيل "مؤسسة الجرحى" لمساعدة المدنيين المصابين خلال الأعمال العدائية مع إسرائيل أو غيرها من العمليات. ومع ذلك، فوفقاً لتقارير محلية عديدة، فإن الخدمات الصحية لـ «حزب الله» - والتي تشمل خمسة مستشفيات ومئات المراكز الطبية والمستوصفات وعيادات طب الأسنان ومقدّمي الرعاية الصحية العقلية - بالكاد تستطيع اليوم تلبية احتياجات الجنود الجرحى وعائلاتهم،. واستناداً إلى متوسط نسبة القتلى إلى الجرحى في المعارك الحديثة، قد يصل عدد ضحايا هذه المجموعة ما يزيد عن 9000 فردٍ للاعتناء بهم.
وهذا هو السبب الرئيسي وراء التزام «حزب الله» بإحكام القبضة على وزارة الصحة. ومن شأن القيام بذلك أن يخفف من عبئه المالي، مما يسمح للميليشيا بإدارة نظامها الصحي الخاص المعني بـ"شؤون المحاربين القدامى" حتى لو تم تقليص الدعم الإيراني بسبب العقوبات.
الضغط الدولي
مما لا شك فيه أن تشكيل الحكومة القادمة قد تكون له تبعات على المساعدة الخارجية حتى لو اقتصر «حزب الله» على إدارة وزارة الصحة، لأن الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية ودول خليجية مختلفة صنّفت هذه الجماعة كلّياً أو جزئيّاً كمنظّمة إرهابية. وحتى الآن، لم يعترض الحريري علناً على مطالبة «حزب الله» بوزارة الصحة، رغم أنه أشار في الأسبوع الماضي إلى أن "البنك الدولي" أو منظمات دولية أخرى قد تتوقف عن تقديم المساعدات إلى قطاع الصحة. فقد منح "الاتحاد الأوروبي" وحده ما يقرب من 88 مليون يورو سنوياً لقطاع الصحة العامة في لبنان بموجب عدة صكوك من أجل المساعدة على التعامل مع تداعيات الحرب السورية. وإذا سيطر «حزب الله» على الوزارة، فقد يتمكن من الحصول على بعض هذه الأموال على حساب اللاجئين السوريين.
ومن جانبها، هددت السفارة الأمريكية في بيروت، وفقاً لبعض التقارير، بقطع أي مساعدة أمريكية أو دولية إلى الوزارات المخصصة لـ «حزب الله». وعلى الرغم من أن واشنطن لا تقدّم مساعدات مباشرةً إلى وزارة الصحة، إلّا أنها لاعباً أساسيّاً في "البنك الدولي" والمنظمات الأخرى التي تقدم مثل هذه المساعدة.
وسارع مسؤولو «حزب الله» إلى الرد على هذه التهديدات، قائلين إن الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه برّي والرئيس ميشال عون سبق وأن اتفقوا على منح الوزارة إلى الحزب، وأن هذا الاتفاق لا يجب خرقه تحت الضغط الأمريكي. وقد أدلى عضو رفيع المستوى في «حزب الله»، محمد فنيش، الذي كان يشغل منصب وزير الشباب والرياضة في حكومة تصريف الأعمال، بحجج مماثلة خلال مقابلة أجرتها معه مؤخّراً قناة "المنار" التلفزيونية التابعة للحزب. ويبدو أن الحريري تنازل عن الوزارة رغبةً منه في عدم معارضة «حزب الله»، وهو يركّز الآن على تخصيص الحقائب الأخرى إلى الأحزاب المتنافسة.
النهج التصاعدي المتدرج من "المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى"
بالطبع، حتى إذا امتنع «حزب الله» في النهاية عن السيطرة قانونيّاً على الوزارات السيادية والخدمية الرئيسية، سيقوم على الأرجح شركاؤه في الائتلاف - أي "التيار الوطني الحر" و"حركة أمل" - بالاستحواذ على حقائب الدفاع والمالية والشؤون الخارجية والطاقة. وهذا من شأنه أن يجعل «حزب الله» صانع القرار الفعلي في كافة هذه الوزارات.
بالإضافة إلى ذلك، بإمكان الجماعة الوصول إلى الأموال الرئيسية للدولة حتى دون الحصول على مقاعد حكومية. ووفقاً لبعض التقارير أخبر مسؤولون في «حزب الله» "حركة أمل" بأنهم سيتولون مسؤولية تكريس نصف الوظائف الحكومية المخصَّصة دستوريّاً للمجتمع الشيعي. واستخدمت "أمل" تقليديّاً هذا الامتياز للحفاظ على قاعدة دعمها الخاصة. ومع ذلك، فمع تضاؤل دولارات المحسوبية المكرَّسة للتوزيع، لم يعد «حزب الله» قادراً على تحمل التخلي عن تلك الفرصة الذهبية لصالح "حركة أمل". وفي النهاية، يمكن أن تحقق هذه المقاربة ثلاث منافع مهمة لـ «حزب الله» هي: (1) تخفيف حدة مشاكله المالية، (2) وتمكينه من توفير الوظائف والرواتب إلى قاعدة دعمه ومقاتليه، (3) وخلق وضع تقوم فيها المؤسسات الأمنية والعسكرية في الدولة بحماية الجماعة وقاعدتها من العقوبات الدولية أو حتى من المواجهة العسكرية.
توصيات في مجال السياسة العامة
إن الحريري على حق - حيث سيؤدي السماح لـ «حزب الله» بالسيطرة على وزارة الصحة وعلى خدمات أخرى في الدولة إلى مواجهة تداعيات دولية، بما فيها فرض عقوبات غير مسبوقة محتملة على مؤسسات الدولة خارج القطاع المصرفي. وقد امتنعت واشنطن حتى الآن عن فرض عقوبات على المستشفيات التي يسيطر عليها «حزب الله»، لكنّ هذا لا يعني أنها ستتردد في القيام بذلك إذا ما استلمت هذه الجماعة الوزارة [المسؤولة] نفسها. وبالمثل، قد تشهد المساعدات المالية من المنظمات الدولية تخفيضات مشابهة. ففي الأسبوع الماضي فقط، عدّل الكونغرس الأمريكي "قانون حظر التمويل الدولي لـ «حزب الله»" ليشمل المزيد من القيود على المؤسسات والأفراد الذين يساعدون «الحزب»، وقد تستهدف بعض التعديلات المستقبلية مؤسسات الدولة التي يسيطر عليها «حزب الله».
كما لا تُعتبَر المساعدة العسكرية الأمريكية لـ "الجيش اللبناني" مقدَّسة أيضاً. فعلى الرغم من مواصلة "القيادة المركزية الأمريكية" التعبير عن دعمها لـ "الجيش اللبناني"، إلّا أن الكونغرس الأمريكي لا يغفل عن العلاقة المتزايدة عمقاً بين الجيش الوطني و «حزب الله».
وكما ذُكِر سابقاً، قد لا يكون الحريري قويّاً بما فيه الكفاية من الناحية السياسية لمنع «حزب الله» من الاستحواذ على وزارة الصحة. ومع ذلك، ينبغي على واشنطن والهيئات الدولية التي تساعد المؤسسات اللبنانية مواصلة تحذير الرئيس عون وغيره من صانعي السياسات ورجال القانون في بيروت من أن قطاع الصحة سيواجه عواقب تترتب عن تزويد «حزب الله» بأموال جانبية أخرى. وبالنظر إلى الأزمة الاقتصادية الوشيكة والتشريع الأمريكي الجديد الذي يستهدف الموارد المالية المحلّية لـ «حزب الله»، فإن آخر ما يحتاج إليه لبنان حالياً هو المخاطرة بقطاع الصحة.

