Friday, February 21, 2020

الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران: إعادة إحلال الردع وتمكين الدبلوماسية

الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران: إعادة إحلال الردع وتمكين الدبلوماسية
المرصد السياسي 3265

الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران: إعادة إحلال الردع وتمكين الدبلوماسية

 14 شباط/فبراير 2020
"في 7 شباط/فبراير، خاطب مايكل آيزنشتات، كوري شيك، واللفتنانت جنرال (متقاعد، سلاح الجو الأمريكي) ديفيد ديبتولا منتدى سياسي في معهد واشنطن. وآيزنشتات هو زميل "كاهن" ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد. وشيك هي مديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في "معهد أمريكان إنتربرايز". وديبتولا هو عميد "معهد ميتشل لدراسات الفضاء الجوي". وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

مايكل آيزنشتات
في أيّار/ مايو 2019، أطلقت إيران حملة ضغط مضادة ردّاً على سياسة الضغط القصوى التي تمارسها الولايات المتحدة، بهدف حثّ واشنطن على تخفيف العقوبات أو رفعها. وقد استخدمت هذه الحملة على نطاق واسع الأعمال التي تصبّ في "المنطقة الرمادية" بين الحرب والسلام. وتقوم الجهّات الفاعلة في هذه المنطقة الرمادية بالتدقيق والاختبار لتحديد ما يمكنها القيام به من دون عواقب. فهي تخلق الغموض من خلال أنشطة سرية أو بالوكالة، وإجراءات تدريجية لجعل الأعداء مرتبكين حول كيفية الردّ. كما تقوم هذه الجهّات بتفادي الاشتباك العسكري الحاسم. وتقوم بكل ذلك من أجل النهوض بجدول أعمالها الرافض للوضع الراهن وإدارة المخاطر في الوقت نفسه، والتخفيف من التصعيد المحتمل وتجنب الحرب. وتمت مناقشة إستراتيجية المنطقة الرمادية لإيران، والاستراتيجية الأمريكية المضادة المقترحة للمنطقة الرمادية الموضحة أدناه بمزيد من التفصيل في تقرير معهد واشنطن الصادر حديثاً بعنوان: "العمل في المنطقة الرمادية: مواجهة طريقة الحرب الإيرانية غير المتكافئة".
وفي حين أن هناك احتمال للتصعيد ونشوب صراع أوسع مع إيران، إلّا أنّه من غير المرجح نشوب "حرب شاملة"- ما لم تلجأ الولايات المتحدة إلى ذلك - لأنّ الهدف الكامل من طريقة عمل إيران في المنطقة الرمادية هو تجنب مثل هذه النتيجة. ومن جانبه، صرح الرئيس ترامب مرات عديدة بأنه لا يريد حرباً مع إيران.
ولطالما كافحت الولايات المتحدة للردّ بشكل فعّال على استراتيجية المنطقة الرمادية الإيرانية، ولم تشكّل الإدارة الأمريكية الحالية استثناءً على ذلك. فمنذ أيّار/ مايو الماضي، تأرجحت بين ضبط النفس المفرط والردود التصعيدية المحتملة مثل القتل المستهدف لقائد «قوة القدس» قاسم سليماني. وقد أضاف مقتله طبقة أخرى من التعقيد على لعبة متعددة المستويات ومعقدة بالفعل. أوّلاً، هناك رغبة في الانتقام لمقتل كلّ من سليماني وزعيم ميليشيا «كتائب حزب الله» أبو مهدي المهندس. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا، هل أغلقت ضربة إيران الانتقامية بالصاروخ الباليستي على قاعدة "عين الأسد" الجوية في العراق ملف سليماني، أم هل ستحاول طهران أيضاً قتل مسؤول عسكري أمريكي كبير رداً على ذلك؟ أمّا بالنسبة لوكلاء إيران العراقيين، فمن المنطقي الافتراض بأنّهم لم ينتقموا بعد لمقتل المهندس.
وهناك عامل آخر يجب أخذه بعين الاعتبار وهو تأثير السياسات المحلية. فقد دأب المتشددون الإيرانيون على تهميش خصومهم المحافظين العمليين. كما تشهد البلاد اضطربات شعبية متواصلة، مَثَلها مَثَل العراق ولبنان، وكل ذلك قد يؤثّر على قرارات إيران المستقبلية. وبالفعل، قد تكون السياسات المحلية قد صاغت ردّ إيران السريع غير الاعتيادي على مقتل سليماني في محاولة لإظهار العزم خشية أن تلاحظ المعارضة الضعف وتقوم باستغلاله. وتمرّ إيران والولايات المتحدة أيضاً في عام انتخابات، وبالتالي فقد تفجّر طهران مفاجأةً من نوع ما في تشرين الأوّل/ أكتوبر قد تكلّف الرئيس ترامب إعادة انتخابه.
كما تُطرح مسألة أخرى وهي ما إذا كان مقتل سليماني قد أعاد إحلال الردع الأمريكي. فللردع حياة قصيرة ويجب رعايته بشكل دائم. لذا ستسعى إيران إلى اختبار عزم الولايات المتحدة، وعلى واشنطن الردّ بحزم على مثل هذه الاختبارات، وإلّا فقد تشتد عزيمة طهران.
ويواجه القادة الإيرانيون عدداً من المعضلات ما بعد مقتل سليماني، إذ أنّ حملتهم المعارِضة لم تكسبهم تخفيفاً للعقوبات وكلّفتهم القائد العسكري الذي يتفاخرون به أكثر من غيره. وقد يترتّب عن المزيد من التصعيد مع الولايات المتحدة التي لا يمكن التنبؤ بأفعالها مخاطر كبرى. لذلك، عليهم أن يسألوا أنفسهم اليوم ما إذا كان اغتيال سليماني يمثّل مقاربة أمريكية جديدة أو حدثاً واحداً منفصلاً.
