Wednesday, June 13, 2018

الأزمتين العراقية والسورية: التعريف والاستراتيجية

الأزمتين العراقية والسورية: التعريف والاستراتيجية

الأزمتين العراقية والسورية: التعريف والاستراتيجية


متاح أيضاً في English
06-06-18
تعود البدايات الأولى لنشأة الصراع السياسي في العالم الإسلامي بين العراق وسوريا إلى زمن الفتنة الكبرى، والصراع الثنائي على السلطة، بين مدرسة أولى بقيادة الإمام علي بن أبي طالب وثانية بقيادة معاوية بن أبي سفيان، وقد كان صراعا دموياً، أفرز خلافا سياسيا تاريخيا، ما زالت امتداداته إلى يومنا هذا، والمتمثلة في الخلاف السياسي الشيعي ـ السني، والصراع التركي ـ العربي ـ الإيراني. والحقيقة أن تعريف الصراع القائم حاليا في سوريا والعراق؛ على أنه صراع طائفي؛ هو تعريف سطحي وساذج، إذ أنه صراع يتسم بشكلين يتخذان من الغطاء الطائفي دعاية وتسويقا سياسيا لهما. فالشكل الأول يتمثل في الصراع بين المدرسة البعثية النازية ومدرسة الفاشية الإسلامية، وأما الشكل الثاني فيتمثل في الصراع الاجتماعي الطبقي. وكلا الشكلين يبرران صراعهما طائفيا، عبر وسائل الإعلام؛ لحشد وتجييش الجماهير والتلاعب بعقولها عاطفيا.
ففي العراق وبعد عام 2003، ولأول مرة في التاريخ السياسي للعراق؛ تتشارك الأحزاب الإسلامية الشيعية السنية معا، في انتخابات واحدة؛ لتصميم عملية سياسية جديدة، وكان هدفها الأسمى هو الحصول على مناصب سياسية. وفعلا، تشكلت أول حكومة عراقية منتخبة، تأتلف من إسلاميين شيعة وسنة، وقد كانت المناصب الرئيسة من نصيب الشيعة، مثل: رئاسة الوزراء ومناصب أمنية مهمة، في حين تمثل نصيب السنة في مناصب عليا، من أهمها: منصب نائب الرئيس، ونائب رئيس الوزراء فضلا عن وزارات أخرى مهمة. وبهذا يتضح لنا فعلا، أن الإسلاميين السنة والشيعة ليسوا في حقيقتهم سوى حلفاء يجمعهم طمع وحب المناصب الحكومية، وليسوا كما يظن البعض من أنهم أعداء، يحكمهم التنافس والصراع والخصومات السياسية. بل إن الواقع أثبت اتحادهم وتشابك مصالحهم ضد عدو واحد، والمتمثل في البعثيين أو المدرسة النازية البعثية، إذ أنهم كانوا وراء إصدار قانون اجتثاث البعث، في تصد مشترك لهذه المدرسة، وهو الأمر الذي يجسد مظهرا من مظاهر الصراع الحقيقي في العراق، بين مدرستين إسلاميتين: فاشية سنية شيعية في مقابل بعثية نازية، على عكس ما يروجه الإعلام من صراع بين الإسلاميين السنة والشيعة.   
ولقد اتخذ الصراع في العراق أيضا، صراعا طبقيا اجتماعيا، حيث شكل البعثيون طبقة أصحاب الشهادات العليا والدخل المالي العالي والوظائف الحكومية، نتيجة هيمنتهم على الحكم بالعراق لأكثر من أربعين سنة. أما الإسلاميون من السنة والشيعة فقد كانوا مستهدفين من البعث؛ لذا تخلفوا وأصبحوا بعيدين عن الوظائف والشهادات العلمية، كل ذلك ساهم في صناعة طبقتين اجتماعيتين في العراق: الطبقة العليا من البعثيين ذوي الدخل ومستوى التعليم العالي، في مقابل الطبقة الدنيا اجتماعيا وتعليميا، والتي تمثلت في الإسلاميين. وهذه المكونات نفسها نجدها تؤثث الصراع في سوريا، ولكن بشكل معكوس، فالطبقة الأولى تتمثل في الإسلاميين السنة، أي: المدرسة الإسلامية الفاشية، والتي تتمركز في الريف السوري، وهي التي أثارت غضب نظام الأسد الذي يمثل المدرسة البعثية النازية في المدينة. أي أن الثورة السورية التي تحولت لصراعات إقليمية، ومن ثم، دولية، لم تكن في أساسها إلا صراعا بين مدرستين فكريتين رجعيتين، مثلما هو الحال في العراق.
وأما من الناحية الطبقية، فإن الثوار الإسلاميين يتشكلون من سكان الريف والطبقات الاجتماعية والفلاحين ذوي الدخل المحدود، على عكس ذوي النفوذ والسلطة العلويين الشيعة الذي يمثلون الطبقات ذات الدخل المرتفع، والمحتكرة للوظائف العليا وللمجال التعليمي في دمشق وباقي المدن السورية الرئيسة.  وهذا ما يفسر سر دعم سنة دمشق من ذوي الطبقات العليا، لنظام الأسد ووقوفهم بالضد من سنة الريف المختلفين عنهم طبقيا. وبهذا يتضح لنا بأن الثورة السورية هي أيضا، ليست سوى مظهرا من مظاهر الصراع الطبقي، بين الطبقات الريفية والطبقات العليا من المجتمع السوري الذي يقوده الأسد.
إن كلا من الفكر البعثي والإسلامي في العراق وسوريا لم يصلا إلى الانهيار الشديد؛ مثل الذي وصلت إليه الشيوعية بعد فشلها. ويرجع ذلك إلى أنهما ليسا بأيديولوجيات سياسية، وإنما هما بمثابة فكر يمثل مجتمعات مرتبطة مع بعضها البعض، والتي تتخذ أحيانا أشكالا سياسية، ولكنها تبقى في النهاية، مجرد مجتمعات تتصارع بأشكال متعددة، تصل أحيانا إلى العنف. وهي مجتمعات تنقسم لطبقات اجتماعيه عليا ووسطيه ودنيا، وهذا ما يؤدي إلى صراع ذي شكلين: شكل اجتماعي مغلف بالمدرستين الإسلاموية والبعثية، وشكل طبقي يحتدم بين الطبقات العليا والدنيا، ويستحيل القضاء على هذا الوضع؛ لأن الأمر يحتاج في حد ذاته إلى القضاء كليا على المجتمعين العراقي والسوري، ولكن قد تكون الحلول الوسطية هي الأنجع؛ للتخفيف من هذا الصراع وتذويبه بالتدريج. 
هكذا يمكن القول أنه لا سبيل لانفراج الأزمتين العراقية والسورية؛ إلا بمقاربة تفهم أولا، طبيعة الصراع الذي لا يعتبر في الأساس صراعاً سنيا- شيعيا؛ رغم الدعاية لهذا التصور، وإنما هو صراع بين مدرستين سياسيتين تقليديتين مختلفتين، وهما ليستا بإيديولوجيات بقدر ما أنهما تمثيل لمجتمع ذي تقاليد اجتماعية متباينة بين الإسلامي والعلماني. وكلاهما يتسم بالتعصب والعنف. ومن أهم الحلول المنطقية لإنهاء هذا الصراع؛ هناك ثلاث خطوات:
الخطوة الأولى تتمثل في المصالحة بين المجتمع المتعصب بعثيا في العراق وبين النظام السياسي الإسلامي الشيعي والسني، أما الخطوة الثانية، فتتمثل في العمل على دعم الفكر الليبرالي في كلا الدولتين؛ مما سيساعد على ذوبان الأفكار الاجتماعية المتعصبة البعثية والإسلامية وتراجعها تدريجيا خاصة بعدما ستثبت فشلها أثناء سير عملية التغيير، وأما الخطوة الثالثة، فتتمثل في ضرورة استمرار الدعم الأمريكي لكلا الدولتين؛ حفاظا على استمرارية المصالحة المنشودة، وتثبيتا لأعمدة الاستقرار والسلام.

