Thursday, December 13, 2018

كيفية قراءة قبول لبنان للمساعدات العسكرية الروسية

كيفية قراءة قبول لبنان للمساعدات العسكرية الروسية
المرصد السياسي 3047

كيفية قراءة قبول لبنان للمساعدات العسكرية الروسية

 7 كانون الأول/ديسمبر، 2018
في 26 تشرين الثاني/نوفمبر، قَبِل لبنان مساعدات عسكرية روسية بقيمة 5 ملايين دولار، حيث أشار مكتب رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري إلى أن "قوات الأمن الداخلي في وزارة الداخلية ستستفيد" من الأموال القادمة. وقد سعى الكرملين لسنوات إلى إقامة علاقات دينية وثقافية واقتصادية وعسكرية في بيروت كجزء من استراتيجية تهدف إلى توسيع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، والارتقاء بدور صانع السلام، وتهميش الولايات المتحدة. ولطالما قاوم لبنان بصورة تقليدية هذه المبادرات العسكرية، لذلك يعتبر التحوّل الأخير فوزاً للرئيس فلاديمير بوتين. فالقيمة الرمزية للهبة الصغيرة تفوق جوهرها بكثير، وتسلط الضوء على أهداف موسكو الإقليمية ومصلحة الحريري في الحفاظ على العلاقات الثنائية الجيدة، على الرغم من تحفظات «حزب الله» وإيران.
مبادرات في المجالات العسكرية والطاقة والتبادل التجاري
على مدى أكثر من عقد من الزمن، رفضت بيروت صفقات عسكرية روسية مختلفة، وعادة ما كان يحصل ذلك بعد قيام واشنطن بتذكيرها بالمساعدات الأمريكية الكثيرة التي تلقتها قواتها خلال الفترة نفسها (1.5 مليار دولار منذ عام 2006). ففي كانون الأول/ديسمبر 2008، رفضت لبنان هبة شملت عشر طائرات مقاتلة كانت ضمن صفقة للتعاون الدفاعي هدفها تعزيز مبيعات الأسلحة الروسية وتوسيع نفوذ موسكو السياسي. وفي أواخر عام 2010، كانت الحكومتان على وشك التوصل إلى اتفاق مماثل يشمل مزيج من الهدايا والأسلحة التي تم شراؤها بأموالٍ سعودية، وذلك بالتنسيق مع سوريا وفقاً لبعض التقارير، لكن بيروت رفضت ذلك في النهاية أيضاً.
وفي الآونة الأخيرة، في شباط/فبراير 2017، بدأت موسكو العمل على صفقة أسلحة بقيمة مليار دولار، تتيح شراء الأسلحة دون فوائد لمدة خمسة عشر عاماً. وقد زُعم أن الرئيس اللبناني ميشال عون وافق على الصفقة، لكنه جمدها بعد ذلك بضغط  من الولايات المتحدة. وبعد عام، وقّع رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيديف على مسودة اتفاقية تقترح توسيع التعاون العسكري الثنائي وتعميقه، بيد رفضت بيروت التوقيع عليها حتى الآن وفقاً لبعض التقارير.
أمّا فيما يتعلق بالعرض الجديد الذي تبلغ قيمته 5 ملايين دولار، فيبدو أن موسكو أرادت أن تتلقى القوات المسلحة اللبنانية بعض التمويل، إلا أنّ واشنطن تصر على أنه لا يمكن للقوات المسلحة اللبنانية الحصول على مساعدات روسية وأمريكية في آن واحد. لكن يبدو أن الحريري قد وجد ثغرة، إذ عمل على نقل الأموال إلى قوى الأمن الداخلي.
وبالتزامن مع خدمات الدعم العسكري، سعى بوتين وراء [التوقيع على] صفقات في مجال الطاقة ومصالح اقتصادية أخرى. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2010، اجتمع مع الحريري في موسكو وأعلن عن "خطط ملموسة" لتوسيع التعاون الثنائي في مجال الطاقة والنقل. وبعد ذلك بثلاث سنوات، وقّعا اتفاقاً للتعاون في مجال الطاقة، وتم مسبقاً تحديد أهلية عدة شركات روسية من أجل دخولها في عروض المناقصة، وهي "روزنافت" و"غازبروم"، و"لوك أويل"، و"نوفاتيك"، التي كانت خاضعة للعقوبات الأمريكية منذ عام 2014. وفي كانون الثاني/يناير من هذا العام، وقّع كونسورتيوم يشمل شركة "نوفاتيك" و"توتال" الفرنسية و"إيني" الإيطالية على اتفاقيات لاستغلال كتلتين [منطقتين] في مياه لبنان الاقليمية. وتفيد التقارير أن هذه الشركات تخطط لبدء الحفر بهدف التنقيب عن النفط والغاز في منتصف عام 2019. وعادة ما تنظر موسكو إلى مثل هذه الصفقات باعتبارها امتداداً لمجموعة أدوات سياستها الخارجية، مع هدف تحقيق المزيد من فرص الوصول [إلى المنطقة] وإظهار قوتها في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وفي السنوات الأخيرة، وقّع البلدان أيضاً عدداً من الصفقات التجارية مما ساهم في زيادة ملحوظة في التجارة الثنائية. فوفقاً للجمارك اللبنانية، تضاعفت التجارة مع روسيا تقريباً بين عامي 2012 و2017، حيث ارتفعت من 423 مليون دولار إلى 770 مليون دولار - في قفزة كبيرة لبلد يبلغ عدد سكانه 6 ملايين نسمة.
مبادرات على نطاق الأرثوذكسية والتواصل الثقافي
لطالما استخدم بوتين الدين كأداة للسياستين الداخلية والخارجية، وجزئياً من خلال مواءمة الكرملين مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية (بالإشتراك مع جماعات يمينية متطرفة) وإحياء المهمة التاريخية لبلاده كحامية رئيسية للمسيحية الأرثوذكسية الشرقية. ويشمل ذلك التودد للطائفة الكبيرة نسبياً في لبنان، لا سيّما عن طريق "اللقاء الأرثوذكسي"، الذي تأسس في عام 2011. وأبرز أعضاء هذه المجموعة هو إيلي الفرزلي، نائب رئيس البرلمان اللبناني ووزير الإعلام السابق، الذي لطالما دعم نظام الأسد في سوريا.
وفي كانون الثاني/يناير 2014، توقّف في لبنان وفد برلماني روسي - ضمّ سيرغي غافريلوف، رئيس لجنة في "مجلس الدوما" تركز على "الدفاع عن القيم المسيحية" - وهو في طريقه إلى سوريا، والتقى بأعضاء من "اللقاء الأرثوذكسي" وشخصيات أخرى، كما انضم إليهم السفير الروسي الكسندر زاسيبكين. ودعا غافريلوف المعنيين إلى تشكيل مجلس مشترك بهدف "تفعيل التعاون على جميع المستويات". وفي تشرين الأول/أكتوبر - تشرين الثاني/نوفمبر 2017، عقدوا سلسلة من الاجتماعات أسفرت عن دعوات تهدف إلى توثيق التعاون مع الكيانات الأرثوذكسية في لبنان، ومن ضمنها "اللقاء الأرثوذكسي".
وفي هذا الإطار، تروّج موسكو أيضاً للثقافة الروسية في لبنان، وغالباً من خلال وكالات قد يكون لها أهداف أوسع في اعتبارها. فوفقاً لـ [شبكة] "دويتشه فيله"، أصبحت الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية ("الجمعية") "محور نشاط الكرملين" في لبنان - وهذه "الجمعية" هي  منظمة غير حكومية تم تأسيسها في عهد القيصر، وأعيد إحياؤها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.  وبالمثل، ظهر في لبنان على مر السنين عدد من المراكز الثقافية الروسية التي لطالما عملت كجبهات استخبارية. وتشير التقارير الصحفية إلى أنه سيبرز المزيد منها في المستقبل القريب.
لعب دور صانع السلام
سعى بوتين أيضاً إلى ترسيخ صورته كصانع سلام في لبنان، سواء بين المعسكرات المؤيّدة لسوريا أو المعارضة لها، أو مع إسرائيل. ويشمل ذلك العمل مع «حزب الله» في بعض الأحيان - حيث لا تعتبره روسيا منظمة إرهابية وقد سبق لها أن استضافت مسؤولين من «الحزب» في الماضي. إلا أنّ لدى «حزب الله» وراعيه الإيراني تحفّظات بشأن أنشطة موسكو داخل لبنان.
ويقيناً، رحب كل من «حزب الله» وإيران بتدخّل بوتين في سوريا عام 2015 لأنّهما كانا بأمس الحاجة للمساعدة في ذلك الوقت، ومنذ ذلك الحين اعتمدا بشكل كبير على المساعدة الجوية والجهود الدبلوماسية الروسية. وقد غير تدخّل موسكو مسار الحرب، مما دعم بشكل كبير «حزب الله» والوكلاء الإيرانيين الآخرين. ومع ذلك، لا يعتمد «حزب الله» على موسكو في لبنان، حيث أن مكانته أقوى بكثير، لذا فهو يميل إلى تصوّر أيّ دور روسي موسّع هناك كمنافسة لأصحاب النفوذ الخاصين به في بيروت. ولا شك في أنّ هذا هو سبب قيام جريدة "الأخبار" المؤيدة لـ «حزب الله» بالإبلاغ بحماسة وعن طريق الخطأ أنّ لبنان رفض حزمة المساعدات العسكرية الجديدة التي بلغت خمسة ملايين دولار. وعلى نحو مماثل، حققت إيران نجاحاً كبيراً في اكتساب النفوذ داخل المؤسسات السياسية والأمنية والموازية في لبنان، لذلك تفضل عدم التخلي عن أيّ من هذه السيطرة للروس.
من جانبه، يفضل الحريري دوراً أكبر للروس، وقد زار موسكو عدة مرات في السنوات الأخيرة. فهو والنخبة اللبنانية الأخرى يرون الكرملين بمثابة وسيط قادر على توفير قناة غير مباشرة بين النظام السوري وخصومه اللبنانيين.
وتستمد مصلحة موسكو جذورها من استراتيجيةٍ تصور نفسها على أنها الوسيط الأكثر مصداقية لحل الصراعات الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالتوترات الإيرانية الإسرائيلية. ويزداد قلق العديد من المسؤولين من احتمال قيام إسرائيل بمهاجمة أهداف «حزب الله» في لبنان، حيث تفيد بعض التقارير بأن «الحزب» ينقل جهود تطوير صواريخه الدقيقة التوجيه من سوريا إلى لبنان (موضوع ستتم مناقشته مطولاً في مذكرة سياسية سينشرها معهد واشنطن قريباً). ويبدو أن روسيا تأمل في التوسط في اتفاق مثل ذلك الذي تم التوصل إليه في جنوب سوريا، وتتم فيه هذه المرة إدارة التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان. وللقيام بذلك، تحتاج إلى وجود أكبر في لبنان.
وفي السياق ذاته، فإن قضية اللاجئين السوريين تمنح موسكو المزيد من الفرص لإقامة مثل هذا الوجود. ففي تموز/يوليو من هذا العام، أطلقت مبادرة بالتعاون مع لبنان لإعادة اللاجئين إلى سوريا. وورد أن الاتفاق تضمّن تيسير ظروف عودتهم، وقد بدأ المئات منهم برحلة العودة. ومع ذلك، فإن هذا مجرد رقم رمزي بالمقارنة مع ما يقرب من مليون لاجئ مقيم في لبنان، وتشير التقارير الأخيرة إلى أن السلطات السورية تتجاهل ضمانات السلامة الروسية وتقوم بقتل الكثير من العائدين أو اعتقالهم.
ومن المفارقات، أن الوتيرة البطيئة الناتجة عن العودة إلى سوريا، تسمح للمسؤولين الروس بتوطيد العلاقات مع بيروت، وكسب النفوذ الدبلوماسي، والاستمرار في الضغط من أجل زيادة مشاركتهم. على سبيل المثال، تُفيد بعض التقارير أنهم اقترحوا على نظرائهم الأمريكيين أن تقوم روسيا بنشر فرقة تابعة لشرطتها العسكرية على مسافة عشرين كيلومتراً داخل لبنان لتسهيل عودة اللاجئين السوريين. وقد ورد أن جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي، رفض هذا الاقتراح، إلاّ أنّ موسكو مستمرة في سعيها لإقامة وجود عسكري داخل لبنان.
الخاتمة
على الرغم من احتمال فشل مبادرات بوتين في لبنان في نهاية المطاف، إلا أنه أبدى مراراً وتكراراً رغبةً في تولّي دور قيادي هناك، واستعداداً لاستثمار الوقت والموارد اللازمة للوصول إلى هذا الهدف. وهكذا، فإنه أكثر اهتماماً بالحصول على النفوذ من إيجاد حلول حقيقية لقضية اللاجئين أو المشاكل الملحّة الأخرى. وعادة ما تكون النتيجة النهائية لمشاركة روسيا هي إدارة النزاع بدلاً من حلّ النزاعات. وبالتالي، يجب على بيروت وحلفائها الغربيين أن يكونوا حذرين من هدايا الكرملين.
وعلى نطاق أوسع، لطالما أعرب بوتين عن أمله في انسحاب الولايات المتحدة من شؤون لبنان وبقية دول الشرق الأوسط. وفي الوقت الحالي، لا تزال واشنطن تتمتع بتأثير من خلال مساعدتها للقوات المسلحة اللبنانية، وقد ساعدت هذه العلاقة على إقناع بيروت برفض الاتفاقيات الأمنية السابقة مع روسيا. ولكنّ موسكو تعمل بشكل ثابت على ملء الثغرات في أيّ مكان تكون فيه واشنطن غائبة، ومن شبه المؤكد أنها ستفعل ذلك مرة أخرى إذا جفّت المساعدات العسكرية الأمريكية للبنان.