بالإضافة إلى ذلك، قد يكون لدفع القوّات الأمريكية خارج العراق عدة عواقب سلبية على إيران، التي قد تخسر مصدراً قوياً للضغط على واشنطن، كما أن العقوبات الأمريكية التي تم التلويح بها على العراق قد تؤذي إيران؛ بالإضافة إلى ذلك، قد تُضطّر طهران إلى القيام بنفسها بالجهد الكبير في العمليات المستقبلية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» المنبعث من جديد. فهل تفوق فوائد طرد الأمريكيين هذه العوائق المحتملة؟
وتؤكّد جميع هذه التداعيات المرتبطة بسليماني على الحاجة إلى استراتيجية منطقة رمادية أمريكية تجاه إيران. فمن المرجح أن تؤدي أنشطة المنطقة الرمادية السرية أو غير المعترف بها إلى عرقلة الجهود الأمريكية للتفاوض على اتفاق نووي جديد مع طهران بشكل أقل. كما قد يكون لها تأثير مخلّ بشكل أقل على السياسة الداخلية للولايات المتحدة، مما سيجعل من سياسة الإدارة الأمريكية أكثر استدامةً في الداخل. بالإضافة إلى ذلك، ستكون أكثر توافقاً مع البيئة التشغيلية - أي أنها أقل عرضة لإثارة رد فعل سياسي في أماكن مثل العراق، وستكون أكثر تناغماً مع متطلبات المنافسة الاستراتيجية الطويلة الأجل، والتي تميل إلى الانتصارات الصغيرة بدلاً من الضربات القاضية. وأخيراً، ستكون أكثر توافقاً مع استراتيجية الدفاع الوطني التي تسعى إلى تحويل تركيز الولايات المتحدة والقوّات العسكرية إلى المنطقة المشتركة بين المحيطين الهادئ والهندي.
وتشمل العناصر الرئيسية لمثل هذه المنطقة الرمادية ما يلي: الردّ بحزم على الاختبارات الإيرانية من أجل تعزيز الردع، واستخدام الردع بالعقاب وكذلك بالنفي، واستخدام الإجراءات السرية كلما كان ذلك ممكناً، والقيام بالأعمال بصورة علنية عند الضرورة، واعتماد مقاربة متوازنة تقوم على تفادي كل من الكبح المفرط والتصعيد غير الضروري، والتصرّف بشكل غير متوقّع وغير متوازن من أجل استغلال انشغال إيران بإدارة المخاطر، وتغيير إطار إيران التحفيزي من خلال عدم وضعها في موقف حرج، والمماطلة بدل الإفراط من خلال البحث عن ميزة عن طريق مكاسب تدريجية بدلاً من الإجراءات السريعة والحاسمة، وتوسيع خيارات المنطقة بحيث لا يكون التصعيد العمودي هو الخيار الوحيد المتوفّر لدى المسؤولين الأمريكيين.
كوري شيك
تمثلت نظرية إدارة ترامب بأنّ سليماني كان قادراً بشكل فريد على وضع استراتيجيات وبناء تحالفات وتنفيذ حروب غير متماثلة. ومن وجهة نظر الإدارة الأمريكية، بنى سليماني عمقاً استراتيجياً لإيران بشكل فعّال. ورغم أن هذا التقييم كان صحيحاً إلى حدّ كبير، إلّا أنّ استراتيجية سليماني تجاوزت على ما يبدو ذروة نجاحها قبل مقتله. فبانشغاله في الحصول على التقدير [لما كان يقوم به]، فقد كان يخسر من السكّان الشيعة الساخطين الذين كان يمكنه استغلالهم، كما أظهرت الاحتجاجات في لبنان والعراق. ومن هذا المنطلق، كان من الممكن الإبقاء عليه ومشاهدته وهو يفشل، وفي الوقت نفسه اتباع استراتيجية مشابهة لتلك التي استُخدمت ضد تنظيم «القاعدة» - أي استهداف القادة من الصف الثاني. غير أنّ واشنطن لم تقم بالرد علناً على الهجمات الإيرانية على السفن المحايدة ومنشآت النفط السعودية قبل استهداف سليماني، الأمر الذي جعل حلفاء الولايات المتحدة قلقين جداً بشأن أمنهم.
لقد قادت الإدارة الأمريكية الأمور في أعقاب موته بشكل جيّد للغاية، حيث أرسلت إشارات عبر السويسريين واتخذت خطوات لإدارة التصعيد. وقد ساهمت تصريحات إيران المضطربة بأنّ الضربة الصاروخية الباليستية ستكون ردّها الوحيد في المساعدة على استقرار الوضع - وكانت هذه نتيجة يَسَّرتها الإدارة الأمريكية. لكن في النهاية، من غير المرجح أن تتمسّك إيران برأيها حول هذا الانتقام فقط، إذ أنّ قيامها بذلك سيثبّت صحة ما تقوله الإدارة الأمريكية بأنّ سليماني كان قادراً بشكل فريد على تعبئة ردود غير متماثلة. وفي الواقع، يبدو أنّ النظام الإيراني يعود بالفعل إلى الوضع السابق، مع قيام وكلائه بإطلاق صواريخ على أهداف أمريكية في العراق.  
ولإعادة إحلال الردع، على المسؤولين الأمريكيين العمل مع حلفائهم. إلّا أنّ دول الخليج تدرك أنّ واشنطن تميل إلى أن تكون غير جديرة بالثقة ما لم تحمل قِيَماً مشتركة بعمق مع شريك معيّن - وحتّى في ذلك الحين لا يمكن الاعتماد عليها تماماً. ويُعتبر الوضع في العراق حتّى أكثر تعقيداً، لأنّ بغداد بحاجة إلى المساعدة الأمريكية لكنّها تريد أيضاً تقييد الأنشطة التي تقوم بها الولايات المتحدة. وعند تناول هذه المعضلات، على جميع الأطراف الأخذ بعين الاعتبار أنّ المعلومات الاستخباراتية التي تحصل عليها واشنطن من خلال العمل في بلدان أخرى والتعاون معها لا تُقدّر بثمن.