حنين غدار هي صحفية وباحثة لبنانية محنكة، وزميلة زائرة في زمالة "فريدمان" في معهد واشنطن.

ماذا يخبرنا مقتل خاشقجي عن هيكل السلطة في السعودية؟

ماذا يخبرنا مقتل خاشقجي عن هيكل السلطة في السعودية؟
تنبيه سياسي

ماذا يخبرنا مقتل خاشقجي عن هيكل السلطة في السعودية؟

 22 تشرين الأول/أكتوبر 2018
تتمثل الطريقة التقليدية للنظر إلى المملكة العربية السعودية في أن العائلة المالكة تحكم بتوافق الآراء وتوخّي الحذر، من خلال اختيارها للقادة على أساس الخبرة والأقدمية. إلّا أنه تم نقض هذه الرؤية بشكل متزايد منذ تولّي الملك سلمان العرش في كانون الثاني/يناير 2015 وظهور ابنه محمد بن سلمان البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً، والذي أصبح ولي العهد منذ حزيران/يونيو 2017.
وفي ظل حُكم محمد بن سلمان، الذي يتحوّل حالياً يوماً بعد يوم إلى الزعيم الفعلي للمملكة، بدأت السعودية بتحويل اقتصادها (على شكل خطته المعروقة بـ «رؤية المملكة 2030») ومجتمعها (على سبيل المثال، افتتاح دور السينما وإعطاء النساء الحق في قيادة السيارات) ودينها (عودة مفترضة إلى "الإسلام الأكثر اعتدالاً"). ومع ذلك، لم يَفتح المجال السياسي أمام السعوديين العاديين؛ كما يبدو أنّه قلّص بشكل كبير من دور العائلة الواسعة لآل سعود، مما أدى إلى تهميش الآلاف من الأمراء.
ويبدو أنّ هيكل السلطة الواسع الذي كانت تتمتع به المملكة سابقاً يقع حالياً على عاتق رجلين. فقد أصبح الملك سلمان، البالغ من العمر 82 عاماً، والذي يعاني تدهوراً في حالته الصحية، مجرد ملك صوري، وإن كان ذلك ملائماً من الناحية الدبلوماسية للرياض خلال أزمة جمال خاشقجي. وتم الحفاظ مؤخراً على هيبته كحاكم البلاد من خلال مكالمة هاتفية من الرئيس ترامب وزيارة قصيرة قام بها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو. وصدرت الأوامر الملكية باسم العاهل السعودي بإقالة مستشار إعلامي رئيسي لمحمد بن سلمان وأربعة من مسؤولي المخابرات، على الرغم من أنّ مشاركة الملك في اتخاذ هذا القرار غير واضحة.
وفي غضون ذلك، أصبح محمد بن سلمان ولي العهد الأكثر قوة في التاريخ السعودي. فمنذ استبدال والده كوزير للدفاع قبل نحو أربع سنوات، ركز باستمرار جميع القوات العسكرية المتفرقة في المملكة تحت سيطرته. وحين قام بتنسيق استقالة ولي العهد السابق محمد بن نايف في العام الماضي، عمل على نقل قيادة وزارة الداخلية إلى أمير شاب هو ابن شقيق محمد بن نايف، في حين أضعف الهيمنة الأمنية للمؤسسة السابقة. وعلى نحو مماثل، عندما اتُّهم آخر منافس واضح للأمير، ولي العهد متعب بن عبدالله بالفساد، واحتُجز في فندق ريتز - كارلتون في الرياض في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تم تجريده من منصبه كقائد "الحرس الوطني السعودي" القوي واستبداله بأحد أفراد الأسرة البعيدين عن المركز.
أما الأمراء القلائل الذين تمكّنوا من الحفاظ على أهمّيتهم، فهم كبار جداً أو صغار جداً في السن من أن يتمكنوا من منافسة محمد بن سلمان، الذي قام بانتظام بتهميش مجموعة من أفراد العائلة المالكة في الخمسينات والستينات من عمرهم والذين ربما كانوا يعتبرون أنفسهم سابقاً كمتنافسين مستقبليين على العرش. ومن بينهم:
الأشقّاء الأحياء للملك سلمان. يهيمن نظرياً هؤلاء الأمراء سواء بشكل مباشر أو عن طريق أكبر أبنائهم، على "هيئة البيعة السعودية" المكلّفة بتثبيت اختيار أولياء العهد. وقد عاد وزير الداخلية السابق الأمير أحمد، آخر شقيق للملك الذي لا يزال على قيد الحياة، إلى الظهور في الأخبار مؤخراً بعد تورّطه في مشادة مع متظاهرين في لندن، ولكنّه لا يلعب أيّ دور واضح في سياسة القصر. أما الأخ الأصغر غير الشقيق للملك، الأمير مقرن، فيتميّز بسيرة ذاتية هائلة - من بينها عمله كطيار "إف 15"، وتعيينه أميراً لمنطقة [حائل]، ورئيساً للاستخبارات وولي العهد لفترة وجيزة - قبل إبعاده لأنّ الملك سلمان رآه محسوباً إلى حد كبير على الملك الراحل عبد الله. ومن المحتمل أن يكون واقع كوْن والدته عشيقة مؤسس المملكة ابن سعود وليست زوجته، قد أعاق أيضاً إمكانيات تسلّمه الخلافة.
أبناء الملك الراحل فيصل. تم إرسال حاكم مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل إلى تركيا هذا الشهر كمبعوث العاهل السعودي إلى الرئيس رجب طيب أردوغان. ولكن كونه في السابعة والسبعين من عمره، يُنظر إليه على أنّه مجرد مستشار، وليس مرشّحاً واقعياً لتولي العرش. وكان أخوه غير الشقيق الأمير تركي - الذي كان يشغل منصب رئيس الاستخبارات العامة وسفير سابق في واشنطن ولندن - المتحدّث غير الرسمي باسم الرياض في السنوات الأخيرة. ولم يتحدث بعد علانية عن الأزمة الحالية، على الرغم من (أو ربما بسبب) واقع توظيفه لخاشقجي كمستشار إعلامي خلال مهامه في الخارج. أما العضو البارز في هذه العشيرة الفرعية فقد كان وزير الخارجية المخضرم سعود الفيصل، الذي توفي عام 2015. وكان والدهم يحظى بالاحترام كملك، ولكنّه حصل على العرش بإخراج سلفه، واغتيل هو نفسه من قبل ابن أخيه. وقد شكّلت هاتان العمليتان الانتقاليتان صدمة للعائلة المالكة.
الأمراء الأصغر سناً. يشمل هؤلاء أبناء الملك سلمان أو الملوك السابقين وأولياء العهد. والأمير الوحيد البارز بينهم هو خالد بن سلمان، الشقيق الأصغر لمحمد بن سلمان، وطيّار "أف 15" سابق الذي تم تعيينه سفيراً لدى الولايات المتحدة في العام الماضي وهو في سنّ التاسعة والعشرين. وقد عاد حالياً إلى الرياض للتشاور. ومُنح بعض أبناء عمومته أدواراً من الدرجة الثانية في الوزارات والحكومات المحلية، بمن فيهم خالد بن بندر، نجل سفير السعودية السابق لدى واشنطن بندر بن سلطان، الذي يشغل حالياً منصب سفير بلاده لدى ألمانيا، التي عاد إليها مؤخراً بعد مشاكل دبلوماسية استمرّت عدة أشهر. وقد اعتُبرت هذه الخطوات على أنّها جهود لتعزيز النهج الشبابي الجديد للحكم الذي يتصوّره ولي العهد، وليس دليلاً على سلطة مستقبلية للمعيّنين.
الخاتمة
إن [تداعيات] قضية خاشقجي قد أثارت التكهّنات بأنّ العائلة المالكة قد ترغب في تهميش محمد بن سلمان أو عزله بسبب أسلوبه الاستبدادي وتجاوزاته البارزة. بيد، لا يوجد حتى الآن دليل واضح على ذلك. ومن واقع الأحداث يبقى ولي العهد الشخص الذي يمثل مستقبل المملكة - ويعني ذلك أيضاً أنّه إذا خرج من المنافسة على العرش في أيّ وقت قريب، فسيسبّب ذلك فراغاً واضحاً. وكان يُعتقد في وقت ما أن احتمال حُكْم البلاد من قبل محمد بن سلمان لعقود من الزمن سيكون مصدر استقرار للمملكة، ولكنّ يبدو الآن أن هذا التصوّر سابقاً لأوانه.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن، حيث قام بتأليف دراستين هامتين حول الخلافة السعودية، "بعد الملك عبد الله" و"بعد الملك فهد".