آنا بورشفسكايا هي زميلة بارزة في معهد واشنطن. حنين غدار هي صحفية وباحثة لبنانية محنكة، وزميلة زائرة في زمالة "فريدمان" في المعهد.

المديران السابقان لـ "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية مايكل هايدن وجورج تينيت يتحدثان إلى "معهد واشنطن"

مقابلات وعروض تقديمية

المديران السابقان لـ "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية مايكل هايدن وجورج تينيت يتحدثان إلى "معهد واشنطن"

 4 كانون الأول/ديسمبر 2018
"شاهد المحادثة الكاملة بين مستشار المعهد دنيس روس والمديرين السابقين لـ "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية مايكل هايدن وجورج تينيت، في حفل تكريمهما بجائزة "رجل الدولة الباحث" لعام 2018".

في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، وفي فعاليات نُظّمت في مدينة نيويورك، قدّم "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" جائزة "رجل الدولة الباحث" الخاصة بالمعهد إلى مديريْن سابقيْن لـ "وكالة الاستخبارات المركزية" الأمريكية، هما الجنرال مايكل هايدن (متقاعد في سلاح الجو الأمريكي) وجورج تينيت. وأدار النقاش مع خبيريْ الاستخبارات زميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في المعهد، السفير دينيس روس، ودار الحديث فيه حول المسائل الراهنة في الأمن القومي في ضوء خبرتهما المهنية الواسعة.
وعندما سؤلا عن احتمال حدوث هجوم كارثي آخر مشابه لذلك الذي حدث في 11 أيلول/سبتمبر، أوضح هايدن أن "احتمالات حدوث ذلك منخفضة للغاية، وهذا مقياس للنجاح". لكنه أضاف أن تهديد الهجمات الفتّاكة الفردية "سيبقى قائماً لمدة طويلة".
وفي ظل الخلفية التي تشكّلها الهجمات على موثوقية جهاز الاستخبارات، رفض تينيت الفكرة بأن بعض المسؤولين المنتخبين قد يكونوا قادرين على التأثير على مجتمع الاستخبارات من أجل تقديم تحليلات متحيزة. وقال، "سيكون هناك تمرد"، مضيفاً أن صانعي السياسات يتمتعون في النهاية بحرّيّة قبول تقييمات الاستخبارات أو رفضها أو تجاهلها.
وشدّد متخصصا الاستخبارات على أهمية الشراكات الأجنبية الوثيقة على الأمن القومي الأمريكي، لاسيما في مجال جمع المعلومات الاستخباراتية وعمليات الاستخبارات. وحذّرا من أنّ إبعاد الشركاء الأجانب سيُضعِف بعض العلاقات الأساسية. ووفقاً لنصيحة تينيت، لا بدّ من "تغذية وتعزيز وتطوير وحفظ" الروابط السياسية والاستخبارتية.
واستطراداً حول النقطة التي طرحها تينيت، قال هايدن إن "خوفه الأكبر" هو أنه "مع ’أمريكا أولاً‘ [ستصبح] ’أمريكا وحدها‘ إذا استمر [هذا النهج] طويلاً". وأوصى بشدة بأن يعيّن مدير "وكالة الاستخبارات المركزية" فرقة عمل داخلية لدراسة كيفية توجيه الاستخبارات الأمريكية إذا خسرت واشنطن شركاءها الأجانب.
وقال تينيت إن قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، أو «خطة العمل الشاملة المشتركة»، شكّل ضربة للعلاقات الأمريكية المتعددة الأطراف. وفي حين نجحت «خطة العمل الشاملة المشتركة» في تأخير حصول إيران على الأسلحة النووية لثماني سنوات وردع اندلاع الحرب، إلا أنها مكّنت الجمهورية الإسلامية من بناء قدرتها الحربية التقليدية وتشكيل تهديدٍ أكبر على الحدود الشمالية لإسرائيل. وقال تينيت إن "المنطقة دخلت الآن مرحلة خطيرة للغاية".
ولا يشكّل التهديد الإيراني أمراً مستجدّاً. وشدّد هايدن على أن إسرائيل والدول المسلمة السنّيّة تعتبر إيران عدوّاً مشتركاً منذ عدة سنوات. وقال هايدن إنه عندما كانت إسرائيل تفكّر في شن هجومٍ على البنية التحتية الإيرانية للتطوير النووي "كنتُ مقتنعاً بالتلاقي السنّي-الإسرائيلي، ولم أكن لأتفاجأ من هبوط الطائرات الإسرائيلية في السعودية عند عودتها من تنفيذ ضربة على إيران، للتزوّد بالوقود بسرعة، والعودة إلى إسرائيل".

لخّصت هذا التقرير الزميلة لشؤون الاتصالات في معهد واشنطن غابرييل بوراك.