أمّا بالنسبة للتعاون البحري في الخليج العربي، فيتردد الحلفاء في الانضمام إلى القوة التي تقودها الولايات المتحدة. إذ هناك عدد أكبر من الدول في القوّة البحرية للاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا من نظيرتها الأمريكية. فاستراتيجية إعادة التطمين التي اعتمدتها إدارة ترامب لنشر 1400 جندي إضافي في المنطقة، وتنفيذها عمليات قتل مستهدفة غير كافيَين. إذ ليس غياب القدرة العسكرية هو ما يجعل الشركاء الأمريكيين يشعرون بالقلق، بل الافتقار إلى المصداقية السياسية هو الذي يؤدي إلى ذلك.
إن أفضل رهان لواشنطن هو القيادة من الخلف [من المؤخرة]. فقد أساءت إدارة أوباما استخدام "القيادة من الخلف"، لكن عندما يتمّ تطبيقها بشكل صحيح، تُعتبر سياسة جيّدة جدّاً. واليوم هو الوقت المناسب لتطبيقها في الشرق الأوسط، من خلال دعم الأصدقاء بصمت وتزويدهم في الوقت نفسه بالقوّة الأمريكية.
ديفيد ديبتولا
ليست هناك احتمالات عالية لنشوب حرب شاملة مع إيران. فالهدف الرئيسي لطهران هو الحفاظ على بقاء النظام، وليس لدى إدارة ترامب رغبة في شن حرب أخرى في الشرق الأوسط. إنّ التصعيد غير المنضبط أمر مُمكن لكن غير محتمل. فالرئيس ترامب حدد خطّاً أحمر يتمثّل بـ "لا إصابات [في صفوف القوات] الأمريكية " وحذّر طهران من تجاوزه. وعندما قتل وكلاء إيرانيون متعهّداً أمريكياً في العراق، تصرّف كما وعد لحماية الأفراد الأمريكيين والمصالح الأمريكية.
وتتوافق تصفية سليماني مع استراتيجية واشنطن المؤلفة من ثلاثة أجزاء: (1) تقييد أنشطة إيران الخبيثة، و(2) دحر تأثيرها في المنطقة، و(3) ردع أي أعمال عدائية إضافية. ويُعتبر العنصر الرادع مهمّاً بشكل خاص؛ ولتحقيق نجاحه، يجب على القادة الإيرانيين أن يفهموا أنّ الولايات المتحدة ستستخدم قوّتها.
ويبعث مقتل سليماني رسالة قوية بشكل خاص لأنّه لا يمكن استبداله على المدى القصير. فقد كان إرهابي إيران البارز، وقائداً لإيديولوجيتها الثورية، ومفكّراً استراتيجياً مهمّاً. وفي الوقت الحالي، على الأقلّ، سيكون «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني أقل قدرة على التكيف، وسيعاني أتباعه السابقون كثيراً لملء مكانه.
وللمضي قدماً، لا يجب أن يحول الخوف من العواقب دون اتخاذ إجراء قوي من جانب الولايات المتحدة، فهو أمر ضروري في بعض الأحيان لأن التقاعس عن اتخاذ خطوات يميل إلى زيادة احتمالات حدوث المزيد من العنف. إنّ الطريقة الأكثر فعالية لتجنب الحرب مع إيران هي إقناع قادتها بأنّ العنف المستمرّ سيؤدي إلى دفع ثمن باهظ. فباستطاعة الولايات المتحدة فرض تكاليف مدمّرة على إيران، بينما تفتقر إيران إلى الوسائل اللازمة للرد بالمثل، ولهذا السبب تعتمد على الوكلاء والإرهاب بدلاً من ذلك.     
على واشنطن التصرّف أيضاً بعيداً عن مقاربة المفارقة التاريخية الحالية التي تعتمدها، والتي تفترض أنّ المناورة الأرضية الواسعة النطاق هي العنصر المهيمن في الحرب. فالاشتراك الفعّال يعني استخدام القوّة المناسبة في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، وعدم استخدام كل قوّة في كل مكان وكل زمان. وإذا أصبحت الأفعال الأمريكية القوية الإضافية ضرورية، فقد تؤدي القوة الفضائية الجوية المطبقة بشكل ملائم، والمكتملة بعمليات سيبرانية هجومية، إلى انهيار اقتصاد إيران وإبطال فعل جيشها والقضاء على برنامجها النووي ووضع حد لنفوذها الإقليمي. كما أن قدرة إيران الحاسمة على تكرير النفط، وشبكتها لتوزيع النفط، وشبكة كهربائها يمكن أن تصبح جميعها غير فعّالة بهذه الوسائل، دون حاجة إلى نشر قوّات أمريكية على الأرض.
ووفقاً لذلك، إذا ارتكبت إيران المزيد من الأعمال العدائية ضد أفراد أمريكيين ومصالح أمريكية، فلا ينبغي لواشنطن أن تتّبع الاستراتيجيات التي طبقتها على مدار السنوات التسعة عشر الماضية في أفغانستان والعراق. فقد تضمنت تلك الاستراتيجيات نشر مئات الآلاف من قوات المشاة لتنفيذ احتلال لفترة طويلة، وعمليات بناء الدولة ومكافحة التمرّد. وليس أيّ من هذه الخيارات محبّذاً داخلياً، كما أنها ليست قابلة للتطبيق في إيران. ولتحقيق التأثيرات المرجوة بسرعة، يجب أن يأخذ أي إجراء مطبّق في إيران شكل العملية الحاسمة التي نُفذت عام 1991، خلال عملية "عاصفة الصحراء" في العراق.
باختصار، إن الطريقة الأمثل لردع إيران هي زيادة القدرة على إبراز القوة الجوّية الأمريكية في المنطقة من أجل إظهار قدرة الفتك لديها من دون الكشف عن الضعف. هذا ما فعله الجيش الأمريكي بصمت منذ أحداث أوائل كانون الثاني/ يناير، وأخيراً فهمت إيران الرسالة.

