Friday, October 19, 2018

لبنان والعاصفة المالية الكبرى

لبنان والعاصفة المالية الكبرى

لبنان والعاصفة المالية الكبرى


  • منى علمي
فيما تتزايد ديون لبنان وتعاني ركائزه الاقتصادية التقليدية من الركود، قد يدفع تراجع التحويلات من الخليج بالبلاد نحو الإفلاس.



في المؤتمر الاقتصادي الذي نظّمته مؤسسة المديرين التنفيذيين الماليين الدوليين اللبنانيين (LIFE) في السابع من آب/أغسطس الماضي تحت عنوان "أمل أو ظلمة"، والذي ضمّ خبراء اقتصاديين ومسؤولين في الحكومة اللبنانية، بدت السردية التي عرضتها الدولة اللبنانية أقرب إلى العبثية. فقد أطلق مستشارون حكوميون ونواب توقعات اقتصادية وتطمينات غير مقنعة، والتي أظهرت كلها انفصالاً عن المؤشرات الواضحة للكارثة الاقتصادية التي تلوح في الأفق. اللافت، إلى جانب المشكلات المالية الأبعد مدى، قد يؤدّي الانخفاض المحتمل في التحويلات من الخليج إلى إضعاف إضافي لقدرة المصارف على الاستمرار في تمويل الدين العام.
يتخبّط الاقتصاد اللبناني في المشقّات. فقد ظل النمو السنوي عند حدود 1 إلى 1.5 في المئة على امتداد العامَين 2017 و2018، وهي مسألة بعيدة المدى مرتبطة بالحرب السورية التي تسبّبت بتراجع الصادرات واشتداد مخاوف المستثمرين من عدم الاستقرار. إنه انخفاض كبير بالمقارنة مع نسبة النمو التي تراوحت من 8 إلى 10 في المئة قبل العام 2011. غير أن هذا النمو الضئيل يبدو غير ذي أهمية أمام معدل نمو الديون، الذي يُقدَّر بـ7.5 في المئة منذ أيار/مايو 2018، ما يعني أن لبنان لن يتمكن من تسديد ديونه عن طريق النمو الاقتصادي فقط. وهكذا أصبح معدل الدين إلى إجمالي الناتج المحلي في لبنان 157 في المئة اعتباراً من نيسان/أبريل 2018، وهو خامس أعلى معدّل في العالم. علاوةً على ذلك، فيما يعجز لبنان عن تسديد دينه العام – الذي بلغ 81.5 مليار دولار في شباط/فبراير 2018 – تُسجّل فوائد الدين ارتفاعاً ما يتسبّب باتساع العجز المالي الذي يُقدَّر حالياً بأكثر من 8.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.1  
حتى وزير المال علي حسن خليل المعروف عادةً بحفاظه على رباطة جأشه، حذّر، في نيسان/أبريل، من أن الدين العام في لبنان يشكّل تهديداً أكبر من الوضع الأمني في البلاد. وقد اتخذت المصارف خطوات للتخفيف من هذا الخطر، لا سيما عبر السعي إلى منع هروب الرساميل والحفاظ على المستوى الراهن من الودائع بالعملات الأجنبية عبر صك أموال إضافية لتمويل الديون – ما يخفف من الديون لكنه يتسبّب بتفاقم التضخم.2 بغية تشجيع الأشخاص على الادخار، ازداد متوسط أسعار الفوائد على الودائع بالليرة اللبنانية 95 نقطة أساس بين شباط/فبراير 2017 وشباط/فبراير 2018، لتبلغ نحو 7 في المئة. لا يؤدّي ذلك إلى ضخ مزيد من الأموال في المصرف المركزي وحسب، إنما يُثني أيضاً عن الإنفاق المرتفع الذي من شأنه أن يساهم في زيادة الواردات وبالتالي استنفاد مستويات الاحتياطي بالعملات الأجنبية. لكن في حال سجّلت معدلات الودائع ارتفاعاً شديداً، فسوف يُفضي ذلك أيضاً إلى زيادة التضخم وثني الشركات الجديدة عن أخذ قروض من شأنها أن تحفّز النمو الاقتصادي الذي يشكّل حاجة ماسّة. وقد عمد المصرف المركزي إلى التشدد في شروط الإقراض، رداً على ارتفاع معدلات القروض المتعثّرة السداد الذي يشكّل انعكاساً للتخلف عن تسديد الديون.
لقد أحدث عدم الوصول إلى القروض، فضلاً عن تراجع ثقة المستثمرين الأجانب بالاقتصاد اللبناني، تأثيراً لافتاً على القطاع العقاري الذي يُعتبَر من الركائز الاقتصادية في البلاد. فهذا القطاع يسجّل تراجعاً مطرداً في غياب الوصول السهل إلى القروض، إلى جانب الأزمات السياسية والاقتصادية السائدة التي تُثني عن الاستثمار في لبنان. لقد سجّل تشييد المباني الجديدة تباطؤاً دراماتيكياً: فقد تراجعت المساحة الإجمالية للأراضي التي سيتم تطويرها بموجب أذون البناء المسجّلة الجديدة بنسبة 23.9 في المئة في الفصل الثاني من العام 2018بالمقارنة مع الفترة نفسها في العام 2016. في مواجهة هذه الضغوط، أعلنت شركة "سايفكو" – وهي من كبريات الشركات العقارية اللبنانية، وتُقدَّر قيمة مشاريعها بمليارَي دولار أميركي – إفلاسها في أيار/مايو 2018.
وفقاً لتقرير صدر عن البنك الدولي في نيسان/أبريل 2018، تعود هذه المشكلات، في جزء منها، إلى تحديات التمويل البعيدة المدى، إنما أيضاً إلى الأزمة التي نشأت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بين السعودية ولبنان. ففي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تلا رئيس الوزراء سعد الحريري بياناً متلفزاً من الرياض أعلن فيه استقالته من منصبه، معللاً ذلك بالنفوذ الذي تمارسه إيران عن طريق حزب الله، والذي يجعل من الصعب عليه أداء مهامه من دون الخوف من التعرض للاغتيال. سرعان ما سلك الوضع منحى تصاعدياً مع توجيه اتهامات إلى السعودية بأنها تحتجز الحريري رهينة. فردّت السعودية بالتهديد بطرد الرعايا اللبنانيين الذين يعملون في المملكة ودول الخليج الأخرى، وسحبت استثماراتها من لبنان. ومن خلال التدخل الفرنسي، تمكّن الحريري وأسرته من مغادرة السعودية، وقد تراجع عن استقالته في الخامس من كانون الأول/ديسمبر ما أفضى إلى تهدئة الأوضاع، إلا أن التشنجات ظلت مرتفعة.
كذلك تؤثّر التشنجات بين السعودية ولبنان في التحويلات من الخارج. يساهم العمّال اللبنانيون في الخليج بنحو خُمس إجمالي الناتج المحلي اللبناني، ما يجعل منهم مصدراً حيوياً للودائع التي تستخدمها المصارف لشراء مزيد من الديون. لقد ساهم نحو 400000 مغترب لبناني في الخليج – نصفهم في السعودية – بما نسبته 43 في المئة3 إلى 60 في المئة من مجموع التحويلات في العام 2015، بيد أن مجموع التحويلات انخفض بنسبة 7 في المئة في العام 2017. ويُتوقَّع تسجيل تراجع إضافي هذا العام، فيما تقوم السعودية بإعادة هيكلة اقتصادية غير مسبوقة بموجب "رؤية المملكة 2030" من أجل تأمين مزيد من الوظائف للمواطنين السعوديين. يُشار في هذا السياق إلى أن الضرائب المتزايدة التي تُفرَض على أذون الإقامة الأجنبية في السعودية تُقلّل من الفرص الوظيفية المتاحة أمام اللبنانيين. كذلك تواجه دبي، الذي تشكّل وجهة أخرى للعمال اللبنانيين، تباطؤاً في النشاط الاقتصادي وارتفاعاً في البطالة الإجمالية، ما سيؤدّي إلى تراجع الفرص المتاحة أمام الرعايا الأجانب عموماً. على الرغم من أن التحويلات لا تزال تصل باطراد من المناطق الأخرى، إلا أن الأموال التي يجنيها العمّال اللبنانيون في الخليج ستستمر في التراجع على ضوء هذه النزعات.4
كذلك تؤثّر التشنجات في القطاع السياحي، الذي يُعتبَر أيضاً من القطاعات الأساسية التي تولّد إيرادات في لبنان. فقد كان أصلاً في حالة تراجع بسبب الهواجس الأمنية والأسعار المرتفعةالتي تعتمدها شركات الطيران والفنادق، بعدما كان قد بلغ الذروة مع 2.2 مليونَي زائر في العام 2010. ومنذ اندلاع التشنجات مع السعودية، سُجِّل أيضاً تراجع حاد في العائدات السياحية التي يولّدها الزوّار الخليجيون الذين ينفقون مبالغ مالية طائلة أثناء وجودهم في لبنان. فقد انخفض الإنفاق من قبل السياح السعوديين بنسبة 21.4 في المئة في النصف الأول من العام 2018 بالمقارنة مع الفترة نفسها في العام 2017. كما انخفض مجموع الزوار من السعودية بنسبة 21.1 في المئة بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، وتراجعت أعداد الزوار القادمين من الإمارات بنسبة 32.2 في المئة.
نظراً إلى أن القطاعات الثلاثة الأساسية التي تولّد إيرادات في لبنان – العقارات، والسياحة، والتحويلات المالية – هي في حالة تردٍّ خطير، إلى جانب الديون المرتفعة والثقة المتراجِعة بالقطاع المصرفي، قد يكون الإفلاس وشيكاً. ومن غير المرجّح أن تساهم المساعدات الدولية في تجنُّب الإفلاس، حتى في المدى القصير. في نيسان/أبريل 2018، تعهّد المانحون الدوليون في اجتماع عُقِد في باريس باستثمار أكثر من 11 مليار دولار في لبنان، لكنهم اشترطوا لصرف المساعدات تطبيق إصلاحات اقتصادية صارمة لا يمكن وضعها حيز التنفيذ من دون وجود حكومة فاعلة – والتي لا يزال تشكيلها متعثّراً بعد خمسة أشهر من إجراء الانتخابات النيابية، وذلك بسبب المشاحنات السياسية. كذلك خصّص البنك الدولي استثمارات قدرها 2.2 مليارَي دولار للبنان بغية إنفاقها على استحداث الوظائف، والخدمات الصحية، ومشاريع النقل التي تتطلب جميعها موافقة الحكومة قبل صرف الأموال.
لقد حاول رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الالتفاف على الموافقة الحكومية عبر تقديمه اقتراحاً، في 24 أيلول/سبتمبر، بأن يُسمَح لمجلس النواب بإقرار التشريعات الطارئة، لكنه لم يتمكن من وقف المشاحنات لفترة كافية من أجل مناقشة الاقتراح، فما بالكم بالتصويت عليه. في الوقت الراهن، يبدو أن النخبة السياسية هي أكثر تركيزاً على انتزاع حقائب وزارية مهمة في الحكومة المقبلة، مهما استغرق الأمر من وقت، بدلاً من التعجيل في عملية تشكيل الحكومة كي يتمكّنوا من العمل على تصحيح الاقتصاد. قال نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فريد بلحاج، متحدثاً عن غياب التقدم في موضوع الإصلاح الاقتصادي، في تموز/يوليو: "يتحدّى لبنان قوانين الجاذبية منذ بعض الوقت". يبدو أن لبنان سيدرك، في المستقبل القريب، أنه ليس بوسعه أن يهزم قوانين الجاذبية. والسبيل الوحيد لإنقاذ البلاد هو بناء المؤسسات السياسية، وفي شكل خاص تشكيل الحكومة التي تستطيع بدورها أن تُعطي الأولوية للإصلاحات.
* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.
منى علمي زميلة غير مقيمة في المجلس الأطلنطي ولدى المؤسسة البحثية Trends Research and Advisory. لمتابعتها عبر تويتر monaalami@