تحديد سياق الجهاد والتكفير في إطار المفهوم السنّي

تحديد سياق الجهاد والتكفير في إطار المفهوم السنّي

تحديد سياق الجهاد والتكفير في إطار المفهوم السنّي


متاح أيضاً في English
31 آب/أغسطس 2018
أثار مفهوما الجهاد وتكفير المسلمين أو غير المسلمين ردود فعلٍ متباينةٍ ومخيفةٍ في أوساط العديد من دول الغرب حيث يتصدّران غالبًا العناوين العريضة ويتمّ تقديمهما من دون سياق إلى مَن قد لا يكون له تفاعلات شخصية معها.   
وفي إطار النقاش العام في الولايات المتحدة وأوروبا، يعادل الجهاد والتكفير "الحرب المقدسة" وقطع رؤوس "الكفار" على التوالي. ولكنّ هذه التصورات مترسخة في الافتراض بأن هذه المصطلحات كما تُعرّف عنها الجماعات الإرهابية تعكس أيضًا وجهتيْ نظر السنة والشيعة عمومًا بشأنها. ونتيجةً لذلك، يسيء هذا التفسير الخاطئ إلى كل من فهم العامة للإسلام باعتباره دينًا متعدد الأوجه والفهم الأمني الأمريكي للتهديدات الإرهابية التي تحرّكها مفاهيم الجهاد والتكفير الخاصة والمتطرفة.         
الجهاد في سنوات الإسلام الأولى
في اللغة العربية، "الجهاد" يعني عمومًا "الاجتهاد" أو بذل "جهد حثيث"، والمجاهد هو الشخص الذي يجتهد أو يشارك في الجهاد. وكثيرًا ما يتسع معنى هذه الكلمة ليشمل الجهاد في سبيل الله، وذلك لأجل تمييز العبارة عن استخدامها ما قبل الإسلام والتأكيد على أنّ بذل "الجهد الحثيث" يتمّ بتوكيلٍ من الله. غير أن الدلالات الدينية على نحو خاص للكلمة تحمل درجات مختلفة من المعاني حتى في القرآن الكريم، حيث أن معنى الجهاد يتغير بالتزامن مع البيئة الاجتماعية-السياسية المتغيرة التي طوّر خلالها النبي محمد الإسلام.
فخلال الفترة "المكية" الأولى للإسلام، ركّزت رسالة النبي محمد عن الجهاد على نشر الإسلام مقابل نظام سائد اتّسم إلى حدّ ما بالوثنية وعبادة الأصنام وتعدد الآلهة. وعقب هجرة النبي القسرية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في 622 وتوحيد أمّته، اتخذ الجهاد معنىً نشاطيًّا متخصصًا في الدفاع عن الدين ونشره. وبالفعل، يتعارض معنى الجهاد "السلبي" في الآيات القرآنية المكية الأولى مع المعنى "الإيجابي" و/أو "العدائي" للجهاد في الآيات القرآنية المدنية.   
وبناء عليه، تطوّر الجهاد إلى مفهوميْ النزاعات الداخلية والخارجية على السواء. واستنادًا إلى حديث يتكرر غالبًا (رغم أنه غير مقبول عالميًا) للنبي محمد، يمكن للجهاد أن يكون عبارة عن مقاومة ميول المرء الآثمة (ما يعرف أيضًا بـ"الجهاد الأكبر") أو مكافحة الظلم، الذي يُعرف بـ"الجهاد الأصغر". هذا وتفترض العديد من الإشارات إلى الجهاد في مجموعة الحديث النبوي الشريف صحيح البخاري وبشكلٍ ملحوظ، أن الجهاد يعني عملًا مسلّحًا.
وكان أدّى انتشار الإسلام خلال سلالتيْ الأمويين (661-750) والعباسيين (750-1258) إلى بروز مفهوم للجهاد باعتباره شكلًا من أشكال الحرب يرتبط بانقسام العالم بين دار الإسلام ودار الحرب. وتصوّر الفقهاء حربًا دائمة بين المسلمين وغير المسلمين إلى أن يسود دار الإسلام بفعل ترسيخ الشريعة الإسلامية الشرعية من الناحية الدينية حيث يحلّ الإسلام محلّ المعتقدات الأخرى ويستحدث نظامًا اجتماعيًا-سياسيًا عادلًا.
في هذا السياق، طوّر الجهاد أشكالًا هجومية ودفاعية. ورمى الجهاد الهجومي إلى توسيع رقعة انتشار الإسلام باعتباره فرض الكفاية. غير أن الجهاد لم يقتضِ اعتناق الإسلام بالقوة - فقد ذكر القرآن الكريم على وجه الخصوص أن "لا إكراه في الدين". أما الجهاد الدفاعي فقد جعل إقدام كل مسلم على مقاومة أي اعتداء خارجي بمثابة فرض عين. وعلى وجه الخصوص، لم يتوقّع الفقهاء أن يشنّ المسلمون حربًا لا متناهية في أي من الحالتين، وسمحوا بإبرام هدنات ومعاهدات سلام مع الأطراف الأخرى.   
ووسط هزيمة الخلافة العباسية عام 1258 على يد الحاكم المغولي هولاكو واعتناق نخبة المغول لاحقًا الديانة الإسلامية، تحوّل الجهاد إلى حدّ كبير إلى دعمٍ للتمرّد على القادة الإسلاميين الصوريين. وأكّد أبرز علماء القرون الوسطى ابن تيمية أنه من المسموح التمرّد على حاكم يعجز عن إنفاذ القانون الإسلامي، ليخلص إلى القول بأنّ الجهاد ضد المغول كان مباحًا باعتبارهم مسلمين سطحيين لم يحكموا وفق القانون الإسلامي. ويرى البعض أنّ استنتاج ابن تيمية يشكّل انقسامًا في وجهات النظر بشأن متى يُعتبر الجهاد مقبولًا - فاعتبارًا من القرن الرابع عشر، وفيما واصل الإسلام السائد الترويج للإذعان للسلطة السياسية كوسيلة لمنع الفتنة ضمن الأمّة الواحدة، عمد العلماء المنشقين إلى دعم الجهاد في وجه أي حاكم فاسد حتى ضمن دار الإسلام.    
خلاصة القول، كان الجهاد في عصور ما قبل الحداثة، واستنادًا إلى السياق، يشير إلى ( أ) مسعى إلزامي للدفاع و/أو نشر دار الإسلام؛ (ب) ميزة أساسية للتخلّص من حكم فاسد؛ (ج) وسائل ذاتية التنظيم للترويج لحرب فردية. ولم يمسي هذا الجهاد المتعدد المعاني أكثر تشدّدًا سوى في القرن الماضي، بعد أن كان قد تطوّر في بادئ الأمر كردٍّ على الحكومات الاستعمارية.  
الجهاد في وجه الاستعمار 
على خلفية الحركات الإسلامية الأولى المعادية للاستعمار، طوّر العالم الهندي-الباكستاني السنّي أبو العلاء المودودي (1903-1979) تعريف الجهاد إلى كونه حركة تحرير على امتداد العالم من أجل السماح بهيمنة الإسلام وتحقيق العدالة للجميع. وكتب المودودي:  
الإسلام يتطلب الأرض ولا يقتنع بقطعة أو جزء منها، وإنما يتطلب ويستدعي المعمورة الأرضية كلها، ولا يتطلبها لتستولي عليها وتستبد بمنابع ثروتها أمة بعينها، بعدما تنتزع من أمة أو أمم شتى، بل يتطلبها الإسلام ويستدعيها ليستيفد الجنس البشري بأجمعه من الإيديولوجيا وبرنامج السعادة أو بالأحرى من "الإسلام" الذي يمثّل برنامج سعادة البشرية جمعاء. ولهذه الغاية، يرغب الإسلام في تسخير كافة القوى التي يمكن أن تحقق ثورة ويتمثل مصطلح مركب لاستعمال كل هذه القوى في "الجهاد".
وعليه، يصبح الجهاد ثورة عالمية شاملة. كما أعاد المودودي تفسير عبارة الجاهلية كي تتناسب مع ثورته العالمية: وإذ كانت تُستخدم أساسًا للإشارة إلى العرب ما قبل الإسلام، باتت تعبّر عن أي زمان أو مكان لم تتحقق فيه الدولة الإسلامية. بعبارةٍ أخرى، قسّم المودودي العبارة بين عالم إسلامي مقدّر إلهيًا وعالم جاهل يجب السيطرة عليه من خلال الجهاد. ونتيجةً لذلك، استلزم الجهاد بحسب المودودي اللجوء إلى كافة الوسائل والقوى الممكنة لإحداث ثورة عالمية شاملة تؤدي إلى تحقيق نظرته لعالم إسلامي.   
وما يثير الاهتمام هو أن العالم المقدّر إلهيًا الذي تحدث عنه المودودي يستثني الشيعة. ففي كتابه الردّة بين الأمس واليوم، وصفهم الكاتب بالكفرة، مشيرًا إلى أئمة الشيعة الجعفريين الذين، "ورغم آرائهم المعتدلة (نسبةً إلى جماعات أخرى من الشيعة)، يغرقون في الكفر كما الكريات البيضاء في الدم أو كما السمك في الماء". وقد عوّل اثنان من قادة "الإخوان المسلمين" - هما حسن البنا وسيد قطب - على هذا التفسير للجهاد وتركيزه على بناء دولة إسلامية. 
سيد قطب وإسلاموية "الإخوان المسلمين"
استشهد قطب بكل من المودودي وابن تيمية ليبرهن أن دولة جاهلية تسيطر على أي مجتمع مسلم يعيش في ظل حكام فاسدين. وبالتالي، يتوجب على المسلمين الصالحين فرض حاكمية الله على المجتمع. واعتبر قطب أن العالم الحديث بأكمله غارق في الجاهلية،قائلًا:
إذا نظرنا إلى مصادر وأسس أساليب الحياة المعاصرة، يتضح أن العالم بأسره غارق في الجاهلية وأن كل وسائل الراحة المادية المدهشة والاختراعات العالية المستوى المتوافرة لا تقلّص من قدر هذا الجهل. فهذه الجاهلية تقوم على عصيان حاكمية الله على الأرض. كما تنقل إلى الإنسان إحدى أعظم سمات الله، وبخاصةٍ الحاكمية، وتجعل بعض الرجال أسيادًا على آخرين. 