إيران ستُجنّب «حزب الله» من نزاعها مع إسرائيل، في الوقت الراهن

إيران ستُجنّب «حزب الله» من نزاعها مع إسرائيل، في الوقت الراهن
 إيران ستُجنّب «حزب الله» من نزاعها مع إسرائيل، في الوقت الراهن
 5 حزيران/يونيو 2018
وفقاً لتقارير وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة، خلصت بعض تقييمات بعض المسؤولين والعسكريين الإسرائيليين إلى أن «حزب الله» يحاول التحرر من سمعته كـ "دمية إيرانية". لكن هذه الادعاءات لا تشير بالضرورة إلى أن هذه الجماعة الإرهابية تسعى إلى الاستقلال فعلياً عن طهران: بل على العكس من ذلك، فقد أصبحت علاقتهما في السنوات القليلة الماضية أقرب من أي وقت مضى. وبدلاً من ذلك، تشير التقارير إلى أن الشريكيْن يحاولان عزل «حزب الله» عن النزاع الإقليمي الذي يلوح في الأفق بين إيران وإسرائيل.    
دور أكبر، اعتماد أكبر
منذ تدخل «حزب الله» للمرة الأولى في الحرب السورية، تم تغيير هويته. فقد تغيّرت قوته القتالية، وعلاقته مع الميليشيات الشيعية الأخرى، والديناميكيات ضمن قاعدة دعمه. بالإضافة إن ذلك، تولّى الحزب مسؤوليات إضافية مثل تجنيد وتدريب وقيادة مجموعات أخرى من المقاتلين في سوريا والعراق واليمن. وفي جوهره، تطور الحزب ليصبح الذراع الحيوي لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني و«فيلق القدس» التابع له، ليوفّر بذلك النسيج الضام لشبكةً متناميةً من الميليشيات الشيعية.
وقد أثبتت التحديات المرافقة صعوبتها بالنسبة إلى شاغلي المناصب العليا في «حزب الله»، حيث من المتوقع أن يتولى هؤلاء تدريب وقيادة قوة قتالية لديها مهام وأهداف جديدة. وفي ظل تطوّر دورها في المنطقة، أصبحت تتطلب تنسيق أوثق وبوتيرة أكبر مع قادة «الحرس الثوري الإسلامي».  
من مغنية إلى سليماني
عندما اغتيل القائد العسكري السابق لـ«حزب الله» عماد مغنية في دمشق عام 2008، خلفه شقيق زوجته مصطفى بدر الدين. لكن حين قُتل بدر الدين في عام 2016، لم يتمّ تعيين أي شخص آخر لشغل منصبه بشكل رسمي. وبدلاً من ذلك، أصبح قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني القائد العسكري المفترض لـ«حزب الله» والميليشيات الشيعية الأخرى التي تقاتل تحت إمرته.
وكانت علاقة «الحرس الثوري الإسلامي» مع مغنية مميزة للغاية. فقد عرفوه منذ أن كان مراهقاً ويكنون له احتراماً كبيراً. وقد خطط شخصياً ونفذ التفجيرات التي استهدفت السفارة الأمريكية ومقر القوات البحرية الأمريكية وغيرها من الأهداف في بيروت عام 1983، مما جعله رمزاً في الصراع ضد الغرب وإسرائيل. ودائماً ما أخذ صناع القرار الإيرانيون آرائه في عين الاعتبار عند صياغة أي سياسة خاصة بالمنطقة. واليوم، يتمتع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله وحده بهذا الامتياز - ولا يستطيع أي من القادة العسكريين في الجماعة أن يدّعي بأنه يحظى بهذا الشرف.   
ويُعزى هذا الوضع على الأرجح إلى واقع أن «حزب الله» فشل في إيجاد قائد يمكنه مضاهاة مهارات مغنية. فحتى بدر الدين لم يتمكن من ملء الفراغ الذي تركه مغنية. وفي الواقع، أفادت بعض التقارير أن مواجهاته العديدة مع سليماني بشأن مهمة «حزب الله» في سوريا أدّت إلى حدوث توتر خطير بين الاثنين استمر حتى اغتياله.
وبعد ذلك، قرّر سليماني على ما يبدو اعتماد مقاربة عملية مباشرة على نحو أكبر إزاء العمليات العسكرية لـ «حزب الله». وفي حين أصبح القادة المتمرسون مثل ابراهيم عقيل وفؤاد شكر وطلال حمية صلة الوصل بين سليماني والأجنحة العسكرية في «حزب الله»، إلا أنهم لا يتمتعون بالثقة والقدرات الاستشارية التي كان يتمتع بها مغنية. وعلاوةً على ذلك، لا يزال أحدث القادة في الجماعة يفتقرون إلى الخبرة العميقة والقدرات العملياتية.  
الالتزام بالولاء لخامنئي
قبل سنوات قليلة من بدء الحرب السورية بدأ يظهر الانتقال إلى إدارة إيرانية مباشرة بشكل أكبر. وقد جاء أحد المؤشرات على ذلك من الجهود الأخيرة لفرض عقوبات على إيران، التي كشفت أن تمويل البلاد لـ «حزب الله» قد ازداد خلال السنوات الست الماضية. وفي الشهر الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية قيوداً ماليةً على محافظ البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف بتهمة مساعدة «الحرس الثوري» الإيراني على تحويل مئات الملايين من الدولارات سراً إلى «حزب الله». ويُقال إنه استخدم "مصرف البلاد الإسلامي" في العراق للقيام بهذه التحويلات، مما دفع بوزارة الخزانة إلى استهداف المؤسسة وأكبر مسؤولَيْن تنفيذيَيْن فيها، إلى جانب مسؤول ارتباط بين «الحرس الثوري» و«حزب الله».       
وكان للاستثمارات المتزايدة آثار واضحة في لبنان، حيث فاز «حزب الله» وحلفاؤه السياسيون في الانتخابات النيابية التي جرت مؤخراً. ومن خلال التدخل في سوريا وأجزاء أخرى من المنطقة، كان «حزب الله» يردّ الجميل إلى إيران لقاء خدماتها السابقة، لكنه في خضم ذلك ربط نفسه بشكل أوثق بـ «الحرس الثوري الإسلامي».
فعلى سبيل المثال، نقل الموقع الإيراني المحافظ "فردا نيوز" في آذار/مارس الماضي عن نصرالله قوله إن حزبه تعهد بالولاء الكامل لآية الله علي خامنئي، وأن التزامه بالمرشد الأعلى للثورة الإسلامية يفوق التزامه بالدستور اللبناني. وحتى أن بعض التقارير قد أفادت أن نصرالله ذكر أنه عندما تُناقِش اللجنة المركزية في «حزب الله» قضية ما، فإنها تمتنع عن اتخاذ أي إجراء إذا اعتقدت أن خامنئي لن يرضى عنه. وفي حين ينفي «حزب الله» هذه التقارير، إلّا أنه سُمعت تصريحات مماثلة في مقابلات مع نائب نصرالله، نعيم قاسم، والقائد السابق لـ «الحرس الثوري» يحيى رحيم صفوي.
حدود الحرب بالوكالة في سوريا
في سوريا، أرادت إيران أموراً مختلفة من «حزب الله» في أوقات مختلفة. وتدعو عقيدة طهران القائمة على الحرب بالوكالة إلى نشر ميليشيات أجنبية تحت قيادة «فيلق القدس» - بدعم من عناصر متخصصة من القوات المسلحة الإيرانية - للتنافس عسكريا ضد الأعداء، ولكن دون التسبب باندلاع حروب شاملة تتطلب تدخله العسكري الكامل. وقد أظهر النصر المحقق في عام 2016 على جماعات المعارضة في حلب قوة هذه العقيدة في بعض الحالات. 
ومنذ ذلك الحين، يبدو أنه حدث تغيّر في استراتيجية إيران في سوريا. فمع هزيمة المعارضة تقريباً، أصبحت مهمة «فيلق القدس» تتمثل بإقامة قواعد دائمة في جميع أنحاء سوريا. وقد استأجرت إيران مساحةً لها في أكثر من 20 منشأة عسكرية سورية لتخزين مدافع «الحرس الثوري» وأسلحته المدرعة وطائراته بدون طيار وصواريخه البالستية وإيواء الميليشيات الأجنبية الوكيلة. كما نشرت طهران وحدات من القوات الخاصة في سوريا، لكل منها مستودعاتها الخاصة للأسلحة، ومدارجها ومنصاتها لإطلاق صواريخ. ومن ناحية أخرى، أقام «فيلق القدس» ممراً برياً لربط قواعد إمداداته في إيران بقواته في سوريا.
ومع ذلك، فإن الجهود الواضحة التي تبذلها طهران لترسيخ موطئ قدمها في سوريا على المدى الطويل أدت إلى مواجهات مباشرة مع إسرائيل، ومن شأن أي مواجهة أوسع نطاقاً أن ترغم «الحرس الثوري» على تخطي مقاربة الوكالة التي يعتمدها «فيلق القدس». فالصراع الإيراني-الإسرائيلي على الأرض السورية قد يتفاقم بسرعة ليتحول إلى حرب مفتوحة، حيث قد تضرب القوات الإسرائيلية أهدافاً داخل إيران والعكس بالعكس. ورغم أن «حزب الله» سيؤدي دوراً مهماً في مثل هذه الحرب، إلّا أن مشاركته ستكتسي أهميةً ثانويةً.
وفي مطلع أيار/مايو، أطلقت القوات الصاروخية التابعة لـ «الحرس الثوري الإسلامي» في سوريا نحو 20 صاروخاً باتجاه مواقع إسرائيلية في هضبة الجولان، في ردّ محدود على هجمات إسرائيل السابقة على المنشآت الإيرانية في سوريا. وبدا أن إطلاق الصواريخ كان يهدف، على الأقل جزئياً، إلى اختبار رد إسرائيل، الذي اتضح في النهاية أنه كان واسع النطاق وغير متكافئ، مما أدى إلى ضرب جميع منشآت «فيلق القدس» في سوريا تقريباً. ومن شأن إدخال «حزب الله» في مواجهة بين القوات النظامية الإيرانية والإسرائيلية أن يزيد بلا شك من فرص نشوب تصعيد خطير - علماً أن طهران غير مستعدةً حالياً لمثل هذا الصراع.
«حزب الله» كالسبيل الأخير
في الوقت الذي أصبحت فيه سوريا المسرح الرئيسي المحتمل للمواجهات بين إيران وإسرائيل، يبدو أن طهران توكل «حزب الله» بمهمة بسط سيطرة شبه كاملة على لبنان، وهو قاعدة أمامية حيوية بالنسبة للجمهورية الإسلامية. فقد جمع «حزب الله» أكثر من100,000  صاروخ وقذيفة على مر السنين، وهو يعلم كيف يستخدمها. كما أنه قادر على إطلاق 1200 صاروخ في اليوم ويمكنه استهداف جميع المراكز السكانية الرئيسية والمواقع الاستراتيجية الكبيرة في إسرائيل بدقة تقريباً.
ومن هذا المنطلق، يُعتبر «حزب الله» الأداة الأجنبية الأقوى بيد إيران في مواجهة إسرائيل - ولكنه أيضاً ملاذها الأخير. فلا يمكن التضحية بسيطرة الحزب على لبنان في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل في هذه المرحلة. وعلى الرغم من إمكانية استمرار العمليات السرية في الخارج، فمن المحتمل أن تمنع إيران «حزب الله» من الانتقام عسكرياً من سوريا أو لبنان. ومن المستبعد أن يتمّ استخدام الحزب بشكل مباشر إلى أن تشعر إيران بأنها بحاجة إلى بعث رسالة قوية إلى إسرائيل أو شن حرب شاملة.
وقد يتطلب ردع «حزب الله» من الانخراط على المدى الأطول أنواعاً مختلفة من الضغط. فالحزب يستمد قوته من وضعه الاجتماعي- السياسي في لبنان وعلاقته العسكرية الداخلية مع «الحرس الثوري». ويصعب خرق هذه العلاقة الأخيرة، لكن ذلك يعتمد جزئياً على الجسر البري الإيراني عبر العراق وسوريا ولبنان. إن قطع هذا الطريق سيجعل «حزب الله» أكثر عرضة للهجوم عسكرياً، ويجعل إيران أكثر حذراً بشأن إشراك الحزب في مغامرتها الخارجية القادمة. أما بالنسبة إلى الوضع الداخلي لـ «حزب الله»، فيبدو أنه أقوى من أي وقت مضى بعد الانتخابات الأخيرة، لكنه لا يزال عرضة للتحديات الاقتصادية والسياسية الداخلية التي يمكن استغلالها من خلال ممارسة ضغوط خارجية.