1. مقابلة عبر البريد الإلكتروني مع نسيب غبريل، كبير الخبراء الاقتصاديين لدى بنك بيبلوس، أيلول/سبتمبر 2018.
2. مقابلة مع مسؤول مصرفي يُفضّل عدم الكشف عن هويته، بيروت، أيلول/سبتمبر 2018.
3. مقابلة مع نسيب غبريل.
4. المرجع نفسه.

تكنولوجيا إسرائيلية في خدمة السعودية

تكنولوجيا إسرائيلية في خدمة السعودية

تكنولوجيا إسرائيلية في خدمة السعودية

 
تكنولوجيا إسرائيلية في خدمة السعودية
NSO (أ ب)
قال "المختبر المدني" في جامعة تورنتو إن عملاء للنظام السعودي استخدموا تكنولوجيا تجسس لشركة "NSO" الإسرائيلية في محاولة للتنصت على معارض سعودي يعيش في كندا.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "غلوب أند ميل" الكندية، يوم أمس الإثنين، فإن المحققين في المختبر المدني كانوا واثقين من أن برنامج التعقب "بيغاسوس" تم تفعيله في الصيف الماضي ضد المعارض السعودي عمر عبد العزيز (27 عاما)، والذي حصل على لجوء سياسي في كندا.
وبحسب الوثيقة، فإن الهدف من التعقب هو مراقبة الاتصالات من الجهاز الخليوي الخاص بعبد العزيز، الذي يعيش في مونتريال، ويفعّل عدة حسابات بارزة على شبكات التواصل الاحتماعي، وينتقد بشدة السلطات السعودية في الرياض. وبحسب التقرير، فمن المحتمل أن تكون عملية التعقب هذه غير قانونية.
ويأتي النشر عن عملية التعقب هذه في أوج أزمة دبلوماسية بين أوتاوا والرياض، بسبب تصريحات وزيرة الخارجية الكندية، كريستيا فريلاند، بأنها "قلقة بشكل عميق من حبس ناشطات المجتمع المدني وحقوق المرأة، وأنه يجب إطلاق سراحهن". وفي حينه ادعت السعودية أنه تم المسّ بسيادتها، وجمدت علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع كندا، كما تم استدعاء آلاف الطلاب المبتعثين إلى كندا.
ونشر المحققون في المختبر المدني في تموز/يوليو الماضي تصريحا جاء فيه أنه تم استخدام بلاغات مضللة بشأن الاحتجاجات في السعودية في محاولة لتوجيهها لهواتف خاصة، بما في ذلك محققون إقليميون في منظمة العفو الدولية (أمنستي).
وفي أيلول/سبتمبر الماضي، نشر المختبر المدني تقريرا آخر أكد فيه أن 36 حكومة تستخدم خدمات "NSO" الإسرائيلية، ومن المحتمل بدرجة عالية أن السعودية كانت إحداها.
وبحسب موقع المختبر المدني، فإن السعودية فعّلت برنامج "بيغاسوس" في كندا وبريطانيا وفرنسا والمغرب وتركيا ولبنان ومصر والأردن والعراق وقطر والبحرين.
وفي آب/أغسطس الماضي، نشر أن الإمارات استخدمت برنامج "NSO" لتعقب 159 من أبناء الأسرة الحاكمة في قطر. وبحسب دعويين قدمتا، مؤخرا، في إسرائيل وقبرص، فإن الإمارات استخدمت "بيغاسوس" لمدة تزيد عن عام لتعقب المعارضين في الإمارات وخارجها.
وردا على ذلك، زعمت "NSO" أن الشركة "تطور منتجات يسمح باستخدامها من قبل وكالات السلطة القانونية، لهدف وحيد هو التحقيق في الجرائم والإرهاب ومنعها".
كما زعمت الشركة أن برنامجها ساهم في منع عمليات انتحارية، وفي إدانة كبار تجار المخدرات، وفي البحث عن أطفال مفقودين، دون أن تشير إلى الدول ذات المنالية لاستخدام البرنامج.