Monday, October 22, 2018

الحرب في سورية إلى حقل الألغام السياسي في لبنان

 الحرب في سورية إلى حقل الألغام السياسي في لبنان
الحرب في سورية إلى حقل الألغام السياسي في لبنان




لا يتموضع حزب الله في السياسات اللبنانية بشكل يتلاءم دوماً مع مواقف داعميه السوريين والإيرانيين. ومع ذلك، تكمن المفارقة حيال انخراط حزب الله في حمأة النزاع السوري، في حقيقة أنها دفعت هذا الحزب إلى التركيز أكثر على المشهد السياسي اللبناني. ومثل هذا التحوّل هو رجع صدى لنقاشات سابقة حول ما إذا كان بمقدور حزب الله أن يصبح لاعباً لبنانياً أساسياً يلتزم بالقواعد السياسية الوطنية، أم أن اليد العليا فيه تبقى لأجندته الإقليمية.
والآن، ومع انحسار النزاع السوري، يطفو على السطح السؤال حول ما إذا كان الناخبون اللبنانيون سيفرضون مثل هذا الدور المحلي على حزب الله. لماذا؟ لأنه في الفترة بين دخوله إلى سورية وبين الانتخابات البرلمانية العام 2018، واجه الحزب حالة من السخط والتبرّم في أوساط الطائفة الشيعية، وكذلك لدى الجسم الانتخابي اللبناني ككل، بسبب تدهور الأوضاع الاجتماعية- الاقتصادية. كان الناخبون اللبنانيون يُطالبون حزب الله الاهتمام بهمومهم المعيشية المحلية، والانخراط أكثر في عملية الحوكمة. والحال أن ردة الفعل الطائفية التي أشعل إوارها انغماس الحزب في لجج الحرب السورية قد أجبرت هذه المنظمة على التلحُّف بغطاء سياسي محلي، بأمل أن يُسمح لها بمواصلة تنفيذ أجندتها الإقليمية من دون عرقلة. وفي خضم هذه العملية، أبرم الحزب صفقات مع كلٍ من حلفائه وخصومه كي يتمكّن من الحفاظ على الاستقرار في لبنان.
علي هاشم
علي هاشم مراسل متخصص في الشؤون الإيرانية لدى BBC World Service. كما أنه مساهم في موقع المونيتور، ونُشرت له مقالات أيضاً في صحف ومجلات على غرار the Guardian، و the Sunday Times، و the National، والمجلة اليابانية Facta.
بيد أن جُل المؤشرات تشي بأن حزب الله سيكتشف أن هذه المرحلة الانتقالية ستكون صعبة ومحفوفة بالمخاطر، لأنه قد يفتقر إلى الوسائل لإعادة التموضع وتنفيذ أجندة محلية. وإذا ما وضعنا بعين الاعتبار واقع ترنّح الاقتصاد وتدهور مستويات توفير الخدمات، سنجد أن الأطراف السياسية المحلية تُخاطر بأن يُلقى على عاتقها مسؤولية أوجه القصور في نظام الحكم اللبناني. علاوة على ذلك، قد يؤدي قيام حزب الله بلعب دور أكثر نشاطاً في الحلبة السياسية المحلية، إلى تغيير طبيعة مصالحه وحتى هيكليته؛ وهي تغييرات قد تتصادم مع أولويات الحزب خارج لبنان. وبالتالي، ستتطلّب هذه الأهداف المتضاربة ممارسة سياسية توازن دقيقة للغاية، خاصة وأن التحدي الرئيس هنا يكمن في احتمال الاشتباك مع الحلفاء الذين كانوا يوفّرون لحزب الله الغطاء لدوره الإقليمي، في مقابل منحهم السيطرة الكاملة على السياسات المحلية.