حنين غدار، صحفية وباحثة لبنانية مخضرمة، وزميلة زائرة في زمالة "فريدمان" في معهد واشنطن. نادر أوسكوي هو زميل زائر في معهد واشنطن ومستشار أقدم في مجال السياسات للقيادة المركزية الأمريكية.

نموذج إيران النووي: اليابان أو كوريا الشمالية؟

نموذج إيران النووي: اليابان أو كوريا الشمالية؟
المرصد السياسي 2978

نموذج إيران النووي: اليابان أو كوريا الشمالية؟

 8 حزيران/يونيو 2018
خلال الأسبوع الماضي، ردت إيران على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي من خلال التحذير من أنها ستكثّف بشكل ملحوظ جهودها لتخصيب اليورانيوم ما لم تستجب الأطراف الأخرى - أوروبا كما يُفترض - لمطالباتها بالتعويض. وقد أوعز المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى "منظمة الطاقة الذرية الإيرانية" بالبدء باستعدادات فورية لإنشاء 190 ألف وحدة عمل منفصلة، وهي وحدات معيارية لقياس إنتاج أجهزة الطرد المركزي من اليورانيوم. وعلى الرغم من تأكيده على أن هذه الخطوة لا تزال ضمن القيود المفروضة بموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة»، إلا أن هذا العدد يكاد يكون 40 مرة أكبر من قدرة إيران الحالية على التخصيب. وإذا نفذ النظام الإيراني تهديده، سيشكل ذلك خطوةً أخرى في استراتيجية طهران للوصول إلى العتبة النووية - القائمة على تطوير المواد الضرورية للأسلحة النووية بقدر الإمكان دون إنتاج الأسلحة المذكورة فعلياً أو بطريقة أخرى انتهاك سافر لنصوص الاتفاقيات الدولية.
وبالعودة إلى عام 2006، في ذروة الأزمة النووية الأولى بين إيران والغرب، حلل نائب وزير الخارجية الإيراني محسن أمين زاده استراتيجية طهران النووية الفاشلة في مقال افتتاحي سلط فيه الضوء على سبل المضي قدماً. وذكر أنه تعين على إيران الاختيار بين نموذجين مختلفين لمستقبلها النووي: اليابان أو كوريا الشمالية. ومن خلال التوقيع على «خطة العمل الشاملة المشتركة» في عام 2015، بدا أن طهران اختارت نموذج طوكيو لتصبح دولة على العتبة النووية على المدى الطويل. غير أن القرارات التي اتخذها الرئيس ترامب مؤخراً بالانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» ومتابعة المفاوضات النووية مع بيونغ يانغ قد تدفع بالقادة الإيرانيين إلى إعادة النظر في خيارهم.
نموذج اليابان: تنازلات قصيرة الأمد للحفاظ على موقعها على العتبة النووية
خلال العقدين الماضيين نظر مختلف المسؤولين الإيرانيين بحسد إلى مكانة اليابان على المستوى النووي. فمن وجهة نظرهم، نجحت طوكيو في اكتساب ثقة المجتمع الدولي وبناء دورة وقود نووي على الرغم من ماضيها العدائي. ومن خلال قيامها بذلك، أصبحت دولة على عتبة نووية قادرة بسرعة على إنتاج أسلحة نووية إذا ما رغبت في ذلك.
وكما وصفها أمين زاده في عام 2006، كان وضع اليابان على الصعيد النووي بعد الحرب العالمية الثانية مماثلاً لوضع إيران الحالي، لكن هذه الجزيرة بنت منذ ذلك الحين 55 محطة للطاقة الذرية. وفي عام 2009،  أكد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي أن اليابان "أمضت سنوات عديدة في بناء الثقة بعملها النووي... من دون تعليق أنشطتها [النووية]". وقد نقل سلفه، كمال خرازي، الفكرة نفسها في عام 2005، قائلاً "يمكن لمحطات الطاقة النووية السلمية في اليابان أن تمثل نموذجاً لإيران".
ومع ذلك، تغفل مثل هذه التصريحات بشكل ملائم الثمن الباهظ الذي دفعته طوكيو لكسب الثقة الدولية وجني الفوائد النووية. أولاً، اضطرت اليابان إلى إحداث تغيير جذري في سياستها الخارجية بعد الحرب، لتصبح قوةً في شرق آسيا بحكم الأمر الواقع، وحُرّمت دستورياً من المشاركة المستقبلية في النزاعات في الخارج. وفي المقابل، تواصل إيران تصدير ثورتها الإسلامية وزعزعة استقرار الحكومات في الشرق الأوسط وما يتخطاه.
ثانياً، أدت صدْمَتَيْ هيروشيما وناغازاكي إلى دفع اليابان إلى التعهد بعدم السعي قط إلى امتلاك أسلحة نووية - وفي الواقع، أصبحت من أبرز المنادين بنزع السلاح النووي. ولكن القادة الإيرانيين أمروا بتنفيذ أعمال التسليح [النووي] بشكل سري خلال السنوات الماضية، وحذر أحدهم على الأقل (الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني) في خطاب علني من تدمير إسرائيل المحتمل بالأسلحة النووية - وكل ذلك رغم صدور محظورات دينية ضد أسلحة الدمار الشامل وإبرام "معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية".
ثالثاً، كما أشار أمين زاده في مقالته، تعاونت طوكيو مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بحسن نية على مر السنين، وأزالت أي خوف من أنها قد تسعى للحصول على أسلحة نووية. وحاول المسؤولون الإيرانيون جعل المجتمع الدولي يؤمن بأنهم أيضاً يتعاونون بشكل كامل، لكن تقارير "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من الفترة 2011-2015 توضح بجلاء سعي طهران غير المشروع إلى امتلاك سلاح نووي. وفي الآونة الأخيرة، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إيران حافظت بشكل جاد على أرشيف كبير من بيانات التسلح [النووي لاستعمالها] في المستقبل، من خلال إخفائها عن مفتشي "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" لسنوات بعد الموافقة على «خطة العمل الشاملة المشتركة».
وبالفعل، كان قرار إيران بالتفاوض بشأن الاتفاق النووي وقبول القيود المؤقتة على برنامجها محاولةً واضحة لتحقيق المكاسب نفسها تماماً كاليابان، ولكن دون تبنّي أهداف طوكيو السلمية أو نفورها من أسلحة الدمار الشامل. وفي مقابلة تلفزيونية أجريت عام 2014، دافع مدير "منظمة الطاقة الذرية الإيرانية" علي أكبر صالحي عن الاتفاقية الإطارية التي سبقت «خطة العمل الشاملة المشتركة»، مدعياً أن برنامج إيران "سيكون مماثلاً لذلك [الذي اعتمدته] اليابان" بعد الاتفاق، وأن طهران سوف "تتمتع عندئذ بحقوقها وفقاً لـ «معاهدة منع الانتشار النووي»". لكن في حين سعت اليابان إلى امتلاك الطاقة النووية كهدف، إلّا أن إيران أظهرت مراراً وتكراراً أنها تعتبر هذه القدرات مجرد وسيلة لتحقيق قوة الردع النووية.
نموذج كوريا الشمالية: احتواء الردع النووي تحت الضغط
على الرغم من أن العديد من من المحافظين الإيرانيين مُعجبين على الأرجح بقدرة نظام كيم على إنتاج أسلحة نووية والحفاظ في الوقت نفسه على السلطة السياسية، إلّا أنهم حذرون دون شك من الثمن الذي دفعته بيونغ يانغ. فكوريا الشمالية هي إحدى أفقر المجتمعات وأكثرها استبداداً في العالم. ولا يتطلع المسؤولون الإيرانيون إلى التمثّل بوضعها الاقتصادي، ونظراً إلى فترات الاضطرابات الدورية التي تشهدها الجمهورية الإسلامية منذ ثورة عام 1979، قد يطرح اتباع المثال الكوري الشمالي خطراً كبيراً على الدعم الشعبي للمرشد الأعلى.    
ومع ذلك، فقد حث المتشددون البارزون النظام الإيراني مراراً على النظر في هذه الفكرة بالذات. وفي أعقاب التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية في عام 2006، نشرت صحيفة "كيهان" الإيرانية المحافظة للغاية افتتاحيةً ادّعت فيها أن قدرات بيونغ يانغ هي "نتيجة المقاومة في وجه... ضغوط كبيرة" من الولايات المتحدة. وخلصت المقالة إلى أنه إذا التزم أي بلد إلتزاماً راسخاً للحصول على أسلحة نووية، "سينجح في النهاية ... حتى إذا عارض العالم كله". كما أشادت صحف أخرى تابعة لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني بتحدي كوريا الشمالية لواشنطن، بينما زعم مركز للبحوث الدبلوماسية تابع لوزارة الخارجية في عام 2009 أن الدروس المستخلصة من بيونغ يانغ يمكن تطبيقها في الشرق الأوسط.
لكن رغم ذلك، قررت طهران كبح نفسها، على افتراض أن السبب يعزى إلى أن استراتيجيتها النووية نابعة من هدف أساسي يتمثل بالحفاظ على النظام مهما كان الثمن. ورغم الإشارة إلى المزايا الاستراتيجية لكوريا الشمالية (أي الانسحاب من "معاهدة حظر الانتشار النووي" وإنتاج سلاح لتحقيق الردع النووي)، اتخذت إيران مساراً آخر وهو اعتماد أجزاء من نموذج اليابان من خلال تطوير برنامج التخصيب والانخراط مع الغرب في الوقت نفسه، وموافقتها في وقت لاحق على «خطة العمل الشاملة المشتركة»، للتخفيف من العقوبات الاقتصادية الصارمة.
عودة معضلة إيران الآسيوية
يعتبر قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» وإعادة فرض العقوبات ضربةً كبيرة للمناصرين الإيرانيين للنموذج الياباني. فالرئيس روحاني يرزخ تحت وطأة ضغوط كبيرة يمارسها خامنئي وغيره من المحافظين الذين يلقون اللوم عليه بسبب دوره في السعي إلى التوصل إلى الاتفاق المذكور. وإذا عَجَز عن توفير الحلول للوضع الاقتصادي والسياسي الناتج في إيران، فقد يضغط بعض المتشددين على الحكومة لتنفيذ التحذيرات التي أصدرتها في الأشهر الأخيرة - أي الانسحاب من "معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية" إذا ما انسحبت واشنطن من «خطة العمل الشاملة المشتركة».
وفي الوقت نفسه، قرر الرئيس ترامب الاجتماع مع كيم جونغ أون (في الثاني عشر من حزيران/يونيو، وفقاً لما أُعلن حتى كتابة هذه السطور)، الأمر الذي أثار احتمال توصل الولايات المتحدة إلى اتفاق نووي مع بيونغ يانغ. ومثل هذه الاحتمالات قد تقنع طهران بأن واشنطن مستعدة أخيراً للموافقة على حكم النظام الكوري الشمالي، ومن المحتمل أن تدفع بعض المحافظين إلى الادعاء بأن السبيل الوحيد لمقاومة الغرب هو الحصول على أسلحة نووية والتفاوض من موقع قوة.
وبالتالي، ستكون الأشهر القليلة القادمة مهمة لمستقبل إيران، إذ سيتحتم على قادتها حسم موقفهم بين اتخاذ إجراءات قاسية لكبح الضغط الأمريكي أو لعب دور الضحية والاكتفاء باتخاذ إجراءات محدودة. وستشكل الديناميكات بين إيران وواشنطن وأوروبا - لاسيما احتمال الحصول على تعويضات اقتصادية من هذه الأخيرة - العامل الرئيسي في تحديد معالم هذا القرار. غير أن الأحداث الجارية في شرق آسيا قد تؤثر أيضاً على سلوك النظام الإيراني. وإذا أسفرت المفاوضات بين ترامب وكيم عن التوصل إلى اتفاق، ليس هناك شك بأن طهران ستدقق فيه عن كثب لتحديد ما إذا كان اعتماد استراتجية بيونغ يانغ يستحق المتابعة. وإذا قررت إيران أن تكون عنيدة، فقد تنتهج استراتيجية حافة الهاوية وتنسحب سراً من "معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية" أملاً في إعادة التفاوض حول شروطها مع المجتمع الدولي.