NSO وأخواتها: جريمة إسرائيل بحق العالم كله

NSO وأخواتها: جريمة إسرائيل بحق العالم كله

NSO وأخواتها: جريمة إسرائيل بحق العالم كله

لشركات الإسرائيلية، المدعومة من الحكومة والجيش، رائدة في مجال تطوير برامج تجسس بواسطة الهواتف الخلوية، وتبيع منتجاتها لدول في الخليج، خاصة السعودية والبحرين والإمارات، التي تستخدمها للتجسس على نشطاء ومعارضين 

تؤكد تقارير عديدة، بينها تحقيقات صحفية وأخرى أجرتها مجموعة منظمات حقوقية في أنحاء العالم، أن إسرائيل هي دولة رائدة في صناعة البرامج الالكترونية لأغراض التجسس. وتبيع الشركات الإسرائيلية، في غالب الأحيان، هذا النوع من البرامج الالكترونية لدول ذات نظام دكتاتوري، التي تستخدمها للتجسس على معارضيها بالأساس، كذلك ضد مجموعات منبوذة في تلك المجتمعات، كالمثليين. وأفاد تقرير استقصائي نشرته صحيفة "هآرتس" اليوم، الجمعة، بأن 80% من المؤسسين والعاملين في هذه الشركات هم مسرحون من وحدة التصنت 8200 ووحدات الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي.
أبرز الشركات الإسرائيلية في هذا المجال هي NSO، التي طورت برنامج "بيغاسوس" لتعقب الأفراد بواسطة الهواتف الخليوية المحمولة. ويعمل هذا البرنامج من خلال إرسال رسالة نصية إلى هاتف خليوي، حول موضوع يثير اهتمام المتلقي ويطلب منه فتح الرابط المرفق. بمجرد فتح الرابط يبدأ البرنامج بالعمل دون توقف. وهذا البرنامج الذي طورته NSO، ومقرها في مدينة هرتسيليا، هو "برنامج التجسس الأكثر تسللا لحياة الناس في العالم"، حسبما وصفته مجلة "فوربس". ويمكّن "بيغاسوس" مستخدميه من استغلال كم هائل من المعلومات بواسطة الهاتف الخليوي المستهدف: رصد موقعه، التنصت عليه، تسجيل المحادثات الجارية قربه، تصوير المحيطين به، قراءة وكتابة رسائل نصية وبريد الكتروني، إنزال تطبيقات والتوغل إلى التطبيقات الموجودة في الهاتف، الاستيلاء على الصور والأفلام والملاحظات في رزنامة الهاتف ووجهات الاتصال. وكل هذا بسرية مطلقة ومن دون أن يعرف ويشعر الشخص المستهدف بما يجري في هاتفه.
ويظهر تقرير "هآرتس" أن الشركات الإسرائيلية في هذا المجال باعت قدرات هجومية كهذه إلى الكثير من الدول ذات الأنظمة التي تقمع مواطنيها بشدة بالغة، ومن دون أن تتوفر إمكانية لدى هذه الشركات لمعرفة كيفية استخدام برامجها الالكترونية في ملاحقة المواطنين. ووفقا لإفادات مسؤولين وعاملين في الشركات الإسرائيلية ومنظمات حقوقية في دول عديدة، فقد استخدمت هذه البرامج الالكترونية الهجومية من أجل سجن ناشطين حقوقيين ومثليين وإسكات معارضين أو مجرد مواطنين انتقدوا أنظمة بلادهم، وتوجيه تهم بالكفر في دول إسلامية، لا توجد علاقات رسمية بينها وبين إسرائيل. بل أن هذه الشركات استمرت في بيع هذه البرامج التجسسية حتى بعد الكشف عن إساءة استخدامها ضد مواطنين.
وكشف التقرير أن الشركات الإسرائيلية باعت برامج التجسس وجمع المعلومات الاستخبارية لدول بينها البحرين، إندونيسيا، أنغولا، موزنبيق، جمهورية الدومنيكان، أذربيجان، سويزلاند، بنغلادش، إل سلفادور، بنما، نيكاراغوا، ماليزيا، فيتنام، المكسيك، أوزبكستان، أثيوبيا، جنوب السودان، هندوراس، بيرو، كولومبيا، أوغندا، إكوادور والإمارات العربية المتحدة. وهناك أدلة على أن السعودية استخدمت برنامجا كهذا.
مقر NSO (أ.ف.ب.)
هذه الشركات التي تطور برامج التجسس هي شركات خاصة. لكن المحكمة العليا الإسرائيلية رفضت التماسا ضد هذه الشركات قدمته رئيسة حزب ميرتس، تمار زاندبرغ، والمحامي إيتاي ماك، وطالبا بوقف رخصة تصدير هذه البرامج وسحبها من NSO. لكن بطلب من النيابة العامة الإسرائيلية، نظرت المحكمة في الالتماس خلف أبواب مغلقة، كما أصدرت المحكمة أمر حظر نشر حول قرار الحكم. ولخصت رئيسة المحكمة، القاضية إستير حيوت، بالقول إنه "ما العمل؟ اقتصادنا يستند كثيرا على هذا التصدير".
وقالت الصحيفة في هذا السياق إن وزارة الأمن الإسرائيلية راضية من هذا التعتيم. فالإشراف على هذا النوع من الصادرات يجري بعيدا عن أعين الجمهور، وحتى أنه لا يسمح لأعضاء لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست بالاطلاع على تفاصيل أساسية تتعلق بهذه الصادرات، كما أن الوزارة ترفض الكشف عن قائمة الدول التي تصدر هذه البرامج التجسسية إليها أو يمنع التصدير إليها والمعايير والمواصفات التي توجه الوزارة في قراراتها بهذا الصدد.
"شبح" إسرائيلي في الخليج: الإمارات تتجسس على قطر
تأسست شركة NSO في العام 2010. وقال أحد المؤسسن الثلاثة، عمري لافي، في وصف منتجات شركته، "نحن أشباح. ونحن شفافون بشكل كامل من أجل هذا الهدف، ولا نترك أثرا". لكن بعد ذلك بسنوات تم الكشف عن "أثرٍ" تركه هذا "الشبح" وراءه في أنحاء العالم كله. وبالإمكان القول إنها ليست جريمة هذه الشركة أو غيرها في هذا المجال، التي يسعى مؤسسوها إلى تحقيق أرباح مالية كبيرة، بل أن نشر هذه البرامج التجسسية التي تنتهك حرية وحرمة الأفراد، ملايين الافراد، هي جريمة ترتكبها دولة إسرائيل في أنحاء العالم كله.
واعترف مؤسس آخر لهذه الشركة، هو شاليف خوليو، في مقابلة في العام 2015، بأنه "فكرنا منذ البداية أن نبني منظومة تسمح لجميع أجهزة الاستخبارات وتطبيق القانون بالسيطرة عن بعد على الهواتف، أو لإخراج معلومات منها، بعلم أو بدون علم مستخدم الهاتف. واعتقدنا أن هذا سيكون أمرا بسيطا، لكن تبين أنه معقد جدا. وهذا، عمليا، ما تفعله NSO حتى اليوم. لدينا اليوم آيفون وأندروئيد وجميعها آمنة جدا، لكن في نهاية المطاف نرى أن الجميع يتنصتون على الجميع. الهاتف يذهب معك إلى كل مكان. وكمية المعلومات التي بالإمكان استخراجها عن شخص من هاتفه هائلة جدا، ولا يوجد هاتف آمن اليوم".