الانخراط المبكّر لحزب الله في الأزمة السورية

لم يكن نشر قوات حزب الله في سورية هو الأول من نوعه في خارج لبنان، لكنه كان الأكبر. ففي أوائل التسعينيات، اشترك أكثر من 100 مقاتل من حزب الله في الجهود التي قادتها إيران لتدريب المسلمين في البوسنة، وكان بينهم علي فياض، المُكنّى علاء، وهو مقاتل متمرّس في الحملة البوسنية وقُتِلَ حين كان يحارب في سورية في شباط/فبراير 2016. وقبل ذلك بعقد من الزمن، كان حزب الله منغمساً بعمق في العراق غداة الغزو الأميركي لذلك البلد العام 2003، حيث درّب الميليشيات الشيعية العراقية التي نفّذت هجمات ضد قوات الاحتلال الأميركي. وقد توجّهت معظم هذه المجموعات العراقية بعد ذلك إلى سورية للقتال إلى جانب حزب الله والحرس الثوري الإيراني.
لكن الواقع أن حزب الله لم ينحز فوراً إلى الخيار العسكري في سورية، إذ هو حاول في البداية إيجاد حل سياسي بمساعدة حركة حماس الفلسطينية الإسلامية. كانت حماس قد تواسطت في العام 2012 مستفيدةً من علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين، لمحاولة إبرام اتفاقية تقاسم للسلطة، بيد أن هذا الجهد تعثّر حين اشترطت الحكومة السورية أن تضع المعارضة سلاحاً أولا. وكما لاحظ مسؤول في حماس: "حفزنا كلٌ من علاقاتنا مع حكومة دمشق ومع جماعة الإخوان وحرصنا على الوصول إلى حل سلمي للنزاع، على عرض خدماتنا. كانت إيران وحزب الله يثقان بجهودنا، لكن الحكومة السورية وجماعة الإخوان رفضتا ذلك، لأنهما كانتا تشعران أنهما ليستا في حاجة إلى تقديم تنازلات في هذه المرحلة المبكّرة (من الصراع").1
قام حزب الله بجهوده الأولية لايجاد حل سياسي وهو يضع في الاعتبار موقف إيران، التي كانت تُطل على الأزمة السورية بكونها تحدّياً لمواقعها الإقليمية. وبالتالي، رأى الحزب حاجة إلى التدخل مباشرة أو عبر حلفائه. وقد كُشِفَ النقاب عن دور حزب الله هذا في عملية صنع القرار الإيراني في مذكرات العميد حسين همداني، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني الذي قُتل قرب حلب في تشرين الأول/أكتوبر 2015. فقد أشار همداني إلى أنه في ربيع العام 2012، طلب منه المرشد الأعلى الإيراني أية الله علي خامنئي التشاور مع زعيم الحزب حسن نصر الله الذي قيل أنه كان مسؤولاً عن سياسة محور المقاومة في سورية. كان نصر الله التقى خامنئي في طهران في أواخر 2011 لاتخاذ قرار حول التدخّل، أي بعد تسعة أشهر من انطلاق الانتفاضة السورية، ثم عاد إلى بيروت لبدء الاستعدادات، بسبب الحاجة إلى تأطير هذا التدخل على نحو ملائم في المشهد السياسي اللبناني الذي كان يعيش أصلاً حالة استقطاب حادة.
كان نصر الله ألمح إلى هذا التصعيد الزاحف في 30 نيسان/أبريل 2013، حين تعهّد بأن أصدقاء سورية لن يتركوها "تسقط في حضن الولايات المتحدة وإسرائيل أو الجماعات الجهادية". والواقع أن حزب الله بدأ بالفعل يقاتل إلى جانب الجيش السوري في المناطق الريفية حول القصير، وهي مدينة في محافظة حمص قرب الحدود اللبنانية. وفي أيار/مايو 2013، ذُكِرَ أن الحزب أرسل نحو 1700 مقاتل لدعم قوات الحكومة السورية في القصير. ففي 25 أيار/مايو، وفي الذكرى السنوية الـ13 للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، خطا نصر الله خطوة أخرى نحو التصعيد حين أعلن أن سورية هي معركتنا ونحن أهل لها، قبل أن يشدّد على أن الحكومة السورية "كانت ظهر المقاومة، والمقاومة لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي فيما يتعرّض ظهرها إلى خطر القصم". وحينها، دخل انخراط لبنان في الأزمة السورية في مرحلة جديدة. نصر الله نفسه كان قد توقّع ذلك في خطابه، حين دعا كل الأطراف إلى احترام الاستقرار في لبنان، كما حثّ اللبنانيين على تسوية خلافاتهما في سوريا لتجنيب لبنان مزيداً من العنف الطائفي، قائلا: "طالما أن لدينا مواقف متباينة حيال سورية، فلنتقاتل هناك، وليس هنا".
حين تدخّل حزب الله في سورية العام 2013، كان هدفه الرئيس الحفاظ على الاستقرار في لبنان، في الوقت نفسه الذي كان يقاتل ضد ما يعتبره حرباً وجودية على مرمى حجر من بلده. وهو اعتبر الحرب في سورية بمثابة تهديد كبير له، لأن الرئيس السوري بشار الأسد كان الحليف الإقليمي الأهم للحزب وإيران. هذا علاوة على أن سورية هي المعبر الأساسي للمساعدات العسكرية الإيرانية لحزب الله، وهي واصلت لعب هذا الدور على رغم الضغوط الإقليمية والدولية عليها. وبالتالي، فإن الخوف من إطاحة حكومة الأسد، بما قد يتضمنه ذلك من قطع المساعدات، كان من شأنه ضعضعة الحزب في لبنان وفي المنطقة الأوسع، وربما على نحو خطير. وهكذا محصلة كانت ستُجبر حزب الله على تبنّي مستقبل من دون أسلحة.

ارتفاع وتائر العنف

أثار تدخل حزب الله في سورية زوبعة في لبنان. فمعظم السنّة اللبنانيين دعموا المعارضة السورية، فيما ساند حزب الله حكومة الأسد، وهذا ما فاقم الشرخ الاستقطابي بين السنّة والشيعة. ثم ان العديد من اللبنانيين اعتبروا تدخل حزب الله في سورية خرقاً لـ"إعلان بعبدا" الذي وَقّع في حزيران/يونيو 2012، وتمّت صياغته بعد جلسات الحوار الوطني في قصر الرئاسة اللبناني. كان هدف هذا الإعلان النأي بلبنان عن النزاعات الإقليمية، لكن لم يكن له في الواقع تأثير يُذكر على الأحزاب اللبنانية المُتورطة في سورية. ووفقاً للرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان، الذي ترأس جلسات الحوار، "لم يبلغ حزب الله الحكومة مسبقاً عن تدخله في سورية، على رغم الحقيقة بأنه وافق على إعلان بعبدا".2
أدّت تداعيات العنف في سورية إلى إحياء مشاعر البغضاء في مدينة طرابلس الشمالية اللبنانية، وإلى اندلاع جولات من القتال بين المُتشددين العلويين المؤيدين للأسد في جبل محسن وبين المُتشددين السنّة الداعمين للتمرّد السوري في حي باب التبانة المُجاور. وفي جنوب لبنان، أعلن أحمد الأسير، وهو رجل دين سنّي ناري المزاج ومتعاطف مع الانتفاضة السورية، معارضته لحزب الله والحكومة السورية في دمشق. وهو واجه حزب الله من خلال تنظيم اعتصامات في الطريق الرئيس الذي يربط بيروت بمعاقل حزب الله في جنوب لبنان. حظيت حركة الأسير بالدعم في صفوف السنّة في كل انحاء لبنان. وفي نيسان/أبريل 2013، وفيما انخراط حزب الله في القصير كان يتوالى فصولا، أعلن الأسير ورجل دين من شمال لبنان يُدعى الشيخ سالم الرفاعي أنهما سيرسلان أسلحة ومقاتلين لخوض المعارك في تلك المدينة. وبعدها بأيام، وفي تصعيد جديد، نُشرت صور للأسير وهو يتمنطق السلاح. وفي حزيران/يونيو 2013، اندلعت مجابهات بين أنصار الأسير وبين الجيش اللبناني في عبرا، إحدى ضواحي صيدا، اتُّهِمَ فيها حزب الله بالمشاركة في العملية ضد الأسير. وقد انتهت هذه المعركة بفرار هذا الأخير، ثم اعتقاله لاحقاً حين كان يحاول مغادرة بيروت في آب/أغسطس 2015.
في ذلك الوقت، وقعت سلسلة من التفجيرات الدموية في لبنان. وعلى رغم أن الأهداف وراء هذه الاعتداءت كانت مختلفة للغاية، إلا أنها أكّدت أن الوضع الأمني بدأ يتحلل على جناح السرعة. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2012، قُتِلَ وسام الحسن، مدير جهاز فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي ونصير سعد الحريري الذي سيُصبح لاحقاً رئيس حكومة لبنان، بانفجار سيارة ملغومة في شرق بيروت. وفي تموز/يوليو، هزّ انفجار آخر شارعاً مزدحماً في حي بئر العبد، الذي يُعتبر معقلاً لحزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية، كم استهدفت تفجيرات أخرى مدينة طرابلس، وجرى اغتيال وزير سابق هو محمد شطح في وسط بيروت في كانون الأول/ديسمبر 2013.
ما لبثت كل هذه الأحداث أن دخلت منعطفاً جديداً وأكثر سوءاً في آب/أغسطس 2014، حين قام تنظيم الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً وجبهة النصرة بهجوم على مواقع الجيش اللبناني في سهل البقاع، وبالتحديد في بلدة عرسال قرب الحدود السورية. قُتل أو خُطف في هذا الهجوم جنود لبنانيون عدة، ثم أُطلق سراح بعضهم في عملية تبادل أسرى مع جبهة النصرة. ولاحقا، تمّت استعادة جثامين جنود آخرين خطفهم تنظيم الدولة الإسلامية بعد عملية عسكرية في آب/أغسطس 2017، قاتل فيها الجيش اللبناني، ومعه حزب الله ضمنا، جنباً إلى جنب.