واستنادًا إلى قطب، تتطلب هذه الجاهلية المعاصرة المعاملة نفسها التي استأصل النبي من خلالها الجاهلية الأصلية واستبدالها بدولة إسلامية. ويمثّل هذا الجدل من منتصف القرن انحرافًا جذريًا عن نظرة القيادة التقليدية القائمة منذ وقت طويل. وفي هذا الإطار، يُمسي القادة المسلمون كفارًا جراء افتقادهم إلى التقوى، ولا بدّ من طردهم من المجتمع. وقد أدان قطب هذه القيادة ورفض مطالبها سواء بالإسلام أو بالسلطة السياسية.
بعدها، زعم قطب أن الجهاد بموجب الظروف الحالية مشروعًا ومبررًا ضد القيادة. وفي كتاباته، لا سيما معالم في الطريق، أعاد قطب تفسير مفاهيم الإسلام التقليدية من أجل إباحة وتشريع الاستيلاء على الدول باللجوء إلى العنف. وبات مفهومه الفريد للجهاد مكونًا أساسيًا لكامل إيديولوجيته باعتباره المحفز لإعادة حاكمية الله على البشرية من خلال التحول السياسي. إشارة إلى إن هذا التعريف التوسّعي للجهاد هو الذي أثّر في الجماعات السنّية اللاحقة الأكثر تطرفًا وأجّج عددًا من المساعي الحديثة القائمة على الدين والرامية إلى إحداث تغيير سياسي. 
على سبيل المثال، برّر قتلة الرئيس المصري أنور السادات الجهاد ضد الفساد و/أو القادة المسلمين السطحيين وضرورة إقامة دولة إسلامية في كتابهم الفريضة الغائبة. وحاول كاتبه محمد عبد السلام فرج أن يبرهن بأنّ العلماء المسلمين البارزين أهملوا الجهاد و"لا شكّ في أنه لا يمكن القضاء على طغاة هذا العالم إلا بقوة السيف". واستند فرج إلى كتابات ابن تيمية وابن خاطر، من بين مصادر أخرى، للتأكيد بأن الجهاد كعمل مسلّح هو ركن الإسلام. كما أعلن أن الحكام الذين "لا يحكمون بما أنزله الله" هم كفار ومرتدون. ودعا المسلمين إلى بذل كل الجهود الممكنة لإقامة حكومة إسلامية وإعادة الخلافة ونشر دار الإسلام.  
ووفق النهج التفكيري الذي وضعه المودودي وقطب وفرج، حوّل الإسلاميون السنّة السياق والأنظمة التي تعيّن بموجبها تحقيق الجهاد، تفويض الجهاد - وهو مفهوم كان يرتبط سابقًا بالموجبات المجتمعية - إلى موجب فردي لكافة المسلمين. وتواجه هذه الآراء بشكل مباشر تركيز المفكرين الإسلاميين السائد حول الإذعان للسلطة السياسية، بغض النظر عن كيفية حُكم الدولة، وحصر الجهاد كعمل عدائي فقط في حال الإعلان عنه في ظل ظروف محددة من قبل خليفة مسلم شرعي ومعترف به.   
تركيز الجهاد في السلفية الجهادية
في حين واصلت التعريفات التقليدية للجهاد السيطرة على العديد من المسلمين، تطوّر التوسّع الجديد لدور الجهاد في الإسلام ضمن فصائل مدرسة الإسلام السلفية المتشددة التي تسعى إلى إقامة دولة إسلامية مثالية من خلال العودة إلى المعتقدات والممارسات الأصلية للأجيال الأولى من المسلمين - "الأسلاف الصالحين". هذه الفصائل هي التي أثّرت في أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. فقد حوّل بن لادن تركيز قطب على الهيكليات الاستعمارية إلى غضب على "غطرسة الولايات المتحدة الاستبدادية السافرة"، لا سيما إبان تدخلها في السعودية - ركيزة العالم الإسلامي. وقد وجّه بن لادن رسالته إلى المسلمين في العالم أجمع، ناشرًا تفسيراته التي تطورت في شبه الجزيرة العربية إلى حركة صغيرة عدديًا ولكن عالمية.   
وعليه، طوّر بعض السلفيين عقيدة تركّز على أفضلية الجهاد. ويؤكد هؤلاء "الجهاديون السلفيون" أن وحده الجهاد في سبيل الله يمكنه أن يفضي إلى دولة إسلامية. في المقابل، تسعى السلفية الهدوئية إلى إقامة دولة إسلامية من خلال تعليم الأفراد وتلقينهم العقيدة الدينية، كما هي حال نموذج الوهابية في السعودية. ويعمل السلفيون الناشطون ضمن أنظمة سياسية قائمة لتقريبها من دولة إسلامية مثالية، على غرار النموذج الذي قدّمه اشتراك "الإخوان المسلمين" السابق في الانتخابات في مصر. وفي حين يسعى كل فصيل إلى تطبيق الإسلام على نطاقٍ أوسع وبالاستناد إلى آرائه الخاصة، وحدهم الجهاديون السلفيون يلجأون إلى نسخة عنيفة من الجهاد في مسعىً لتحقيق هذه الغايات.    
بروز الجهاد كإرهاب إلى الواجهة
غير أن العنف سمح للجهادية السلفية بخلق نطاق رؤية كبيرة الحجم لنظرتهم للعالم دوليًا. فتركيز "القاعدة" على الولايات المتحدة كان الهدف منه تحقيق غاية بحدّ ذاتها: ألا وهي تقليص الدعم الأمريكي لأنظمة "مرتدة" في الشرق الأوسط تحول دون إقامة الدولة الإسلامية المنشودة. وعليه، كوّن تنظيم "القاعدة" بقيادة بن لادن و"الدولة الإسلامية" الذي يمثل أحد فروعه بشكل مثير وجهات نظر عامة في العالم الغربي حول معنى "الجهاد" وشكله.   
صحيح أن "الدولة الإسلامية" تتشارك "القاعدة" إيديولوجيتها، لكن التنظيم ركّز على هدف بديل قصير الأمد - إقامة حكومة إسلامية تعمل وفق مثاليات "الدولة الإسلامية". وكما هي الحال في كتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج، يروّج التنظيم بشكل انتقائي لآيات مثيرة للجدل من القرآن الكريم واقتباسات من علماء تقليديين ومعاصرين بغية إضفاء الطابع الشرعي على حكمه. وتُظهر مراجعة 15 عددًا من مجلة دابق التابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" صدرت من حزيران/يونيو 2014 ولغاية تموز/يوليو 2016 وثاقة صلة أفكار ابن تيمية المستمرة في إنشاء فهم خاص للجهاد.
كما ركّزت منشورات "الدولة الإسلامية" على نشر مقاطع مثيرة للجدل من القرآن الكريم على حساب استبعاد أي مشاعر أخرى. ودائمًا ما تستشهد مقالات دابق بسورة المائدة 5، الآية 51، التي تقول: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين".
وتنص سورة التوبة 9، الآية 5 على ما يلي:
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم.
يبدو جليًا أن تنظيم "الدولة الإسلامية" لم يحاول تبرير أهمية دور الجهاد والتكفير فحسب، بل اعتمد أيضًا على هذين المفهومين من أجل تطوير إيديولوجيته وتحويلها إلى حركة نصر دينية. بعبارةٍ أخرى، وجدت التفسيرات المتطرفة للجهاد والتكفير التي بدأت مع ابن تيمية في القرن الرابع عشر خواتيمها في إيديولوجية النصر التي أطلقها تنظيم "الدولة الإسلامية" والتي جرّدت "الآخر" من المسلمين وغير المسلمين من إنسانيته وحقّرته واتهمته بـ"الارتداد". واستنادًا إلى هذه النظرة للعالم، بات "الآخر" هدفًا للقتل، لكن على المراقبين أن يدركوا أن هذا المفهوم هو فرع ديني مستقل عن العقيدة الإسلامية السائدة منذ القرن الرابع عشر.    
لا بدّ من الإشارة إلى أن معظم المؤسسات الدينية الإسلامية أدانت "الدولة الإسلامية" وترفض بشكل قاطع تفسير المنظمة للجهاد، متبنيةً بدلًا من ذلك مفهوم الجهاد الدفاعي. وبدورها، تستشهد هذه الشخصيات أيضًا بالقرآن الكريم، مسلّطةً الضوء على تركيز القرآن على الطبيعة الدفاعية للجهاد - المثّبتة بآيات على غرار الآية 190 في الفصل 2: "وقاتلوا في سبيل اللَّه الَّذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن اللَّه لا يحب المعتدين".
إلى ذلك، سمح الجهاديون السلفيون لامتعاضهم من "الآخر" - ويمكن تعريفه بأي شخص يعمل خارج التفسيرات السلفية الإطارية للإسلام والذي يُعتبر بالتالي "كافرًا" - بأن يكون الدافع وراء إعلانهم الجهاد. ووفق هذه النظرة للعالم، تحوّل "الجهاد" إلى إيديولوجية نصر ديني موسّعة موجّهة نحو إبادة كل من لا يمتثل لها. وما ساعد على انتشار هذه الإيديولوجية كان كل من قدرتها على "التستر" خلف حرمة المقدسات وتاريخ الإسلام الأصلي وكذلك عدم فهم العديد من أبناء الغرب الفوارق الدقيقة الكامنة خلف السلفية الجهادية التي تجعلها خطيرة للغاية.   
ونتيجةً لذلك، وفي حين أنه يسهل للجهات الخارجية تشريع الخلط الذي يطبقه الجهاديون السلفيون بين الجهاد والإرهاب، إلا أن معناه ليس محددًا. فالجهاد مفهوم طيّع يحمل العديد من المعاني المحتملة. مع ذلك، فإن لكل من المفاهيم السنّية والشيعية المتطرفة للجهاد تأثير هائل على الغرب. ففي حين أن النسخة السنّية هي عبارة عن إيديولوجية نصر دينية غير قادرة على التعايش مع قيم أو مجتمعات الغرب، تلهم النسخة الشيعية أنظمة معادية للغرب بدورها