ويعتقد أن أبرز حالة تركت فيها NSO أثرا وراءها، هي حالة ناشط حثوث الإنسان الإماراتي، أحمد منصور. فقد تلقى منصور رسالة نصية على هاتفه المحمول، في آب/أغسطس 2016، وتبين أن الرابط بداخلها كان برنامج التجسس "بيغاسوس"، الذي اكتشف حينذاك لأول مرة وأثار هلعا عالميا. ويقبع منصور في السجن الآن ولمدة عشر سنوات، بسبب انتقاداته للنظام في الإمارات من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.
استخدام كبير للهواتف الخليوية بالخليج
وتظهر قصة ملاحقة منصور في دعويين قضائيتين ضد NSO وشركة أخرى باسم "سيركيلس"، التي أسسها إسرائيليون أيضا. وبين مقدميها ناشط حقوقي مكسيكي استهدف ببرنامج "بيغاسوس" ومدعي قطري. وجاء في وثائق أرفقت بإحدى الدعويين أن برامج وأجهزة من إنتاج NSO و"سيركيلس" في الإمارات تجسست على 159 شخصا من أفراد العائلة الحاكمة وموظفين كبار ومواطنين في قطر.
ويظهر من هذه الدعوى أن مواطن إسرائيلي من كبار العاملين في "سيركيلس"، أريك بنون، تلقى في العام 2014 رسالة عبر البريد الالكتروني التابع لأحمد علي الحبسي، عضو المجلس الأعلى للأمن القومي في الإمارات، يبلغه فيها الأخير بأن إدارة المجلس ستتخذ قرارا في الفترة القريبة، بصدد شراء منتجات الشركة التجسسية. وطلب الحبسي من بنون أن يستعرض، في غضون ذلك، قدرات منتجات الشركة، وطلب الحبسي أن يستعرض هذه القدرات من خلال اعتراض محادثات رئيس تحرير صحيفة "العرب" (الإماراتية). وبعد يومين، تلقى الحبسي رسالة ببريده الالكتروني تضمنت تسجيلات محادثاته مع رئيس التحرير.
وقال "بن"، وهو اسم مستعار لمستشار إسرائيلي يزود خدمات تجسس في الإمارات، للصحيفة الإسرائيلية إن الشركات الإسرائيلية معروفة في منطقة الخليج كمزودة معدات تجسس. وأضاف أن "دبي هي زبون كبير لتكنولوجيا التعقب. وهم يعرفون أن التكنولوجيا الأفضل تأتي من إسرائيل". وأشار إلى أن محادثات صوتية بواسطة تطبيقات مشفرة (أي لا تخترق) مثل واتساب وسينغل وتليغرام ممنوعة في الإمارات، ولذلك لا خيار أمام السكان هناك سوى استخدام شبكات الهاتف التي بالإمكان اختراقها.
وتوجد أدلة على أن السعودية تستخدم هذا النوع من التكنولوجيا التجسسية. فقد كشف معهد "سيتيزن لاب"، بداية الشهر الحالي، عن وجود احتمال كبير باستخدام برنامج "بيغاسوس" لتعقب معارض للنظام السعودي في كندا. وتبين أن عملاء النظام السعودي في الرياض استخدموا هذا البرنامج ضد الناشط عمر عبد العزيز، الحاصل على لجوء سياسي في مونتريال. ولم تنف NSO تقرير "سيتزين لاب".
وكشفت الصحيفة عن بيع شركة "فيرنت" الإسرائيلية منظومات تجسس مشابهة إلى النظام في البحرين، رغم أن هذا النظام يقمع معارضيه بقوة مفرطة، وبمساعدة قوات استجلبت من السعودية. وجرى الحكم بالسجن لخمس سنوات على ناشط بحريني، في شباط/فبراير الماضي، بسبب تغريده عبر "تويتر" بانتقادات للنظام.
وقال مصدران من هذه الشركات الإسرائيلية وتواجدا في البحرين، إن "فيرنت" زودت هذا النظام بمنظومات يستدل منها وجود مركز رصد محادثات وأجهزة أخرى لجمع معلومات من الشبكات الاجتماعية. وقال أحد المصدرين الإسرائيليين، "أرنون"، إن الإسرائيليين يحضرون إلى البحرين من أجل تدريب عناصر النظام على الأجهزة أو من أجل تنفيذ أعمال صيانة. وأضاف أن العاملين الإسرائيليين يصلون حاملين جوازات سفر أجنبية ويحظر عليهم التجول في الدولة، ما يعني بقاءهم في غرفهم في الفنادق بعد ساعات العمل.
وتابع "أرنون" أنه "كنت في دول كثيرة. وفي بعضها دربت جنودا وعاملين في أجهزة تطبيق القانون، وفي بعضها الآخر دربنا مقربين، وهم أشخاص يبدون أنهم أبناء العائلة الموسعة للحاكم. وفي البحرين، كان جميع أفراد الطاقم هنودا، وإلى جانبهم أفراد المخابرات البحرينيين، وبصمنهم نشاء. وإذا تعين عليّ أن أتكهن بكيفية استخدام الأنظمة، لقلت إن هذا مرتبط بالاحتجاجات ضد النظام".
دعم الحكومة الإسرائيلية
لقد زودت هذه الشركات الإسرائيلية منتجاتها التجسسية لدول ترتكب الأنظمة فيها جرائم حرب، مثل جنوب السودان وسوازيلاند وغيرهما في أفريقيا. كذلك بيعت منوجات كهذه لبيرو والمكسيك، حيث اكتشف أن السلطات هناك أساءت استخدامها ضد المواطنين.
ولم يكن التطور الهائل في صناعة برامج التجسس الالكتروني في إسرائيل صدفة. إذ أنه بعد انفجار فقاعة الهايتك، في العام 2000، رفعت الحكومة الإسرائيلية حجم الإنفاق الأمني بنسبة 10%، وشجعت صناعة الستارت-أب المحلية في الدخول إلى مجال الحراسة والتجسس.
"جنود الهايتك"
وبحسب الصحيفة، فإن الجيش الإسرائيلي لعب دور "الدفيئة التجارية"، عندما أخذت وحدات الاستخبارات والتكنولوجيا فيه بالتضخم، فيما المسرحين منها استخدموا خبراتهم في إقامة العديد من شركات الستارت-أب. وحدث ذلك في توقيت "ملائم"، بعد أحداث 11 أيلول 2001، حيث بدأت الدول تزيد مشترياتها لوسائل التجسس على مشتبهين بأنشطة إرهابية أو نشطاء متطرفين. واستجابت خبرة الجنود الإسرائيليين المسرحين من الوحدات ذات العلاقة على هذا الطلب بشكل كامل.
وذكرت دراسة صدرت مؤخرا أنه توجد في إسرائيل قرابة 700 شركة سايبر، أقيمت على أيدي 2300 إسرائيليا، 80% منهم مسرحين من وحدة 8200 ووحدات الاستخبارات العسكرية.
لكن التقرير الاستقصائي لم يتطرق إلى جانب آخر هام، وهو أن هذه الشركات، الأمنية رغم كونها خاصة، وتحصل على دعم كبير من الحكومة الإسرائيلية، يمكن أن تستخدم البرامج والمنظومات الالكترونية، التي تبيعها لدول في الخليج على سبيل المثال، من أجل التجسس على هذه الدول التي تفتح أبوابها أمام إسرائيل، ليكون بمقدورها التحكم بنواح كثيرة.