صخب سياسي وسخط شعبي

جاء هذا الوضع الأمني اللبناني المُلتهب في خضم صخب سياسي عارم. ففي آذار/مارس 2013، قدّم رئيس الحكومة نجيب ميقاتي استقالته غداة خلافات حول عملية تعيين سياسية، وبعدها ولشهور عدة، حكمت لبنان حكومة تصريف أعمال. أختير تمام سلام كمرشح إجماع للحلول مكان ميقاتي في نيسان/أبريل 2013، لكنه لم يستطع تشكيل الحكومة حتى شباط/فبراير 2014. السبب الظاهري لهذا التأخير كان تباين وجهات النظر بين مختلف الأفرقاء حول توزيع المناصب الوزارية، لكن السبب يعود أساساً في الحقيقة إلى الحرب السورية. فحزب الله سعى إلى حكومة لا تتبنى مواقف متناقضة مع موقفه حيال سورية، فيما كان تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري يراهن على أن التدخلات الأجنبية ستؤدي إلى دحرجة رأس بشار الأسد.
في الفترة بين 2013 و2016، عانى لبنان من فراغ سياسي ومن الصراع بين مختلف الأطراف لتحديد الجهة التي يجب أن تملأ هذا الفراغ. وفي أيار/مايو 2014، وبعد ثلاثة أشهر فقط من تشكيل حكومة سلام، انتهت فترة ولاية الرئيس سليمان من دون وجود اتفاق بين القوى السياسية اللبنانية الرئيسة على الشخصية التي تخلفه. هذا الفراغ الجديد دفع البرلمان إلى التمديد لنفسه للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية العام 1990. كان مرشح حزب الله الوحيد ميشال عون، القائد السابق للجيش الذي يترأس التيار الوطني الحر وتكتل التغيير والإصلاح النيابي. وفي سبيل إيصاله إلى سدة الرئاسة، قاطع حزب الله وحلفاؤه الجلسات البرلمانية التي كانت تعقد لانتخاب الرئيس، ومدّد أمد الفراغ بهدف الضغط على خصومه لقبول ترشيح عون. وقد أنحى الرئيس السابق سليمان باللائمة على عملية انخراط حزب الله في لجج الأزمة السورية قائلا: "أشعل تدخل حزب الله خلافات بين اللبنانيين، ما أسفر عن الوجود الفوضوي للاجئين، وعن تمديد عمر حكومة تصريف الأعمال ومعه الفراغ الرئاسي لمدة سنتين ونصف السنة".3
على رغم الخلافات حول انخراط حزب الله في سورية، إلا أن الحزب كان قادراً على دفع مساعيه قدماً كي يكون صانع الرؤساء. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2016، (وبعد 29 شهراً من التأزم) تمّ انتخاب عون، بعد أن دعم الحريري، الذي كان خصماً لعون، ترشيح هذا الأخير، في مقابل تسنّمه هو رئاسة الحكومة. بيد أن خطوات حزب الله هذه أجبرته على إعادة النظر في تموضعه الداخلي في لبنان، حتى حين كان خصومه يغيّرون توجهاتهم ويطالبون بانسحاب حزب الله من سورية، بدل الدعوة إلى نزع سلاحه.
تزامنت هذه المناورات السياسية مع تصاعد الاستياء الشعبي من أداء الحكومة اللبنانية. فحين نزل المواطنون إلى الشارعفي شهر آب/أغسطس 2015 احتجاجاً على فشل الحكومة في حلّ أزمة النفايات في البلاد، كان حزب الله ونوّابه من جملة الذين طالتهم تنديدات المتظاهرين. لكن التظاهرات انتهت من دون حدوث أي تغيير يُذكر، لكن السخط الشعبي تواصل من القوى السياسية الكُبرى في البلاد. وهكذا، فوجئ حزب الله بردّة فعل الناخبين في الانتخابات البلدية التي جرت في أيار/مايو، إذ فازت اللائحة المدعومة من الحزب بفارق بسيط فقط في مدينة بعلبك التي تُعدّ أحد معاقله، فيما حصد خصومهنسبة 46 في المئة من الأصوات. وشكّلت هذه النتيجة الانتخابية مؤشّراً على استياء الناخبين من أداء الحزب في الحكم المحلي.
بقي هذا الاستياء سائداً في الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية للعام 2018، بيد أن نصر الله تطرّق إلى هذه المسألة، متعهّداً انتهاج مقاربة مختلفة عَقِب الانتخابات. وهو توجّه تحديداً إلى الناخبين بالقول إن الحزب سيضع مكافحة الفساد في أولوياته، وأنه سيتابع هذا القضية شخصياً. ووفقاً لهذه الحملة العامة، سيطالب حزب الله على الأرجح بدور فعّال أكثر في الحكومة. وتعهّد نصر الله أيضاً بأن يعمل نوّاب الحزب "على تحقيق الإصلاح السياسي والإداري في الدولة".
سمحت نتائج انتخابات العام 2018 لحزب الله بتعزيز تكتّله، إذ حصد هو وحلفاؤه ما يربو على نصف مقاعد البرلمان. لكن التكليف الذي منحه الناخبون إلى حزب الله استند إلى أجندة الحزب الإقليمية وليس إلى إنجازاته المحلية. وفيما لم يفُز حزب الله سوى بمقعد إضافي واحد، إلا أن مجرّد الحفاظ على جميع مقاعده وحصْد مقعد إضافي اعتُبر نجاحاً نسبياً، نظراً إلى اعتماد نظام التمثيل النسبي في لبنان. وقد أُبلغت القاعدة الشعبية للحزب مراراً بأن خسارة مقاعد إضافية، سيشي على الأرجح بأن المقاومة التي يمثّلها حزب الله تخسر لصالح خصومه. وفي 1 أيار/مايو، ألقى نصر الله خطاباً في بعلبك رسم فيه روابط تحريضية بين خصومه السياسيين والمملكة العربية السعودية، مُدرجاً بذلك المعركة الانتخابية في سياق إقليمي. وخوفاً من أن تكون نسبة المشاركة في الانتخابات منخفضة، ما قد يؤثّر سلباً على الحزب، شدّد نصر الله مراراً على المخاطر المُحدقة بالبيئة المقاومة الحاضنة لحزب الله، في محاولةٍ لحثّ الناخبين غير المتحمّسين على الإدلاء بأصواتهم.