عومير كرمي هو مدير الاستخبارات في شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية "سيكسجيل" وزميل عسكري سابق في معهد واشنطن. وقد قاد سابقاً جهوداً تحليلية وبحثية في "جيش الدفاع الإسرائيلي" تتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط.

إعادة فرز الأصوات ستختبر نزاهة الانتخابات العراقية

إعادة فرز الأصوات ستختبر نزاهة الانتخابات العراقية
تنبيه سياسي

إعادة فرز الأصوات ستختبر نزاهة الانتخابات العراقية

 11 حزيران/يونيو 2018
تلاشى مؤخراً الانتعاش الوقتي الذي أحاط بانتخابات مجلس النواب العراقي التي جرت في 12 أيار/مايو وسط اندلاع أعمال عنف وادعاءات بحدوث عمليات تزوير واسعة النطاق. وقد حدثت انفجارات في مدينة الصدر ببغداد في 6 حزيران/يونيو، بينما أُضرمت النيران في مخازن للصناديق الانتخابية في 10 حزيران/يونيو. ووقعت هذه الحوادث في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تنظر في اتهامات بحدوث تلاعب في آلات التصويت الإلكترونية، وحشو صناديق الاقتراع، وتخويف الناخبين، وحصول أعمال رشوة، وسوء استخدام بطاقات هويات الناخبين.
وقد تجاهلت "المفوضية العليا المستقلة للانتخابات" شكاوى التزوير في البداية، لكن تحقيقاً أجراه مجلس الوزراء وجد أدلة كافية - تشمل وقوع جرائم جنائية محتملة - للدعوة إلى إعادة عملية الفرز اليدوية للانتخابات بصورة استطلاعية بنسبة 5 في المائة في محافظات معينة. وبعد ذلك، في 6 حزيران/يونيو، قام مجلس النواب بتعديل قانون الانتخابات من أجل فرض [القرارات] التالية:
• إلزام "المفوضية العليا المستقلة للانتخابات" بإﻋﺎدة العد والفرز اليدوي الكامل للأصوات ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺎت.
• إحلال قضاة معيّنين من قبل مجلس القضاء الأعلى محل المفوضين الحاليين لـ "المفوضية العليا المستقلة للانتخابات" (تتألف "المفوضية" من أشخاص معينين سياسياً).
• إلغاء جميع أوراق الاقتراع الغيابي في الخارج، فضلاً عن جميع النتائج التي أدلى بها رجال الأمن ومحطات الاقتراع في مخيمات النازحين.
وفي اليوم الذي سبق إصدار تعديلات مجلس النواب، دعت الحكومة إلى فرض حظر على سفر مسؤولي "المفوضية العليا" إلى جانب الأمر القاضي بإعادة الفرز اليدوي. وتشكك "المفوضية" الآن في دستورية خطوة السلطة التشريعية أمام المحكمة العليا.
ما هو الدليل؟
بدأ التحقيق الرئيسي في 25 أيار/مايو، عندما شكلت الحكومة لجنة تضم مسؤولين من وكالات التدقيق والاستخبارات العراقية للنظر في اتهامات التزوير. وعندما عرضت اللجنة نتائجها في 29 أيار/مايو، وصفها رئيس الوزراء حيدر العبادي بأنها انتهاكات "خطيرة". وكان أحد الاستنتاجات الأكثر إثارة للقلق هو عدم اختبار آلات التصويت الإلكترونية العراقية - التي لم تستخدمها الدولة من قبل - بشكل كاف ضد حدوث تلاعبات قبل يوم الانتخابات. ونتج عن ذلك تناقضات بين عمليات الاقتراع الفعلية وقراءات آلات العد الألكترونية، مما أشار إلى أن بعض الآلات كانت مُبرمجة مسبقاً لكي تٌنتج أصوات مزوّرة.
كما وجدت اللجنة أيضاً أنه قد تم رشوة بعض المسؤولين في "المفوضية العليا المستقلة للانتخابات" الذين أشرفوا على الانتخابات في الخارج من أجل تزوير نتائج الانتخابات من خلال حشو صناديق الاقتراع. وحتى أن بعض مراكز الاقتراع قد سجلت معدلات مشاركة بنسبة 100 في المائة - وهو إنجاز لم يكن ممكناً إلّا من خلال الحصول على بطاقات هوية بشكل غير قانوني لناخبين كانوا قد امتنعوا عن المشاركة في التصويت، والإدلاء بأصواتهم من خلال استعمال أسمائهم.
لماذا الأمر مهم
من شأن تجاهل الأدلة على تزوير الانتخابات أو تغطيتها أن يؤديان إلى اضمحلال الثقة في الانتخابات التي شابها بالفعل انخفاض قياسي في نسبة الإقبال، الأمر الذي يثير الشكوك حول شرعية الحكومة المقبلة. إن إعادة فرز الأصوات، رغم أنها محفوفة بالمخاطر في حد ذاتها، يمكن أن تبعث بعض الطمأنينة في النظام الانتخابي العراقي إذا أُجريت بشكل صحيح. إن تعزيز الثقة أمراً مهماً الآن لأن هناك عمليتي انتخاب إضافيتين تلوحان في الأفق: الانتخابات التي ستجريها «حكومة إقليم كردستان» في أيلول/سبتمبر، وانتخابات المحافظات المقرر إجراؤها في جميع أنحاء البلاد في كانون الأول/ديسمبر.
ويدعم كل من مجلس الوزراء والسلطة التشريعية إعادة فرز الأصوات، لذا من المرجح أن يتم العمل بها. وعلى أقل تقدير، ستؤدي هذه العملية إلى بعض التغيير في نتائج إحصاء الأصوات النهائي، وربما قد تكون كافية لتغيير النتائج في محافظات معينة.
ومع ذلك، فإن إعادة الفرز اليدوي ليست دواءً لكل داء، وعلى الرغم من أنها قد تمنع الاحتيال الإلكتروني، إلّا أنّها لن تكتشف المشاكل الأخرى مثل حشو صناديق الاقتراع وترهيب الناخبين. ويمكن أن يؤدي الحريق الذي وقع في مخازن الصناديق الانتخابية في 10 حزيران/يونيو إلى زيادة الحد من فعالية إعادة فرز الأصوات إذا تم تدمير أدلة حاسمة. بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت هناك تناقضات فاضحة بين القراءتين الآلية واليدوية، فمن المرجح أن تتجه البلاد نحو إجراء انتخابات جديدة، كما دعا إليها رئيس الوزراء السابق إياد علاوي وغيره من القادة السياسيين.
إن عملية إعادة الفرز تحمل أيضاَ مخاطر سياسية كبيرة. فقد تؤدي إلى تأخير عملية تشكيل الحكومة حتى عام 2019 وتُسبب المزيد من تفكك الأحزاب. كما يمكن أن ينتج عنها تغييرات كبيرة في النتائج المعلنة التي قد تنتهي بتقويض الائتلاف الشيعي العربي الذي يتزعمه مقتدى الصدر، وهو تطور سيؤدي بلا شك إلى تفاقم التوترات الطائفية والاضطرابات السياسية.
أما في «حكومة إقليم كردستان»، فقد قام «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و «الاتحاد الوطني الكردستاني» بالتشبث بالفعل [بمواقفهما المتعلقة بالانتخابات]. فقد قاطعا جلسة مجلس النواب التي صوتت لصالح إعادة فرز الأصوات ورفضا الأمر الذي صدر بإلغاء نتائج الاقتراع الخاص بقوات الأمن (حيث يكون تأثير محاباة الحزبين هو الأقوى إجمالاً). وقد تلجأ بعض العناصر إلى عمليات العنف إذا لا تسير العملية في صالحها - على سبيل المثال، عندما ذكرت وسائل الإعلام التابعة لـ «حزب غوران» - فصيل المعارضة في «حكومة إقليم كردستان» - احتمال حدوث تزوير في عملية التصويت قبل موعد الانتخابات بوقت قصير، هاجمت [عناصر من] «الاتحاد الوطني الكردستاني» مقر الحزب في السليمانية.
أما بالنسبة لإمكانية نشوب أعمال عنف أوسع نطاقاً على صعيد البلاد، فيبدو أن مثل هذه الاندلاعات تشكل تهديداً دائماً في العراق. فعلى الرغم من الإصلاحات الجارية بقطاع الأمن، إلّا أنّ العديد من القوات والميليشيات لا تزال تعمل خارج نطاق سيطرة الحكومة. وقد ساد الأمن خلال الانتخابات نفسها، ولكن التفجيرات التي وقعت في مدينة الصدر والحريق الذي طال مخازن الصناديق الانتخابية تُظهر مدى السهولة التي يمكن أن تصبح فيها بعض الجهات الفاعلة قوة مخربة - بغض النظر إذا كانت هذه الجهات أجنبية أم محلية.
ماذا نتوقع
من أجل الحد من هذه المخاطر واستعادة بعض الثقة في الديمقراطية العراقية، يجب إجراء عملية إعادة فرز الاصوات في أسرع وقت ممكن، ومع أقصى دعم دولي. وسيساعد المراقبون الأجانب غير المتحيزين على تعزيز الثقة في العملية - فمشاركة الأمم المتحدة أمر لا بد منه، وهو الحال مع الدعم الذي تقدمه المنظمات الشهيرة في الولايات المتحدة مثل "المعهد الجمهوري الدولي" و"المعهد الديمقراطي الوطني". إن إجراء انتخابات جديدة قد ينطوي على مخاطر أكبر؛ وستصبح فرص هذا السيناريو أكثر وضوحاً في الأيام القادمة، خاصة إذا ساهمت شخصيات بارزة مثل المرجع الشيعي آية الله السيد علي السيستاني في الإدلاء بملاحظات علنية.
وحيث تأخذ عملية إعادة فرز الأصوات مسارها، من المرجح أن يضطر العبادي وحكومته إلى التحول إلى [حكومة] تسيير أعمال في غياب هيئة تشريعية جديدة. ومن شأن أي قرارات يتخذها في الفترة الانتقالية أن تؤثر على فرصه في تأمين فترة ولاية ثانية.
ومن جانبهم، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يظلوا على الحياد في الوقت الذي يقدمون فيه للعبادي أي دعم يحتاجه لضمان المساءلة وسيادة القانون. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي عليهم مساعدة الجيش العراقي في التركيز على أمن المحافظات التي تم تحريرها مؤخراً من تنظيم «الدولة الإسلامية»، حيث كان تزوير الانتخابات منتشراً على نطاق واسع. ولا تستطيع هذه المحافظات على وجه الخصوص تحمّل المزيد من العنف. يجب على واشنطن أيضاً أن تُرسل إشارة إلى الحزبين الكرديين الحاكمين بأن العنف السياسي في شمال البلاد أمر غير مقبول.