أعدت هذا الملخص حانا كوبأمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".

Wednesday, February 19, 2020

"بلومبيرغ": لبنان يواجه خطر "الانهيار".. ساعدوا أنفسكم ليساعدكم صندوق النقد!

"بلومبيرغ": لبنان يواجه خطر "الانهيار".. ساعدوا أنفسكم ليساعدكم صندوق النقد!

إقتصاد

"بلومبيرغ": لبنان يواجه خطر "الانهيار".. ساعدوا أنفسكم ليساعدكم صندوق النقد!


ترجمة "لبنان 24": في ظل الانقسام الحاصل لجهة تسديد سندات الـ"يوروبوندز" المستحقة في 9 آذار المقدر قيمتها بـ1.2 مليار دولار، وحالة الترقب التي تسود البلاد استعداداً لوصول وفد تقني من صندوق النقد الدولي، نشرت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية مقابلة مع كبير مسؤولي البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فريد بلحاج، حذّر فيها من أنّ لبنان يواجه خطر "الانهيار"، ما لم يطوّر نموذج حوكمة جديداً "أقل فساداً" و"أكثر شفافية" بالمقارنة مع النظام القائم.


وفي حديثه، شدّد بلحاج على ضرورة توقف السياسيين عن ممارستهم والإنصات للبنانيين، متوجهاً إلى المسؤولين بالقول: "لا يمكنكم مواصلة ما كنتم تقومون به لأعوام خلت عندما ترون رد فعل الشارع وعندما ترون حالة الاقتصاد الراهنة".
 
الوكالة التي أوضحت أنّ حكومة الرئيس حسان دياب طلبت مساعدة تقنية من صندوق النقد الدولي، تشمل كيفية التعامل مع الديون، نقلت عن المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، قولها إنّ الصندوق سينظر في تقديم دعم مالي "إذا ما اقتنعنا بأنّ ثمة جدية في مقاربة الحكومة".
 
وفيما لفتت الوكالة إلى أنّ بعض المسؤولين اللبنانيين قالوا إنّ لبنان لا يرغب في الحصول على حزمة إنقاذ شبيهة بالتي حصلت عليها الأرجنيتن من الصندوق في العام 2018، نظراً إلى أنّها ستكون مشروطة، أوضحت أنّ جورجيفا لم تحدد الشروط المحتمل فرضها على لبنان. يُذكر أنّ التوقعات تشير إلى أنّ لبنان قد يحصل من صندوق النقد على ما بين 5 إلى 10 أضعاف حصته البالغة حوالى 880 مليون دولار، أي ما بين 5 و8 مليارات دولار، حيث حصلت مصر في إطار الدعم المالي من صندوق النقد على أكثر من 4 أضعاف حصتها والأرجنتين أكثر من 11 ضعف حصتها.
 
وتابعت "بلومبيرغ" بالقول إنّ السياسيين اللبنانيين يخشون من أن يطلب صندوق النقد زيادة الضرائب وتحرير سعر صرف الليرة الثابت منذ التسعينيات. وفي هذا السياق، قالت الوكالة إنّ حجم الدين السيادي يزيد عن 150% من الناتج المحلي الإجمالي، إذ يحتل لبنان المركز السادس عالمياً لجهة أعلى نسبة دين إلى الناتج المحلي، مضيفةً بأنّ المستثمرين الأجانب يدرسون احتمال تخلّف الدولة اللبنانية عن سداد ديونها.
 
وقالت الوكالة إنّ أغلبية سندات الـ"يوروبوندز" اللبنانية هبطت إلى ما أقل من 35 سنت للدولار، مبيّنةً أنّ سعر السندات سجل انخفاضاً قياسياً الأسبوع الفائت قُدّر بـ74 سنت للدولار.
 
بالعودة إلى بلحاج، فإنّه أمِل بأن تنجح الحكومة الجديدة في حل المسائل العالقة منذ فترة طويلة، متحدثاً عن تحسين إمدادات الكهرباء وتحرير قطاع الاتصالات وإصلاح التعليم.
 
وفي حديث مع "العربية"، قال بلحاج إن المحادثات جارية مع الحكومة اللبنانية الجديدة لإعادة توجيه المليار دولار التي هي في عهدة الحكومة إلى قطاعات أخرى هي بحاجة إليها اليوم.
 
 
وأوضح بلحاج أنّ مبلغ المليار دولار الذي سبق أن تعهّد به البنك الدولي كقرض للبنان، يمكن استخدامه لدعم التقديمات الاجتماعية والاستثمار في الكهرباء، مشترطاً أن تنفذ الحكومة برنامج "إصلاحات"، كالكهرباء "الذي نحكي فيه منذ سنوات وسنوات"، و"توجيه إنفاق الموازنة إلى مشاريع ذات جدوى تنموية، والحماية الاجتماعية وموضوع المياه. كل هذه المواضيع يجب أن تُعالَج بصورة سريعة".

وشدّد بلحاج، على ضرورة "جلوس شركاء لبنان حول الطاولة للتفاعل مع الحكومة اللبنانية، لا أن يكون البنك الدولي وحيداً في هذا الأمر". وأضاف بلحاج: "مستعدون لدعم لبنان، لكن عليه أن يدعم نفسه لجذب الجهات المانحة، وأن تطبيق الإصلاحات سيشجع الجهات المانحة على دعم لبنان. الإصلاحات السريعة مطلوبة في الكهرباء والاتصالات والتغطية الاجتماعية، وأن التفاعل الإيجابي مع صندوق النقد سيعيد الثقة للجهات المانحة والأسواق".
 
توازياً، تطرّقت الوكالة إلى القيود المفروضة على السحب والتحويل (Capital Control) وإلى تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق السوداء (خسرت الليرة نحو 40% من قيمتها)، وإلى تراجع شركة طيران الشرق الأوسط "MEA" عن تسعير تذاكرها بالدولار.
 
من جهتها، قالت جورجيفا إنّ الحكومة اللبنانية بحاجة إلى أن تنظر عن كثب وجدياً إلى ما يمكنها القيام به لإصلاح الاقتصادي، "وذلك استجابة لمطالب الشعب اللبناني وليس لنا (صندوق النقد)".
 