Thursday, October 18, 2018

أدوار الإرهابيات من الزيجات والتجنيد إلى العمليات الانتحارية

أدوار الإرهابيات من الزيجات والتجنيد إلى العمليات الانتحارية
حواضن متطرفة:
أدوار الإرهابيات من الزيجات والتجنيد إلى العمليات الانتحارية
    
حواضن متطرفة:
عرض: لطفي جمال 
لعبت المرأة أدوارًا بارزة ومحوريّة في التنظيمات المتطرفة العنيفة طوال تاريخها، ومن بينها نشر الأيديولوجيات التكفيرية، ودعم أزواجهن الأعضاء في التنظيمات الإرهابية، وتربية أبنائهن على الأفكار المتطرفة، وتجنيد أخريات. كما كُنّ بمثابة حلقة الوصل بين التنظيمات المتطرفة المختلفة، سواء بزيجات استراتيجية، أو عمليات نقل الأموال والسلاح، وصولًا للمساهمة في التخطيط وتنفيذ العمليات الإرهابية.
بيد أن هذا الدور لم يلقَ الاهتمام المطلوب في أدبيات الإرهاب والتطرف، حيث إن الكثير من الدراسات التي تحاول فهم الظاهرة الإرهابية غالبًا ما تغفل بحث دور المرأة في التنظيمات المتطرفة، ويكتفي الباحثون بالتركيز على قادة هذه الحركات، ومنفذي معظم العمليات الإرهابية.
وانطلاقًا من هذا تأتي أهمية دراسة "سيران دي ليدي"، الباحثة المتخصصة في قضايا المرأة والعنف السياسي، المعنونة "المرأة في الحركة الجهادية.. نظرة تاريخية" الصادرة عن المركز الدولي لمجابهة التطرف في سبتمبر من العام الجاري، والتي تبحث بصورة معمقة الدور التاريخي للمرأة في التنظيمات الإرهابية والمتطرفة.
وتكشف الدراسة أنه منذ إعلان زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي "أبو بكر البغدادي"، عن "دولة الخلافة" المزعومة في 29 يونيو عام 2014، سافرت مئات النساء الغربيات من البالغات والمراهقات إلى سوريا، أو حاولن السفر، للانضمام للتنظيم وغيره من التنظيمات الإرهابية، ما سلط الضوء على أدوارهن في هذه التنظيمات. ولعبت المسافرات في التنظيم -وفقًا للدراسة- أدوارًا تمثلت في التجنيد والدعاية، وبعضهن شاركن في عمليات تعليمية ولوجستية وطبية للمصابين من عناصر التنظيم، إلى جانب الأدوار الداعمة كأمهات وزوجات، غير أن بعضهن شاركن في مناصب تنظيمية وقيادية داخل "داعش"، وشاركن في عمليات التخطيط وتنفيذ الهجمات الإرهابية.
 توظيف النساء: 
توضح الدراسة أن هناك اهتمامًا متزايدًا بدور المرأة في الخطوط الأمامية للحركات المتطرفة، خاصة منذ تصاعد ظاهرة الإرهابيات في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. وتضيف أنه جرى استبعاد المرأة بشكل ملحوظ من المناصب القيادية في التنظيمات الإرهابية باستثناءات قليلة.
وتُشير الدراسة إلى أن توظيف النساء في التنظيمات المتطرفة، بما في ذلك تنفيذ العمليات الإرهابية، حقق العديد من المزايا لهذه التنظيمات، إلى جانب مضاعفة المجندين المحتملين. وأوضحت أن أبرز هذه المزايا متعلق بالنوع، إذ إنه دائمًا ما يُنظر للمرأة باعتبارها من ضحايا العنف، وأنها أقل تهديدًا، وساهم ذلك في التقليل من المتابعة الأمنية لهن، ما يمكنهن من المرور للأماكن المزدحمة والمستهدفة بسهولة دون إثارة للريبة، علاوة على قدرتهن على تجاوز نقاط التفتيش بصورة ميسرة. 
كما أوضحت أن استخدام النساء من قبل التنظيمات الإرهابية، يعطي دلالة لأجهزة الأمن بأنه لا أحد آمن، فالنساء أيضًا يشاركن في العمليات الإرهابية، إلى جانب عملية التعبئة والدعاية التي تبرزها التنظيمات مع كل عملية نسائية، ما يدفع بعض الخائفين من الرجال للانضمام لهذه التنظيمات والمشاركة في مثل هذه العمليات. 
أدوار الإرهابيات:
قسمت الدراسة أدوار المرأة في التنظميات المتطرفة إلى أربعة أدوار رئيسية، هي على النحو التالي: 
أولًا- الزوجات والأمهات: يرى غالبية المؤثرين من القيادات الإرهابية، مثل "أسامة بن لادن" و"أيمن الظواهري"، أن دور المرأة كأم وزوجة مهم للتنظيمات الإرهابية، إذ إنهن يساهمن في تنشئة وتربية جيل جديد من "المتطرفين". ورغم رفضهما مشاركة المرأة في القتال، واقتصار دورها على تربية النشء، إلا أن آخرين أكدوا أنهن قد يشاركن في القتال إذا اقتضى الأمر ذلك. 
ثانيًا- مجندات وداعيات: ترى الدراسة أن دور المرأة يمتد إلى ما هو أبعد من الزوجة والأم، ليصل دورها إلى الترويج والتجنيد من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، إذ إنهن ساهمن في الفترة الأخيرة في نشر الأيديولوجيات المتطرفة على نطاق غير مسبوق، ولعبن أدوارًا في ترجمة الأساطير الإرهابية، وتوزيعها على الإنترنت. 
ثالثًا- ميسرات ومعينات: عن هذا الدور تُلقي الدراسة الضوء على قدرة النساء على جمع الأموال والمعلومات التكتيكية، وتهريب السلاح، وعلاج الجرحى والمصابين، وصيانة الكتب الإلكترونية ورفعها على شبكات الإنترنت. وضربت مثلًا على ذلك بقدرة المجندات في الولايات المتحدة على جمع التبرعات وإرسالها للجماعات التابعة لها.
رابعًا- مخططات ومنفذات للهجمات: أوضحت الدراسة أن المرأة شاركت في التخطيط للعمليات الإرهابية وتنفيذها، وضربت أمثلة على ذلك بمشاركات بعض النساء في العمليات الإرهابية ومن بينها مشاركة "روشونارا شودري" البريطانية من أصل بنجلاديشي، إذ إنها في 4 مايو 2010، طعنت "ستيفن تيمز" عضو البرلمان البريطاني لتصويته لصالح الحرب على العراق في عام 2003. واعتُبرت "شودري" أول امرأة بريطانية تدان بهجوم عنيف في المملكة المتحدة بعدما أعلنت ولاءها للقاعدة. 
توصيات الدراسة:
تؤكد الدراسة أن المرأة لعبت دورًا تاريخيًّا داخل التنظيمات الإرهابية، غير أن أغلبهن لم يسمح لهن بتولي مناصب قيادية، موضحة أن التنظيمات التي تصدر النساء في مناصب عليا بالتنظيمات غالبًا ما تدفع بهن في العمليات الإرهابية. 
وطالبت بعدم التقليل من خطورة المرأة في التنظيمات المسلحة لأدوارها شديدة الحساسية داخل هذه المنظمات، نظرًا لطبيعة الخدمات التي تؤديها، مؤكدة على أهمية النظر للمرأة باعتبارها مكملة للرجال داخل هذه التنظيمات.
وانطلاقًا من ذلك، تطالب الدراسة المسئولين في كل دول العالم بالبحث في زيادة تدفق النساء للتنظيمات الإرهابية، والنظر في الأسباب التي تدفعهن للمشاركة، مع ملاحظة تصدير هذه التنظيمات لتعرض المرأة المسلمة في المجتمعات الغربية للظلم الاجتماعي على عكس المجتمعات التي تسعى لتنشئتها. علاوة على ذلك فإنها طلبت أيضًا النظر في الأسباب التي تدفع بعض الغربيات للسفر لمثل هذه التنظيمات الإرهابية. 
واختتمت الباحثة دراستها بالتأكيد على أنه لكي نفهم دوافع المرأة للمشاركة في العمليات الإرهابية والانضمام للتنظيمات المتطرفة، يجب النظر في تكتيكات تلك التنظيمات، ومعالجة القضايا الإشكالية المتعلقة بالنوع وغيرها من الأمور التي قد تدفع النساء للمشاركة في العمليات الإرهابية. 
المصدر: 
Seran de Leede, “Women in Jihad: A Historical Perspective”, International Centre for Counter-Terrorism, September 2018.

Wednesday, October 17, 2018

اغتيال خاشقجي: بن سلمان خيّب آمال أصدقائه بتل أبيب

اغتيال خاشقجي: بن سلمان خيّب آمال أصدقائه بتل أبيب

اغتيال خاشقجي: بن سلمان خيّب آمال أصدقائه بتل أبيب

تظاهرة منددة باغتيال خاشقجي خارج السفارة السعودية بواشنطن، الأسبوع الماضي (أ.ب.)