تحديد سياق الجهاد والتكفير في إطار المفهوم الشيعي

تحديد سياق الجهاد والتكفير في إطار المفهوم الشيعي

تحديد سياق الجهاد والتكفير في إطار المفهوم الشيعي


متاح أيضاً في English
31 آب/أغسطس 2018
إن الفوارق في الاختلاف الفقهي بين المفهوميْن السنّي والشيعي للجهاد حدّدها بشكلٍ من الأشكال تاريخ المجتمع الشيعي ومقاربة علماء الدين الشيعة للسياسة.
رغم أن المفهوم الشيعي للجهاد يتماشى غالبًا مع المفهوم السنّي، حدّدَ التاريخ المختلف للمجتمع الشيعي كيفية تطوّر الجهاد وتطبيقاته. فيشتقّ المصطلح "شيعي" من الكلمة العربية "شيعة" ("حزب سياسي") وجاء ليرمز إلى أتباع علي، إبن عم النبي محمد ونسيبه. فعندما قُتل الخليفة علي في سنة 661، سلّط موته الضوء على الظلم الكبير المرتكَب بحق الرجل الأول الذي اعتنق الإسلام وصاحب الصفات الاستثنائية التي تُشبه صفات النبي محمد والتي توحي بالحفاظ على إرثه، وهو ما اختلف بعدة أشكالٍ رئيسية عن الرواية السائدة (لدى السّنّة). أمّا الحدث الثاني الذي شكّل أكثر من غيره الإيديولوجيا الشيعية والتقليد الشيعي، فكان استشهاد الحسيْن ابن علي في سنة 680 على يد الخليفة الأموي يزيد في كربلاء بعد أن اعترض الإمام الحسين على تعيين الخليفة الأموي معاوية لابنه يزيد خلفًا له، مستبعدًا مطالبة الحسيْن بالخلافة.
استشهاد الحسين
أنشأت مجزرة الإمام الحسين وأفراد أسرته ومناصريه بُعدًا أسطوريًّا وإيديولوجيًّا واجتماعيًّا-سياسيًّا في الإسلام الشيعة، حيث أصبح هذ الاستشهاد محوريًّا بالنسبة إلى هوية الشيعة وتقليدهم ولاهوتهم. فكان الإمام الحسين مثالًا لمعارضة الاستبداد والاضطهاد وللكفاح ضد المظالم المزمنة في العالَم. ولا يقلّ أهمّيّةً عن ذلك في الوعي الجماعي الشيعي القيام بإذلال جسد حفيد النبي وتدنيسه. ولأكثر من ألف عامٍ، وحتى مجيء آية الله الخميني، مال العلماء الشيعة إلى التهرب من السياسة – معتبرين الخلفاءَ السنة كمغتصبين للسلطة – وإلى الدفاع عن الهدوئية السياسية، لاسيما باعتبار أن الشيعة هم أقلية خالدة في الفكر الإسلامي.
إلا أن مثال الإمام الحسين ومن ثمّ مقتل أحفاد النبي محمد على يد الخلفاء السنّة هو ما شكّل بشكلٍ أساسي المفهوم الشيعي للجهاد. فبحسب طائفة الشيعة الاثنيْ عشرية الأكبر، كان اثنا عشر إمامًا – من سلالة النبي – الحكّام الشرعيين للأمّة الإسلامية بأكملها. لكنّه تمّ قتل أحد عشر إمامًا ولم ينجُ سوى الإمام الثاني عشر الذي أخفاه الله في سنة 874. وأُنقِذ الإمام الثاني عشر حتى يعود في النهاية بصفة المهدي و"يملأ الأرض قسطًا وعدلًا" مع يسوع.
المفاهيم المتبدّلة للقيادة
خلافًا للعقيدة السنّية، تعتقد المجتمعات الشيعية بشكلٍ أساسي بعصمة الأئمة وبقيادة الإمامة للأمّة. لكن في ظل غيبة الإمام الثاني عشر، استلم المجتهدون قيادة الأمّة، وهم علماء مطّلعون في الإسلام، بمثابة وكلاء إلى حين عودة المهدي. فترك هذا الانتقال للسلطة من القيادة المعصومة إلى القيادة غير المعصومة مجالًا للنزاع، لا سيّما من ناحية متى يجب إعلان الجهاد وإذا ما يجب إعلانه.
في النهاية، برزت مدرستان للفقه الشيعي عالجتا الدور الروحي والاجتماعي-السياسي للعلماء في ظلّ غياب الإمام المخفي. فاعتبرت المدرسة الإخبارية بشكلٍ عام، على غرار الإسلام السنّة، أن القرآن وأقوال النبي والأئمة (الأخبار) كافية لتوجيه المؤمنين من دون استخدام الاجتهاد – وهو إصدار حُكمٍ وتفسير المخطوطات المقدَّسة بشكلٍ علمي مستقل. والمهم هو أن المدرسة الإخبارية رفضت شرعية الجهاد في خلال غيبة الإمام.
في المقابل، اعتبرت المدرسة الأصولية أن المؤمنين طلبوا من المجتهدين الشروع بالاجتهاد لمواصلة توجيه الأمّة. وبحسب هذه النظرة، على كل مؤمنٍ أن يتبع أحد المجتهدين، فيكون هذا المجتهد بمثابة مرجع تقليد: أي نموذج يُحتذى به ويمكن اتّباعه. وأصبح كبار المجتهدين يُدعَون آية الله (علامة من الله)، ما تطوّر إلى مفهوم مرجع تقليدٍ واحدٍ يخضع له كل الباقين. وبالتالي، تولّى كبار المجتهدين الواجبات الدنيوية التي كانت تُعتبَر سابقًا من صلاحيات الأئمة المعصومين. فباستطاعة المجتهدين الآن، من جملة أمورٍ أخرى، أن يعلنوا الجهاد (الحرب المقدَّسة)، وأن يُصدروا أحكامًا قانونيّةً ملزِمةً عبر تطبيق أحكام المنطق على المصادر الإسلامية الموجودة.
انتصر نموذج المدرسة الأصولية على نموذج المدرسة الإخبارية، وأتت النهاية المنطقية لأهلية كبار المجتهدين، كوكلاء الإمام الثاني عشر، في فكرة ولاية الفقيه الخاصة بآية الله الخميني (حُكم الفقيه العادل/وصاية الفقيه). ومن المهم الذكر أنه، وخلافًا للفقهاء السنّة الذين تطلّعوا إلى إعادة بناء السلطة المسلمة، رأى معظم المجتهدين وما زالوا يرون أن الجهاد التوسّعي أو الهجومي ليس شرعيًّا في ظلّ غياب الإمام المخفي. وفي المقابل، يعتقد معظم المجتهدين على غرار الفقهاء السنّة أن الجهاد الدفاعي ضد الاعتداء الأجنبي على الأمّة إلزامي.
الخميني وتوسّع الجهاد
خلافًا لتطوّر الجهاد بشكلٍ موسّع لدى بعض المنظّرين السنّة في خلال العصر الحديث، بقي المفهوم الشيعي للجهاد كمفهومٍ يُمارَس غير محسومٍ نوعًا ما حتى نهاية السبعينات [بقي الإجماع غائبًا، إلا أن الخميني طوّر المفهوم أكثر فأكثر]. ففي خلال تلك الحقبة، أعطى الخميني مجموعةً من المحاضرات في مدينة النجف في العراق، وشدّد على مبادئ ولاية الفقيه، وهو مفهومٌ ثوريٌّ شكّل في النهاية الدافع الإيديولوجي للثورة الإيرانية وتبنّاه الكثير من كبار الفقهاء الشيعة الآخرين أيضًا.
نشأت هذه المبادئ من نظرة الخميني إلى العالَم على أنه منقسمٌ بين الظالمين والمظلومين، فضلًا عن اعتقاده بأن النضال في سبيل إنقاذ المظلومين وتحريرهم من قبضة الظالمين هو واجبٌ ديني. وأكّد على ضرورة إنشاء حكومة إسلامية لتطبيق تعاليم الإسلام وتوفير العدالة وتوحيد الأمّة التي تفككت بسبب الاقتتال الداخلي والتأثير والاعتداء الخارجييْن. وحدّد الحكومةَ الإسلامية المثالية على أنها نوعٌ خاص من الحكومة الدستورية مترسّخٌ في القوانين الإسلامية ومنوطٌ بالفقيه الأكثر كفاءةً، وهو نموذجٌ سيحدد شكل النظام الحكومي لجمهورية إيران الإسلامية. فسوّغ الخميني قائلًا:
أعطى الله عزّ وجلّ الصفة المطلوبة لممارسة الحُكم إلى عددٍ كبيرٍ من علماء الدين منذ بداية الإسلام حتى قدوم إمام العصر. وهذه الصفة هي المعرفة المتعلقة بالقانون والعدالة. ويتمتّع عددٌ كبيرٌ من علمائنا العصريين (الفقهاء) بهذه الصفة وعليهم أن يشبكوا الأيادي. فسيكون باستطاعتهم إنشاء حكومة عادلة في العالَم.