ماذا بعد استحقاق 9 آذار؟
يشير تقرير "الدين وأسواق الدين" الذي تعدّه وزارة الماليّة، إلى أنّه سيلي استحقاق الـ1.2 مليار في آذار استحقاق آخر لسندات اليوروبوند بقيمة 700 مليون دولار في منتصف شهر نيسان، فيما ستستحق سندات يوروبوند أخرى بقيمة 600 مليون دولار في شهر حزيران. وحسب التقرير نفسه، سيُضاف إلى هذه المبالغ الضخمة المستحقة مبلغ 2.7 مليار دولار، هي قيمة الفوائد التي يُفترض أن يدفعها لبنان بالدولار كفوائد على الدين العام القائم بالعملة الأجنبيّة.
في الخلاصة، ستبلغ قيمة كل استحقاقات سنة 2020 بالعملة الأجنبيّة تحديداً حوالى 5.2 مليار دولار، وستكون استحقاقات دولاريّة مؤلمة، في ظل ضغوط بلغت حد صعوبة تأمين العملة الصعبة الضروريّة لتمويل استيراد الحاجات الأساسيّة. وفي الوقت الذي تواجه فيه المصارف ضغطاً رهيباً على شكل سحوبات نقديّة ثابتة ومستمرّة بالدولار من قبل المودعين.

دوافع مالي للتفاوض مع التنظيمات الإرهابية

دوافع مالي للتفاوض مع التنظيمات الإرهابية

الأسباب الخمسة:

دوافع مالي للتفاوض مع التنظيمات الإرهابية

الثلاثاء، 18 فبراير، 2020
الأسباب الخمسة:
لا يبدو أن فتح قنوات تواصل مع التنظيمات الإرهابية، وهو الخيار الذي ألمح إليه الرئيس المالي إبراهيم بوبكر كيتا، في 10 فبراير الجاري، سوف يكون مهمة سهلة، خاصة مع استمرار وتصاعد حدة العمليات الإرهابية التي تنفذها هذه التنظيمات، وكان آخرها بعد نحو أربعة أيام من تصريحات كيتا في هذا الصدد، حيث تعرضت وحدة من الجيش المالي لهجوم في قرية بنتيا التي تقع في وسط البلاد أسفر عن مقتل ثمانية جنود وإصابة أربعة، بالتوازي مع هجوم آخر شهدته قرية موندور التي تقع في المنطقة نفسها وأدى إلى مقتل جندي تاسع.
وقد جاءت تصريحات الرئيس المالي لتعبر عن سياسة جديدة تحاول مالي تبنيها في مواجهة التنظيمات الإرهابية، حيث أثارت تساؤلات عديدة حول مسارات وآليات التفاوض مع تلك التنظيمات التي تنشط في المنطقة، وانعكاس ذلك علي باقي دولها.
اعتبارات عديدة:
يمكن تفسير هذا التوجه الجديد الذي تتبناه مالي في ضوء اعتبارات رئيسية خمسة تتمثل في:
1- تصاعد معدلات العمليات الإرهابية: شهدت الفترة الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات العمليات الإرهابية في شمال مالي، والتي تم تنفيذها من جانب تنظيم "أنصار  الدين" التابع لتنظيم "القاعدة". ومن هنا، يبدو أن مالي تحاول عبر اختبار هذا التوجه الجديد وضع حد لتلك العمليات التي تؤثر بشكل كبير على حالة والاستقرار داخلها.
2- اتساع نطاق العنف القبلي: يتوازى مع تصاعد العمليات الإرهابية انتشار ظاهرة العنف القبلي، على غرار ما حدث قبيل الهجومين الإرهابيين الأخيرين اللذين تعرضا لهما الجيش المالي في 14 فبراير الجاري، حيث اندلعت مواجهات قبلية بين عرقيتى "الفولاني" و"الدوغون" في قرية أوغوساغو، على نحو أسفر عن مقتل 31 مدنياً، وهى القرية نفسها التي ارتكبت فيها خلال الفترة الماضية أعمال عنف أسفرت عن مقتل 161 مدنياً، وهو ما فرض ضغوطاً متزايدة على السلطات المالية دفعتها إلى الإقدام على محاولة توسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها للتعامل مع التداعيات السلبية التي تنتجها عمليات العنف القبلي المستمرة، حيث يمكن أن تمتد قنوات التواصل التي تشير السلطات إلى إمكانية فتحها مع تلك التنظيمات إلى حركات التمرد المحلية، بما يعني أنها لن تكون بعيدة عن الجهود التي تبذلها لاحتواء ظاهرة العنف القبلي.
3- اتجاه الولايات المتحدة إلى تخفيض عدد قواتها في المنطقة: أثارت التصريحات التي أدلى بها العديد من المسئولين العسكريين الأمريكيين والتي أشاروا فيها إلى احتمال إقدام الولايات المتحدة على سحب بعض قواتها من المنطقة، قلقاً بالغاً لدى دولها، التي اعتبرت أن ذلك سوف يدفع التنظيمات الإرهابية إلى محاولة ملء الفراغ المحتمل الذي سوف ينتج عن ذلك، واستعادة قدرتها على تنفيذ عمليات إرهابية نوعية، خاصة في ظل الدور البارز الذي كانت تقوم به القوات الأمريكية في تصفية عدد من قادة وكوادر تلك التنظيمات عبر الضربات الجوية التي كانت تشنها ضد مواقعها.
4- تفعيل اتفاق الجزائر: لا يبدو أن هذا الاتجاه ينفصل عن التحركات العسكرية التي تقوم بها القوات المالية لإعادة الانتشار في بلدة كيدال شمال البلاد، بهدف تعزيز قدرة الدولة على السيطرة على تلك المنطقة، وفقاً لما يقضي به أحد بنود اتفاق السلام الذي أبرم في الجزائر بين الحكومة وبعض الجماعات المتمردة في بداية مارس 2015، والذي كانت الأولى قد وقعته من أجل تجنب الانزلاق إلى حرب أهلية مع المتمردين الذي يتلقون دعماً من جانب قوى عديدة تسعى، طبقاً لرؤيتها، إلى استمرار الفوضى وعدم الاستقرار في مالي.
5- فك الارتباط بين المليشيات المتمردة والتنظيمات الإرهابية: نجحت بعض حركات التمرد في تأسيس علاقات قوية مع التنظيمات الإرهابية التي تنشط في مالي بهدف تعزيز قدرتها على مواجهة الضربات العسكرية التي تشنها الحكومة ضدها، وهو ما قوبل بدعم من جانب تلك التنظيمات باعتبار أن ذلك يوفر لها ظهيراً قبلياً. ومن هنا، يبدو أن مالي تسعى عبر هذا الاتجاه الجديد إلى تعزيز فرص فك الارتباط بين المتمردين وتلك الجماعات، باعتبار أن ذلك سوف يكون محوراً رئيسياً في أية مفاوضات قد تجري بين الطرفين خلال المرحلة القادمة.
صعوبات محتملة:
قد تواجه مالي صعوبات عديدة في حالة ما إذا اتجهت إلى تحويل تلك التصريحات إلى خطوات إجرائية على الأرض. إذ لا يبدو أن هذا الخيار سوف يحظى بدعم دولي لافت، خاصة أن بعض القوى المعنية بالحرب ضد الإرهاب ما زالت ترفض بشكل واضح التفاوض مع الإرهابيين وترى أن ذلك يمثل أحد المحددات الأساسية في سياستها الخارجية. فضلاً عن أن قيادات بعض تلك التنظيمات مطلوبة أمنياً من جانب العديد من تلك القوى، على نحو يمكن أن يتسبب في اندلاع أزمة مع الأخيرة في حالة ما إذا توصلت مالي إلى اتفاق مع هذه التنظيمات، حيث لن تكون هناك خيارات عديدة أمامها للتعامل مع ذلك.
إلى جانب ذلك، فإن حركات التمرد سوف تتجه إلى وضع العراقيل أمام المفاوضات المحتملة التي قد تجري بين الطرفين، في ظل رؤيتها القائمة على أنها ستكون مستهدفة من المعطيات التي يمكن أن تفرضها. كما أن امتداد تلك التنظيمات إلى داخل دول الجوار سوف يضعف من احتمالات تطبيق أى اتفاق قد تنتهي إليه المفاوضات، على نحو يوحي في النهاية بأن هذه المهمة لن تكون سهلة خلال المرحلة القادمة.

تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الأمن المعلوماتي للدول

تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الأمن المعلوماتي للدول

مخاطر جيوسياسية:

تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الأمن المعلوماتي للدول

الإثنين، 17 فبراير، 2020
مخاطر جيوسياسية:
عرض: سارة عبدالعزيز - باحثة في العلوم السياسية
أسهمت الاستخدامات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عدد كبير من المجالات التجارية والصناعية والمعلوماتية والأمنية وغيرها، في بروز حالة من الازدواجية طرحتها تلك الاستخدامات، حيث عُدّ الذكاء الاصطناعي بمثابة سلاح ذي حدين. فهو من ناحية يُعزز من قدرات تقديم الخدمات في كافة المجالات، إلا أنه قد يستخدم في الوقت ذاته لتعزيز قدرات الأسلحة المضادة التي تستهدف تلك الاستخدامات. 
ومن ثم تأتي هذه الورقة التي تم إعدادها من قبل "جون فيلاسينور" وهو كاتب متخصص في دراسات الحوكمة في مركز الابتكار التكنولوجي التابع لمعهد بروكنجز، وتم نشرها ضمن مجلد تم تحريره بشكل مشترك بين كل من معهد بروكنجز والمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، بعنوان "السباق العالمي للتفوق التكنولوجي: استكشاف الآثار الأمنية"، حيث تُعنى الورقة بالأساس باستكشاف أبعاد العلاقة بين ثلاثة متغيرات أساسية، هي: الذكاء الاصطناعي، وتأثيره على سلامة وتكامل المعلومات، وانعكاس ذلك على السياق الجيوسياسي. 
وتنبثق أهمية ذلك التناول من الأهمية الجيوسياسية للمعلومات ذاتها، حيث تحدد تدفقات المعلومات ما يعرفه المواطنون عن بلدهم والأحداث داخله، وكذلك ما يعرفونه عن الأحداث والتفاعلات العالمية وغيرها، أي إنها تسهم بمعنى آخر في تشكيل والتفاعل مع الرأي العام في الداخل والخارج. كما تعد تدفقات المعلومات أيضًا مدخلًا مهمًّا لصنع القرارات الاستراتيجية فيما يتعلق بالدفاع والأمن القومي وتعزيز النمو الاقتصادي. وبالتالي، فإن أي تأثير إيجابي أو سلبي من جانب الذكاء الاصطناعي على سلامة وتكامل المعلومات من المتوقع أن يُحدث تأثيرًا أكبر على النظام المعلوماتي ككل، وكذلك على الأبعاد الجيوسياسية للدولة في الداخل والخارج. 
محددات التأثير 
تطرح الورقة ثلاثة محددات أساسية تُشكل الكيفية التي يمكن من خلالها للذكاء الاصطناعي التأثير على البيئة المعلوماتية خلال العقد القادم. وتتمثل تلك المحددات فيما يلي: 
أولًا- التطور المتسارع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، مدفوعةً في ذلك بمعدلات غير مسبوقة من الاستثمار العام والخاص. فوفقًا لمؤسسة (CB Insights)، تطور حجم رأس المال الاستثماري من قبل الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة الأمريكية من 4.1 مليارات دولار في عام 2016، و5.4 مليارات دولار في عام 2017 إلى 9.3 مليارات دولار في عام 2018. 
كما زادت الحكومة الأمريكية من حجم الدعم الموجه للأبحاث في ذلك المجال، حيث أعلنت وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (DARPA) في خريف عام 2018، عن حملة بقيمة ملياري دولار لتطوير موجة جديدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي. وينطبق الأمر ذاته على الصين، التي دفعت باستثمارات قُدرت بمليارات الدولارات في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تنظر إليه باعتباره دعامة أساسية لتحقيق هدفها في أن تصبح قوة تكنولوجية عظمى. وكذلك الأمر في كل من إسرائيل والدول الأوروبية.
وقد تزامن مع تلك الطفرة في الاستثمارات الحكومية موجة أكبر من الاستثمارات الخاصة الموجهة للبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي قادتها الشركات التكنولوجية الكبرى مثل أمازون وIBM وجوجل ومايكروسوفت. وإجمالًا فإن تلك الاستثمارات الموجهة من قبل كل من الحكومات والمستثمرين والشركات التكنولوجية من المتوقع أن تؤدي إلى إحداث قفزات هائلة في الذكاء الاصطناعي، وإضافة المزيد من القدرات للخوارزميات التي تجمع بين الإبداع البشري والقدرات الحاسوبية. 
ثانيًا- الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في البيئة الرقمية: ويقصد بها الدرجة التي يتداخل فيها الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد مع النظام الإيكولوجي للمعلومات الرقمية، حيث إن المتابع يجد أن أهم التغييرات التي حدثت في تكنولوجيا المعلومات خلال الربع الأخير من القرن الماضي، تمت جميعها بعيدًا عن الذكاء الاصطناعي. 