بلال وهاب، زميل "ناثان واستير ك. واغنر" في معهد واشنطن.

مجلس الخليج العربي الجديد يعكس تغييراً في الاستراتيجية والقيادة

مجلس الخليج العربي الجديد يعكس تغييراً في الاستراتيجية والقيادة
 مجلس الخليج العربي الجديد يعكس تغييراً في الاستراتيجية والقيادة
 "ذي هيل"
11 حزيران/يونيو 2018
سيتبلور اسم مختصر جديد في الشرق الأوسط من المحتمل أن يحوّل السياسة الإقليمية. وفي حين لم يتم بعد إضفاء الطابع الرسمي عليه، إلّا أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قد أعلنتا في ٦ حزيران/يونيو عن تشكيل مجلس التنسيق السعودي الإماراتي.
وهذه المنظمة هي وليدة أفكار وليي عهد السعودية والإمارات القويين الأمير محمد بن سلمان والأمير محمد بن زايد. وفي هذا الصدد، اقترح أحد الأشخاص، الذي يتمتع بسرعة البديهة وخفة دم، من على موقع "تويتر" تسمية المجلس مو-مو-كو-كو"Mo-Mo-Co-Co"؛ ومن المؤكد أن هناك وقعاً مميزاً لهذا الاسم. ويبقى السؤال المطروح ماذا سيكون الاختصار الرسمي، وما الذي سيردده الناس.
وقد يكون المجلس الجديد بمثابة المسمار الأخير في نعش «مجلس التعاون الخليجي» الذي تأسس في عام ١٩٨١ كآلية لحماية الدول العربية المحافظة في الخليج العربي من التورط في "حرب الخليج الأولى" بين العراق وإيران، والتي نشبت في العام الذي سبق التأسيس واستمرت حتى عام ١٩٨٨.
وعموماً، أداردبّر «مجلس التعاون الخليجي» أموره على الرغم من أنه غالباً ما كان يبدو خارجاً عن نطاق السيطرة. ونجحت السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عُمان في تجنب التحوّل إلى جزء من الثورة الإسلامية في إيران. وقامت المجموعة بتغطية تحرير الكويت بعد أن غزا الرئيس العراقي صدام حسين هذه المشيخة الغنية بالنفط عام ١٩٩٠.
بيد، أصبحت دول «مجلس التعاون الخليجي» تعاني من ضغوط شديدة بسبب الخلاف الخليجي المستمر منذ عام بين قطر والدول المجاورة، أي السعودية والإمارات والبحرين - وجميعها دول حليفة للولايات المتحدة - إلى جانب مصر غير الخليجية. فهل أصبح هذا الانقسام، الذي بقيت فيه الكويت وسلطنة عمان على الحياد، دائمياً؟ وماذا سيمثّل زوال «مجلس التعاون الخليجي» بالنسبة إلى إيران التي هي قلق واشنطن الرئيسي في المنطقة، من حيث برنامج طهران النووي وبرنامجها الصاروخي وتدخلها في سوريا ولبنان واليمن والعراق؟
وكحكم مبدئي، يبدو أن مجلس التنسيق الجديد يعكس الصداقة المقربة بين الأميرين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد التي تطورت منذ أن تم مبايعة والد الأمير محمد بن سلمان ملكاً للسعودية في كانون الثاني/يناير ٢٠١٥. لكن يبدو أن العاهل السعودي يعتمد وجهة نظر عربية أكثر قومية لدور المملكة الإقليمي وقيادتها للعالم الإسلامي. (والجدير بالذكر أن الشقيق الأكبر للأمير محمد بن زايد، خليفة بن زايد، هو الرئيس الرسمي لدولة الإمارات العربية المتحدة وحاكم أغنى إمارة، لكنه في حالة صحيّة سيئة ونادراً ما يظهر في العلن).
وفي هذا الصدد، ذكرت صحيفة "عرب نيوز" السعودية التي تصدر باللغة الإنجليزية والمملوكة فعلياً لعائلة الملك سلمان أنّ: "المجلس يهدف إلى تعزيز المكانة السعودية -الإماراتية على الصعيد العالمي في عدد من المجالات، من بينها الاقتصاد والشؤون السياسية والتنمية البشرية والأمن، بالإضافة إلى ضمان رفاه المواطنين وسعادتهم". كما ذكرت "وكالة الأنباء السعودية" الرسمية أن رؤية الأميرين تُعرف باسم "استراتيجية العزم"، وتعطي مهلةً أمدها خمسة أعوام لتنفيذ برنامج يضم ما لا يقل عن ٤٤ مجال تعاون، من بينها تصنيع الأسلحة والتنسيق العسكري.
وكان من المفترض أن تجذب هذه الإشارة الأخيرة انتباه القطريين و"البنتاغون"، الذين ما زالوا يخشون هجوماً عسكرياً سعودياً و/أو إماراتياً مباشراً ضد قطر، حيث سَيَمر الطريق البري المباشر لغزو ناقلات الجنود المدرعة بالقرب من قاعدة "العديد" الجوية التي تستضيف وحدة مشاة "الجناح الجوي التابع للقوات الجوية الأمريكية" و١٠ آلاف فرد من المجندين الأمريكيين المنتمين إلى هذا الجناح. وعندما اندلع الصدع قبل عام، أطلقت القوات الأمريكية طائرة بدون طيار لمراقبة الحدود، وكانت المخاوف كبيرة للغاية.
وهناك أيضاً جوانب تاريخية للخلاف - الذي يمكن اختصاره في ١٣ مطلباً، من بينها وقف البث التحريضي، والدعم المزعوم للإرهاب والروابط مع إيران. كما أنّ أي تعاطف مع موقف قطر تعيقه أهداف خاصة مذهلة مثل دعوة الأمير تميم لداعية ذائع الصيت إلى تناول وجبة إفطار الأسبوع الماضي وتصريحات الرئيس التنفيذي لشركة "الخطوط الجوية القطرية" التي اتسمت بالتمييز بين الرجل والمرأة.
 وعندما قام وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بزيارة الرياض في نيسان/أبريل، استخدم مراسل صحيفة "نيويورك تايمز"، الذي كان على متن طائرته عبارة "طفح الكيل" لوصف وجهة النظر الأمريكية فيما يتعلق بالخلاف القطري. إلا أن مصادر متعددة أخبرت كاتب هذه السطور بأنه لم يتم ذكر قطر إطلاقاً حتى في عشاء العمل الذي عقده لاحقاً بومبيو مع الأمير محمد بن سلمان. ومن المفترض أن موضوع النقاش دار حول إيران.
وفي حين هناك اتصالات وثيقة بين الولايات المتحدة والأمير محمد بن سلمان، إلّا أنه لا يزال يتعين على الأمير محمد بن زايد إيجاد الوقت لقبول دعوة الرئيس ترامب لزيارة واشنطن هذا العام، على الرغم من أنه تعمّد الالتقاء في الشهر الماضي مع الرئيس بوتين في موسكو. ويُذكر أن الأمير محمد بن سلمان زار البيت الأبيض في آذار/مارس، بينما قام الأمير تميم بزيارته في نيسان/أبريل.
وفي حين من الصعب التكهن بالأحداث المستقبلية، إلّا أنه بإمكان المرء أن يكون على يقين إلى حد كبير في الوقت الحالي بأن شيئاً واحداً على الأقل لن يحدث، وهو اللقاء المؤجل والمزمع إجراؤه، وفقاً للجدول الحالي، في أيلول/سبتمبر لزعماء دول الخليج مع الرئيس ترامب ضمن قمة دول «مجلس التعاون الخليجي» في كامب ديفيد. ويحدو الأمل في أن تُسفر هذه القمة إلى حل الخلاف الخليجي أو على الأقل تحوّله إلى مشكلة يسهل التعامل معها.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن.