بناءً على ذلك، رأى الخميني أن الثورة ضد الأنظمة الاستبدادية لإنشاء حكومة إسلامية هي السبيل الوحيد الصحيح، وذَكَرَ تقاليد الماضي لربط الجهاد بوصاية الفقيه وبتنبيه القرآن في ما يخص فرض الخير ومنع الشر. وشدّد الخميني على أن "[الخطوة] الأولى هي مبدأ حُكم الفقيه، والثانية هي أن يقوم الفقهاء، من خلال الجهاد والتمتع بالخير ومنع الشر، بفضح الحكّام المستبدّين والإطاحة بهم وتحريك الناس حتّى تتمكّن الحركة العالَمية المؤلّفة من المسلمين اليقظين من إنشاء حكومة إسلامية مكان الأنظمة الاستبدادية". كما شدّد على أنه من خلال تثقيف الناس حول الإسلام "سيصبح كافة السكّان من المجتهدين".
تشكّل هذه الصورة الجديدة للجهاد التي تُظهره كأداةٍ لمكافحة الأنظمة الاستبدادية وجهةَ نظرٍ مشابهة لوجهة نظر الفقهاء السنّة. ففي الواقع، حتّى آية الله مرتضى مطهّري – وهو منظّرٌ إيديولوجي أساسي في الثورة الإيرانية رَفَضَ الجهاد الهجومي – أجاز مع ذلك الجهاد ضد مجموعةٍ استبداديةٍ ترتكب المظالم ضد شعبٍ مضطهَد. ودافع بشكلٍ خاص عن إمكانية قبول الجهاد عندما يتمتع المسلمون بالسلطة لمساعدة مجموعةٍ تُنتَهَك حقوقها على يد مجموعةٍ أخرى.
جهاد الخميني كمفهومٍ مطبَّق
اقترنت فكرة الجهاد هذه ضد الاستبداد والظلم، وهي قائمة على تقليد استشهاد الإمام الحسين، بتطوّر الجهاد كحركات مقاومة. فقوّى تخوّف الشيعة من المظالم المنتشرة في الماضي والحاضر هذا الإحساس بالحاجة إلى المقاومة الناشطة، وهي وجهة نظر تحوّلت إلى المبادئ التوجيهية لمنظّماتٍ مثل "حزب الله". فقد أيّد آية الله محمد حسين فضل الله، الذي يُعتبر المرشد الروحي الراحل لـ"حزب الله"، الجهاد ضد الاحتلال على أنه حركة دفاعية. إلى ذلك، رغم الإشارة إلى الفرق اللغوي بين "الانتحار" و"بذل الذات"، سمح فضل الله بعمليات الانتحار كشكلٍ من المقاومة العسكرية وبالاستشهاد على مثال الإمام الحسين. فشرح فضل الله قائلًا:
إن قتل النفس هو مثل قتل أي كائنٍ بشري آخر؛ فهو يتطلّب إذنًا. يحتاج المرء إلى إذنٍ من الله لقتل نفسه أو لقتل الآخرين... وقتل النفس أو الآخرين أمرٌ حرامٌ مبدئيًّا (يمنعه الدين)؛ لكن في خلال الجهاد (الحرب المقدَّسة أو النضال المقدَّس في سبيل الإسلام)، الذي يشكّل حربًا دفاعيةً أو وقائيةً بحسب الإسلام، يصبح القتل مقبولًا ومسموحًا، إذ يُعتبَر الجهاد حالةً استثنائيةً.
حدّد هذا الخطاب الجهاد والمقاومة على أنهما وجهان مختلفان للعملة نفسها، مطوّرًا فكرة الجهاد إلى حركة مقاومة اجتماعية-سياسية شاملة. ففي الكتاب الذي يحمل عنوان حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل والذي صدر في سنة 2009، حدّد نائب الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم هذه المجموعة على أنها "حركة جهادية هدفها بالدرجة الأولى جهاد العدو الصهيوني"، وتطرّق بشكلٍ موسّع إلى نموذج المقاومة الخاص بـ"حزب الله" قائلًا:
المقاومة بالنسة لحزب الله، هي رؤية مجتمعية بكل أبعادها، فهي مقاومة عسكرية وثقافية وسياسية وإعلامية، هي مقاومة الشعب والمجاهدين، ومقاومة الحاكم والأمّة، ومقاومة الضمير الحر في أي موقعٍ كان.
إن النظرة الشاملة لقيادة "حزب الله" في ما يخص المقاومة عزّزت المنطقة الرمادية الإيديولوجية التي طوّرها الفقهاء الشيعة العصريون بين الجهاد الدفاعي ونموذج مقاومة الاضطهاد الذي يمكن تصنيفه في حالاتٍ أخرى بمثابة جهادٍ هجومي. فمن وجهة النظر المؤاتية الغربية، شكّل الجهاد الذي يظهر على شكل مقاومة، إنما الذي يحدث خارج حدود لبنان، أعمالًا إرهابيةً.
النموذج البديل للجهاد في الفقه الشيعي
خلافًا لتعاريف الجهاد الموسّعة مؤخّرًا التي طوّرها بعض الفقهاء الشيعة، بقي معظم الفقهاء حذرين من توجيه تهمة التكفير من دون الامتثال للفقه الإسلامي. وقد وضع إطار هذا الحذر آية الله علي الحسيني السيستاني، الفقيه الأكبر في العراق ومرجع التقليد، الذي حددالكافر على أنه شخصٌ ملحد أو غير مسلم أو مسلم أنكر الوحي. كما حافظ السيستاني على تعريفٍ محصورٍ جدًّا للجهاد، وحصر الإعلان القانوني عن الجهاد بالإمام المعصوم أو نائبه الخاص.
على نطاقٍ شامل، تتعدد معاني مفهوم الجهاد بالنسبة إلى كلٍ من الشيعة والسنّة. ويكمن أحد الاختلافات النظرية الأساسية بين المفهوميْن في الاعتقاد الشيعي بأن الجهاد الهجومي لا يمكن تنفيذه في خلال غيبة الإمام المخفي، مع أن الجهاد الدفاعي لمساعدة المظلومين ما وراء حدود المجتمع المسلم المعني يمكن أن يحصل إذا تماشى مع الحكم القانوني للمجتهد. والجدير بالملاحظة هو أن إيديولوجيا السلفية الجهادية تحدد مفهوم الجهاد بشكلٍ مماثل على أنه يجري دفاعًا عن الإسلام، لكنّ المفهوم الشيعي للجهاد لا يأخذ في الاعتبار هدف السلفية الجهادية المتمثّل في إعادة تشكيل السلطة السياسية المسلمة، ولو في حالة الاضطهاد.
الأهم من ذلك هو أن إعلانات الجهاد والتكفير منظّمة أكثر ضمن المجتمع الشيعي بما أنها تقتصر على مرجع التقليد، فيما طبّق المنظّرون الإيديولوجيون من السلفية الجهادية وجهات نظرهم الخاصة عن "الآخر" على إعلانات الجهاد والتكفير، لا سيّما الآخر الغربي ككافرٍ مجرّد من الصفات الإنسانية، فاعتبروه بالتالي هدفًا شرعيًّا يمكن قتله. فلم يشعر تنظيما "القاعدة" و"الدولة الإسلامية" بتبكيت الضمير حيال ذبح الكفّار في العالَم المسلم والعالَم الغربي. وخلافًا للمجموعات السنّية المتطرّفة مثل "القاعدة" و"الدولة الإسلامية"، تحوّل مفهوم الجهاد الشيعي أكثر إلى حركة دينية جيوسياسية تؤثّر في السياسة الخارجية الأمريكية، كما يعبّر عنه كلٌّ من إيديولوجيا الخميني و"حزب الله".
من المهم فهم أن هذه الصورة للجهاد الشيعي، إلى جانب أشكال السلفية الجهادية السنّية التي نشرها مؤخّرًا تنظيم "الدولة الإسلامية"، هي تشويهات لتعاليم الإسلام السائدة ولا تمثّلها كما يُزعَم أحيانًا. فبالنسبة إلى معظم المسلمين، سواء من السنّة أو من الشيعة، يعني الجهاد "الأصغر" بشكلٍ لا لبس فيه الدعوةَ إلى الحرب الدفاعية عندما يتعرّض المرء للهجوم المباشر، فيما يبقى الجهاد "الأكبر" كفاحًا مع الذات من أجل العيش بشكلٍ أخلاقي وفاضل. فيتجاوز كلٌّ من هذيْن المفهوميْن المجتمع المسلم، ويُعترَف بهما على نطاقٍ واسع على أنهما معقولان وعادلان.
من خلال تأريخ التعاريف المتطرّفة للجهاد ورفض تشريع ادّعاءات المتطرّفين بأنهم يوفّرون تفسيرًا غيرَ تاريخي و’صحيحًا‘ عن الجهاد والتكفير، يمكن أن يساعد المسؤولون الأمريكيون في تقليص التأثير المتضخّم الذي أحدثته المجموعات المتطرّفة في بعض أساليب الفهم الغربية للمفاهيم الإسلامية، وتقليص الجاذبية الإيديولوجية التي يمارسها التطرف على أولئك الضالّين والباحثين عن تفسيراتٍ حقيقية للإسلام. فيستفيد كلٌّ من المسلمين وغير المسلمين ما إن يتّضح للجميع أن تعاريف المتطرّفين للجهاد والتكفير هي تغييرات هامشية لمصطلحيْن طالما كانا محدّديْن مسبقًا على أسسٍ سليمة ضمن الإطار السائد في الإسلام.