وفي المقابل، من المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنصيب كبير في التطور المستقبلي للمشهد الرقمي المعلوماتي خلال العقد القادم. وهو الأمر الذي بدت ملامحه الأولية خلال السنوات الخمس الماضية مع زيادة حجم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المجال التجاري، سواء من خلال توقع احتياجات المستهلكين، والاستفادة منها في تحسين الخدمات المقدمة في مجالات النقل والتسوق الإلكتروني والإعلام وغيرها.
ثالثًا- حماة المعلومات (Information Gatekeepers): وتتمثل بشكل أساسي في شركات مواقع التواصل الاجتماعي (بالإضافة إلى كل من تجار التجزئة عبر الإنترنت، ومقدمي خدمات الإنترنت والهاتف المحمول) باعتبارها طرفًا ثالثًا يتحكم بشكل أو بآخر في كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على البيئة المعلوماتية، حيث تتعامل تلك الشركات مع ملايين المستخدمين، ومن ثم تسعى إلى الاستفادة من المكاسب التي يتيحها تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع في أنظمتها مثل تقديم محتوى مخصص للغاية للمستهلكين بشكل فردي، أو الكشف عن الاحتيال. علمًا بأنه في الدول السلطوية، تكون الحكومات نفسها هي حماة المعلومات، حيث تسعى إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة كافة سلوكيات المستخدمين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع الإقرار بوجود اختلافات بينها، سواء في طبيعة الأدوات المستخدمة ودرجة ذلك الاستخدام.
تأثيرات على سلامة وتكامل المعلومات
يتناول هذا المحور الدور المزدوج للذكاء الاصطناعي في التأثير على سلامة وتكامل المعلومات، سواء من خلال توفير الحماية لها، أو تدعيم آليات إطلاق الحملات التي تستهدفها. وتجدر الإشارة إلى أن سلامة وتكامل المعلومات تشير إلى ثلاثة عناصر أساسية شديدة الارتباط، وهي: مدى دقة المعلومات، وكونها غير خادعة أو مضللة من خلال ربطها بالسياق الصحيح الذي تنبثق منه، وأخيرًا إسنادها بشكل صحيح من خلال تتبع مصدر المعلومة. ومن ثم، يجب الجمع بين تلك العناصر الثلاثة لتقييم سلامة وتكامل المعلومات، كما أن أي تغيير في عنصر من تلك العناصر يؤثر بشكل كلي على سلامة وتكامل المعلومات المقدمة.
وقد طرحت الورقة شكلين أساسيين من أشكال تأثير الذكاء الاصطناعي على سلامة وتكامل المعلومات، وذلك على النحو التالي: 
أولًا- التأثير من خلال الخداع العميق (Deepfakes): وهي مقاطع فيديو يتم إنتاجها بمساعدة تقنيات التعليم العميق، حيث تنسب إلى الأشخاص القيام بأفعال أو الإدلاء بأحاديث لم يفعلوها أو يدلوا بها، ومن ثم فهي تعد من أخطر أشكال التضليل المعلوماتي خلال العقد القادم. وعلى الجانب الآخر، نجد أن هناك جهودًا جادة يتم بذلها من جانب الباحثين لتطوير أساليب تعتمد على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد مقاطع الفيديو المعالجة تلقائيًا، واستخدام التعلم العميق لاكتشاف الصور والفيديوهات التي يتم معالجتها بواسطة برامج تبديل الوجوه. 
ثانيًا- التأثير من خلال الحسابات الآلية (Bots): وهي حسابات مبرمجة يتم ربطها عبر شبكات من منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها حسابات لأفراد، في حين أنها في الواقع مجرد حسابات آلية تديرها برامج. ووفقًا لأحدث الدراسات فقد تبين قيام الحسابات الآلية بنشر حوالي 14 مليون رسالة تتضمن محتوى مضللًا من أصل 400 ألف تغريدة على تويتر، وذلك خلال عشرة أشهر في عامي 2016 و2017. 
وفي المقابل، يمكن أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي للكشف عن نشاط تلك الحسابات والتي غالبًا ما تعمل بطرق يمكن التعرف عليها بسهولة. حيث إن المحتوى الذي تقدمه تلك الحسابات غير المدعومة بالذكاء الاصطناعي يعد منخفض المصداقية والدقة، مما يجعل اكتشافه أمرًا سهلًا. 
وتشير الورقة إلى أنه حتى الآن لم يتم إدماج الذكاء الاصطناعي في تلك الحسابات الآلية، إلا أنه من المتوقع أن يحدث ذلك في المستقبل القريب، وحينها ستقوم بعمل فعال للغاية في نشر المعلومات المضللة، حيث ستكتسب قدرات أقرب لمحاكاة تلك البشرية، من خلال إنشاء شبكات أكبر لنشر التغريدات، والاعتماد جزئيًّا على تضمين المعلومات الخاطئة في الردود. مما يجعل من الصعب اكتشافها، ويجعل نتائجها أكثر فعالية. وهنا تصبح الطريقة الأكثر فاعلية لتحديد وحظر الحسابات الآلية الممكّنة بالذكاء الاصطناعي هي استخدام الذكاء الاصطناعي ذاته في خوارزميات الكشف، والتي تعتمد على مراقبة السلوك المتطور لتلك الحسابات والشبكات المرتبطة بها.
وهنا يطرح الكاتب مسألة غاية في الأهمية، حيث يوضح أن المعضلة الأساسية تتمثل في أنه كلما تقدمت وسائل المواجهة خطوة سبقتها وسائل التضليل خطوات إلى الأمام، وهو ما يُكسبها المزيد من الوقت الذي تستطيع من خلاله تحقيق أهدافها في إحداث الخسائر حتى في ظل استخدام آليات المواجهة.
تأثيرات على الأبعاد الجيوسياسية