الميليشيات الإيرانية في مجلس النواب العراقي: النتائج السياسية والرد الأمريكي

الميليشيات الإيرانية في مجلس النواب العراقي: النتائج السياسية والرد الأمريكي
 الميليشيات الإيرانية في مجلس النواب العراقي: النتائج السياسية والرد الأمريكي
 11 حزيران/يونيو 2018
من بين الفائزين في انتخابات مجلس النواب العراقي التي أجريت في 12 أيار/مايو كانت «عصائب أهل الحق»، وهو أسرع فصيل صاعد ضمن ائتلاف قوي يضمّ الأحزاب العراقية الحليفة لإيران. وفي الأيام التي أعقبت الانتخابات، أقرّ المشرعون الأمريكيون مشروع قانون معدّل لتفويض الدفاع [الوطني] الذي مهد الطريق أمام وزارة الخزانة الأمريكية لفرض عقوبات مالية باهظة على الجماعة وغيرها من الوكلاء الإيرانيين المتهمين. ورغم أنها الخطوة الصحيحة الواجب اتخاذها، إلّا أنه لا بدّ من صياغة أي عقوبات بحذر ودقة وتوقيتها بشكل يحول دون أي ردود فعل معادية للولايات المتحدة خلال عملية تشكيل الحكومة الفوضوية أساساً في العراق.  
انهيار التحالف الإيراني
تشكّل «عصائب أهل الحق» جزءاً من "ائتلاف الفتح" ["تحالف الفتح"] الذي أحرز بين 40 و47 مقعداً في الشهر الماضي، أي نسبة تكفي لاحتلاله المركز الثاني بين كافة المتنافسين (بانتظار نتيجة إعادة فرز الأصوات المزمعة في العراق). وقد فازت «عصائب أهل الحق» بين 13 إلى 15 مقعداً من هذه المقاعد أو ما يقارب 30 في المائة من إجمالي مقاعد الائتلاف.    
ويتزعم هادي العامري "ائتلاف الفتح"، وهو قائد "منظمة بدر" التي يمكن القول إنها أقدم الجماعات الشيعية العراقية التابعة لإيران وأكبرها وأكثرها أهمية من الناحية الإيديولوجية والسياسية والدينية. ويتكون الائتلاف بشكل أساسي من جماعات تمّ تشكيلها على غرار نموذج الميليشيا/الحزب الذي لطالما استخدمه «حزب الله» في لبنان. وناهيك عن أنها تشكّل نواة «الحشد الشعبي»، تُعتبر هذه الجماعات أيضاً العناصر الأكثر نفوذاً ضمن التأثير الإيراني المباشر على الساحة السياسية العراقية.
وتشمل أحدث المكاسب الانتخابية التي حققها "ائتلاف الفتح" ما يلي:
  • إثنان وعشرين مقعداً لصالح "منظمة بدر"
  • ثلاثة عشر مقعداً لصالح «عصائب أهل الحق»، وهي جماعة منشقة خاضعة للسيطرة الإيرانية كانت مرتبطة سابقاً بمقتدى الصدر
  • ثلاثة مقاعد لصالح "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي"، الذي اضطلع في ما مضى بدور مهم في السياسة الشيعية إلى حين خروج زعيمه عمار الحكيم (انظر أدناه لمعرفة المزيد عن هذا الانشقاق)  
  • مقعدان لصالح "حركة الجهاد والبناء"، وهي حزب متجذر ضمن "منظمة بدر" ومقرب من "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي"
  • مقعدان لصالح "كتائب بابليون"، وهي جماعة مسيحية شكّلتها "كتائب الإمام علي" الخاضعة للسيطرة الإيرانية؛ وبالتالي حصل الحزب على مقعدين من أصل خمسة مقاعد مخصصة للمسيحيين العراقيين
  • مقعد واحد لصالح "كتائب سيد الشهداء"، وهي جماعة انفصلت عن «كتائب حزب الله» التي صنفتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية
  • مقعد واحد لصالح "حركة العراق الإسلامية" التي انشقت عن "حركة الدعوة" في أواخر ثمانينيات القرن الماضي وكانت جزءاً من "فيلق بدر" حتى عام 2003
  • مقعد واحد لصالح "تجمع الشبك الديمقراطي" التابع لـ"منظمة بدر" الذي يمثل الأقلية العرقية من الشبك شمالي العراق
 ويبرز توجهان واضحان من هذه النتائج: القفزة السريعة لـ «عصائب أهل الحق»، وهي أحد أكثر العناصر جموحاً ضمن "ائتلاف الفتح"، وعدم التقدّم المفاجئ لـ "منظمة بدر"، بعد أن بدت مستعدةً للتوسع.
مكاسب مفاجئة لعصائب أهل الحق
فاقت «عصائب أهل الحق» العديد من التوقعات، لا سيما بعد فوزها بمقعد واحد فقط في انتخابات عام 2014. يُذكر أن الجماعة متفرعة من الحركة الإسلامية الشعبية لمقتدى الصدر "سائرون" التي فازت بأكبر عدد من المقاعد في الشهر الماضي (بين 54 و 56 مقعداً). وكُلِّفت «عصائب أهل الحق»، التي تشكلت بين عاميْ 2006 و2007 بمساعدة «حزب الله»، بمهمة محاربة احتلال العراق الذي قادته الولايات المتحدة، ولاحقاً بإرسال آلاف المقاتلين إلى سوريا.   
وفي الوقت الحالي، يتراوح عدد مقاتلي الجماعة بين 7 و10 آلاف مقاتل، مجهزين بدبابات وعربات مدرعة خفيفة وقطع مدفعية قديمة وصواريخ وذخائر صاروخية يدوية الصنع. وفضلاً عن الحفاظ على موقفها المناهض للغرب، اتُهمت بارتكاب عمليات قتل وحشية في جميع أنحاء العراق ضد مواطنين من الشيعة أمثالها وضد طوائف أخرى.
ويتمثّل التلخيص الأكثر بروزاً لهذه الأسس في فوز حسن سالم، أحد مرشحي هذه الجماعة في دائرة بغداد الانتخابية، وهو قائد ميداني سابق في "جيش المهدي" الذي كان تابعاً لمقتدى الصدر [قبل تجميد أنشطة التنظيم]. وبعد أن أفادت التقارير عن إدارته عصابات قتل ("كتائب موت") طائفية بهذه الصفة، انضم إلى «عصائب أهل الحق» ليكون أحد أبرز قادة الميليشيات ويساعد في مساعي التعبئة الأولية للمشاركة في الحرب السورية.
ويمكن أن يُعزى النجاح الانتخابي الكبير للجماعة إلى عدة عوامل:
  • تمتعها بمهارات قتالية. تَعتبر «عصائب أهل الحق» أنها تنبأت بما سيحصل واتخذت إجراءات مبكرة وفعالة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» خلافاً لمقاربة التلكؤ التي انتهجتها الحكومة العراقية وإخفاقاتها العسكرية (مثل سقوط الموصل).
  • تنظميها حملات تركز على الرسائل الاستراتيجية. من خلال اتباعها نموذج شبكة تلفزيون "المنار" التابعة لـ «حزب الله» وعدد من المواقع الإلكترونية، أظهرت «عصائب أهل الحق» نهجاً احترافياً وحديثاً ومتنوعاً بشكل متزايد تجاه وسائل الإعلام. فقد عمدت الجماعة من خلال قناة "العهد" الفضائية الإعلامية التابعة لها، ومن خلال تركيز مساعيها المتقدمة في مجال وسائل التواصل الاجتماعي، إلى بثّ برامج منمقة واسعة النطاق ومقاطع فيديو موسيقية وغيرها من المنتجات تسخر من كل شيء اعتباراً من فساد النخبة ووصولاً إلى الأكراد. وتحرص بعض هذه البرامج على إظهار «عصائب أهل الحق» وكأنها الصوت الصارخ للعراقيين المهملين. فعلى سبيل المثال، قدّم وجيه عباس، أحد مرشحي «عصائب أهل الحق» الفائزين في بغداد، برنامج "كلام وجيه" الليلي الذي اجتذب حوالي مليون مشاهد وتضمن خطاباً طائفياً مثيراً للفتنة وانتقادات للنخب الحاكمة.        
  • وصف نفسها بقوة خارجية تسعى لمحاربة الفساد. من المحتمل أن يكون تواجد الجماعة الصغير سابقاً في مجلس النواب قد أعطى الناخبين شعوراً بتهميشها، وبالتالي تُعتبر غير فاسدة بالمقارنة مع الأحزاب الأكبر حجماً. وقد حرص مرشحو «عصائب أهل الحق» على التشديد على هذا النمط من التفكير مراراً وتكراراً خلال الحملة الانتخابية، متهمين الأحزاب القائمة بالفساد المستشري.    
  • إيلاء أهمية للناخبات. لا بدّ من أن يكون ربع مقاعد مجلس النواب العراقي مخصصاً للمرشحات من النساء. ومن بين المرشحين الفائزين الثلاثة عشر من «عصائب أهل الحق»، هناك ثلاث نساء. وعلى الرغم من غياب انكشافهن العلني أو تاريخهن العسكري مقارنةً بنظرائهم من الرجال، فقد تمكنن من ضمان مقاعد في بغداد وكربلاء والمثنى. ويعزى هذا النجاح جزئياً إلى واقع أن «عصائب أهل الحق»، على غرار «حزب الله» إلى حدّ كبير، قد دعمت النساء من خلال "القسم النسوي" المندرج في إطار مساعي الجماعة الأوسع نطاقاً لبناء "ثقافة المقاومة". وفي آذار/مارس 2017، جمعت «عصائب أهل الحق» مسارها لمكافحة الفساد مع تركيزها على النساء من خلال إنشاء حركة "نساء متحدات ضد الفساد".    
الفصائل الأخرى في "ائتلاف فتح"
بعد تأسيس "منظمة بدر" في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، سارعت الجماعة إلى الحفاظ على أقسامها العسكرية والحصول على نصيب في الحكومة العراقية بعد الإطاحة بصدام حسين عام 2003. وفي وقت لاحق، خاضت انتخابات عام 2014 كجزء من "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، وحصلت على 22 مقعداً في مجلس النواب وسيطرت على وزارة الداخلية. وفي موازاة هذه القوى الرسمية، تمكنت من السيطرة على عمليات غالبية ألوية «قوات الحشد الشعبي»، وأنشأت وحدات ميليشيا جديدة لجماعات الأقلية العرقية الشيعية في شمال العراق، وأرسلت مقاتلين إلى سوريا.
وبالتالي، قد يبدو عجز "منظمة بدر" عن الحصول على المزيد من المقاعد هذا العام مفاجئاً. فعلى الأرجح، إنه ببساطة جزء من الاتجاه الأوسع نطاقاً الذي ميز هذه الانتخابات: على وجه الخصوص، معاقبة الناخبين للأحزاب الراسخة التي اعتمدت برامج تقليدية.
ولم تكن "منظمة بدر" العضو الوحيد في "ائتلاف الفتح" الذي حقق نتائج باهتة: فقد فاز "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي"، وهو الهيئة الأم السابقة لـ"منظمة بدر"، بثلاثة مقاعد فقط. وكما ذكرنا سابقاً، انفصل رئيس المجلس عمار الحكيم قبيل الانتخابات ليشكل "تيار الحكمة الوطني". وقد ركّز برنامج هذا الحزب الجديد على بناء دولة مدنية، وتعزيز المواقف القومية العراقية، وفصل نفسه عن "الحرس القديم" التابع لـ "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي" والموالي لإيران والحليف لـ"منظمة بدر" الذي اتُهم مراراً بالفساد. وقد فاز الفصيل التابع للحكيم بتسعة عشر مقعداً وتحالف منذ ذلك الحين مع معسكر الصدر.
ومن المؤكد أنّ "منظمة بدر" لا تزال تسيطر على مقاعدها الاثنين والعشرين وبإمكانها التأثير إلى حدّ كبير على المقاعد الخمسة والعشرين الباقية التي يملكها "ائتلاف الفتح"، مما يمنحها بشكل أساسي مقاعد أكثر من أي فصيل شيعي آخر باستثناء لائحة تحالف "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر. ورغم ذلك، تشعر المنظمة حتماً بالتهديد الذي يطرحه اتساع شعبية «عصائب أهل الحق» وزعيمها قيس الخزعلي، وهو طالب سابق لدى والد مقتدى الصدر الراحل محمد صادق الصدر. ففي بغداد، على سبيل المثال، حصل حسن سالم مرشح «عصائب أهل الحق» على ثاني أعلى نسبة أصوات بعد الأمين العام لـ"منظمة بدر" هادي العامري. أما في بابل، فقد فازت «عصائب أهل الحق» بنفس عدد المقاعد (مقعدين) كـ"منظمة بدر".
وبصرف النظر عن ذلك، ونظراً إلى هيمنة إيران الشاملة على الجماعتين، فقد تتمكن طهران من رأب أي صدع بينهما. فعلى الأرجح، ستبقى "منظمة بدر" المفضلة لدى طهران لقيادة "ائتلاف الفتح"، رغم أن فوز «عصائب أهل الحق» قد يعني بدء بروزها على الساحة السياسية في العراق. 
التداعيات السياسية
يجب على الولايات المتحدة أن تبقي تركيزها مُنصباً على «عصائب أهل الحق» نظراً إلى نموها السريع. وقد أقرّ مجلس النواب الأمريكي تعديل مشروع قانون إقرار الدفاع الوطني الصادر عن الكونغرس، الذي يستهدف أيضاً حليفة «عصائب أهل الحق»، «حركة حزب الله النجباء»، وتمّت إحالته حالياً إلى مجلس الشيوخ الأمريكي للتصويت عليه. ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذا المشروع هو إجراء مستحق طال انتظاره وسيعيق حتماً القدرات المالية للجماعة، لكنه لا يرقى إلى إدراجها ضمن تصنيفات وزارة الخارجية الأمريكية للمنظمات الإرهابية الأجنبية. علاوةً على ذلك، يرتبط هذا الإجراء بشكل خاص بقضايا حساسة في الوقت الذي سيجاهد فيه العراق لتشكيل حكومته القادمة وتحديد معالم علاقاته الاستراتيجية والعسكرية المستقبلية مع واشنطن.
وسيبقى السؤال المطروح هنا فيما إذا كان من الحكمة فرض عقوبات على خمسة عشر نائباً في مجلس النواب العراقي في الوقت الراهن. وفي هذا السياق، قال عضو مجلس النواب الأمريكي تيد بو (جمهوري من ولاية تكساس)، الذي صاغ التعديل الذي صادق عليه مجلس النواب، لموقع "المونيتور" مؤخراً أن على الحكومة الأمريكية أن تتأكد فيما إذا كان "الجناح السياسي يشكل فرعاً أو كياناً خاضعاً لسيطرة «عصائب أهل الحق»". ورغم أن هذا التمييز قد يساعد على تجنب تصادم محتمل مع تكتل قوي في مجلس النواب العراقي، إلّا أنه مغامرة خطيرة قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وتنطوي مقاربة بديلة على فرض عقوبات على الجماعة ككل كما فعلت واشنطن مع «حزب الله» اللبناني، وهو المنظمة التي اقتدت بها «عصائب أهل الحق» و«حركة حزب الله النجباء» مباشرةً وقاتلت إلى جانبها وأخذت أوامرها منها. وقد استمرت العقوبات الأمريكية على «حزب الله» رغم مشاركته في الانتخابات اللبنانية منذ عام 1992 وفوزه بعدة مقاعد في مجلس النواب.
وفي الواقع، يتداخل "الجناحان" السياسي والعسكري في «عصائب أهل الحق» مع الفرق الداخلية ضمن منظمة متماسكة، وليس أقساماً مستقلة. فعلى سبيل المثال، كان سعد حسين الحسيني، وهو أحد الفائزين بمقاعد الجماعة في مجلس النواب، قائداً إدارياً للواء 41 ضمن «قوات الحشد الشعبي» منذ فترة ليست ببعيدة تعود إلى أواخر عام 2017. وبالفعل، كانت الألوية 41 و42 و43 من «قوات الحشد الشعبي» بمثابة المقرات الرئيسية للحملة [الانتخابية] لـ «عصائب أهل الحق» خلال الانتخابات، حيث دعمت بشكل ملموس مرشحيها وأشادت بإنجازاتها العسكرية السابقة، بما فيها الهجمات على القوات الأمريكية. وإذا كان باستطاعة قادة «عصائب أهل الحق» التنقل بهذه السهولة بين "الجناحين" العسكري والسياسي، فعندئذ من المنطقي أن تستهدفهما الحكومة الأمريكية - وإلا فقد تصبح العقوبات غير قابلة للتطبيق وغير مجدية.
ومع ذلك، فإن توقيت أي قرار من هذا القبيل يحمل أهميةً كبيرة. ففرض عقوبات على «عصائب أهل الحق» فوراً قد يطرح إشكالية كبيرة للجماعة وللحكومة العراقية، لا سيما إذا انتهى الأمر بسيطرة الجماعة على وزارة رئيسية تتطلب مساعدةً دولية كبيرة، أو ينطوي المنصب على رحلات دولية متكررة. ويعود الأمر حالياً لوزارة الخزانة الأمريكية وسائر الوزارات في إدارة ترامب لضمان تطبيق العقوبات بأكبر قدر من الفعالية. وبما أن العراق يواجه عملية إعادة فرز الأصوات المثيرة للجدل ومفاوضات بشأن الائتلافات الحاكمة، ينبغي على واشنطن النظر في إرجاء اتخاذ تدابير عقابية إلى ما بعد تشكيل الحكومة واتضاح دور «عصائب أهل الحق» فيها.