تحديات بلورة أجندة محلية

ماذا قد يحمل المستقبل لحزب الله؟ قد يؤدي الانخراط المتزايد للحزب في شؤون الحوكمة المحلية إلى تحوّل في أهدافه. فبعد عقود من التركيز على المسائل الأمنية – كالتصدّي إلى التهديدات الإسرائيلية وإنقاذ الحكومة السورية من الانهيار، ومساعدة الفصائل العراقية ضد الولايات المتحدة أولاً، ثم ضد تنظيم الدولة الإسلامية ثانياً – سيسعى حزب الله على الأرجح إلى تحسين خدمات الدولة، وتحقيق استقرار المالية العامة للحكومة، وتحفيز النمو في المناطق، وقيادة دفّة الإصلاح الإداري. وسيتعيّن على خطاب الحزب وكوادره التكيّف مع هذه المهام والأولويات الجديدة لتلبية توقّعات الناخبين.
ثمة مسألة مهمة أخرى تتمحور حول مدى قدرة حزب الله على صياغة سياسات اجتماعية واقتصادية، كفيلة بتلبية حاجات قاعدته الشعبية التي تتجاوز أعضاء الحزب وأسرهم. قد تكون هذه المهمة أصعب بكثير من الانخراط في صراعات إقليمية، لأن الغاية من إنشاء حزب الله لم تكن صياغة مثل هذه السياسات، بل هو أُنشِئ على أساس رؤية إيديولوجية لم تتضمّن قط مقاربة محلية لمسائل اجتماعية واقتصادية، ناهيك عن بلورة رؤية مناسبة لدولة طائفية منقسمة كلبنان، حيث لاتشكّل أي طائفة أغلبية حقيقية.
بيد أن الوفاء بالوعود الانتخابية التي قطعها حزب الله، يثير معضلات خطيرة بالنسبة إليه. فمن جهة، سيجد حزب الله صعوبة في صياغة نموذج حكم يلائم مقاييس التعقيدات اللبنانية. ولاتقتصر المسألة على ذلك، فالاندماج الأكبر للحزب داخل نظام الحكم في لبنان، سيعني التبنّي التام للعبة السياسية في البلاد، مع ما يتضمنه ذلك من تسويات انتهازية، أي نوع من أنواع المراوغة والتحايل التي قد تجعل من الصعب الوفاء بوعد القضاء على الفساد. هنا يجد الحزب نفسه أساساً أمام أسئلة تتعلق بالتزامه الأكبر بالقضايا المحلية، من دون أن تتوافر لديه إجابات سهلة. ولمعالجة مثل هذه المسائل، قد يقرّر حزب الله الاستثمار بشكل أكبر في صياغة السياسات، سواء من خلال تأسيس مراكز أبحاث السياسات أو توظيف متخصصين في المجال.
ويتمحور سؤال شائك آخر في ماتعنيه المحفظة المحلية المتوسعة للحزب بالنسبة إلى دوره الإقليمي. وسيواصل حزب الله مواجهة ضغوط بين أولوياته داخل البلاد وخارجها، طالما أن مشاركته في الصراعات وأنشطته الأخرى في جميع أنحاء الشرق الأوسط تؤثّر على مستوى معيشة قاعدته الانتخابية الشيعية. وتبقى الإجابة عما إذا كان الحزب يمتلك الحرية للحدّ من تدخّله في الخارج والتركيز على مجتمعه المحلي، بعيدة كل البعد عن أن تكون أكيدة. فالبنية التأسيسية لحزب الله قد لاتسمح له بالتأقلم بنجاح مع مسائل الحوكمة المحلية أو حتى القضايا الطائفية. ونجد من الصعوبة بمكان أن نتخيّل تخلّي الحزب عن دوره الإقليمي، ما قد يؤثر على علاقاته مع الممولين الإيرانيين الرئيسين. وعلى الرغم من هذه التوترات، سيبقى مستقبل الحزب مرهوناً إلى حدّ كبير بقدرته على الموازنة بين مطالب أجندته المحلية والخارجية. ومثل هذا التوازن يجب أن يتضمن تمكين حزب الله من الاحتفاظ بدعم الناخبين الشيعة المحليين، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات استراتيجية مع طهران.

السياسات التوازنية لحزب الله

في الواقع، ليست الخطوات التوازنية لحزب الله بالشيء الجديد تماماً. يكفي أن نقارن كيفية عمل حزب الله في الثمانينيات، حين كان مُستقلاً بشكل كامل عن النظام السياسي اللبناني، بالطريقة التي عمل بها في التسعينيات، عندما قام بترشيح عناصر منه إلى البرلمان. وقد سمح هذا التطوّر تدريجياً لحزب الله باتخاذ قرارات أفضل استناداً إلى المعايير المحلية، وتجلّى ذلك في سعي الحزب إلى التمتّع بشرعية أكبر داخل الدولة اللبنانية، على الرغم من شكوكه المتعلقة بالنظام السياسي للبلاد. ومنذ تسعينيات القرن المنصرم، تسارعت عملية إعادة التوجيه هذه نحو الشؤون المحلية. وبالنظر إلى أن نوّاب حزب الله وحلفائه يحظون حالياً بالأغلبية، سيُولي الحزب على الأرجح أهمية أكبر للمشاغل المحلية اللبنانية، ولن يتخذ في الوقت نفسه أو يسمح بأي إجراءات من شأنها تقويض الاستقرار المحلي.
يدرك حزب الله تمام الإدراك أنه، من دون وجود جبهة محلية قوية، لايمكنه المضي قدماً في أجندته الإقليمية. لذا، يتعيّن على الحزب، إلى حدّ ما، مجابهة التحديات الداخلية الحسّاسة مع الأطراف السياسية اللبنانية الأخرى. ومثل هذه الضرورة قد تطرح مشاكل للحزب لأن شعاراته الدينية والإيديولوجية سيكون لها تأثير محدود إذا مافشل في الحدّ من الفساد أو تورط أعضاؤه في أخطاء حكومية. وستبرز المخاطرة نفسها في حال قرّر نصر الله مكافحة الفساد بأسلوب قد يوتّر تحالفات حزب الله المحلية مع شركاء مثل حركة أمل. كما قد يترتّب على ذلك عواقب وخيمة بالنية إلى مسآلة التزام هؤلاء الحلفاء بأهداف حزب الله؛ هذا في حين أن تراجع الحزب عن المواجهة قد يثير في وجهه مشكلات خطيرة تتعلق بمصداقيته.
لسنوات طوال، تعهّد حزب الله لأنصاره بأنه سيفوز في كل المعارك التي سيخوضها، وآخرها في سورية. لكن في حالة لبنان، لايقتصر اختبار حزب الله على البنادق والصواريخ، بل على مدى قدرته على عبور حقول الألغام السياسية.
علي هاشم مراسل متخصص في الشؤون الإيرانية لدى BBC World Service. كما أنه مساهم في موقع المونيتور، ونُشرت له مقالات أيضاً في صحف ومجلات على غرار the Guardian، وthe Sunday Times، وthe National، والمجلة اليابانية Facta.