انطلاقًا من التطورات الكبيرة والمتلاحقة والتي من المتوقع أن يشهدها الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القادمة، وما يرتبط به ذلك من زيادة دوره في النظم المشكلة للبيئة المعلوماتية؛ فإن الورقة تتوقع أن ذلك سيقترن بطفرة ستشهدها التقنيات المدمجة بالذكاء الاصطناعي والمستخدمة، سواء في إطلاق حملات التضليل المعلوماتي أو تلك المقابلة لها في اكتشاف تلك الحملات والحد من انتشارها. 
وفي ظل تلك الحالة من التعقيد، تتبعت الورقة كيفية تأثير ذلك الدور المتوقع للذكاء الاصطناعي على مجموعة من الأبعاد الجيوسياسية، وذلك على النحو التالي:
أولًا- السيطرة والرقابة المعلوماتية: حيث تعمد النظم السلطوية ليس فقط إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في نشر المحتوى الذي يتوافق مع سياساتها على أوسع نطاق ممكن وحجب ذلك الذي يتعارض معها، وإنما يمكنها كذلك من التحكم والرقابة في المنشورات التي يتم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليس فقط من خلال الأفراد وإنما أيضًا بشكل جمعي من خلال الكشف عن اتجاهات الافراد والجماعات، واستخدامها فيما بعد لخدمة أهدافها الجيوسياسية.
ثانيًا- التدخل من خلال التضليل المعلوماتي للتأثير على الانتخابات في الدول الأخرى، ويعد المثال الأكثر وضوحًا في هذا السياق هو ذلك التأثير الذي لعبته الحكومات الأجنبية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي في الانتخابات الأمريكية الماضية في 2016. إلا أن حملات التضليل المعلوماتي المدعومة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يمكنها التأثير بشكل منظم ومدروس على إدراك المستخدمين وتصوراتهم ومن ثم استجاباتهم، وهو ما يجعل من الصعب مواجهتها، حيث يستدعي ذلك تكامل كافة جهود القطاعين العام والخاص، خاصة وأن بعض أشكال التضليل تكون خفية إلى درجة تجعل اكتشافها أمرًا غاية في الصعوبة.
ثالثًا- التأثير على كافة العناصر والأبعاد الجيوسياسية، سواء كانت تشريعات أو سياسات تجارية واقتصادية ودفاعية، هذا بالإضافة إلى القرارات المتعلقة بعمليات الاندماج والاستحواذ الكبرى، وغيرها.
رابعًا- التأثيرات التجارية: حيث قد تتلاعب الدول بالمعلومات لتعزيز تصورات المستهلكين الإيجابية عن الشركات التي يقع مقرها الرئيسي داخل الدولة، وبالتالي تعزيز القدرة التنافسية العالمية لتلك الشركات، وتحقيق الاستفادة الاقتصادية من وراء ذلك.
خامسًا- التأثيرات العسكرية: حيث إن أي صراع عسكري ممتد في المستقبل سيعتمد على التضليل المعلوماتي المستند إلى آليات الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من خلال محاولات التأثير وتشكيل الرأي العام، ولكن أيضًا من خلال تقويض الجهود المبذولة لتوفير المعلومات التي يتم الاعتماد عليها من قبل صناع القرار والقادة العسكريين، وإضعاف دقتها ومصداقيتها. 
وختامًا، تخلص الورقة إلى محاولة الإجابة عن تساؤل مهم حول كيفية مواجهة المجتمعات، خاصة تلك الديمقراطية منها، لحملات التضليل الخارجية المستندة للذكاء الاصطناعي. حيث أقرت الورقة بأن الحل قد يتمثل في ثالوث التكنولوجيا والسياسات والوعي. فمثلما يتم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تغذية حملات التضليل، فإنها قد تستخدم كذلك في اكتشاف تلك الحملات والحد من انتشارها من خلال إدماج الذكاء الاصطناعي كإحدى أدوات الأمن السيبراني. 
والأمر ذاته ينطبق على السياسات، ففي حين يتم توجيه السياسات لفرض المزيد من الرقابة على المحتوى المعلوماتي الذي يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها قد توجه كذلك من أجل حشد الجهود من قبل كل من القطاعين العام والخاص الممثل بشكل أساسي في شركات مواقع التواصل الاجتماعي، لإحداث المزيد من التكامل المعلوماتي وضمان سلامة المعلومات المتداولة. وهنا قد تلعب كل من ترتيبات المشاركة المعلوماتية والأطر التشريعية دورًا مهمًا في تحقيق ذلك الهدف. 
أما الأداة النهائية، فتتمثل في زيادة الوعي، والذي وإن كان لا يمكنه إيقاف التضليل بشكل كامل، إلا أنه يُعد محكًّا رئيسيًّا في إبطاء انتشار المحتوى المصنَّع أو المُعالج والذي من المتوقع أن يصبح أكثر شيوعًا خلال السنوات القادمة، كما أنه يعول عليه في تعزيز الثقة الشعبية في المعلومات التي تقدمها الحكومات الديمقراطية باعتبارها حلقة الوصل بين الجانبين.
المصدر: 
 John Villasenor, "Artificial intelligence, geopolitics, and information integrity", in: Fabio Rugge, ed., The Global Race for Technological Superiority: Discover the Security Implications, (Milano: ISPI and Brookings, November 2019), PP. 131-142.