فيليب سميث هو زميل "سوريف" في معهد واشنطن ومؤلف دراسة "الجهاد الشيعي في سوريا وآثاره الإقليمية"

فيليب سميث

فيليب سميث هو باحث في جامعة ماريلاند، ورئيس تحرير المدونة "موكب «حزب الله

كوريا الشمالية في الشرق الأوسط: خط إمدادات عسكرية خطير

كوريا الشمالية في الشرق الأوسط: خط إمدادات عسكرية خطير
المرصد السياسي 2980

كوريا الشمالية في الشرق الأوسط: خط إمدادات عسكرية خطير

 12 حزيران/يونيو 2018
"في 7 حزيران/يونيو، ألقى كل من أنتوني روجيرو، كونغدان (كاتي) أوه، وجاي سولومون كلمة في منتدى سياسي في معهد واشنطن. وروجيرو هو زميل أقدم في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، وخبير سابق في برامج وزارتي الخزانة والخارجية الأمريكيتين المكلفة بالتصدي لكوريا الشمالية. وأوه هي عضوة طاقم العمل في "معهد التحليلات الدفاعية" وشاركت في تأليف كتاب"كوريا الشمالية عبر الزجاج المرئي". وسولومون هو كبير مراسلي الشؤون الخارجية السابق لصحيفة "وول ستريت جورنال". وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم".