يوجد اختلاف في إسرائيل بين القيادة السياسية الرسمية وبين وسائل الإعلام والخبراء في شؤون الشرق الأوسط حول تعاملهم مع قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في اسطنبول. فالقيادة الرسمية الإسرائيلية امتنعت عن التطرق لعملية الاغتيال البشعة، فيما استمدت وسائل الإعلام، وخاصة الصحف، الأخبار حول هذه القضية من وكالات الأنباء ونشرتها بشكل جاف، لكن المحللين والخبراء في شؤون الشرق الأوسط عبروا عن خيبة أملهم من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بعد أن كانوا يكيلون المديح له، منذ تعيينه في منتصف العام الماضي، ويعتبرونه "الأمير الشاب الإصلاحي"، وصديق إسرائيل الذي اعترف "بحق اليهود في أرضهم" وتعهد بتمرير "صفقة القرن" على حساب الفلسطينيين، ويرون فيه حليفا لتل أبيب ضد إيران.
وعبر عن الموقف الإسرائيلي الرسمي إزاء اغتيال خاشقجي، ربما بشكل عفوي، وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، خلال جولته في جنوب البلاد، أمس الثلاثاء، هدد خلالها بشن حرب ضد قطاع غزة، وفجأة تلقى سؤالا من أحد الصحافيين حول اغتيال خاشقجي، فأجاب أنه "توجد مشاكل كثيرة لدى إسرائيل، دع هذا للمجتمع الدولي".
وبدت الأخبار المنشورة في الصحافة الإسرائيلية كأن هيئات التحرير فيها مكرهة على نشرها. فقد تحول الاغتيال إلى قضية رأي عام دولي، خاصة في الولايات المتحدة، التي كان خاشقجي ينشر بشكل دائم مقالا في أهم صحفها، في "واشنطن بوست". وبالأمس، مثلا، نشرت صحيفة "هآرتس"، خبرا في صفحة داخلية حول تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن القتلة عملوا دون أوامر من النظام السعودي. كذلك فعلت صحيفتا "يديعوت أحرونوت" و"يسرائيل هيوم"، أما صحيفة "معاريف" فلم تنشر خبرا في نسختها المطبوعة ووجهت قراءها إلى موقعها الالكتروني. ومقارنة بتغطية شبكات التلفزيون في العالم لهذه القضية، فإن تغطيتها في قنوات التلفاز الإسرائيلية مقتضبة.
رغم ذلك، فإن قضية اغتيال خاشقجي لم تغِب عن أعمدة المحللين والخبراء في الشؤون العربية، الذي وجهوا لومهم نحو بن سلمان. لكن يبدو أن هؤلاء تغاضوا عن تمادي بن سلمان منذ تعيينه وليا للعهد، بل وقبل ذلك. فهو يحتجز والدته ويمنع والده من رؤيتها منذ سنتين. وبعد تعيينه وليا للعهد احتجز عشرات الأمراء والأثرياء، بشكل يذكّر بأساليب العصابات، بادعاء محاربة الفساد، وأرغمهم على دفع أموال بلغ مجملها نحو 100 مليار دولار، بحسب التقديرات، وليس معروفا أين استقرت هذه الأموال. ولم تندد إسرائيل أو صحافتها أو محللوها باختطاف بن سلمان العلني لرئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، بعد أن استدرجه إلى السعودية بالخديعة واحتجازه أسبوعا، وأطلق سراحه بعد ضغوط دولية وبعد أن أرغمه على الاستقالة من رئاسة الحكومة.
لكن المحللين والخبراء الإسرائيليين اضطروا إلى التطرق إلى سلوك بن سلمان في أعقاب اغتيال خاشقجي، ليس محبة بالأخير، وإنما لأن "الأمير الشاب الإصلاحي" بنظرهم ظهر الآن كشخص عديم المسؤولية ومتهور ومصاب بجنون العظمة ولا يردعه أي شيء.
"إسرائيل ستبقى وحيدة ضد إيران"
كتبت الإعلامية والمتخصصة في الشؤون العربية، شيمريت مئير، في "يديعوت أحرونوت"، أمس الثلاثاء، عن خلفية إعجاب الإسرائيليين ببن سلمان، بأنه "أمير شاب، يظهر جيدا في الصور، محبوب على شبان بلده ويمثل نموذجا قياديا مختلفا". وأشارت إلى أنه "عندما تحدث بن سلمان مع الأميركيين، وبينهم الكثير من اليهود، وحتى مع الإسرائيليين، عن الإصلاحات التي ينوي إجراءها في المملكة، عن الانقلاب الاقتصادي، عن الحرب بواسطة التربية ضد التطرف والكراهية، فقد سمعوا أمورا لم تُقل، مثل حقوق الإنسان، حرية التعبير والمساواة للنساء".
لكن مئير أضافت أنه "بنظره، اقتصاد حي يمكن أن يسير في موازاة حكم استبدادي يلائم الثقافة السياسية المحلية. ومقابل خصومه، أثرياء فاسدين وأبناء عم منافسين في القصر ونشطاء حقوق إنسان أو صحافيين نقديين مثل خاشقجي، يستخدم بن سلمان القوة بلا حدود، بهدف كسر المعارضة أو ردع آخرين. وربما طريقة العمل هذه ستنجح، أو ستحقق الهدف المعاكس، مثلما نرى هذه الأيام"، في اتهام مباشر لبن سلمان عن مقتل خاشقجي.
وتابعت أن بن سلمان يعتبر "فتى" بمفاهيم سعودية، ولفتت إلى أصوات تتعالى داخل القصر الملكي بأن "ولي العهد يلحق أضرارا أكثر من الفوائد التي يجنيها، وبتهوره يشكل خطرا على استقرار المملكة. والسؤال هو ما إذا ستكون لديهم القوة والشجاعة للعمل ضده طالما تقف الإدارة الأميركية إلى جانبه".
وأضافت مئير أنه "ربما شاهد بن سلمان أفلاما أميركية كثيرة، ولعب كثيرا بألعاب الفيديو، لكن انعدام خبرته لم تمكنه من التقدير بشكل صحيح التحولات الإعلامية في الغرب. ونحن نشهد اليوم سقوطه، من فتى الغلاف في العالم الغربي، إلى تصويره في الأيام الأخيرة كديكتاتور وكخطر على سلامة المنطقة".
ووفقا لمئير، فإن بن سلمان كان غارقا في التطبيع والتآمر مع إسرائيل: "لقد تعين على المحور الإسرائيلي – السعودي أن يغير النظام العالمي في المنطقة، إن كان ذلك في سياق الجبهة ضد إيران أو في سياق التطبيع، الاقتصادي على الأقل، بين الدولتين. وفعلا، بن سلمان أثار انطباعا هائلا على الإسرائيليين واليهود الذين التقوه. وينبغي القول لصالحه، إنه خلافا للعادة الإقليمية التي بموجبها يتفقون مع الإسرائيليين في الغرف المغلقة وينفلتون ضدهم في العلن، فإنه في حالته باتت اللهجة تجاه إسرائيل في الإعلام السعودي والميديا الاجتماعية ناعمة بصورة ملحوظة".
ورأت مئير أن "بن سلمان لن يكون بعد الآن المحرك الذي سيفرض ’صفقة القرن’ على الفلسطينيين. وإخفاقاته، وبينها التنفيذ الفاشل في ’إخفاء’ خاشقجي، ستبقي إسرائيل فعليا وحيدة في الحرب ضد الإيرانيين. وفي جميع الأحوال، فإن التعبير العلني عن العلاقات مع الدول العربية، الذي تحدث عنه نتنياهو في الكنيست (أول من أمس)، سيؤجل على ما يبدو حتى يستقر عرش بن سلمان".
"صورة بن سلمان تحطمت"
رأى المحاضر في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، البروفيسور أيال زيسر، في مقال نشرته "يسرائيل هيوم"، أول من أمس، أنه "كان يبدو أن السعودية تحولت إلى دولة المحور التي تستند إدارة ترامب عليها لتنفيذ سياستها في الشرق الأوسط... لكن الكثيرين في الغرب تفاجأوا من ولي العهد السعودي بن سلمان، المتورط حتى عنقه بقتل الصحافي في تركيا. وهذه القضية حطمت بالكامل صورة الزعيم المتطور والمتنور... وطرحت علامات استفهام ثقيلة حيال ترجيح الرأي ومدى الحنكة لدى الرجل الذي يقود السعودية اليوم".
وحول صورة بن سلمان بنظر الغرب بعد توليه ولاية العهد واختلافها الآن إثر اغتيال خاشقجي، كتب زيسر أن "النضوج والخبرة تقتنيان بالعذاب، وقد تبين أكثر من مرة أن ولي العهد متهور وغير متزن" في حربه على اليمن واختطاف الحريري، على سبيل المثال.
وأضاف أنه "ظهرت الآن قضية تصفية الصحافي السعودي في اسطنبول... وهذا لعب بالنار. فمن يدعي أنه ينتمي إلى العالم المتنور، عليه أن يتبنى جزءا من قواعد اللعبة وعالم القيم الغربية. والأهم من ذلك أن عليه إبداء الحذر الزائد والحنكة. ولم يحدث شيء من هذا في القنصلية في إسطنبول". ورأى زيسر أنه من الجائز إجراء تسوية وإزالة القضية عن الأجندة العالمية، "لكن حلفاء السعودية والذين يريدون الخير لها، وبينهم واشنطن وتل أبيب، الذين توقعوا الكثير من بن سلمان، خائبو الأمل الآن".
"حاكم متهور وفاشل"
ورأى محلل الشؤون الدولية في موقع "واللا" الالكتروني، أورِن نهاري، في مقال خاطب فيه بن سلمان بشكل مباشر، أنه "ليس لديك من يمكن اتهامه (بقتل خاشقجي)، فأنت وجه النظام. والسعودية هي الحالة الوحيدة التي فيها الملك يعرف أقل من ولي العهد. أنت تقود الدولة والمقرر. هكذا يؤمن العالم كله على الأقل، وهكذا أنت أقنعت الغرب، وحصلت على رصيد. وهكذا أنت تبذره. الثقة تتلاشى بسرعة، وعندما يحل انعدام الثقة مكان الثقة لا توجد طريق للعودة".
وأضاف نهاري أنه "خلال سنة واحدة فقط، نفذت خطوات كثيرة ومتناقضة... المرجل يغلي فوق جميع ألسنة اللهيب في المواضيع الداخلية والخارجية في السعودية. وفي هذا التوقيت بالضبط جاءت قضية خاشقجي، الذي اختفى في قنصليتك في تركيا. وتبدو هذه كأنها عاصفة في فنجان ستتلاشى بسرعة، وجزء من لعبة تجسس، لكنها وحشية وإشكالية. هذه ليست عملية تسميم ذكية بمادة مشعة خلال وجبة عشاء في لندن، وإنما خلية أرسلت على عجلٍ من أجل قتل إنسان وتقطيع جثته داخل مبنى القنصلية".
ورجح نهاري أن المصالح بين أميركا والسعودية لن تتغير، وإنما "صورة بن سلمان ستتغير. وبعد عشرات السنوات التي كانت فيها الرياض حليفة مخلصة وشرعية، والسنوات التي خُيّل فيها أن السعودية في الطريق الطويلة لملكية دستورية مع حقوق للنساء، تلاشى هذا الحلم... فالتصفية في القنصلية تبدو كحدث آخر، في سلسلة طويلة، من اتخاذ قرارات متهورة، من دون حساب النتائج الممكنة. وخلال سنة واحدة تحولت، سيدي ولي العهد محمد بن سلمان، من الواعد الأكبر في العالم العربي إلى شاب متهور. شاب متسرع يرأس مصلحة تجارية عائلية قد يسبب إفلاسها. وحيز المناورة آخذ بالانتهاء، والشرق الأوسط ليس متسامحا تجاه حكام فاشلين".
بن سلمان: يطيح بالدبلوماسية السعودية إلى مستويات مختلفة تماما
يذكر أن المحلل السياسي الإسرائيلي، بن كسبيت، كان قد نقل في تشرين الأول/ نوفمبر الماضي عن مسؤول أمني إسرائيلي رفيع قوله إنه "نتعامل هنا مع أميرين شابين نسبيا (في إشارة إلى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد). ويُظهر بن سلمان جرأة غير مألوفة، وربما مغامرة أكثر مما ينبغي، وهو يتخذ قرارات كانت تعتبر قبل سنة أو اثنتين قرارات جنونية، ويطيح بالدبلوماسية السعودية إلى مستويات مختلفة تماما. وإنه لأمر مثير كيف سينتهي هذا الأمر".