الشكوك حول "حزب الله" تبرز في لبنان، حتى بين الشيعة

الشكوك حول "حزب الله" تبرز في لبنان، حتى بين الشيعة

الشكوك حول "حزب الله" تبرز في لبنان، حتى بين الشيعة


 10 كانون الأول/ديسمبر، 2018
يحث التوتر الحدودي الحادّ الذي نشأ هذا الأسبوع بين إسرائيل و"حزب الله" على إلقاء نظرة عن كثب إلى الموقف الشعبي من الميليشيا في لبنان – لا سيّما في حالة الحرب. ولحسن الحظ، يُظهر استفتاء جديد موثوق للرأي العام اللبناني أن بعض الشيعة يعربون الآن عن تحفظات بشأن سياسات "حزب الله"- فيما يبقى السّنّة سلبيين بشدّة وينقسم المسيحيون بشأن التنظيم. وتجدر الإشارة بشكلٍ خاص إلى الشهادات عن هذه الشكوك حول "حزب الله" بين الشيعة نظرًا إلى المحظورات الاجتماعية والمخاطر الشخصية الحقيقية التي يواجهونها في انتقاد حركتهم السياسية/العسكرية "الخاصة".
ما يثير الانتباه بحسب البيانات هو أن ثلث الشيعة فحسب يريدون من قوات "حزب الله" "أن تبدأ بمواجهة إسرائيل بنشاط". حتى أن عددًا أقل من الشيعة يبلغ الربع فحسب يقول إن حل المشكلة الفلسطينية يجب أن تكون الأولوية الإقليمية الأهم. وفي ما يخص مسألة مختلفة إنما على صلة بالموضوع، لا يوافق الثلث كلّيًّا على "أن يعمل ’حزب الله‘ لحماية لبنان ومقاومة إسرائيل فحسب، بدلًا من خدمة أي جدول أعمال خارجي". أما نسبة الشيعة اللبنانيين الذين يعربون عن نظرة "إيجابية جدًّا" إزاء "حزب الله" اليوم، ففيما تبقى مرتفعة بمعدّل 77 في المئة، انخفضت نوعًا ما بعد أن كانت 83 في المئة في الاستطلاع السابق الذي أُجري تحديدًا منذ سنة.
ما يثير الدهشة أكثر بعد، هو أن أغلبيةً صغيرةً – تبلغ 53 مقابل 47 في المئة – من عامة الشعب اللبناني بمجمله (الشيعة والسنّة والمسيحيين بالإضافة إلى الأقلية الدرزية الصغيرة) تحتفظ الآن في الحقيقة بوجهة نظر غير مؤاتية إزاء "حزب الله". وتستمر الآراء السنّية المتشابهة تقريبًا من ناحية سلبيتها في عدم إظهار أي علامة تليين. ويقف المسيحيون اللبنانيون في الوسط كما اعتادوا في العقد الأخير؛ فتنقسم مواقفهم تجاه "حزب الله" بين إيجابية وسلبية.
كما تتضح القطبية المذهبية الملحوظة في المواقف تجاه الرئيس ترامب والسياسات الأمريكية في المنطقة، التي تحظى بالميل الإيجابي الأكبر من جانب السنة. فمن بين السنّة، يعطي 36 في المئة تقييمًا مؤاتيًا لترامب؛ ومن بين الشيعة، يبلغ هذا الرقم بالكاد 3 في المئة. ويقف المسيحيون مجدّدًا في الوسط، مع إعراب 23 في المئة عن آراء إيجابية حول الرئيس الأمريكي. ويظن نصف السنّة، إنما بالكاد 11 في المئة من الشيعة، أنه من المهم أن يحافظ لبنان على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة. وهذه النسبة متوسطة (ومنخفضة على نحوٍ غير متوقَّع) مرّة أخرى في الأوساط المسيحية، إذ تبلغ 38 في المئة.
كذلك، عند طلب اختيار الأولوية الأهم بالنسبة إلى سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تتجمّع الآراء إلى درجةٍ ما ضمن خطوطٍ مذهبية. فيختار حوالى 30 في المئة من كل طائفة مكافحة الإرهاب الجهادي على أنها سياستهم الأمريكية المفضّلة. لكن في ما يخص احتواء إيران، تتشعّب الآراء بشكلٍ صارخ: فبين السنّة، يختار 45 في المئة إيران على أنها الأولوية الأمريكية الفضلى؛ لكن بين الشيعة، يبلغ هذا الرقم صفر بالتحديد، ولا يتعدّى 12 في المئة بين المسيحيين. وفي المقابل، لا يضع إلا 9 في المئة من السنة حل المشكلة الفلسطينية على أعلى هذه اللائحة، مقارنةً بحوالى ربع كلٍ من الشيعة والمسيحيين. وتريد النسبة ذاتها من كلا الشيعة والمسيحيين من الولايات المتحدة ببساطة "أن تخفف تدخلها في المنطقة" – لكن لا يقول إلا 10 في المئة من السنّة الأمر نفسه.
عند طرح السؤال حول الزعماء الآخرين حول العالَم، تُظهر البيانات أيضًا قطبيةً مذهبيةً حادّةً، إنما من نوعٍ آخر إلى حدٍ ما. فيحظى الرئيس الروسي بوتين بتأييدٍ تبلغ نسبته 85 في المئة بين الشيعة في لبنان، إنما بالكاد 13 في المئة بين السنّة – والسبب المفترَض هو الدعم الروسي الكبير لنظام الأسد المذهبي في سوريا المجاورة. وينقسم المسيحيون مجددًا: فينظر 41 في المئة إلى بوتين بشكلٍ إيجابي، على عكس الباقين. وتتوزع الأرقام بشكلٍ مشابه في ما يخص روسيا ككل: إذ يقول كافة الشيعة تقريبًا (92 في المئة) إنه من المهم أن يتمتع لبنان بعلاقاتٍ طيّبة مع ذلك البلد، مقارنةً بمجرّد 28 في المئة من السنّة و53 في المئة من المسيحيين.
في صورة تعكس هذا الانقسام الطائفي، ينظر ثلثا السنّة في لبنان بشكلٍ إيجابي إلى الرئيس التركي السنّي أردوغان، مقابل 7 في المئة فحسب من الشيعة. غير أن ما يصعب تفسيره أكثر هو الفارق المذهبي الشاسع في ما يتعلق بالرئيس الصيني شي. فهو يلقى تأييدًا يبلغ 71 في المئة بين اللبنانيين الشيعة، إنما 13 في المئة فحسب بين السنّة – ربما لأنهم يعتبرون الصين كحليف للنظام الشيعي في إيران. وينقسم المسيحيون بالتساوي تقريبًا بشأن هذين الزعيميْن أيضًا.
في ما يرتبط ببعض المسائل الداخلية البارزة، يُظهر الشعب اللبناني على العكس إجماعًا قويًّا عبر الخطوط المذهبية – ولو بطريقة لا تُشعِر حكومة بيروت بكثيرٍ من الراحة. فيقول 95 في المئة تمامًا من إجمالي السكّان، والأغلبية الساحقة من كل طائفة، إن ما تقوم به حكومة لبنان "ضئيل جدًّا" على صعيد "تخفيف مستوى الفساد في حياتنا الاقتصادية والسياسية". كذلك، يقول مجموعٌ موازٍ إحصائيًّا يبلغ 92 في المئة إن حكومته لا تقوم بالكثير أيضًا لضمان "مشاركة عبء الضرائب والالتزامات الأخرى... بطريقة عادلة". وفيما يمكن أن يتفق كافة اللبنانيين تقريبًا على هذه الانتقادات، يبدو أن الشلل السياسي والمصالح الخاصة المترسخة والمتكاثرة بفعل اختلافاتهم الطائفية حول عددٍ كبيرٍ من المسائل الأخرى يعيقان كثيرًا على الأرجح إحراز التقدّم في معالجتها.
هذه النتائج هي حصيلة دراسة استقصائية أجرتها وجهًا لوجه شركة تجارية إقليمية على عيّنة وطنية تمثّل 1000 لبناني خضع للاستجابة في تشرين الثاني/نوفمبر 2018. واتّبعت عملية اختيار العيّنة تقنيات العينات العشوائية الجغرافية المعيارية، من دون إضافة أي ملاحظات إلى البيانات الناتجة. ويبلغ هامش الخطأ الإحصائي لكل عيّنة فرعية مذهبية أساسية ما يقارب 4.5 في المئة. وتتوافر التفاصيل المنهجية الكاملة بناءً على الطلب.

Friday, December 7, 2018

المجتمعات الدرزية تواجه انهيارًا إقليميًّا في النفوذ

المجتمعات الدرزية تواجه انهيارًا إقليميًّا في النفوذ

المجتمعات الدرزية تواجه انهيارًا إقليميًّا في النفوذ


متاح أيضاً في English
24 آب/أغسطس 2018
ألزمت الفوضى الإقليمية الأقليةَ الدرزية المتحفّظة إجمالًا بالظهور تحت الأضواء. ففي الشهرين الأخيريْن، أقرّت دولة إسرائيل "قانون الدولة القومية" الجديد الذي أدانه المجتمع الدرزي، وقد تزامن ذلك مع هجومٍ شنّه ما يُدعى بتنظيم "الدولة الإسلامية" على الدروز السوريين. وفي الجوار اللبناني، يواجه زعماء الطائفة عداوةً سياسيةً غير مسبوقةٍ ساهمت في تراجع الدور السياسي لهذا المجتمع في السنوات القليلة الماضية. فتُبرِز هذه الأحداث الهشاشة المتنامية للمجتمع الدرزي وتدهور سلطته، وهو تغييرٌ يرتبط على حدٍ سواء بالديناميات الإقليمية والانحسار الديمغرافي.
الدروز هم أعضاءٌ عرب إثنيون لمجموعةٍ دينية انبثقت عن حركةٍ تؤمن بالألفية في القاهرة، ويُعتبَرون فرعًا من الاسماعيليين المسلمين الذين انتشروا في سوريا بعد مواجهة القمع في مصر. ويعتقد الخبراء أن حجم المجتمع الدرزي يبلغ حاليًّا حوالى مليون عضوٍ بالإجمال ينتشرون في ثلاثة بلدان، مع أكثر من 125 ألف درزي في إسرائيل، وحوالى 250 ألف في لبنان، وحوالى 600 ألف في سوريا. أما الوضع الراهن للدروز عبر بلاد الشام فيختلف بوضوحٍ عن وضعهم في الماضي الحديث، عندما كانت المجموعات الدرزية تتمتع بنفوذٍ واستقلالٍ ملحوظيْن نسبيًّا.
بالفعل، يبدو أن الأقلية الدرزية في بلاد الشام تواجه تحدّياتٍ غير مسبوقةٍ بسبب التغيرات الإقليمية في السنوات القليلة الماضية. ففي تموز/يوليو، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا مثيرًا للجدل إلى حدٍ كبير يُعرَف بـ"قانون الدولة القومية". ونزع هذا القانون عن اللغة العربية صفتها السابقة كلغةٍ رسمية، وشدد على كون إسرائيل موطنًا للشعب اليهودي، ورسّخ في عقول الكثير من المواطنين التمييز بين المواطنين اليهود وغير اليهود. وأثار هذا القانون بشكلٍ خاص سخط الدروز الإسرائيليين، إذ اعتبروه تمييزيًا، وشنّ كبار المسؤولين الدروز من "جيش الدفاع الإسرائيلي" حملةً ضده.
تتناقض هذه الحقيقة الجديدة بشدة مع الوضع الراهن، عندما كان الدروز منخرطين إلى حدٍ كبير في جهاز الدولة. فبحسب دراسة استقصائية أجراها "مركز بيو للأبحاث"، يخدم حوالى 60 في المئة من الرجال الدروز في إسرائيل أو سبق أن خدموا في الجيش الإسرائيلي وهم يشكّلون العناصر الوحيدين من غير اليهود المجنَّدين في "جيش الدفاع الإسرائيلي". فغالبًا ما تصِف الدولة الإسرائيلية والأغلبية اليهودية الدروز بأنهم "الأقلية المفضَّلة"، وتتساوى حاليًّا ميزانيات الرواتب والتعليم في البلديات الدرزية مع المجتمعات اليهودية. ومع ذلك، في حين احتجّ آلاف الدروز في أوائل آب/أغسطس في تل أبيب ضد القانون الجديد، فهو يبقى نافذًا، ما يوحي بالتغيير المحتمل في الوضع السابق للدروز الإسرائيليين.
اختبرت المجتمعات الدرزية مصيبةً خطيرةً أخرى في الجوار السوري، حين شنّ تنظيم "الدولة الإسلامية" هجومًا إرهابيًّا على محافظة السويداء، أسفر عن مقتل أكثر من 250 شخصًا وخطف 36 على الأقل، من بينهم عددٌ كبيرٌ من النساء والأطفال. وحدث هذا الهجوم على خلفية صفقةٍ بين نظام الرئيس بشّار الأسد وتنظيم "الدولة الإسلامية"، سمحت بإخلاء مئات مقاتليه من دمشق إلى البادية وامتدادهم إلى المعقل الدرزي السوري، فازداد عدد المقاتلين في المنطقة إلى حوالى 2500.
فيما يتمتع الدروز السوريون بتاريخٍ طويلٍ من المساهمات العسكرية في سوريا، تم تجريدهم الآن من قدرتهم على الدفاع عن مجتمعاتهم. فمن الميزات الباقية في الذاكرة الجماعية، ثورة القوات الدرزية في القرن العشرين بقيادة السلطان باشا الأطرش ضد السلطات الفرنسية المحلية الإلزامية في منطقة حورانم السورية، التي أدّت إلى انتفاضةٍ على الصعيد الوطني ضد الحُكم الفرنسي.
مع ذلك، أعلَم الناشط السياسي السوري جبر الشوفي الكاتبَ بأنه قبل الهجوم، اتّهم النظام الفصائل الدرزية المناهضة للنظام، على غرار شيخ بلحوس، بالإرهاب في محاولةٍ واضحة لنزع شرعية زعماء المجتمع الدرزي. إلى ذلك، أعلم وفدٌ روسيٌّ المجتمعات الدرزية بوجوب نزع سلاح قوات الدفاع المحلية الخاصة بها وبوجوب أن يتقدّم أكثر من 54 ألف شابٍ درزي إلى الخدمة العسكرية. فتركت هذه التدابير المجتمعات مجرّدة من كافة وسائل الدفاع إزاء الهجوم وأيضًا إزاء أي هجمات مستقبلية في المنطقة.
ينضم إلى هذا الانقلاب في وضع الدروز في سوريا وإسرائيل الاقتتال المدمّر بين الزعيميْن الدرزييْن في لبنان، أي بين النائب طلال إرسلان والنائب وليد جنبلاط، على حصتيْهما من المناصب في الحكومة اللبنانية الجاري تشكيلها. وقد أدّت عائلتا إرسلان وجنبلاط النافذتان دورًا تقليديًّا مهمًّا في التاريخ السياسي اللبناني. فمن بين الإرسلانيين الذين يتحدّرون من الملوك اللخميين في القرن الثالث في جنوب العراق، الأمير توفيق إرسلان الذي كان من أهم الشخصيات خلف إنشاء دولة لبنان الكبير في سنة 1920 وابنه الأمير مجيد، وهو أحد قادة الاستقلال في البلد في سنة 1943. أمّا كمال جنبلاط، وهو عربيٌّ قوميٌّ ومناصرٌ شجاعٌ للقضية الفلسطينية، فقاد حركةً يساريةً قويةً في لبنان تنتقد النظام الطائفي اللبناني وتُعارض النظرة الغربية للطبقة السياسية المسيحية. وقد أدّى ابنه وليد لأكثر من أربعة عقودٍ دورًا محوريًّا في الساحة السياسية اللبنانية وكان يُعتبَر إلى حدٍ كبير صانع ملوكٍ في السياسة اللبنانية.
إلا أن هذا الانشقاق بين العائلتين يسلّط الضوء على وجود تدهورٍ أعمق في النفوذ السياسي الدرزي في لبنان. ويبدو أن هذا الانشقاق امتد ليطال المجموعات السياسية الأخرى، فقد أعلمت بعض المصادر في حزب "التيار الوطني الحر" المسيحي، الذي أسّسه الرئيس الراهن ميشال عون، الصحيفة اللبنانية اليومية "لوريان لو جور" بأنه سيتم ردع تشكيل الحكومة بقدر ما يلزم لتجريد جنبلاط من احتكاره للتمثيل السياسي الخاص بالمجتمع الدرزي.
ورغم أن كلًّا من هذه الأحداث الإقليمية يشكّل تحدّيًا لوجهٍ مختلفٍ من حياة المجتمع الدرزي، فهي كلّها تُظهر كيف يواجه الدروز ضغطًا متزايدًا في أوطانهم. والسببان اللذان أدّيا إلى هذا الانحدار هما: الضغوطات الإقليمية الأكبر والتحديات الداخلية. فتواجه هذه الأقلية واقع منطقةٍ ذات قطبيْن وسط صراعٍ طائفي وسياسي، يضع إيران ضد إسرائيل من جهةٍ وبلدان الخليج من جهةٍ أخرى.
في إسرائيل، اعتمد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الهاجس الأمني الإسرائيلي ليصمّم ما صنّفه البعض على أنه أهم ائتلاف يمينيفي تاريخ الدولة، ما برّر استخدام القوة غير المسبوقة ضد الاسرائيليين العرب، والزيادة الكبيرة في عدد المستوطنات، ومجموعة القرارات المثيرة للجدل التي تشمل اعتراف الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة إسرائيل و"قانون الدولة القومية".
في سوريا ولبنان، يعاني الدروز أيضًا من تداعيات الخصومة الإيرانية-السعودية التي تنعكس حاليًّا على الانقسام الديني السني-الشيعي. ففي لبنان، أدّت مواقف جنبلاط وتقلّباته السياسية المستمرة، وحملات الاغتيال المزعومة لـ"حزب الله" التي استهدفت مجموعاتٍ سورية ومناهضة لإيران، والاشتباكات بين "الحزب التقدّمي الاشتراكي" التابع لجنبلاط و"حزب الله" في سنة 2008 إلى إضعاف هذه الجماعة إلى حدٍ كبير.
وفي سوريا، لا يبدو أن المحاولات الدرزية للحفاظ على الحياد وسط النزاع الناشب تشكّل خيارًا موفّقًا في أعقاب الاعتداء الأخير الذي ارتكبه تنظيم "الدولة الإسلامية". ففيما تحمل الاعتداءات كافة علامات طريقة العمل التقليدية لتنظيم "الدولة الإسلامية"، يُظهر غياب ردة فعل النظام في خلال الاعتداء الأوّلي وقيامه في وقتٍ سابق بنزع الأسلحة الدرزية كيف أن حسابات النظام ساهمت في المجزرة الدرزية. ويبدو أن هذا التصعيد في الضغط من النظام يشكّل محاولةً لإجبار هذا المجتمع الدرزي على التّنبّه، بما أن المحافظة الدرزية سبق أن توصّلت إلى حيازة درجة عالية من الاستقلالية وإلى تفادي استهداف شبّانها في التجنيد العسكري الإجباري. فهذه الاستقلالية هي التي سمحت لهذا المجتمع بتفادي النزاع وتفادي سماته الكامنة الدينية أكثر فأكثر.
غير أن الضرر الذي لحق بمصالح المجتمع الدرزي لا ينتج فحسب عن القوى الخارجية. بالأحرى، لن يتسبب بتفاقم فقدان النفوذ السياسي للمجتمع الدرزي سوى الوقائع الديمغرافية لهذا المجتمع. فقد عمل الدروز كمجتمعٍ منغلقٍ منذ القرن الحادي عشر – إذ لا تُشارك هذه الجماعة معتقداتها الدينية مع من لا ينتمي إليها، ولا تقبل انضمام أعضاء جدد إليها. أمّا التقاليد الدرزية التي تُلزِم الأعضاء بالزواج من داخل الجماعة، والتي يتم تطبيقها أكثر في عزلة الجبال المحمية، فتفقد سيطرتها شيئًا فشيئًا على الأعضاء الشبّان فيما يتحضّر المجتمع الدرزي – مع بلوغ الأعداد 88 في المئة في لبنان. وأدّت وقائع الأنماط المعيشية الجديدة، مقترنةً بمعدّلات الولادة المنخفضة، إلى انحصار السكّان الدروز ليبلغوا نسبًا منخفضةً في بلدان سكنهم.
من خلال رفض إعادة النظر في التقاليد التي تردع استمرارية الهوية الدرزية، والسماح للانقسامات الداخلية بالحلول مكان المصالح الطويلة المدى، والفشل في تعزيز الأواصر العابرة للأقاليم، يبدو أنه مقدَّرٌ للدروز بسلوك مسار الانحدار المتواصل. ومع فقدان الزعماء الدروز النفوذ الذي طالما كان يحمي مجتمعهم، على الدروز أن يأخذوا على محمل الجد خطر الزوال الجماعي.