Wednesday, September 18, 2019

كيف تخطط روسيا والصين لهزيمة الولايات المتحدة؟

كيف تخطط روسيا والصين لهزيمة الولايات المتحدة؟
حرب الظل:
كيف تخطط روسيا والصين لهزيمة الولايات المتحدة؟
الأربعاء, 18 سبتمبر, 2019 
حرب الظل:
عرض: محمد محمود السيد - باحث في العلوم السياسية
أدرك القادة السياسيون بعدما عانى العالم بأسره، وخاصة المجتمع الغربي، من ويلات الحروب العالمية، وبعد ظهور الأسلحة النووية، ودخول مرحلة "توازن الرعب" خلال فترة الحرب الباردة؛ أن الحروب العسكرية لم تعد وسيلة مناسبة لتسوية الصراعات الدولية، وأن هناك أنواعًا أخرى قادرة على حسم بعض الصراعات الدولية، أو على الأقل إجبار الطرف الآخر على تقديم بعض التنازلات، حيث ظهرت الحروب الاقتصادية والثقافية، وصارت القوة الناعمة أحد أبرز أسلحة كثير من الدول في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق.
ومن ضمن الأنواع الجديدة للحروب "حرب الظل" التي تحدث في مساحات بينية بين حالتي السلم والحرب، وفي ساحة تكتيكية بين العمل السري والقوة العلنية. وهي حرب تجري على أكثر من جبهة، وداخل أكثر من ساحة في الوقت ذاته. ولذا فإن سرعتها وقوتها غالبًا ما تكون مخيفة.
وقد كان هذا الموضوع الرئيس لكتاب "جيم سكيتو" (كبير مراسلي الأمن القومي في قناة "سي إن إن" الإخبارية) الذي صدر في مايو من العام الجاري تحت عنوان "حرب الظل: داخل العمليات الروسية والصينية السرية لهزيمة أمريكا". وفيه يكشف عن أبعاد الحرب السرية التي تقودها موسكو وبكين ضد واشنطن، والتي أسفرت عن انتصارات مهمة للغاية، حسبما يشير المؤلف.
حالة عدم اليقين 
يشير "سكيتو" إلى أن الولايات المتحدة في حالة حرب فعلية تشنها روسيا دون أن تُدرك، حيث تتخذ إجراءات عدوانية ضد واشنطن وحلفائها، من الفضاء الإلكتروني إلى الفضاء الخارجي، وفي جميع أنحاء العالم. ولهذا يرى القادة العسكريون الأمريكيون ومسئولو الأمن القومي ومحللو الاستخبارات بشكل قاطع أن موسكو هي عدو واضح لدولتهم. لكنه يذكر أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الجمهور لا يستوعب هذه الحقيقة بشكلٍ كامل، خاصة وأن الرئيس "دونالد ترامب" لم يتصرف أمام الأمريكيين وفق تلك الحقيقة، ولم يعترف بأن تصرفات روسيا تمثل تهديدًا محدقًا بالدولة الأمريكية.
ويرى المؤلف أن هذه الحالة من عدم اليقين هي جزء أصيل من خطة الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، حيث إن الارتباك الأمريكي هو نتاج وهدف رئيسي لنوع جديد من الحرب النوعية التي تشنها موسكو، وهي حملة تستهدف بشكل منهجي "المجتمع الأمريكي الديمقراطي" المُنقسم سياسيًّا، والذي يعتمد اقتصاده وبيئته الإعلامية وأنظمة التصويت لديه على تقنيات إلكترونية ضعيفة، على حد قول المؤلف.
ويضيف أن جوهر هذه الحملة يكمن في مهاجمة المصالح الأمريكية عند حدود معينة لا تدفع واشنطن للقيام برد عسكري، ثم بمرور الوقت تعمل روسيا على تمديد تلك الحدود إلى أبعد من ذلك. 
وقد حدّد "فاليري جيراسيموف" (رئيس أركان القوات المسلحة الروسية) الغرض من "حرب الظل"، والذي يتمثل في إنشاء "جبهة دائمة عبر كامل أراضي دولة العدو"، أي نقل الحرب إلى أرض العدو وتحويلها بالكامل إلى ساحات معارك.
تكتيكات حرب الظل الروسية
أوضح "جيراسيموف" في مقال نُشر في عام 2013 بعنوان "قيمة العلم في قراءة المستقبل" نوايا حكومته، حيث ذكر: "في القرن الحادي والعشرين، رأينا ميلًا نحو طمس الخطوط الفاصلة بين دولتي الحرب والسلام. لم تعد الحروب معلنة، وصارت تمضي وفقًا لقوالب غير مألوفة".
وتقوم روسيا اليوم بتطبيق هذه "القوالب غير المألوفة" على ساحات المعارك المتعددة دفعة واحدة. فخلال مرحلة الحرب الباردة، كان لدى موسكو عدد قليل من الأدوات التي يمكن من خلالها التلاعب بالرأي العام الأمريكي، أو التدخل في الحملات السياسية الأمريكية. لكن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي خلق فرصًا هائلة لها، وصارت أنظمة البريد الإلكتروني غير الآمنة بمثابة جوائز للهاكرز.
وفقًا لتقييم "مكتب مدير الاستخبارات الوطنية" في يناير 2017، تدخلت روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام ٢٠١٦ "لتشويه سمعة هيلاري كلينتون، مع تفضيل واضح للرئيس المنتخب دونالد ترامب". ويضيف المؤلف أنها حاولت التدخل في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي أجريت في نوفمبر 2018، وجميع الأدلة تشير إلى أنها ستفعل الشيء نفسه في الانتخابات الرئاسية عام 2020.
وفي الوقت ذاته، تستمر الاستعدادات العسكرية الروسية، حيث نشرت موسكو في الفضاء الخارجي أسلحة مُصممة لتدمير الأقمار الصناعية الأمريكية، والتي صارت الأسس التي يرتكز عليها التفوق العسكري والاقتصادي الأمريكي عالميًّا. وفي أسفل المحيطات، نشرت فئتين جديدتين من الغواصات الهجومية والصواريخ الباليستية التي يصعب تعقبها. وبالتالي فهي أكثر قدرة على توسيع التهديد النووي إلى شواطئ الولايات المتحدة.
وعلى اليابسة، غزت روسيا واحتلت أراضي في دول ذات سيادة، بما في ذلك أوكرانيا وجورجيا، وحاولت القيام بانقلاب في الجبل الأسود، مُهددةً بذلك المعاهدات وسيادة القانون التي ساعدت في الحفاظ على السلام في أوروبا لعقود طويلة.
وضمت روسيا شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤ في انتهاك واضح لاتفاقية السلام التي وقعتها مع أوكرانيا والولايات المتحدة وأوروبا. وبعد أشهر من ذلك، احتلت مساحات شاسعة من شرق أوكرانيا. وفي كلتا الحالتين، أرسلت موسكو قوات خاصة، تظاهروا بأنهم ليسوا جنودًا نظاميين في الجيش الروسي، وظهروا في أزياء غير موحدة، وكانت حجتهم مساعدة المواطنين ذوي الأصول الروسية هناك الذين يخشون على سلامتهم.
ويرى المؤلف أن تلك الأحداث لا تمثل مفاجأة، حيث كان "جراسيموف" -في مقالة نشرت خلال العام الماضي (٢٠١٨)- مُحددًا بشكل مخيف في وصف التكتيكات الدقيقة التي ستستخدمها روسيا قريبًا، حيث قال: "إن الاستخدام المفتوح للقوات غالبًا ما يكون تحت ستار حفظ السلام وتنظيم الأزمات، ولا يتم اللجوء إليه إلا في مرحلة معينة، كمرحلة نهائية في تحقيق النجاح في أي صراع".
الاستراتيجية الصينية للتوسع
يؤكد "سكيتو" أنه ليس من قبيل الصدفة أن تنتهج الصين استراتيجية مماثلة -تقريبًا- لاستراتيجية روسيا، وبنجاح مماثل؛ من سرقة الأسرار التجارية والحكومية للولايات المتحدة، إلى ضم مساحات من بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه إلى سيادتها، بل وعسكرته، ووصولًا إلى نشر أسلحة هجومية في الفضاء.
الغريب في الأمر -وفقًا للمؤلف- أن الشركات الأمريكية على الرغم من إدراكها للسرقة الصينية غالبًا ما ترفض طلب مساعدة الحكومة الأمريكية، أو تحديد انتهاكات الإنترنت، خوفًا من عزل شركائها الصينيين أو فقدان الوصول إلى السوق الصينية تمامًا. ويشير "سكيتو" إلى أن "استراتيجية الصين تزرع هذا الخوف وتعتمد عليه".
وفي مقابل الجهود الصينية، فإن إدارة "باراك أوباما" لم تقم بالاستجابة المناسبة تجاه بكين، ولم تتعامل كما ينبغي مع جهود العسكرة الصينية في بحر الصين الجنوبي. واكتفى الرئيس الأمريكي السابق بأخذ تعهدات ووعود شخصية من الرئيس الصيني "شي جين بينغ".
سبل المواجهة 
يرى الكاتب أن الولايات المتحدة حاليًّا تقوم بتعديل استراتيجيتها لمواجهة هذه التهديدات الجديدة. ويؤكد أنه قابل العديد من الأمريكيين على متن الغواصات وطائرات المراقبة، وفي مراكز عمليات وكالة الأمن القومي، وفي القواعد الجوية المختلفة، أي الذين في الخطوط الأمامية لحرب الظل، وصار جميعهم يدرك أبعاد العداء الروسي-الصيني، وحربهما ضد واشنطن، ومع ذلك فإن مسئولي المخابرات الأمريكية والقادة العسكريين والمشرعين يتفقون جميعًا على أن الاستجابة الفعالة تتطلب قيادة أمريكية حازمة.
وعلى الرغم من إخفاقات بعض سياسات إدارتي "باراك أوباما" و"جورج دبليو بوش"؛ يجادل عدد من مسئوليها بأنهم واجهوا على الأقل روسيا بشكل مباشر أثناء أخطر أعمالها العدوانية. حيث أشارت "كوندوليزا رايس"، وزيرة الخارجية السابقة، في صحيفة "الواشنطن بوست" في أغسطس 2018، في الذكرى السنوية العاشرة لغزو روسيا لجورجيا، إلى أن إدارة "بوش" أعادت القوات الجورجية من العراق للمساعدة في حماية تبليسي. وذكرت أنها حذرت شخصيًّا وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" من تنحية "ميخائيل ساكاشفيلي"، رئيس جورجيا المنتخب ديمقراطيًّا.
ويذكر بعض المسئولين أن "أوباما" قد حذر "بوتين" شخصيًّا مرتين من التدخل في الانتخابات؛ الأولى كانت في محادثة وجهًا لوجه في قمة مجموعة العشرين في الصين في سبتمبر 2016، والثانية كانت قبل ثمانية أيام من الانتخابات في مكالمة هاتفية من خط ساخن مصمم أصلًا للمساعدة في منع الحروب النووية.
لقد أبدى الرئيس "ترامب" رغبة أقل بكثير لمواجهة روسيا، حتى إنه تساءل مرارًا وتكرارًا عما إذا كانت عدوًّا من الأساس. وبحسب روايات من داخل إدارته، فإن إحجامه عن مواجهة التهديد الروسي مدفوع جزئيًّا بتصوره أن الاعتراف بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 سيقلل من انتصاره.
وعلى الرغم من براءة "ترامب" من تهمة التواطؤ مع روسيا، إلا أن تردده المستمر في تحديد ومعالجة التهديد الروسي يضر كثيرًا بالمصالح الأمريكية، ويجعلها غير قادرة على مواجهة خطط مهندسي حرب الظل الروسية.
ويقدم "سكيتو" في خاتمة كل فصل من فصول هذا الكتاب، الدروس المُستقاة حول كيفية التعامل مع التهديدات الروسية والصينية بشكل أكثر فعالية. ولا يزعم الكاتب أن الانتصار سيكون سهل المنال، بل يحتاج إلى استثمارات وتطورات جديدة في أنظمة الأسلحة من الجيل التالي، مثل الأسلحة التي تفوق سرعة الصوت. ويؤكد أن الاستثمار في الأسلحة التقليدية، مثل السفن الحربية وحاملات الطائرات، ليس كافيًا للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة، وهيمنتها على النظام الدولي.
بيانات الكتاب: 
Jim Sciutto, “The Shadow War: Inside Russia's and China's Secret Operations to Defeat America”, (New York: Harper, 2019).

Monday, September 16, 2019

تأثير الذكاء الاصطناعي في سباق التسلح العالمي

تأثير الذكاء الاصطناعي في سباق التسلح العالمي
أتمتة الحروب:
تأثير الذكاء الاصطناعي في سباق التسلح العالمي
الأحد, 15 سبتمبر, 2019 
SMS
أتمتة الحروب:
عرض: سارة عبدالعزيز سالم - باحثة في العلوم السياسية
أسهمت الجهود المتواترة من جانب الباحثين خلال العقد الماضي في إحداث تطورات بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتقنيات التكنولوجية المرتبطة به (الحوسبة الكمية، والبيانات الضخمة، وإنترنت الأشياء، والروبوتات، والأنظمة ذاتية التشغيل)، حيث أمكن الوصول بها خلال فترات زمنية قصيرة إلى مستويات فاقت توقعات الخبراء والمتخصصين. 
وحقيقة الأمر أن ذلك التطور المتسارع قد جاء مدفوعًا بمجموعة من العوامل المحفزة، التي تشمل التطور الهائل في استخدام البرمجيات وكفاءة أدائها، والتوسع في اعتماد قواعد البيانات الضخمة، وكذلك التقدم الملحوظ في تطبيقات التعلم الآلي (Machine Learning)، وإعداد الخوارزميات. وقد اجتذب ذلك كله الاهتمام من قبل القطاع التجاري، وهو ما أسهم في التوسع في عمليات إنتاج وتطبيق تلك التقنيات، وفتح باب الاستثمار في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي.
وتزامنًا مع اختراق الذكاء الاصطناعي لكافة مجالات الحياة؛ فإن المجال العسكري يأتي في مقدمة تلك المجالات التي من المتوقع أن تشهد إحداث نقلة نوعية كبيرة في استخدام الحلول المعرفية والأتمتة لتعزيز القدرات والاستراتيجيات العسكرية على المستويين التكتيكي والتشغيلي. وقد حذر "جيمس جونسون" (الأستاذ بجامعة لستر في بريطانيا، والمتخصص في الدراسات الأمنية) في دراسة بعنوان "الذكاء الاصطناعي وحرب المستقبل: الآثار المترتبة على الأمن الدولي" نُشرت في العدد (35) من مجلة (Defence & Security Analysis) في أبريل 2019، من التهديدات الأمنية العالمية التي ينطوي عليها استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وانعكاساته على إعادة ترتيب موازين القوى.
ويناقش "جونسون" في دراسته المنافسة الجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، ومدى تأثرها بالسباق الحالي للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري 
تشير الدراسة في بدايتها إلى الدور الواسع الذي يمكن أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في تعزيز القدرات العسكرية التقليدية والمتطورة، سواء من الناحية التشغيلية أو على المستوى التكتيكي. حيث إنه يلعب دورًا يفوق كونه "سلاحًا" في حد ذاته. فعلى المستوى التشغيلي، يعزز الذكاء الاصطناعي من القدرات العسكرية من خلال إمكانات (الاستشعار عن بعد، والإدراك اللحظي للمتغيرات، والمناورة، واتخاذ القرار تحت ضغط).
أما على المستوى الاستراتيجي التكتيكي في صنع القرار العسكري، فستتمكن أنظمة القيادة المعززة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من تجنب العديد من أوجه القصور الملازمة لعملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية التقليدية، حيث ستكتسب القدرة على اتخاذ القرار السريع -بل والتلقائي- بناءً على المعلومات المعززة، وهو الأمر الذي يُجنّبها الأخطاء البشرية، ويُكسبها ميزةً تنافسيةً مقارنةً بأنظمة اتخاذ القرار التقليدية.
وبناءً عليه، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري سيؤدي إلى إدخال متغير جديد في المعادلة العسكرية، لن تتساوى فيه الجيوش التي تستخدم تلك التكنولوجيا الجديدة مع غيرها، ومن ثم سيحدث مجموعة من الآثار الاستراتيجية التي من المحتمل أن تزعزع الاستقرار الأمني إلى حد كبير، وتؤثر على ديناميكيات الصراع والتصعيد العسكري في المستقبل.
ولتأكيد وجهة النظر السابقة، أضاف كاتب الدراسة أن التهديدات الأمنية المحتملة والمترتبة على التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، تشمل الأمن بمفهومه الواسع الذي يتضمن الأمن الرقمي (مثل: التصيد الموجه، واختلاق الخطاب أو التصنيع الصوتي، وانتحال الهوية، والتسلل الآلي والتطفل على البيانات)؛ والأمن المادي (مثل الهجمات المنفذة من أسراب الطائرات بدون طيار)؛ وأخيرًا الأمن السياسي (مثل عمليات المراقبة والخداع والإكراه).
مستقبل الحروب
وفي حين تم توصيف تكنولوجيا الروبوتات ونظم الأسلحة ذاتية التشغيل، إلى جانب ابتكارات أخرى، على أنها تمثل "الثورة الثالثة في الحروب"، وفي سياق آخر على أنها أحد مخرجات "الثورة الصناعية الرابعة"؛ فإن إدماج الذكاء الاصطناعي معها من المتوقع أن يُحدث آثارًا تحولية في مستقبل الحروب والتوازن العسكري عالميًّا، حيث سيضيف إليها تقنيات تُعزز من قدراتها مثل الإدراك البصري والتعرف على الصوت والوجه، وكذلك استخدام الخوارزميات في صنع القرار لتنفيذ مجموعة من العمليات (الجوية والبرية والبحرية)، وذلك بشكل مستقل عن الإشراف والتدخل البشري.
وبناءً عليه، ستتمكن تلك الأنظمة المعززة من التوسع في مجموعة المهام التالية: الاستطلاع ودقة تنفيذ الضربات، واختراق الدفاعات الجوية المتطورة متعددة المستويات، مما يؤثر على كفاءة قيامها بوظيفة الردع. كما ستقدم تلك الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للدول خيارات إضافية غير متماثلة -خاصة في المجال البحري- لإبراز القوة العسكرية داخل المناطق المتنازع عليها وغير المسموح لها باختراقها. بالإضافة إلى مجموعة من المهام المحددة التي يمكن القيام بها والتي تشمل: إزالة وزرع الألغام، ونشر وجمع البيانات من شبكات الاستشعار البحرية المضادة للغواصات، ومهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وشن الحرب الإلكترونية، والعمليات غير القتالية (مثل مكافحة الإرهاب والدفاع عن الحدود)، والدعم التوجيهي للصواريخ لدقة عمليات الاستهداف.
والتوسع حاليًّا كبير في استخدام أنظمة الأسلحة المعززة بالذكاء الاصطناعي، والتي تقوم بتنفيذ مهامها بالكامل دون تدخل بشري مثل إسقاط ذخيرة الهجوم (LAMs) على الأهداف (سواء رادارات العدو أو السفن أو الدبابات)، بناءً على معايير الاستهداف المبرمجة مسبقًا، حيث يتم تدمير الهدف تلقائيًّا عند استكشاف أجهزة الاستشعار لرادارات الدفاع الجوي للعدو.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك النوع من الأنظمة هي أنظمة الطائرات بدون طيار الإسرائيلية (Harop). إلا أن هناك سعيًا حثيثًا من جانب عدد كبير من الدول لتطوير أنظمة كاملة من الأسلحة ذاتية التشغيل، مثل: الصين، وألمانيا، والهند، وإسرائيل، وكوريا الشمالية، وروسيا، وبريطانيا.
وتشير الدراسة إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في نظم الأسلحة ذاتية التشغيل والروبوتات سيؤدي إلى التوسع في استخدامها في مجالي الدفاع والهجوم، وهو ما سيؤدي إلى الحد من قدرات أنظمة الردع الحالية متعددة المستويات. 
وعلى الجانب الآخر، فإن إدماج التكنولوجيا نفسها في أنظمة الإنذار المبكر، وإن كان سيؤدي إلى تقليل وقت عملية اتخاذ القرار، وإتاحة إمكانية المواجهة المباشرة والتلقائية مع أي هجوم؛ إلا أنه سيؤثر على استقرار الأمن العالمي من خلال تقليص فرص تسوية الأزمات بوسائل أخرى سلمية وغيرها، والتوجه نحو التصعيد المباشر، الأمر الذي قد يتطور إلى مستوى الحرب النووية.
وإلى جانب الأنظمة العسكرية التقليدية، فقد أشار التقرير إلى أن تعزيز المجال السيبراني بالذكاء الاصطناعي سيُعزز من قدراتها، سواء من حيث الدفاع أو الهجوم. فمن حيث الهجوم، سيسهم الذكاء الاصطناعي في صعوبة تحديد منفذي الهجمات السيبرانية، أو التنبؤ بها، وكذلك دقة تحديد الأهداف المراد الهجوم عليها.
أما من حيث الدفاع السيبراني، فقد يعزز الذكاء الاصطناعي من تقليل مخاطر الهجمات السيبرانية من خلال تحسين عمليات مراقبة الشبكات، وتحديد التهديدات بسرعة، والدفاع عنها تلقائيًّا.
وفي إطار زيادة التداخل بين المجالين المادي والافتراضي؛ فإن الهجمات السيبرانية المعززة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي سيتضاعف تأثيرها في المجالين معًا بشكل يصعب تحديد الآثار المترتبة عليه، والتي تمثل (Black Box)، وكذلك اتساع المدى المستهدف من جانب تلك الهجمات. كما أنه يحفز الهجمات التي تستهدف التحكم في أنظمة الروبوتات والأسلحة ذاتية التشغيل، وهو ما يمكن تسميته بـ"برمجيات التسليح" (Weaponized Software).
تهديدات الأمن العالمي
حدد الباحث في دراسته أسباب تهديد الأنظمة المعززة بالذكاء الاصطناعي للأمن العالمي، والتي تتمثل فيما يلي: 
أولًا- سيادة حالة من اليقين بالقدرات الكاملة لتلك الأنظمة، في ظل عدم معرفة معدلات الخطأ الواردة بها، حيث إنها لم تخضع للاختبارات الجادة بعد، الأمر الذي قد تترتب عليه تهديدات خطيرة غير محسوبة العواقب.
ثانيًا- الدفع نحو التصعيد بشكل مباشر نتيجة للثقة المطلقة في القدرات العسكرية المعززة بالذكاء الاصطناعي على المواجهة وردع الأعداء. ومن ثم، تجنب الوسائل السلمية في حل الأزمات. بل قد يدفع ذلك الدول نحو الضرب الاستباقي لتحقيق الردع.
ثالثًا- إمكانية التوسع في الاعتماد عليها نتيجة انخفاض التكلفة، واستخداماتها التجارية، وثنائية ذلك الاستخدام من جانب الفاعلين من الدول وغير الدول، وهو ما يضيف المزيد من التعقيد في البيئة الأمنية من حيث صعوبة تحديد وتوقع الهجمات. وتعد هجمات أسراب الطائرات بدون طيار من أبرز الأمثلة على ذلك. 
رابعًا- التوجه نحو استخدام الأنظمة المعززة بالذكاء الاصطناعي بشكل متواتر لاختبار قدرات الآخرين، وتقييم المستوى التقني الذي تم الوصول إليه لتطوير القدرات.
ولمواجهة التهديدات السابقة، أشارت الدراسة إلى الجهود التي تم بذلها من جانب الباحثين لتطوير تكنولوجيات مواجهة الذكاء الاصطناعي (Counter AI)، إلا أنها ما زالت في مراحلها الأولية، فضلًا عن أنها ما زالت تقتصر على الجهود البحثية من جانب الأجهزة التابعة للدول، وبصفة خاصة الدوائر العسكرية بخلاف تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي الأخرى التي تشهد طفرات مستمرة واهتمامًا من جانب دوائر واسعة عسكرية وتجارية.
وفي حين يواجه ذلك القطاع نموًّا بطيئًا؛ إلا أنه من المتوقع أن يلعب دورًا محوريًّا في معادلات الأمن القومي والحسابات الاستراتيجية للدول، وهو ما ينعكس على توازن القوى وهيكل التنافس الاستراتيجي بينها.
سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي 
أضحت كل من المحددات الجيوسياسية والتطورات التكنولوجية عوامل محورية في إعادة تشكيل البيئة الأمنية، وهو ما ينعكس في تحديد شكل وحجم التنافس الاستراتيجي بين كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
وحقيقة الأمر، فإنه من الصعوبة بمكان تحديد مدى إسهام الذكاء الاصطناعي في بلورة ذلك التنافس، إذ ما تزال الفجوة قائمة بين التطور الحادث في مستوى الابتكارات المتحققة، وعملية تحويلها إلى أوامر تنفيذية وإدماجها في المنظومة والاستراتيجيات العسكرية، حيث لا توجد دلائل واضحة على قيام الولايات المتحدة أو الصين بذلك.
وقد نبهت الدراسة إلى أنه في ظل التنافس بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين على توطين الابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل مختلف عن الآخر؛ فإن إدماج تلك الابتكارات في المنظومة الاستراتيجية العسكرية من المتوقع أن يختلف فيما بينها، وهو الأمر الذي يفاقم من حالة عدم اليقين بين الدولتين، ويلقي بظلاله على استقرار الأمن العالمي والتوازن الاستراتيجي بين الدول.
وتتوقع الدراسة أن الصين ستكون لها الأسبقية في مجال إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن المنظومة والاستراتيجية العسكرية من خلال تطوير القواعد التقنية وآليات حوكمة الذكاء الاصطناعي لتعزيز تنافسية ومستوى القدرات العسكرية الصينية. كما أنها ستتبع في ذلك المنهجية المركزية لجيش التحرير الشعبي الصيني (PLA) من حيث تضمينها في كافة الوحدات والعمليات.
أما عن مكامن القوة الصينية، فقد أشارت الدراسة إلى أنها ستستفيد في هذا السياق من مجموعة من المزايا لعل من أهمها الطاقة الاستيعابية الكبيرة لأسواقها، وهو ما يمكنها من طرح الابتكارات واختبارها وتطويرها، ومن ثم الاستفادة منها مدنيًّا وعسكريًّا. أيضًا، مكنت الكثافة السكانية الهائلة للدولة من إعداد قواعد البيانات الضخمة، حيث تشير الدراسات إلى أنها ستتمكن بحلول عام 2020 من السيطرة على حوالي (20%) من بيانات العالم، و(30%) بحلول عام 2030. وتعد تلك البيانات الضخمة ثروة هائلة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي حيث تشكل نواة تطوير تلك الابتكارات.
وفي حين تتمتع الصين بأفضلية تحقيق ذلك التكامل المدني-العسكري، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تواجه العديد من التحديات مع شركات وادي السيليكون، حيث أعلنت شركة جوجل مؤخرًا عن إيقافها التعاون مع البنتاجون ضمن مشروع (MAVEN) للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي. كما أنها ما زالت تتخذ خطوات حذرة في الاعتماد الكامل وتضمين الذكاء الاصطناعي في المنظومة العسكرية. 
وفي ختام الدراسة، يقارن الباحث بين توجه كل من الصين وروسيا نحو التضمين والاعتماد الكامل لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في المنظومة العسكرية الخاصة بها، حيث توجد شواهد على إلحاق الصواريخ النووية والباليستية الخاصة بهما بمعززات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعلها قابلة للانطلاق وتدمير الأهداف المحددة مسبقًا في حالة استشعارها بوجود أي خطر أو هجوم عليها. وهو الأمر الذي ينطوي على آثار تدميرية تمس البشرية جمعاء. إلا أنه -في المقابل- يرى أن الولايات المتحدة تسلك منحى آخر يراه الكاتب أخلاقيًّا في المقام الأول، حيث إن إخراج العنصر البشري من المنظومة قد يضاعف من تداعيات أي أزمة مستقبلية، ويخرجها عن السيطرة لتتصاعد لمستويات لا يمكن التحكم فيها. 
وخلُصت الدراسة إلى أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي ستقترن في المدى القريب بانتشارها والتوسع في استخدامها في المجال العسكري؛ سيترتب عليها إحداث العديد من التداعيات الأمنية، والتي ستنعكس بشكل أو بآخر على زعزعة استقرار الأمن العالمي، وإطلاق سباق تسلح جديد، إلا أنه في هذه المرة سيكون لامتلاك الأسلحة المعززة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
ونبهت إلى أنه في ظل غياب القواعد والسياسات الضابطة لاستخدام تلك التكنولوجيا في المجال العسكري فستتمثل أهم التداعيات على الأمن العالمي في شيوع حالة من عدم اليقين، وتعدد التهديدات في المجالين المادي الواقعي والافتراضي. هذا بالإضافة إلى إحداث العديد من التحولات في طبيعة وخصائص التهديدات الأمنية، بل وطرح أشكال جديدة من التهديدات على الساحة الأمنية.
المصدر: 
James Johnson, "Artificial intelligence & future warfare: Implications for International Security", Defense & Security Analysis, Vol. 35, no. 2, (2019), PP. 147-169.

Sunday, September 15, 2019

لماذا يواصل الذهب رحلة الهبوط؟

لماذا يواصل الذهب رحلة الهبوط؟


لماذا يواصل الذهب رحلة الهبوط؟





 تراجعت أسعار الذهب في تعاملات نهاية الأسبوع لتسجل ثالث هبوط أسبوعي على التوالي مع صعود أسواق الأسهم والسندات، بينما ربح البلاديوم أغلى المعادن على الإطلاق.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية 0.7% أمس الجمعة ليختتم جلسة التداول عند 1488.45 دولارا للأوقية (الأونصة)، منهيا الأسبوع على خسارة تزيد على 1%. وتراجعت العقود الأميركية للذهب 0.5% لتبلغ عند التسوية 1499.50 دولارا للأوقية.
وجاء انخفاض الذهب بعدما دفعت بيانات إيجابية لمبيعات التجزئة الأميركية وآمال بانحسار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين أسواق الأسهم وعوائد السندات للصعود.
كما ينتظر المستثمرون اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) الأسبوع المقبل، الذي من المتوقع أن يخفض سعر الفائدة القياسي بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل للمرة الثانية على التوالي.
ومن بين المعادن النفيسة الأخرى هبطت الفضة 3.7% إلى 17.43 دولارا للأوقية، بينما تراجع البلاتين 0.3% إلى 948.15 دولارا للأوقية.
وانخفض البلاديوم 0.7% إلى 1606.50 دولارات للأوقية بعد أن سجل أعلى مستوى على الإطلاق عند 1621.55 دولارا في جلسة الخميس، عندما أذكت مشاكل محتملة بشأن العمالة في مناجم جنوب أفريقيا مخاوف بشان الإمدادات.
لكن المعدن المُستخدم في التحفيز الذاتي بقطاع السيارات ينهي الأسبوع مرتفعا بأكثر من 4%، في سادس أسبوع على التوالي من المكاسب.
وعلى صعيد البورصات ارتفعت الأسهم الأوروبية أمس الجمعة بفضل مكاسب قوية للبنوك وشركات صناعة السيارات.
وأغلق كل من مؤشر ستوكس 600 القياسي ومؤشر أسهم منطقة اليورو مرتفعين حوالي 0.3%، وسجلا مكاسب بأكثر من 1% على مدار الأسبوع.
ومن بين أبرز الأسهم الرابحة في جلسة أمس الجمعة، صعد سهم بورصة لندن 3.6%، بعد أن رفضت عرض استحواذ من بورصة هونغ كونغ بقيمة 39 مليار دولار.
كما أنهت المؤشرات الأميركية الثلاثة الأسبوع على مكاسب مع صعود داو جونز 1.56% وستاندرد آند بورز 0.95% وناسداك 0.91%.
المصدر : رويترز

مايك بومبيو هنري كيسنجر الجديد

مايك بومبيو هنري كيسنجر الجديد

مايك بومبيو هنري كيسنجر الجديد

بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البحث عن بديل لمستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، وتقول مصادر قريبة من الإدارة الأميركية إنه قد يطلب من وزير الخارجية الحالي مايك بومبيو شغل هذا المنصب دون استقالته من مهمّته الحالية، أو أن يتولى المهمة إلى أن يحسم أمره على اسم محدد، وسيكون لبومبيو دور هام في تحديد الاسم تفاديا لتكرار حالة الصدام التي كانت بينه وبين بولتون.
واشنطن – خلال انتشار خبر استقالة مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي جون بولتون، كان وزير الخارجية مايك بومبيو يجري مؤتمرا صحافية حول قضية مختلفة، لكن باغته أحد الصحافيين بالسؤال عن حقيقة استقالة أو إقالة بولتون. رفض بومبيو الإجابة لكنه لم يستطع كتم ابتسامة فضحت سرورا داخليا وفسّرت نفسها بنفسها.
رحيل بولتون يعزز نفوذ بومبيو الذي بات يمسك بلا منازع بالسياسة الخارجية الأميركية. وتردّد أن ترامب قد يجعل بومبيو مستشاره للأمن القومي إلى جانب الاحتفاظ بحقيقة الخارجية، الأمر الذي جعل الصحافة الأميركية تطلق عليه لقب “هنري كيسنجر الجديد”.
وكان هذا السيناريو حدث مع هنري كيسنجر، الذي عمل في المنصبين من 1973 إلى 1975. وقال أحد الناشطين الجمهوريين المقربين من بومبيو، إن شغل الوظيفتين “سيجذب أي شخص يحمل إحساسا بالتاريخ. أتخيل أن يكرر ترامب سيناريو هنري كيسنجر، حيث يثق الرئيس ثقة كبيرة ببومبيو”.
وتوقّع مصدر قريب من البيت الأبيض أن يكون لبومبيو دور كبير في تعيين مستشار الأمن القومي القادم، خاصة وأن علاقته ببولتون لم تكن جيدة ولم يكن هناك تفاهم بينهما، خاصة في ملف الحوار مع حركة طالبان، والملف الإيراني. ووصف توماس رايت، خبير السياسة الخارجية في معهد بروكينغز للدراسات، استقالة بولتون بأنها “انتصار لبومبيو”، موضحا أنه “لم يكن على توافق مع بولتون وكان يريد رحيله”.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين مطلعين قولهم إن غياب الثقة بين بومبيو وفريق بولتون دفع وزير الخارجية إلى منع مساعديه من التشاور مع فريق بولتون بشأن إيران. ولم يرحب بولتون بقرار التفاوض مع طالبان بشأن اتفاق سلام يهدف لإنهاء الحرب الطويلة، فقد كان منزعجا من تعيين بومبيو لقيادة هذه الجهود. وفتحت قيادة بومبيو، الذي غيّر المبعوث الأميركي للسلام في أفغانستان زلماي خليل زاد، من معايير سياسة الولايات المتحدة بشأن هذه القضية.
ومع إقالة بولتون بات المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (سي.آي.أيه) الذي عيّن على رأس وزارة الخارجية في ربيع 2018، آخر ركائز الفريق الدبلوماسي، مقاوما التعديلات والإقالات المتواصلة في عهد ترامب.
ويتزايد نفوذ بومبيو لدى الرئيس السبعيني الذي قال عنه مرّة إنه العضو الوحيد في حكومته الذي لم يتشاجر معه أبدا. وتأكد ذلك حين أعلن ترامب أمام الصحافيين أنه “بحث” مع بومبيو احتمال تعيينه في منصب مستشار الأمن القومي مع احتفاظه بحقيبة الخارجية.
لكن الرئيس الجمهوري أضاف أنه تم التخلي سريعا عن هذه الفرضية، نزولا عند طلب بومبيو نفسه الذي يفضل “أن يكون معه شخص” ينسّق السياسة الخارجية. ومع ذلك، فبمجرد أن يكون ترامب قد درَس جيدا منح بومبيو منصبين لم يسبق أن جمعهما سوى هنري كيسنجر من قبل، فإنه يكشف ضمنيا عن المكانة التي يحظى بها النائب السابق عن كنساس.
نفوذ ملتبس
يقول ترامب عن بومبيو “إنه رائع” و”إنني على تفاهم كبير معه، لدينا في غالب الأحيان وجهات النظر ذاتها، وأحيانا بعض الخلافات الصغرى”. وهنا تكمن قوة بومبيو، إنما كذلك حدود نفوذه الملتبس.

وقال توماس رايت “إنه نافذ لأنه لا يروّج كثيرا لأجندته الخاصة”، مضيفا “يعرف متى يستسلم ومتى يدفع باتجاه وجهات نظره، ثم يتخلى عنها سريعا إن شعر أن ترامب يمضي في اتجاه آخر”.
ولفت إلى أن هذا المحافظ الذي ينتمي إلى الصقور برز بمواقفه المتشددة حيال أعداء الولايات المتحدة، واضطر إلى التغاضي عن الكثير من مواقفه حين أُلزم على سبيل المثال بتنظيم لقاء مع القادة الإيرانيين أو الدفاع عن دعوة قادة طالبان إلى كامب ديفيد.
نفوذ بومبيو يتزايد لدى ترامب الذي قال عنه مرة إنه العضو الوحيد في حكومته الذي لم يتشاجر معه أبدا
والواقع أن العسكري السابق البالغ من العمر 55 عاما يحرص على ضبط كلامه حتى لا يطغى على الرئيس ويتفادى أي تعارض مع مواقف البيت الأبيض. وخلافا لأسلافه، يمتنع بومبيو عن الدردشة والإدلاء بأي تصريحات لغير النشر للصحافيين المرافقين له، بل يبقى حذرا ويكتفي بنقل الخطاب الرسمي حصرا.
وبات هذا الانصياع التام للرئيس يهدد سجل بومبيو الذي يُعتقد أنه ينوي الترشح لمجلس الشيوخ عن كنساس عام 2020 ثم الترشح للبيت الأبيض بعد ذلك بأربع سنوات.
ويبدو أن هذا ما يدفع بومبيو من وقت لآخر إلى الإشارة إلى أنه لا يكتفي بالموافقة على كل ما يقرره ترامب، وقال في مقابلة مؤخرا “إن لم نكن متفقين، من واجبي أن أبدي له عدم موافقتي، وهو ما أقوم به أحيانا كثيرة”.
ونقلت صحيفة “واشنطن إكزامينر” عن مصدرين على دراية بالديناميكيات داخل الإدارة، أن علاقة وثيقة تجمع ترامب مع بومبيو، حيث أصر وزير الخارجية على إحاطة ترامب شخصيا أثناء توليه منصب مدير وكالة المخابرات المركزية في الفترة من 2017 إلى 2018.
منافسة شديدة
من أبرز المرشحين الآخرين لخلافة بولتون، نجد مستشار بومبيو، ريكي وادل، الذي كان نائبا لمستشار الأمن القومي السابق الجنرال هربرت ريموند ماكماستر. كما يمكن أن يتولى ستيفن بيجون المنصب، وهو الممثل الأميركي الخاص لشؤون كوريا الشمالية.

ومع ذلك، تعتبر المنافسة المفاجئة على منصب بولتون شديدة وحادة مع مختلف المرشحين الذين تقدموا بأنفسهم أو الذين دعا حلفاؤهم إلى اختيارهم.
وقال مسؤول سابق في البيت الأبيض إن ريتشارد غرينيل، وهو سفير الولايات المتحدة في ألمانيا والمقرب لعائلة ترامب، قد يفوز بالمنصب. وأضاف أن الإعلان عن القرار لا يبدو قريبا على الرغم من أن ترامب قال إنه سيعلن عن هوية مستشار الأمن القومي القادم خلال الأسبوع المقبل.
وتضغط الدوائر الانتخابية الرئيسية من أجل تعيين العقيد المتقاعد من الجيش دوغلاس ماغريغور، الذي دعم دعوات ترامب المتعلقة بسحب القوات الأميركية من أفغانستان وسوريا.
وقال أحد المقربين من البيت الأبيض والمعجب بمواقف ماغريغور الذي ظهر في برنامج “تاكر كارلسون” على قناة فوكس نيوز الأميركية أكثر من مرة، “ارتكب الرئيس بالفعل خطأين عندما عيّن رجلين لم يشاركاه رؤيته”. وأكد أن “العثور على أشخاص مؤهلين آخرين يشاركون الرئيس رؤيته” سيكون صعبا.
سيعيّن ترامب مستشار الأمن القومي الرابع منذ توليه منصبه. خلف ماكماستر مايكل فلين الذي أُقيل بعد ثلاثة أسابيع وثلاثة أيام من توليه المنصب. وخدم أكثر من سنة قبل استبداله ببولتون في أبريل 2018.
وتدخل بومبيو في اختيار مستشار الأمن القومي سيؤدي هذا إلى القضاء على وجهات النظر المتضاربة بين وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، التي يرى ترامب أنها تكررت، ما يشي بأن السياسة الخارجية في المرحلة القادمة ستشهد تطورات كثيرة، ويمكن أن تتغير موازين كثيرة في العالم، من الشرق الأوسط إلى الصين، خاصة إذا ما نجح ترامب في اقتناص فرصة ولاية ثانية في انتخابات 2020.
العرب

فلسطين إلى أين؟ كيف ابتلع شبح جابوتنسكي شبح بن غوريون

 فلسطين إلى أين؟ كيف ابتلع شبح جابوتنسكي شبح بن غوريون

 فلسطين إلى أين؟ كيف ابتلع شبح جابوتنسكي شبح بن غوريون

 


أمران كشفتهما المعركة الانتخابية الأخيرة في إسرائيل:


الأول هو إجماع جميع الأحزاب الصهيونية على بقاء الاحتلال في القدس والضفة الغربية، كما أن بقايا اليسار الصهيوني بشقّيه العمل وميرتس، تحالفت مع قوى يمينية خوفاً من عدم تجاوز نسبة الحسم الانتخابية، فصار المشهد الإسرائيلي اليهودي صفاً واحداً بعدما قام اليمين القومي بابتلاع اليسار.


الثاني هو وجود أزمة عميقة على المستوى السياسي، في الأحزاب العربية التي تسعى لتمثيل الفلسطينيين، أصحاب البلد الشرعيين. وهذه الأزمة تتجاوز المماحكات بشأن مواقع ممثلي الأحزاب في القائمة المشتركة، لتشير إلى أن فلسطينيي داخل الداخل يواجهون أزمة بلورة خطاب وممارسة جديدين، وهم في هذا جزء من مأزق سياسي فلسطيني عام.


انهيار اليسار الصهيوني والتحاقه باليمين ليس مفاجئاً، فمنذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى واجه حزب العمل أزمة التناقض العميق بين خطابه وممارساته. فالحزب الذي بنى الدولة العنصرية حاول، وبنجاح جزئي، الإيحاء بأن حرب النكبة كانت دفاعية، ونفى طويلاً التطهير العرقي الذي مارسته الهاغاناه قبيل وبعد تأسيس الدولة العبرية. هذا الحزب الذي أسس الاستيطان الكولونيالي في الضفة الغربية ورعاه، وفي صفوفه تبلورت عنصرية تلبس قفازات ناعمة، وجد نفسه في مأزق لغوي وأيديولوجي، ذلك بأن التوليفة القديمة القائمة على تراث اشتراكي ديمقراطي كولونيالي أوروبي لم تعد قابلة للحياة أمام حقيقة الاحتلال. وبعد انهيار مفاوضات كامب دايفيد قبيل الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أعلن زعيم العمل إيهود باراك عدم وجود شريك فلسطيني. وهكذا سقط اتفاق أوسلو، وسلّم باراك الراية لخرّيج آخر من مدرسة حزب العمل هو شارون الذي أعلن استئناف حرب النكبة.


إن الانهيار المتسارع لليسار الصهيوني منذ اغتيال يتسحاق رابين، في 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1995، مثير ويستحق الدراسة، لأن ما قام به شارون حين تزعّم حزب “كاديما” الذي مات بموت مؤسسه في 11 كانون الثاني/ يناير 2014، كان محاولة دمج مثيرة بين شخصيتين بدتا عصيّتين على التلاقي، جابوتنسكي من جهة، وبن – غوريون من جهة ثانية. هذا الدمج الذي بدا هجيناً ومستحيلاً لحظة ولادته، تحوّل بعد وفاة شارون إلى الطموح الأقصى لليسار الذي شاهد كيف ابتلع شبح جابوتنسكي شبح بن – غوريون على يد بنيامين نتنياهو الذي تعلّم من بن – غوريون فن المراوغة، ووضعه في خدمة خطاب الجدار الحديدي الذي أسسه جابوتنسكي.


عادت “الديمقراطية” الإسرائيلية إلى شكلها الغالب: حكم الحزب الواحد الذي تخوض أجنحته معاركها الانتخابية بأسماء مستعارة. وهذا الواقع يشير إلى أن بنية الدولة الكولونيالية الاستيطانية هي بنية استبدادية في جوهرها، وأن ديمقراطيتها ليست سوى قناع يقوم بتغطية طبيعتها التمييزية شبه الفاشية.


في سيرته الروائية “حكاية عن الحب والظلام”، رسم عاموس عوز، وهو آخر “أنبياء” اليسار العلماني الإسرائيلي، صورة عن الصراع بين جناحَي الحركة الصهيونية. إن قراءة متأنية لهذا العمل الأدبي تكشف لنا أن الصراع بين الجناحين كان صراعاً لغوياً ثقافياً بين اتجاهين قوميين: اتجاه يستلهم الفاشية، وآخر يستلهم تراث الأممية الثانية الكولونيالي. الفرق اللغوي لم ينتج منه سوى فرق شكلي في الممارسة، فمذبحة دير ياسين الذي نفذها التيار التصحيحي لا تختلف عن مذابح الطنطورة وسعسع وعين الزيتون التي نفذتها الهاغاناه، وهي بالتأكيد لا تصل إلى همجية مذبحة اللد التي قادها يتسحاق رابين.


وفي المقابل، فإن هذا الخلاف اللغوي والثقافي أدى دوراً أساسياً في الاصطفافات الاجتماعية التي جعلت الليكود ينجح في استمالة اليهود العرب والشرقيين إلى صفه، جرّاء الممارسات العنصرية البيضاء ضد اليهود الشرقيين التي قام بها المباي.


هذا الاصطدام بواقع الاحتلال والاستيطان ضيّق المسافة بين الجناحين، على عكس ما يبدو على السطح السياسي، فالثنائي رابين – بيريز صاغ اتفاق أوسلو بناء على الخطوط التي رسمها بيغن في اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية. فاتفاق أوسلو لم يَعِد بأكثر من حكم ذاتي، وهنا وجد إيهود باراك المبرر لإعلانه أن لا وجود لشريك، لأن قيادة ياسر عرفات كانت تظن نفسها شريكاً في السلام، لا في الاحتلال، وتتصرف على هذا الأساس.


هزيمة الانتفاضة الثانية على يد سفاح صبرا وشاتيلا، ثم استشهاد ياسر عرفات في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، قادا الوضع الفلسطيني إلى مسارات سياسية كارثية أوصلت الحركة الوطنية الفلسطينية، مع سلطتَي رام الله وغزة، إلى جدار مسدود.


إن الإجماع الإسرائيلي على ديمومة الاحتلال، وخطاب ضم المستعمرات، و/ أو استمرار الوضع الراهن القائم على التوسع الاستيطاني والقمع، هدفها الوحيد هو إعادة الفلسطينيين إلى مربع الحكم الذاتي الذي يعتقد الاحتلال أنه صار يملك مقوماته الاقتصادية والاجتماعية والطبقية وأجهزته الأمنية أيضاً، ويشاركه في ذلك الأميركيون بصفقة قرنهم المدعومة بانزلاق أنظمة الثروة النفطية إلى هاوية التحالف مع إسرائيل، في مواجهة إيران التي يعتبرونها خطراً استراتيجياً ومذهبياً على أنظمتهم.


وكون الانتخابات الإسرائيلية تجري في إطار حزب واحد بأجنحته المتعددة، لا يعني أن انتقال إسرائيل إلى دولة تمييز عنصري سافر سيكون سهلاً وسلساً، فاستبدال قناع أيديولوجي قديم بقناع جديد يستلزم تغييرات بنيوية كان قانون القومية علامتها الأولى، والذي ستتبعه معارك معقدة تمسّ البنى الدولتية الحقوقية والقضائية والسياسية.


ربما كان موت عاموس عوز (2018) الذي كتب وصيته في روايته “يهوذا”، معلناً فيها حيرته أمام تأويلات الخيانة، هو العلامة الأخيرة لموت مشروع اليسار الثقافي الإسرائيلي. فهذا اليسار الثقافي الذي بنى افتراضه الأيديولوجي على الصراع بين حقّين مطلقين في أرض فلسطين: الحق اليهودي والحق الفلسطيني، وجد نفسه عاجزاً عن إيجاد حلّ لمعضلة القوة التي جعلت “الحق اليهودي” يدمّر حق سكان البلد الأصليين في وطنهم.


وكانت نقطة ذعر هذا اليسار هي حق عودة اللاجئين، فأمام مفارقة رفض حق العودة والتمسك بقانون العودة (أي حق عودة اليهود إلى فلسطين بلا قيد ولا شرط)، أثبتت مقولة الحقّين المطلقين بطلانها، لأنها رضخت لمنطق القوة الذي جعل من الحق الفلسطيني مجرد شعار فارغ من المعنى.


ومن أجل أن نفهم التحول الأيديولوجي المتسارع في المجتمع الإسرائيلي، يجدر بنا مقارنة الخطاب المعقّد الذي صاغه عوز ويهوشع بالخطاب التبسيطي الذي صاغه روائي إسرائيلي من أصول تركية يدعى بِني تسيفر يعمل حالياً محرراً ثقافياً لصحيفة “هآرتس” اليسارية. وقد أشار المعلّق الإسرائيلي جدعون ليفي في مقالته التي تحمل عنوان: “إذا كان هناك شيء يدعى ثقافة قتل فهي موجودة في إسرائيل” (“هآرتس” الإنجليزية، 29 آب/ أغسطس 2019) إلى تعليق كتبه تسيفر في صفحته في الفايسبوك بعد زيارة تعزية قام بها في مستعمرة عوفرا. يقول النص الحرفي الذي كتبه تسيفر: “في الطريق شاهدت القرى الفلسطينية إلى جانب التجمعات اليهودية، وفكّرت كيف أن الجريمة والقتل هما بالنسبة إلى الفلسطينيين نوع من الرياضة أو المتعة، أو ربما يكونان تعويضاً إيروتيكياً. ومن هذا المنظور لن يكون هناك أي مشترك ثقافي بيننا وبينهم.”


وتابع تسيفر: “بالنسبة إلى هذا الشعب الذي لا يتحلى بالوقار والمقيم بيننا، فإننا نشتاق إلى أن تقوم الأرض بتقيّئه لأنه لا يستحق هذه الأرض المليئة بالدم اليهودي المسفوك.”


صحيح أن من الظلم مقارنة عاموس عوز بكاتب متواضع مثل تسيفر، إلاّ إن المسألة اللافتة هي أن هذا الكاتب يدّعي أنه يساري، ويقدّم نموذجاً صارخاً للفضيحة الإسرائيلية الأدبية والثقافية، وقد سبق أن أطلق إدوارد سعيد صفة مثقفي الضواحي، حين حلل بؤس الثقافة الإسرائيلية السائدة، وعدم جواز نسبتها إلى الثقافة اليهودية التي يمثلها أدورنو ووالتر بنجامين وحنّة أرندت.


لا يكتفي الكاتب الإسرائيلي بتجاهل حقيقة أن آلة القتل في فلسطين هي آلة إسرائيلية صهيونية، بل يكذب أيضاً حين لا يسمّي المستعمرات أو المستوطنات باسمها، مطلقاً عليها اسم التجمعات.


وهذا الكاتب يكشف عن عنصرية كامنة تعلن التفوق اليهودي، وتدعو الأرض التي زرعها الفلسطينيون بعرقهم وجهدهم منذ مئات السنين، ودفنوا فيها آباءهم وأجدادهم، إلى تقيّؤ أبنائها.


هذه هي لعبة الحقّين عندما تصل إلى يد مَن وجد في انهيار الكوابح الأخلاقية، مناسبة لإطلاق غرائزه العنصرية التي تشكل فضيحة لغوية فاقعة، فانتفى الحقّان معاً، وجاءت العنصرية لتعلن انتصار حق القوة على قوة الحق.


المشهد الانتخابي الإسرائيلي واضح المعالم: هو صراع بين الليكود والليكود بعدما ابتلع شبح جابوتنسكي شبح بن – غوريون، وأعلن الحزبان الرئيسيان: الليكود وأبيض أزرق، أن الفرق بينهما لا وجود له، إلاّ على المستويات الشكلية التفصيلية التي من الخطأ إهمال دلالاتها في المجتمع الإسرائيلي، أو التعويل عليها في إطار المشكلة الكبرى، أي مشكلة الاحتلال والموقف من التمييز العنصري ضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وفي الضفة وغزة والمنافي.


من جهة ثانية، فإن ابتلاع الخطاب القومي اليميني للخطاب الصهيوني في إسرائيل والعالم بدأ يهدد التراث الثقافي اليهودي الإنسانوي، ليجد اليهود أنفسهم في خندق واحد مع الفاشيين والعنصريين في الغرب، معلنين ولادة أزمة ثقافية بدأت ملامحها بالتبلور عبر انحياز متعاظم للديمقراطيين في العالم إلى قضية الشعب الفلسطيني، وعبر التأييد المتنامي الذي تتلقاه حركة المقاطعة.


وفي المقابل، هناك أزمة فلسطينية عميقة ميزتها الرئيسية هي غياب الوعي بدلالات التحولات التي جرت وتجري في إسرائيل والولايات المتحدة والعالم.


صحيح أن صعود شعبوية التفوق الأبيض هي مدار صراع داخلي كبير في الولايات المتحدة وأوروبا، إلاّ إن مؤشرات هذا الصعود، سواء أعيد انتخاب ترامب أم لا، وسواء أكان الشعبويون في السلطة أم لا، بالغة الأهمية والخطورة، لأنها سمحت لإسرائيل بنزع قناعها والتصرف بصفتها أحد قادة هذا الصعود في العالم.


كما أن الانهيار العربي الشامل الذي صنعته الديكتاتوريات والأصوليات، أخرج الأنظمة العربية من معادلة الصراع مع إسرائيل، بل قام بدفع بعض الأنظمة المذعورة إلى التحالف مع إسرائيل والترويج لمشروعها الاحتلالي.


هناك شعور إسرائيلي عارم بأن العالم يعطي الاحتلال الإسرائيلي الضوء الأخضر للقيام بما يشاء، فالظرف اليوم مشابه للظرف الذي سمح بتأسيس الدولة العبرية في سنة 1948، وهو أكثر حرية لأنه متحرر من الضوابط الإنسانوية التي اجتاحت أوروبا بعد المحرقة النازية، ومتحرر أيضاً من الخطاب اليساري الذي فرضه الاتحاد السوفياتي الذي اعتقد، عن سوء تقدير على الأقل، بأن رفاقه في الحزب الشيوعي وأصدقاءه في “المبام”، سيأخذون إسرائيل إلى موقف ضد الإمبريالية، ويفرضون عليها ضوابط في تعاملها مع سكان البلد الأصليين.


يبدو أن الشكل الجديد الذي تتخذه النكبة اليوم هو أنها بلا ضوابط، فالجيش الإسرائيلي يتصرف على أنه مطلق الصلاحية في الأراضي المحتلة، وليس مستغرباً أن تنتقل الممارسة العنصرية ضد الفلسطينيين في أراضي 1948، إلى مستوى جديد سبق أن اختبره الفلسطينيون في تظاهرات دعم الانتفاضة التي قُمعت بلا رحمة، وذهب ضحيتها 13 شهيداً في تشرين الأول / أكتوبر 2000.


السؤال موجّه إلى قادة القائمة المشتركة الذين كان آخر همومهم بعد تجربة التراجع في الانتخابات الماضية، هو صوغ رؤية سياسية تواجه الخطر الحقيقي الذي يتهدد الشعب الفلسطيني، وخصوصاً بعد قانون القومية.


والمؤسف أن الحياة السياسية الفلسطينية انصبّت على توزيع المقاعد، كأننا نعيش في ديمقراطية حقيقية، الأمر الذي يعني أن المأزق ليس انتخابياً، وإنما هو مأزق سياسي، ليس بعيداً عن المأزق الذي تواجهه السلطة الفلسطينية العاجزة عن بلورة أي ردّ على موت أوسلو، سوى على المستوى الخطابي.


عندما أعلن شارون بعد انتخابه في 6 شباط / فبراير 2001، وسط حمّى الانتفاضة الثانية، أنه قرر أن يستأنف حرب 1948، لم يصدّقه الفلسطينيون. وعندما انتقل صدى هذا الإعلان إلى كبير المؤرخين الإسرائيليين الجدد بِني موريس، الذي قفز من اليسار الثقافي إلى اليمين الفاشي داعياً إلى وضع الفلسطينيين في أقفاص، ومُخطِّئاً بن – غوريون لأنه لم يحتل الضفة الغربية في سنة 1948، قوبل إعلانه هذا بالاشمئزاز، من دون أن نعي أننا أمام فصل ثانٍ كبير من فصول النكبة المستمرة.


الفصل الجديد من النكبة صار واضح المعالم، وإذا كانت آثاره ملموسة وصارخة في الضفة وغزة والشتات، فإن إرهاصاته داخل الخط الأخضر تشير إلى أن فلسطينيي الداخل سيواجهون أوضاعاً صعبة ستذكّرهم بزمن الحكم العسكري البشع.


تحديات فلسطينيي الداخل بالغة الصعوبة والتعقيد، لكن تجاهل الواقع، والتصرف كأن الأمور على ما يرام، وإهمال بناء إطار سياسي ثقافي وموحد لفلسطينيي 1948، لا تعني سوى الخراب.


إن مأزق الحركة الوطنية في ظل شبح الفصل الجديد من النكبة، لا يحتاج إلى تفكير فقط، بل إلى العمل أيضاً، وأولى علامات هذا العمل يجب أن تكون تأكيد البديهيات، وبناء الأطر الفعلية لخوض معركة النضال ضد نظام الأبارتهايد الزاحف في أراضي 48 وفي الضفة وغزة والقدس والشتات. ولعل صرخة مخيمات لبنان المليئة بالأسى واليأس من الأطر السياسية الراهنة، علاوة على مشهد تهديم البيوت في وادي الحمّص، يدقّان ناقوس الخطر، مشيرَين إلى أننا في حاجة إلى احتضان تجربة باسل الأعرج كي نستعيد الوعي، وإلى صرخة حرية جديدة تدعو إلى “دقّ جدار الخزّان” كي نستفيق من هذا السبات الذي يشبه الموت.


هذه مجرد نقاط للتأمل والعمل، أمّا النص فلن يبدأ إلاّ حين تولد فكرة فلسطين من جديد.


القدس العربي