أنتوني روجيرو
ترتبط إيران بعلاقة قوية مع كوريا الشمالية "في مجال الصواريخ"، لدرجة أن إدارة أوباما أقدمت على مخاطرة دبلوماسية عندما فرضت عقوبات على طهران لحصولها على مواد من بيونغ يانغ بعد يوم واحد فقط من تنفيذ «خطة العمل الشاملة المشتركة». وفي إعلانها عن هذه العقوبات، أشارت وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن مسؤولين إيرانيين بارزين عملوا لعدة سنوات مع كوريا الشمالية. وفي الوقت الذي تطور فيه بيونغ يانغ أسلحةً أكثر تقدماً، ستصبح العلاقة أكثر جاذبيةً حتى لإيران، لا سيما إذا تمكّن نظام كيم من تطوير صاروخ باليستي عملي عابر للقارات. 
ويتمثل السؤال الأكثر إثارةً للجدل في ما إذا كانت علاقة نووية تربط بين الدولتين. فبإمكان كوريا الشمالية أن تعطي إيران مخططات أساسية،  وبيانات اختبارات، ودروساً مستفادة، بالإضافةً إلى أجهزة طرد مركزي. ولا توجد معلومات قطعية علنية بشأن وضع جهود التخصيب في بيونغ يانغ، لكن بغض النظر عن مكانتها، تملك إيران الموارد لشراء الأصول من البرنامج.   
أما بالنسبة للعلاقات مع سوريا، فإن التقارير التي تشير إلى أن بشار الأسد سيزور كيم جونغ أون قريباً ليست مفاجئة. وعلى الرغم من أن إسرائيل دمّرت المفاعل النووي السوري الذي بنته كوريا الشمالية في عام 2007، لم تعانِ دمشق أو بيونغ يانغ من أي تداعيات دائمة على نشاطهما في مجال الانتشار النووي، لذلك استمر هذا النشاط. فقد تعاونتا على تطوير صواريخ باليستية حيث سافرت مجموعات متعددة من التقنيين الكوريين الشماليين إلى سوريا ناقلين تكنولوجية صواريخ خاصة، بما فيها المساعدة في تطوير صواريخ "سكود". كما زوّد كيم سوريا بالتكنولوجيا والمواد المستخدمة في تطوير أسلحة كيميائية، على غرار بلاطات مقاومة للأحماض، والصمامات والأنابيب والكابلات المرتبطة بها.  
وفي أماكن أخرى، أقامت بيونغ يانغ علاقات تصدير مع دول الخليج العربي، بما فيها الإمارات العربية المتحدة وغيرها من الدول الشريكة للولايات المتحدة التي تتردد واشنطن بفرض عقوبات عليها. ومن شأن صواريخ الوقود الصلب القصيرة والمتوسطة المدى أن تستقطب على نحو خاص دول المنطقة والجهات الفاعلة من غير الدول. 
وفي الوقت الذي تتفاوض فيه كوريا الشمالية مع إدارة ترامب، يتعين عليها الإفصاح عن كافة جهودها في مجال الانتشار النووي. ومن المحتمل أن لا تدرك بيونغ يانغ مدى ما تعرفه الولايات المتحدة عن أنشطتها. وبمساعدة معلومات استخبارية وفيرة، سيتمكن المسؤولون الأمريكيون عموماً من معرفة متى يكون نظراؤهم على طاولة الحوار صادقين، وإلى أي مدى يكونون جادين في التوصل إلى اتفاق. وقد تعهدت كوريا الشمالية بوقف نشر التكنولوجيا العسكرية في الماضي، ولكنها تواصل القيام بذلك، لذا يجب أن تكون مطالب إدارة ترامب محددة وواضحة بشكلٍ أكبر من أجل تحقيق تغييرات ملحوظة.    
ومن المرجح أن تكون كوريا الشمالية قد استنتجت من «خطة العمل الشاملة المشتركة» بأن الغش في الاتفاقات النووية مسموح به، وأنه يمكن استغلال صفقات محدودة، وأنه بإمكانها تجاوز الخطوط الحمراء في القضايا النووية من أجل الحصول على تنازلات، وأن مواقعها العسكرية منطقة محظورة. ومع ذلك، تبقى الآمال معلقةً على أن تكون واشنطن قد استخلصت بعض العبر أيضاً.
أولاً، على الإدارة الأمريكية أن تكون مستعدةً للانسحاب من طاولة المفاوضات إذا اقتضى الأمر. ثانياً، يجب أن تدرك أن إبرام اتفاقات تركز على القضايا النووية لا يحلّ المشاكل الاستراتيجية الأوسع نطاقاً. ثالثاً، ينبغي عليها تجنب نزع السلاح النووي على مراحل، وأن تصر بدلاً من ذلك على نموذج نزع السلاح النووي في ليبيا (في الوقت الذي تدحض فيه الاتهامات بأنها تدعو إلى تغيير شبح النظام في البلاد). رابعاً، لا ينبغي لواشنطن أن تمنح كوريا الشمالية أي انفراج إلى أن تُحرز تقدماً حقيقياً نحو نزع الأسلحة النووية. ومع ذلك، إذا كان كيم يرغب حقاً في الالتزام بمثل هذا التقدم، فعلى الإدارة الأمريكية أن تستعد للتفاوض على "الكثير مقابل الكثير".    
يُذكر أن الصين وروسيا، أكبر متجنّبي العقوبات في العالم، لا تشاركان في هذه المفاوضات. وتتوقعان من دون شك أن تصدّق إدارة ترامب وعود كيم وتقدّم التنازلات وتقع في فخ النزع التدريجي للأسلحة النووية. لكن في النهاية، قد ينتهي الأمر بالشركات الصينية والروسية بتحمّل عبء العقوبات الأمريكية. وعلى الرغم من عدم وجود نظام عقوبات مضمون، يمكن للسلطات الأمريكية تعزيزها بطرق جديدة لزيادة فعاليتها. فعلى سبيل المثال، سبق أن حددت واشنطن شبكات الشحن الكورية الشمالية وفرضت عليها عقوبات، ولكن بإمكانها الذهاب أبعد من ذلك والبدء باعتراض السفن بشكل مباشر.   
كونغدان أوه
بدأت العلاقة النووية والصاروخية بين كوريا الشمالية وسوريا في عهد كيم إيل سونغ، وثمة الكثير من الرموز التي تجسّد عمق هذه العلاقة، من النصب التذكاري للحاكم الراحل في دمشق إلى العديد من عبارات التهنئة التي أرسلها الأسد حين استلم نجل كيم السلطة. أما بالنسبة للعلاقات مع إيران، فقد بنتها بيونغ يانغ على أساس الابتزاز والجغرافيا السياسية المعادية لأمريكا.  
وفي عام 1997، التقى وفد من كوريا الشمالية بالسفير الإسرائيلي في ستوكهولم، وأوضح أن بلاده قد اختبرت بنجاح صاروخاً موجهاً عبر الأقمار الصناعية، وحذّر من أن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط مهتمة بشرائه. كما طلب أعضاء الوفد من إسرائيل مليار دولار لقاء عدم بيع تكنولوجيا الصواريخ إلى أعدائها. غير أن الإسرائيليين رفضوا الدفع نقداً، لكنهم عرضوا تقديم مساعدات إنسانية، وتكنولوجيا زراعية، وخبرات طبية، وأنواعاً أخرى من المساعدات تزيد قيمتها عن مليار دولار. لكن بيونغ يانغ رفضت هذه الصفقة، وأعلنت أنها تفضل انتهاك "اتفاقيات جنيف" على أن تكون مقيّدة بمعايير تزعم أنها منحازة لخدمة الولايات المتحدة.
أما اليوم، فتشهد كوريا الشمالية تغييرات داخلية، حيث يحمل مواطنوها حوالي 3.7 مليون هاتفاً جوالاً ويمكنهم الاتصال مباشرةً بأشخاص في أجزاء من كوريا الجنوبية والصين وروسيا. ومثل هذه الاتصالات ستثير حتماً تساؤلات في كوريا الشمالية حول إيديولوجية النظام وشرعيته. ويدرك كيم أن عليه التركيز على التنمية الاقتصادية إن أراد لنظامه أن يصمد، لكن جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية لا تزال مجتمعاً فقيراً للغاية يفتقد للسيولة ويملك احتياطيات أجنبية ضئيلة.
وبالتالي، ستفي بيونغ يانغ على الأرجح بأي وعود نووية تقطعها إذا كان الثمن مناسباً. ومن المؤكد أن الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» قد أقنع على الأرجح النظام بأن الولايات المتحدة ليست محط ثقة، لذا فإن المسؤولين الكوريين الشماليين قد يكونون أقل رغبة في الالتزام باتفاق مبرم مع واشنطن. لكن نظراً إلى الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد، قد يقررون صرف النظر عن انعدام الثقة ويصونون الاتفاقات من أجل منافع اقتصادية.
من ناحية أخرى، تشهد علاقة كوريا الشمالية مع الصين فتوراً تاريخياً. فمنذ سنوات قليلة، أرسل الرئيس شي جين بينغ مبعوثاً إلى بيونغ يانغ ليطلب منها وقف اختباراتها النووية. غير أنه تمّ استئناف الاختبارات بعد فترة وجيزة، مما أسفر عن بروز توترات لا تزال قائمةً حتى هذا اليوم. وقد التقى شي جين بينغ مع كيم مرتين على الأقل خلال الأشهر القليلة الماضية، لكن السخرية والشكوك كانت واضحةً للغاية في تصريحات المتحدثين باسم الحكومة الصينية بشأن احتمال إجراء محادثات مع واشنطن.
جاي سولومون
منذ سنوات تدور روايات حول تدخل بيونغ يانغ في الشرق الأوسط، بدءاً من الطيارين الكوريين الشماليين الذين قاتلوا في "حرب يوم الغفران" عام 1973، مروراً بزيارة مهندسين من كوريا الشمالية إلى إيران خلال حربها مع العراق، وصولاً إلى محاولة إسرائيل رشوة كوريا الشمالية لمنعها من تصدير الصواريخ إلى المنطقة. إن كافة هذه الروايات صحيحة، ولا يزال نظام كيم اليوم يفلت من أي عقاب لقاء نشر الأسلحة النووية.
وفي سوريا، تستخدم كوريا الشمالية شركات وهمية أجنبية لتوفير المعدات إلى دمشق بشكل غير مباشر. وقد انتشرت هذه الشركات في ماليزيا ومصر وأرجاء الصين، من بين دول أخرى. ومن السذاجة التصديق بأن بكين ليست على علم بهذه الأنشطة. إذاً فمن حيث المبدأ، تعتمد قدرة المجتمع الدولي على الحدّ من الانتشار النووي لكوريا الشمالية على هذه الدول الواجهة.
واليوم، يوجد لكافة دول الشرق الأوسط تقريباً بعض الارتباطات بالأنظمة العسكرية الكورية الشمالية. ففي اليمن، حصلت الحكومة على جزء من تكنولوجيا الصواريخ التي طورتها بيونغ يانغ قبل حربها الحالية. ونتيجةً لذلك، فإن الصواريخ التي تطلقها القوات الحوثية المتمردة على السعودية قد يكون لها مدخلات من مصادر كورية شمالية - أو من مصادر إيرانية، أو كليهما.
وبالعودة إلى الأحداث الماضية، لم تتمكن إدارتا كلينتون وبوش من الإصرار على محاسبة بيونغ يانغ بالكامل بسبب أنشطتها في مجال الانتشار النووي. فعلى سبيل المثال، أدى انعدام مثل هذه الشفافية إلى انهيار الاتفاقية الإطارية لعام 1994 التي وافقت بموجبها كوريا الشمالية على وقف الانتشار. وحتى في يومنا هذا، لا تزال عامة الناس تكتشف حجم المساعدة التقنية التي توفرها كوريا الشمالية لبرنامج الأسلحة الكيميائية والنووية في سوريا.
وخلال التفاوض مع نظام كيم، على الولايات المتحدة استخلاص بعض العبر من تجربة «خطة العمل الشاملة المشتركة». فقد أخفق هذا الاتفاق في حل عدد من القضايا المهمة، كما أدى التحول السياسي في واشنطن إلى زيادة خطر انهياره في النهاية. ورغم المضي قدماً في هذا الاتفاق، لم تتفق الأطراف أبداً - ناهيك عن المعسكرين المتنافسين ضمن الحكومة الأمريكية - بشكل كامل حول قضايا العقوبات، كما أهملت إدارة أوباما مسألة "الأبعاد العسكرية المحتملة". باختصار، تُعتبر الاتفاقات الدولية من هذا النوع سياسية في جوهرها، لذا يجب وضعها ضمن إطار معاهدات إذا كانت لتصمد وتنجح في اختبار مرور الزمن.

أعد هذا الملخص صامويل نورثروب.