هوامش

1 مقابلة أجراها المؤلّف مع مسؤول بارز في حماس، بيروت، آب/أغسطس 2017.
2 مقابلة أجراها المؤلّف مع الرئيس السابق ميشال سليمان، بيروت، 6 كانون الأول/ديسمبر 2017.
3 المصدر السابق.

Friday, October 19, 2018

لبنان والعاصفة المالية الكبرى

لبنان والعاصفة المالية الكبرى

لبنان والعاصفة المالية الكبرى


  • منى علمي
فيما تتزايد ديون لبنان وتعاني ركائزه الاقتصادية التقليدية من الركود، قد يدفع تراجع التحويلات من الخليج بالبلاد نحو الإفلاس.



في المؤتمر الاقتصادي الذي نظّمته مؤسسة المديرين التنفيذيين الماليين الدوليين اللبنانيين (LIFE) في السابع من آب/أغسطس الماضي تحت عنوان "أمل أو ظلمة"، والذي ضمّ خبراء اقتصاديين ومسؤولين في الحكومة اللبنانية، بدت السردية التي عرضتها الدولة اللبنانية أقرب إلى العبثية. فقد أطلق مستشارون حكوميون ونواب توقعات اقتصادية وتطمينات غير مقنعة، والتي أظهرت كلها انفصالاً عن المؤشرات الواضحة للكارثة الاقتصادية التي تلوح في الأفق. اللافت، إلى جانب المشكلات المالية الأبعد مدى، قد يؤدّي الانخفاض المحتمل في التحويلات من الخليج إلى إضعاف إضافي لقدرة المصارف على الاستمرار في تمويل الدين العام.
يتخبّط الاقتصاد اللبناني في المشقّات. فقد ظل النمو السنوي عند حدود 1 إلى 1.5 في المئة على امتداد العامَين 2017 و2018، وهي مسألة بعيدة المدى مرتبطة بالحرب السورية التي تسبّبت بتراجع الصادرات واشتداد مخاوف المستثمرين من عدم الاستقرار. إنه انخفاض كبير بالمقارنة مع نسبة النمو التي تراوحت من 8 إلى 10 في المئة قبل العام 2011. غير أن هذا النمو الضئيل يبدو غير ذي أهمية أمام معدل نمو الديون، الذي يُقدَّر بـ7.5 في المئة منذ أيار/مايو 2018، ما يعني أن لبنان لن يتمكن من تسديد ديونه عن طريق النمو الاقتصادي فقط. وهكذا أصبح معدل الدين إلى إجمالي الناتج المحلي في لبنان 157 في المئة اعتباراً من نيسان/أبريل 2018، وهو خامس أعلى معدّل في العالم. علاوةً على ذلك، فيما يعجز لبنان عن تسديد دينه العام – الذي بلغ 81.5 مليار دولار في شباط/فبراير 2018 – تُسجّل فوائد الدين ارتفاعاً ما يتسبّب باتساع العجز المالي الذي يُقدَّر حالياً بأكثر من 8.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.1  
حتى وزير المال علي حسن خليل المعروف عادةً بحفاظه على رباطة جأشه، حذّر، في نيسان/أبريل، من أن الدين العام في لبنان يشكّل تهديداً أكبر من الوضع الأمني في البلاد. وقد اتخذت المصارف خطوات للتخفيف من هذا الخطر، لا سيما عبر السعي إلى منع هروب الرساميل والحفاظ على المستوى الراهن من الودائع بالعملات الأجنبية عبر صك أموال إضافية لتمويل الديون – ما يخفف من الديون لكنه يتسبّب بتفاقم التضخم.2 بغية تشجيع الأشخاص على الادخار، ازداد متوسط أسعار الفوائد على الودائع بالليرة اللبنانية 95 نقطة أساس بين شباط/فبراير 2017 وشباط/فبراير 2018، لتبلغ نحو 7 في المئة. لا يؤدّي ذلك إلى ضخ مزيد من الأموال في المصرف المركزي وحسب، إنما يُثني أيضاً عن الإنفاق المرتفع الذي من شأنه أن يساهم في زيادة الواردات وبالتالي استنفاد مستويات الاحتياطي بالعملات الأجنبية. لكن في حال سجّلت معدلات الودائع ارتفاعاً شديداً، فسوف يُفضي ذلك أيضاً إلى زيادة التضخم وثني الشركات الجديدة عن أخذ قروض من شأنها أن تحفّز النمو الاقتصادي الذي يشكّل حاجة ماسّة. وقد عمد المصرف المركزي إلى التشدد في شروط الإقراض، رداً على ارتفاع معدلات القروض المتعثّرة السداد الذي يشكّل انعكاساً للتخلف عن تسديد الديون.
لقد أحدث عدم الوصول إلى القروض، فضلاً عن تراجع ثقة المستثمرين الأجانب بالاقتصاد اللبناني، تأثيراً لافتاً على القطاع العقاري الذي يُعتبَر من الركائز الاقتصادية في البلاد. فهذا القطاع يسجّل تراجعاً مطرداً في غياب الوصول السهل إلى القروض، إلى جانب الأزمات السياسية والاقتصادية السائدة التي تُثني عن الاستثمار في لبنان. لقد سجّل تشييد المباني الجديدة تباطؤاً دراماتيكياً: فقد تراجعت المساحة الإجمالية للأراضي التي سيتم تطويرها بموجب أذون البناء المسجّلة الجديدة بنسبة 23.9 في المئة في الفصل الثاني من العام 2018بالمقارنة مع الفترة نفسها في العام 2016. في مواجهة هذه الضغوط، أعلنت شركة "سايفكو" – وهي من كبريات الشركات العقارية اللبنانية، وتُقدَّر قيمة مشاريعها بمليارَي دولار أميركي – إفلاسها في أيار/مايو 2018.
وفقاً لتقرير صدر عن البنك الدولي في نيسان/أبريل 2018، تعود هذه المشكلات، في جزء منها، إلى تحديات التمويل البعيدة المدى، إنما أيضاً إلى الأزمة التي نشأت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بين السعودية ولبنان. ففي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تلا رئيس الوزراء سعد الحريري بياناً متلفزاً من الرياض أعلن فيه استقالته من منصبه، معللاً ذلك بالنفوذ الذي تمارسه إيران عن طريق حزب الله، والذي يجعل من الصعب عليه أداء مهامه من دون الخوف من التعرض للاغتيال. سرعان ما سلك الوضع منحى تصاعدياً مع توجيه اتهامات إلى السعودية بأنها تحتجز الحريري رهينة. فردّت السعودية بالتهديد بطرد الرعايا اللبنانيين الذين يعملون في المملكة ودول الخليج الأخرى، وسحبت استثماراتها من لبنان. ومن خلال التدخل الفرنسي، تمكّن الحريري وأسرته من مغادرة السعودية، وقد تراجع عن استقالته في الخامس من كانون الأول/ديسمبر ما أفضى إلى تهدئة الأوضاع، إلا أن التشنجات ظلت مرتفعة.