تحليل || إستراتيجية إسرائيل: لا حرب ولا دولة

تحليل || إستراتيجية إسرائيل: لا حرب ولا دولة

تحليل || إستراتيجية إسرائيل: لا حرب ولا دولة

عند السياج الحدودي في غزة (أ ب)
الجيش الإسرائيلي يعتبر أن سقوط الصاروخين يستوجب رد فعل إسرائيلي "من نوع آخر". لكن بالإمكان الاستنتاج أيضا، أن الرد "من نوع آخر" لا يعني تغيير الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة بعدم شن حرب أو عملية عسكرية واسعة

ذكر صحافيون إسرائيليون، صباح اليوم الأربعاء، في أعقاب سقوط قذيفة أطلقت من قطاع غزة في مدينة بئر السبع، وألحقت أضرارا ببيت هناك، وسقوط قذيفة أخرى في البحر قبالة مدينة بات يام الملاصقة لمدينة يافا من جهة الجنوب، أن ضباطا في الجيش الإسرائيلي قالوا في إيجاز صحافي إن منظمة خارجة عن طوع "حماس" هي التي أطلقت الصاروخين. لكن محللين إسرائيليين، بينهم رون بن يشاي في موقع "يديعوت أحرونوت" الإلكتروني، قالوا إن سقوط القذيفتين يستوجب رد فعل إسرائيلي "من نوع آخر". وبالإمكان الاستنتاج أيضا، أن الرد "من نوع آخر" لا يعني تغيير الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة بعدم شن حرب أو عملية عسكرية واسعة.
في الصباح الباكر اعتبر المحللون، الذين يستمدون المعلومات لتقاريرهم من الجيش مباشرة، أنه "لا يبدو معقولا أن قيادة حماس هي التي أمرت بإطلاق القذيفتين". وبعد ساعتين، أعلنت حركتا حماس والجهاد الإسلامي أنهما لم تأمرا بإطلاق القذيفتين، بل وأنهما تعارضان ذلك ووصفته بغير المسؤول. وظهر اليوم، اعتبر المحللون ذاتهم أن كلتا الحركتين الفلسطينيتين بادرتا إلى إطلاق القذيفتين، "كتهديد هدفه إنقاذ المفاوضات مع المصريين حول تسوية (تهدئة) من الطريق المسدود الذي وصلت إليه أمس. ولذلك امتنعت الحركتان عن تحمل المسؤولية عن إطلاق القذيفتين".
في غضون ذلك، وصل وفد مصري إلى قطاع غزة أمس، ويتوقع أن يصل مدير المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، إلى القطاع اليوم، وأن يزور إسرائيل غدا، من أجل مواصلة المحادثات حول التهدئة في غزة. ويذكر أن رئيس "حماس" في غزة، يحيى السنوار، اشترط في مقابلة معه نشرتها "يديعوت أحرونوت" قبل أسبوعين، بأن اتفاق تهدئة يجب أن يشمل الهدوء من جانب الفصائل في غزة مقابل الهدوء ورفع الحصار من جانب إسرائيل. ويبدو أنه لا يوجد اتفاق حول هذه المعادلة حتى الآن، الأمر الذي أدى إلى التصعيد، فجر اليوم، بطبيعة الحال.
وبحسب التقارير الإسرائيلية، فإن القذيفتين من النوع الدقيق وتحملان كمية متفجرات أكبر من القذائف العادية. ويعتبر الجيش الإسرائيلي أن القذيفتين حملتا رسالة إلى إسرائيل، وأن سقوط إحداهما في البحر قبالة شواطئ وسط إسرائيل كان متعمدا.
وعلى الأرجح أن الطرفين في غزة وإسرائيل باتا يعرفان بعضهما ومنطقهما، بعد كل السنوات الماضية من الحروب والغارات والضربات الصاروخية، وأن هذه الحقيقة دفعت إسرائيل إلى اتخاذ موقف عدم شن حرب واسعة، لسبب بسيط هو أنها لن تحقق أية نتائج من خلالها. فقد شنت ثلاثة حروب، منذ نهاية العام 2008، والمواجهات والتوتر الأمني متواصلة منذ صيف العام 2005، عندما سحبت إسرائيل قواتها ومستوطنيها من داخل القطاع وفرضت الحصار عليه. ولم تحقق إسرائيل شيئا من كل هذه العدوانية، سوى سقوط آلاف الشهداء الفلسطينيين وعشرات آلاف الجرحى ودمار هائل يفاقم الكارثة الإنسانية الرهيبة في القطاع. وفي المقابل، تواصل الفصائل في القطاع إطلاق القذائف الصاروخية كلما دعت الحاجة إلى ذلك، خلال الحروب وبينها، وتبين اليوم أن بحوزتها قذائف صاروخية أكثر تطورا.
الجيش الإسرائيلي، الذي قطع رئيس أركانه، غادي آيزنكوت، زيارته للولايات المتحدة ليعود إلى تل أبيب، يعلم أنه لن يحقق شيئا بحرب أخرى. ورئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ليس معنيا بحرب كهذه عشية انتخابات عامة ستبقيه في الحكم على الأرجح. وأرجأ نتنياهو انعقاد الكابينيت (الحكومة الأمنية المصغرة) إلى حين عودة آيزنكوت، عصر اليوم.
وفي هذه الأثناء يطلق وزراء أعضاء في الكابينيت تهديدات ويطالبون بالعودة إلى سياسة الاغتيالات. لكن المحللين أجمعوا أن تصريحات للداخل، وموجهة خصوصا إلى اللجنة المركزية لحزب الليكود الحاكم أكثر مما هي موجهة ضد حماس. وأعلن وزير الأمن الإسرائيلي، افيغدور ليبرمان، أنه أوعز بإغلاق المعابر للقطاع وتضيق مساحة الصيد. أي تشديد الحصار. لكن حتى ليبرمان يعلم أنه سيقرر بعد أيام قليلة إعادة فتح المعابر وتوسيع مساحة الصيد، لأن قطاع غزة، بدون هذه العقوبات، يواجه الكارثة الإنسانية، والجهات الدولية الضالعة في أحداث القطاع ستمارس الضغوط على إسرائيل وحماس من أجل تهدئة الوضع.
كل ذلك يقود إسرائيل إلى الإبقاء على موقفها بعدم شن حرب، لأنها لن تحقق شيئا فيها، وأيضا لأن الوضع الحالي مريح لها من الناحية السياسية أيضا. فاستمرار الصراع بين إسرائيل وقطاع غزة بشكله الحالي، بينما تقف الضفة الغربية على الحياد، يعزز الانقسام الفلسطيني بين حماس والسلطة في رام الله، وبالنسبة لإسرائيل، هذا هو المطلوب: لا حرب واسعة في القطاع وبحيث يبقى محاصرا، ولا مفاوضات مع السلطة كي لا تقام الدولة.