كذلك تؤثّر التشنجات بين السعودية ولبنان في التحويلات من الخارج. يساهم العمّال اللبنانيون في الخليج بنحو خُمس إجمالي الناتج المحلي اللبناني، ما يجعل منهم مصدراً حيوياً للودائع التي تستخدمها المصارف لشراء مزيد من الديون. لقد ساهم نحو 400000 مغترب لبناني في الخليج – نصفهم في السعودية – بما نسبته 43 في المئة3 إلى 60 في المئة من مجموع التحويلات في العام 2015، بيد أن مجموع التحويلات انخفض بنسبة 7 في المئة في العام 2017. ويُتوقَّع تسجيل تراجع إضافي هذا العام، فيما تقوم السعودية بإعادة هيكلة اقتصادية غير مسبوقة بموجب "رؤية المملكة 2030" من أجل تأمين مزيد من الوظائف للمواطنين السعوديين. يُشار في هذا السياق إلى أن الضرائب المتزايدة التي تُفرَض على أذون الإقامة الأجنبية في السعودية تُقلّل من الفرص الوظيفية المتاحة أمام اللبنانيين. كذلك تواجه دبي، الذي تشكّل وجهة أخرى للعمال اللبنانيين، تباطؤاً في النشاط الاقتصادي وارتفاعاً في البطالة الإجمالية، ما سيؤدّي إلى تراجع الفرص المتاحة أمام الرعايا الأجانب عموماً. على الرغم من أن التحويلات لا تزال تصل باطراد من المناطق الأخرى، إلا أن الأموال التي يجنيها العمّال اللبنانيون في الخليج ستستمر في التراجع على ضوء هذه النزعات.4
كذلك تؤثّر التشنجات في القطاع السياحي، الذي يُعتبَر أيضاً من القطاعات الأساسية التي تولّد إيرادات في لبنان. فقد كان أصلاً في حالة تراجع بسبب الهواجس الأمنية والأسعار المرتفعةالتي تعتمدها شركات الطيران والفنادق، بعدما كان قد بلغ الذروة مع 2.2 مليونَي زائر في العام 2010. ومنذ اندلاع التشنجات مع السعودية، سُجِّل أيضاً تراجع حاد في العائدات السياحية التي يولّدها الزوّار الخليجيون الذين ينفقون مبالغ مالية طائلة أثناء وجودهم في لبنان. فقد انخفض الإنفاق من قبل السياح السعوديين بنسبة 21.4 في المئة في النصف الأول من العام 2018 بالمقارنة مع الفترة نفسها في العام 2017. كما انخفض مجموع الزوار من السعودية بنسبة 21.1 في المئة بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، وتراجعت أعداد الزوار القادمين من الإمارات بنسبة 32.2 في المئة.
نظراً إلى أن القطاعات الثلاثة الأساسية التي تولّد إيرادات في لبنان – العقارات، والسياحة، والتحويلات المالية – هي في حالة تردٍّ خطير، إلى جانب الديون المرتفعة والثقة المتراجِعة بالقطاع المصرفي، قد يكون الإفلاس وشيكاً. ومن غير المرجّح أن تساهم المساعدات الدولية في تجنُّب الإفلاس، حتى في المدى القصير. في نيسان/أبريل 2018، تعهّد المانحون الدوليون في اجتماع عُقِد في باريس باستثمار أكثر من 11 مليار دولار في لبنان، لكنهم اشترطوا لصرف المساعدات تطبيق إصلاحات اقتصادية صارمة لا يمكن وضعها حيز التنفيذ من دون وجود حكومة فاعلة – والتي لا يزال تشكيلها متعثّراً بعد خمسة أشهر من إجراء الانتخابات النيابية، وذلك بسبب المشاحنات السياسية. كذلك خصّص البنك الدولي استثمارات قدرها 2.2 مليارَي دولار للبنان بغية إنفاقها على استحداث الوظائف، والخدمات الصحية، ومشاريع النقل التي تتطلب جميعها موافقة الحكومة قبل صرف الأموال.
لقد حاول رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الالتفاف على الموافقة الحكومية عبر تقديمه اقتراحاً، في 24 أيلول/سبتمبر، بأن يُسمَح لمجلس النواب بإقرار التشريعات الطارئة، لكنه لم يتمكن من وقف المشاحنات لفترة كافية من أجل مناقشة الاقتراح، فما بالكم بالتصويت عليه. في الوقت الراهن، يبدو أن النخبة السياسية هي أكثر تركيزاً على انتزاع حقائب وزارية مهمة في الحكومة المقبلة، مهما استغرق الأمر من وقت، بدلاً من التعجيل في عملية تشكيل الحكومة كي يتمكّنوا من العمل على تصحيح الاقتصاد. قال نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فريد بلحاج، متحدثاً عن غياب التقدم في موضوع الإصلاح الاقتصادي، في تموز/يوليو: "يتحدّى لبنان قوانين الجاذبية منذ بعض الوقت". يبدو أن لبنان سيدرك، في المستقبل القريب، أنه ليس بوسعه أن يهزم قوانين الجاذبية. والسبيل الوحيد لإنقاذ البلاد هو بناء المؤسسات السياسية، وفي شكل خاص تشكيل الحكومة التي تستطيع بدورها أن تُعطي الأولوية للإصلاحات.
* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.
منى علمي زميلة غير مقيمة في المجلس الأطلنطي ولدى المؤسسة البحثية Trends Research and Advisory. لمتابعتها عبر تويتر monaalami@

1. مقابلة عبر البريد الإلكتروني مع نسيب غبريل، كبير الخبراء الاقتصاديين لدى بنك بيبلوس، أيلول/سبتمبر 2018.
2. مقابلة مع مسؤول مصرفي يُفضّل عدم الكشف عن هويته، بيروت، أيلول/سبتمبر 2018.
3. مقابلة مع نسيب غبريل.
4. المرجع نفسه.