قضية خاشقجي قد تنهي الصداقة الأمريكية -السعودية

قضية خاشقجي قد تنهي الصداقة الأمريكية -السعودية
صفحات رأي ومقالات

قضية خاشقجي قد تنهي الصداقة الأمريكية -السعودية

ًذي هيل"
15 تشرين الأول/أكتوبر 2018
قد يكون هذا الأسبوع مليئاً بالاضطرابات بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والنفط. ففي الرد السعودي المسبق على التعليقات المتوقعة من الرئيس الأمريكي ترامب في برنامج "60 دقيقة" الذي بُثّ مساء الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، أصدرت المملكة بياناً قالت فيه إنها "ترفض أي تهديدات ومحاولات للنيل منها". وكتبت "قناة العربية الإخبارية" تحذيراً تحريرياً ضمّ 30 إجراءً انتقامياً محتملاً ضد أي عقوبات أمريكية، من بينها "ارتفاع سعر برميل النفط إلى 100 دولار، أو ربما 200 دولار، وربما ضعف هذا الرقم".
إن ما قاله الرئيس ترامب فعلاً، بشكل شبه ضمني في ردوده على أسئلة عدائية حول روسيا، وكوريا الشمالية، والصين وقضايا أخرى، هو أن المملكة قد تواجه "عقاباً قاسياً" إذا أكدت الولايات المتحدة أن الصحفي السعودي المنفي وكاتب عمود في صحيفة "واشنطن بوست" جمال خاشقجي قد قُتل داخل القنصلية السعودية في اسطنبول في 2 تشرين الأول/أكتوبر.
ويشير الرد السعودي إلى أن المملكة لا تفكر في خيار إلقاء اللوم على بعض العناصر المارقة في الأجهزة الأمنية السعودية التي وفقاً لما يدّعيه المسؤولون الأتراك قامت بتعذيب خاشقجي، وقتله، وتقطيع أوصاله، وتصوير أحداث هذه الفظيعة المروعة برمتها. ومع ذلك، تحدّث الرئيس ترامب مع الملك سلمان صباح الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر وقال في وقت لاحق أن "قتلة مارقين" قد يكونوا مسؤولين عن اختفاء خاشقجي. وحيث لا توجد جثة (أو أي جزء من أجزاء جسم الضحية)، لا يزال الغموض يكتنف ما حدث لخاشقجي، إلا أن الكثيرون قد يعتبرون الرد السعودي بمثابة اعتراف بالذنب.
والأمر الثاني في استنتاج العديد من منتقدي المملكة هو أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي هو شخص متسلط وعنيف، سيحل قريباً محل والده كملك أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، وزعيم العالم الإسلامي، بحكم موقع المدينتين المقدستين "مكة المكرمة" و"المدينة المنورة" في المملكة، على الرغم من أنه لا يبلغ من العمر سوى 33 عاماً.
وقد أرسل الرئيس ترامب وزير خارجيته مايك بومبيو إلى الرياض، مزوَّداً على ما يبدو بقائمة من التوصيات السياسية. بيد، يشكل احتمالات قبول الجانب السعودي لأي منها موضع جدل.
ويبدو أننا نودّع بريق على الأقل، إن لم يكن جوهر، خطط الأمير لـ «رؤية المملكة ٢٠٣٠» بشأن التحول الاقتصادي للمملكة. فقد بدأت تتداعى قائمة الحضور لـ المؤتمر الاستثماري، المقرر عقده بين 23 و 25 تشرين الأول/أكتوبر في الرياض، حيث انسحب "الرئيس التنفيذي" لبنك "جي بي مورجان" جيمس ديمون في نهاية الأسبوع المنصرم. ومن المحتمل أن ينسحب وزير المالية الأمريكي ستيف منوشين في أي وقت.
وقد تبقى الإصلاحات الاجتماعية مثل دور السينما والترفيه الحي سارية المفعول، وهو الأمر بالنسبة لـ قيادة النساء للسيارات. لكن يجب ألا ننسى أن العديد من الناشطات اللواتي روّجن لهذه الحملة الأخيرة يقبعن في السجن. ومن المفارقات المحرجة أن السعودية، هي نظرياً زعيمة التحالف العالمي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، الجماعة المتطرفة التي تَميّز رعبها بتصوير عمليات تعذيب السجناء وإعدامهم.
كيف يمكننا جميعاً أن نكون مخطئين في آمالنا لمحمد بن سلمان؟ (ربما ليس جميعنا. فعندما حلّ بن سلمان محل سلفه من خلال حرمانه من النوم ومن تناول داء السكري، كتبتُ في العام الماضي، "قد تكون قساوته أكبر مصادر قوته، أو نقاط ضعفه". وذكرتُ "قصة الرصاصة" مثالاً على ذلك، عندما وضع رصاصة على مكتب مسؤول حكومي لم يرغب في التوقيع على إحدى الصفقات التجارية للأمير الشاب.)
وحتى قبل أسبوعين، كان المسؤولون الغربيون يستطيعون تبرير الاستبداد المحلي الذي يمارسه محمد بن سلمان، وفعلوا ذلك من خلال الإشارة إلى إعادة ترتيبه الظاهر للإسلام السعودي على أنه معتدل عوضاً عن النسخة المتطرفة التي أنتجت، من خلال التعليم الديني غير المسؤول والتبرعات الخيرية، أحداث 11 أيلول/سبتمبر وتنظيم «الدولة الإسلامية».
لكن اختفاء خاشقجي يشير إلى أنه قد تم إغواؤنا بالكلام السلس لحاشيته وأعوانه الذين يرددون ما تقوله شركات العلاقات العامة. وحتى الأمين العام لـ "رابطة العالم الإسلامي"، الشيخ د. محمد العيسى، الذي استضاف هذا الشهر مؤتمراً حول "التقارب الثقافي بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي" في مدينة نيويورك، أصدر في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر بياناً داعماً لولي العهد الأمير محمد بن سلمان: "أن ما تتعرض له المملكة لا يستهدف استقرارها فقط بل يتجاوز إلى تهديد الاستقرار الدولي". سيتعين علينا أن نرى ما إذا كانت فكرة المؤتمر بتسيير «قافلة رُسلِ سلام»، تضم قادة مسلمين ومسيحيين ويهود إلى القدس، ستكتسب أي زخم.
سوف تخبركم "الأيدي المتمرسة" بأن أفضل طريقة [لتحقيق تقدم في مجال ما هو المساهمة في الجهود] الدبلوماسية سراً، لكننا نعيش في عالم "التويتر"، وملخصات المقابلات التلفزيونية والبيانات العلنية، حيث يجري التسرع بإطلاق بعض التصريحات، كما حدث في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر عندما أعلنت المملكة تحدياً لا هوادة فيه وألمحت إلى تدابير من شأنها أن تضر بالاقتصاد الأمريكي أكثر بكثير من إضرارها بالاقتصاد السعودي.
وفي الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر نُشر تقرير بأن السعوديين سيسمحون أخيراً للمحققين الأتراك بالدخول إلى قنصلية المملكة في اسطنبول. وإذا توفي خاشقجي هناك، فسيكون قد تم حالياً إخفاء جميع الدلائل. وربما يكون لغز اختفاء جمال خاشقجي قد فات أوانه.
لقد اعتزمت السفارة السعودية في واشنطن استضافة احتفالاتها باليوم الوطني يوم الخميس القادم. والسؤال الذي طرح نفسه هو، هل سيكون السفير المضيف الأمير خالد بن سلمان، شقيق الأمير محمد بن سلمان، موجوداً أم سيبقى في الرياض، حيث أرسله البيت الأبيض للعثور على أجابات لمخاوف الولايات المتحدة؟ والغريب في الأمر، كنتُ مدعواً لهذا الحفل، ولكن لم أكن أنوي الذهاب، وتساءلتُ عن عدد الاًناس الرائعون والطيبون في واشنطن الذين لن يحضروا الحفل أيضاً - إلى أن ألغت السفارة هذه الأمسية.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن