Wednesday, March 20, 2019

دهاء ترامب قد يسفر عن تحقيق سلام في الشرق الأوسط

دهاء ترامب قد يسفر عن تحقيق سلام في الشرق الأوسط
صفحات رأي ومقالات

دهاء ترامب قد يسفر عن تحقيق سلام في الشرق الأوسط

 "وول ستريت جورنال"
13 آذار/مارس 2019
"صفقة القرن" - أي اتفاق السلام في الشرق الأوسط الذي أعدّته إدارة ترامب وطال انتظاره - قد تبصر النور في الشهر المقبل على أقرب تقدير. بيد، لم يتم الإعلان عن الكثير من محتوياتها. ولهذا السبب، أحجم معظم قادة المنطقة عن دعم الخطة. إلّا أن السرية التي تلتزم بها الإدارة الأمريكية وميلها إلى تجنب الصخب التقليدي المتمثل في عملية صنع السلام، قد يمنحنان الرئيس ترامب أفضلية افتقر إليها أسلافه.  
ولم يتوانَ جميع الرؤساء السابقين عن نشر خطط السلام الخاصة بهم والإعلان عن كل تقدم مزعوم حقّقوه، مع التأثير غير المقصود الذي تمثّل بجذب المتعصبين الذين جعلوا حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني صعباً للغاية. على سبيل المثال، وقّعت الأطراف المعنية "اتفاقات أوسلو" ("اتفاق أوسلو") وسط ضجّة إعلامية كبيرة في أيلول/سبتمبر 1993 في احتفال استضافه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في حديقة البيت الأبيض. وحتى ذلك الحين، كان الفلسطينيون والإسرائيليون يتفاوضون سراً. وتم كشف النقاب عن تلك المحادثات قبل التمكن من تحقيق إنجازات ملموسة.
وعندما أصبحت التسويات التي ضمّها الاتفاق علنية، لجأ المعارضون إلى ارتكاب أعمال العنف لإسقاطه. وفي أعقاب توقيع الاتفاق مباشرة، شنّت مجموعات فدائية فلسطينية مثل حركتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي في فلسطين» حملة تفجيرات انتحارية كان هدفها تقويض الاتفاق الرفيع المستوى. ومن الجانب الإسرائيلي، قتل الإرهابي باروخ غولدشتاين 29 مصلياً فلسطينياً في 25 شباط/فبراير 1994 في الحرم الإبراهيمي في الخليل. وتجلى مثال آخر في اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين على يد يغآل عمير عام 1995؛ وعمير إسرائيلي يميني متطرف عُرف بمعارضته لـ "اتفاق أوسلو".
وخلال ولايته الثانية استأنف الرئيس كلينتون جهود السلام، التي بلغت ذروتها بعقد مؤتمر قمة عام 2000. وعندما تعثرت العملية، تسربت تفاصيل العرض الأمريكي، مما أدى بسرعة إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي كانت مسلحة واستمرت حتى عام 2005. وبدا الأمر وكأن المتطرفين الفلسطينيين قد انتظروا حتى تنكشف التفاصيل قبل أن يشعلوا المنطقة.
وأفسد المتطرفون أيضاً جهود صنع السلام العلنية التي بذلتها إدارة الرئيس جورج بوش الابن. وفي عام 2003، عندما أعلنت الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن "خارطة الطريق للسلام"، قوبلت الخطة بالعنف من قبل «حماس» وجماعة «التنظيم» الفلسطينية، وهو فصيل مقاتل تابع لحركة «فتح» المهيمنة. وبعد وقت قصير من فشل مؤتمر "أنابوليس" للسلام عام 2007، لقي ثلاثة إسرئيليين حتفهم في تفجير انتحاري في مدينة إيلات الجنوبية.
وخلال عهد أوباما، تزامنت "مبادرة كيري" مع تنفيذ سلسلة من عمليات الطعن وإطلاق النار من قبل فلسطينيين في إسرائيل. وخلال الفترة نفسها، شن مستوطنون إسرائيليون مرتبطون بالحركة المتطرفة "دفع الثمن" في الضفة الغربية هجمات متكررة ضد فلسطينيين، بلغت ذروتها في هجوم متعمد أسفر عن مقتل ثلاثة أفراد من نفس الأسرة.
وفي المقابل، لم يكشف الرئيس ترامب عن نواياه. ولكن في النهاية، سيضطر [مستشاره] جاريد كوشنر والمبعوث الخاص للبيت الأبيض جيسون غرينبلات إلى كشف النقاب عن خطتهما. يجب على البيت الأبيض خلال فترة ولاية ترامب أن يضمن مسبقاً ارتكاز الخطة عند طرحها على التنسيق في قضايا التواصل والدبلوماسية والأمن. فالتعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في السنوات الأخيرة قد منع احتدام التوترات وتحولها إلى أعمال عنف.
يجب على إدارة ترامب أن تمارس نفوذها أيضاً على الدول العربية لإشراكها في الجهود المبذولة لمنع اندلاع أعمال عنف، بما في ذلك عن طريق منع المتشددين في هذه الدول من توجيه انتقادات لاذعة لها. وتستطيع السعودية والإمارات أن تلعبا دوراً فعالاً بشكل خاص، إذ يمكن القول إن نجاح الرئيس ترامب يعنيهما أكثر من سواهما من الدول بسبب معارضته لإيران.
ومما أثار دهشة الكثيرين أن إدارة ترامب حالت حتى الآن دون اندلاع أعمال عنف غير ضرورية من خلال اعتماد مزيج جديد من الانضباط والسرية. ويقيناً لم يكن ذلك أمراً سهلاً. ولكن المرحلة القادمة ستكون أكثر صعوبة لأن الكشف عن الخطة قد يكون بنفس القدر من الأهمية التي يحتوي مضمونها.

جوناثان شانزر، هو محلل سابق لشؤون تمويل الإرهاب في وزارة الخزانة الأمريكية، ويشغل حالياً منصب النائب الأول لرئيس "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات". غيث العمري، هو مستشار سابق لفريق التفاوض الفلسطيني (1999-2001)، وحالياً زميل أقدم في معهد واشنطن.

نفوذ روسيا المتنامي في شمال أفريقيا

نفوذ روسيا المتنامي في شمال أفريقيا

صفحات رأي ومقالات

نفوذ روسيا المتنامي في شمال أفريقيا

 "آتلنتيك كوميونيتي" ("المجتمع الأطلسي")
26 شباط/فبراير 2019

بينما استرعى تدخل موسكو في سوريا على الكثير من انتباه العالم، لطالما تخطت رؤية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المنطقة حدود سوريا وحدها. فمنذ أن تولّى بوتين زمام السلطة، وضع ضمن أولوياته استعادة صورة روسيا كقوّة عظمى. وترتّب عن هذا الهدف، من جملة أمورٍ أخرى، عودة إلى المناطق التي اعتادت أن تكون فيها موسكو جهة فاعلة أساسيّة. ويحتل كلٌّ من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى القائمة على جدول أعمال السياسة الخارجية الروسية. وتُظهِر الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى المغرب في شباط/فبراير والتي ركّزت من بين مسائل أخرى على "تسوية المشاكل القائمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فضلاً عن منطقة الصحراء الكبرى - الساحل"، الأهمية التي توليها موسكو إلى الدور الذي تلعبه في عملية صنع السلام.
وتشكّل منطقة شمال أفريقيا، على نحو متزايد، جزءاً من هذه الجهود التي أُعيد إحياؤها في السنوات الأخيرة. وتُعتبر بداية "الربيع العربي" في هذه المنطقة جانباً أساسياً من الاستراتيجية الإقليمية لموسكو. واضطلعت هذه الأحداث بأهمية لصانعي السياسات في موسكو لسببيْن أساسييْن: أولاً، رأتها موسكو على أنها استمرارية لما تعتبره تغييراً للنظام الذي ترعاه الولايات المتحدة، وامتداداً للثورات الملوّنة التي حصلت بشكلٍ أساسي في مرحلة ما بعد الحكم السوفياتي في منتصف العقد الأول من القرن الحالي. وبالنسبة إلى موسكو، طال هذا الميل أيضاً الشرق الأوسط، لا سيما مع ثورة الأرز في لبنان. ويبدو أن روسيا لا تعتقد أنه بإمكان شعبٍ ما أن ينتفض على حاكمه بنفسه، من دون دعم الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، اتّهم بوتين الولايات المتحدة برعاية الاحتجاجات ضده في أواخر عام 2011 وأوائل عام 2012. وثانياً، تسببت هذه الأحداث بفقدان بوتين مؤقتاً للنفوذ الذي جاهد لاكتسابه مع الأنظمة التي أُطيح بها. لكن فضلاً عن "الربيع العربي"، تمتعت موسكو بمصالح سياسية واقتصادية وجغرافية استراتيجية في هذه المنطقة. وفي السنوات الأخيرة، تنامى نفوذ موسكو في المنطقة، خصوصاً في مصر وليبيا والجزائر، وبدرجة أقل في المغرب وتونس.
نظرة موسكو إلى المنطقة
تطمح روسيا في الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، وهذا جلّ ما يقدّمه الحلفاء في شمال أفريقيا. وقد حاولت موسكو الحصول على وصول بحري منذ عهد كاترين العظمى، التي اعتقدت أن البحر المتوسط شكّل مكوناً أساسياً في جعل روسيا قوةً عظمى. وفي هذا السياق، لم تتغير تطلعات الكرملين نسبيّاً حتى هذا اليوم. وترى موسكو أن الوصول إلى البحر المتوسط قد يحوّل روسيا إلى جهة فاعلة أساسية في منطقة النفوذ الأوروبي، وقد يقلل أيضاً من قدرة الولايات المتحدة على المناورة. وتتجلّى هذه الصورة أيضاً في البحر الأسود وبحر قزوين حيث تتنافس موسكو من أجل النفوذ. وقد وضعت موسكو عتادها العسكري في سوريا في محاولةٍ لإنشاء منطقة محرّمة (منطقة منع الوصول/تحريم الدخول)، وحققت نجاحاً جزئيّاً. ويعقّد موقع موسكو العسكري قدرة الولايات المتحدة على المناورة. ويمكن أن تساعد زيادة النفوذ في شمال أفريقيا على تحقيق هذا الهدف من خلال تأمين إمكانية ولوج إضافية إلى المرافئ على طول البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي توسيع نطاق المنطقة المحرّمة من الجو إلى المياه. ويتمثل الهدف النهائي لمختلف أجزاء المنطقة المحرّمة في حرمان حرية التصرف، أو بمعنى آخر في الردع - وتعمل موسكو على تحقيق هذا الهدف في المنطقة.
ومن الناحية الاقتصادية، تسعى موسكو إلى المنافسة للحصول على دور مصدّرة الأسلحة المعتمدة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها. وتُعدّ هذه المنطقة بالفعل ثاني أكبر مشتر للأسلحة الروسية، بينما تبقى روسيا أكبر مصدّر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة. وفيما يتخطى الأسلحة، توفّر هذه المنطقة فرصاً للشراكات في قطاع الطاقة والاستثمارات في تطوير البنى التحتية. وفي الوقت نفسه، تبرر موسكو وجودها في المنطقة حيث تدّعي مواصلة الحرب ضد الإرهاب هناك، والحاجة إلى تعزيز الشراكات مع الحلفاء الإقليميين. بالإضافة إلى ذلك، تقدّم شمال أفريقيا أيضاً نقطة انطلاق أعمق جنوباً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث أصبحت موسكو ناشطة بشكل متزايد في السنوات الثلاث الأخيرة لأسبابٍ اقتصادية وسياسية. ومن غير المرجح أن يتراجع هذا الميل في أي وقت قريب.
وأخيراً، خلّف الانسحاب الأمريكي من المنطقة الذي بدأ في عهد إدارة أوباما ويستمر مع إدارة ترامب فراغاً سهّل على بوتين التدخل وترسيخ نفوذه - وما كانت لتتوفّر له هذه الفرص في ظلّ وجود أمريكي أقوى. فخلافاً للولايات المتحدة، لا تضع موسكو أي شروط مسبقة على دبلوماسيتها. وتميل هذه الشروط المسبقة، مثل تحسين حقوق الإنسان أو حظر مبيعات الأسلحة الثانوية، إلى دعم ما يفضّله الحكّام الإقليميون.
مصر وليبيا
منذ "اتفاقية كامب ديفيد"، شكّلت مصر حجر الزاوية للسياسة الأمنية الإقليمية الأمريكية. ولكنّ روسيا قامت أيضاً بتطوير العلاقات مع مصر بطرق متعددة في السنوات الأخيرة: فقد شهدنا نشوء علاقات ثنائية جديدة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، من خلال استغلال تدهور العلاقات المصرية مع إدارة أوباما. وفي غضون ذلك، يبدو أن القاهرة مهتمة فعلاً بالتنويع وعدم الاكتفاء بالولايات المتحدة، ولا ينبغي أن يُهمِل واضعو السياسات احتمال التوجّه نحو روسيا. وتستمر التجارة الثنائية في النمو، وتعزز المنطقة الصناعية الاقتصادية التي أُنجزت مؤخراً مصالح موسكو السياسية في مصر بشكل متزايد. ووقّع البلَدان اتفاقاً يسمح لموسكو ببناء أول محطة للطاقة النووية في مصر، ونظّما مناورات بحرية مشتركة وتدريبات عسكرية أوسع نطاقاً، وازداد اعتماد مصر على واردات الأسلحة الروسية لتزويد جهازها العسكري والدفاعي. وفي هذا السياق، أصبح موقف موسكو بشأن الرئيس السوري بشّار الأسد يحظى بقبول مصر، ورفضت القاهرة في العام الماضي طلباً أمريكيّاً بإرسال قوّاتٍ مصرية إلى سوريا.
وتنشط موسكو في ليبيا. وتميل أكثر نحو التعاون مع خليفة حفتر، قائد الجيش الليبي الذي يسيطر على شرق ليبيا الغني بالنفط. ولكن بوتين بنى أيضاً علاقاتٍ قوية مع حكومة السرّاج كجزءٍ من نهج "الصداقة مع الجميع" الذي يعتمده بوتين في المنطقة. وفي غضون ذلك، لا تزال الولايات المتحدة غائبة إلى حد كبير في ليبيا. لذلك تحتلّ روسيا موقعاً مثالياً لممارسة النفوذ هناك في ظل غياب أمريكا. وفي هذا السياق، أفاد الجنرال توماس د. والدهاوزر من فيلق مشاة البحرية الأمريكية في شهادته (أمام "لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي للخدمات المسلحة") في شباط/فبراير من هذا العام أن موسكو تسعى إلى إبرام عقود اقتصادية وعسكرية والوصول إلى شاطئ البحر المتوسط. ويزيد هذا المسعى الأخير من إمكانية وصول روسيا إلى الحدود الجنوبية لأوروبا - وهو أمر بالغ الأهمية للتأثير في مسألة اللاجئين في مختلف أنحاء أوروبا. ووفقاً للمفوضية الأوروبية، تشكّل ليبيا "نقطة الانطلاق لـ 90% من أولئك الذين يسعون للسفر إلى أوروبا".
الجزائر والمغرب وتونس
لطالما بقيت الجزائر في معسكر موسكو الذي يضم أقرب الحلفاء الإقليميين. فمنذ عام 2001، تعاون البلدان بشكلٍ أساسي في القطاع العسكري. وفي عام 2006، ألغى بوتين ديناً إلى موسكو قيمته 4.7 مليار دولار يعود إلى الحقبة السوفيتية، ووقّع اتفاق أسلحة بقيمة 7.5 مليار دولار شمل برنامج تحديث وتدريب عسكريين. واستمرت موسكو على مر السنين في بيع الأسلحة إلى الجزائر وتزويدها بالمعدات العسكرية، واتّسع نطاق التعاون العسكري في عام 2016 ليشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الجماعات الإرهابية في شمال أفريقيا. وتقرّبت تونس والمغرب، الحليفتان التقليديتان للولايات المتحدة، من موسكو في السنوات الأخيرة. ففي تونس، يتجلّى نفوذ موسكو بشكلٍ خاص في قطاع السياحة الذي يُعتبَر حيويّاً لاقتصاد البلاد، والذي انتعش ببطءٍ بعد هجوم سوسة عام 2015 الذي أسفر عن مقتل 38 سائحاً أجنبيّاً. وبالفعل، من المألوف جدّاً سماع أصحاب المتاجر التونسية يتحدثون باللغة الروسية مع الزبائن.
وفي عام 2016، زار ملك المغرب محمد السادس موسكو للمرة الأولى منذ عام 2002، ووقّع اتفاقاتٍ لتحسين العلاقات الاقتصادية. ومؤخّراً، بدأت موسكو تدعم برنامج الطاقة النووية المغربي. وقد ترتبط سياسة الرباط بخيبة الأمل المغربية من التعاطف المتصوَّر لكل من إدارتيْ أوباما وترامب مع "جبهة البوليساريو" وافتقارهما إلى الحماس إزاء الموقف المغربي بشأن النزاع على الصحراء الغربية. إن المفارقة هي كوْن "جبهة البوليساريو" وكيلة للسوفيت في الحرب الباردة، ولكنّ ذلك لم يشكّل عائقاً يصعب على موسكو تخطيه للوصول إلى الرباط.
المخاطر السياسية والأمنية
لا تزال ليبيا المرشّح الأساسي لخطوة موسكو الاستراتيجية التالية في شمال أفريقيا. وتشمل البلاد بحدّ ذاتها أولويات متعددة للسياسة الخارجية لموسكو، على سبيل المثال: سبيل الوصول إلى أسواق النفط والأسلحة، والوصول إلى البحر المتوسط، والضغط الإضافي على أوروبا من خلال التحكم بتدفق اللاجئين. ويولّد غياب الولايات المتحدة فراغاً يسمح لموسكو بترسيخ نفوذها من دون منازع. بالإضافة إلى ذلك، تُعتبَر مصر وليبيا حيويّتان من الناحية الاستراتيجية لأنهما تتيحان إمكانية الوصول إلى المنطقة بأكملها. وبذلك تشكّلان المدخل المثالي لاكتساب النفوذ في أوروبا ومعبراً للوصول إلى عمق أفريقيا، علماً أن موسكو تتمتع بالفعل بنفوذ كبير في مصر - وهو اتجاه من غير المرجح أن يضعف. وبعد مصر وليبيا، يثير نفوذ موسكو في المغرب قلقاً أيضاً، إذ يُعتبر أهم حليف إقليمي للولايات المتحدة بعد مصر.
ومؤخراً، أشار أوليغ أوزيروف، نائب مدير لشؤون أفريقيا في وزارة الخارجية الروسية وسفير روسيا لدى المملكة العربية السعودية، إلى أن بلدان أفريقية طلبت مساعدة روسية بعد ملاحظة "نجاح روسيا في عمليات مكافحة الإرهاب في سوريا". ويُظهر تعليقه التأثيرات البعيدة المدى لعمليات موسكو في سوريا. ويتمثل الخطر السياسي الناتج عن تنامي نفوذ موسكو في الفقدان المستمر للمصداقية الأمريكية، والغربية بشكلٍ أكثر شمولاً، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تصبح مكسباً روسيّاً.
أما الخطر الأمني بالنسبة للمنطقة فيتمثل بعجز موسكو في النهاية عن إرساء الأمن الحقيقي وحل النزاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وعدم رغبتها في ذلك. وتتحدث موسكو عن السلام والاستقرار ولكنها تستفيد من النزاع المتدني المستوى. فتسعى عبر بناء العلاقات مع كافة الأطراف أن تكون الحكَم النهائي حيث تقوم بإدارة النزاع بدلاً من حله، وتبيع الأسلحة إلى كافة الجهات. ويولّد تنامي النفوذ الروسي في شمال أفريقيا مخاطر سياسية وأمنية لأوروبا، حيث تستعد روسيا اكتساب المزيد من التأثير فيها. ويفتح هذا التنامي أيضاً المزيد من الأبواب أمام النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، والتوسع الروسي داخل أفريقيا، في حين ستؤدي لامبالاة موسكو إلى تعزيز النزعات المناهضة للديمقراطية بدلاً من تشجيع الإصلاح. وعلى نطاقٍ أوسع، تُنذر هذه النزعات بالمزيد من الانقسام بين الحلفاء الغربيين، وهو الشقاق الذي ليس من شأنه إلا أن يعقّد الجهود العالمية لمواجهة الأنشطة الروسية بفعالية.

 آنا بورشفسكايا هي زميلة أقدم في معهد واشنطن. وقد تم نشر هذا المقال في الأصل على موقع "آتلنتيك كوميونيتي" ("المجتمع الأطلسي").

شراكة أمنية بين الولايات المتحدة والعراق: تجنب الوقوع في المخاطر المحدقة

شراكة أمنية بين الولايات المتحدة والعراق: تجنب الوقوع في المخاطر المحدقة
المرصد السياسي 3091

شراكة أمنية بين الولايات المتحدة والعراق: تجنب الوقوع في المخاطر المحدقة

 13 آذار/مارس 2019
بالكاد كان الغبار قد انقشع عن الحملة الأخيرة في العام الماضي لتدمير "خلافة" تنظيم «الدولة الإسلامية» حتى بدأ الحديث عن طرد القوات الأمريكية ينتشر داخل مجلس النواب العراقي الجديد. فهذه المشاعر المتغلغلة لم تكن مفاجئة في هيئة تضمنت لأول مرة عدداً كبيراً من أعضاء الميليشيات التي غالباً ما تكون معادية للولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد تفاقمت هذه المشاعر إلى أن أصبحت رأياً عاماً في أعقاب تحركات البيت الأبيض التي أثارت بعمق الانفعالات الشديدة الحساسية للنعرة القومية التي تزدهر داخل كيان العراق السياسي. فعندما حصلت محاولة لاحقة للمطالبة برحيل القوات الأمريكية على خمسين توقيعاً في البرلمان، أثار ذلك شبح عام 2011، عندما أدّت الكراهية القومية دوراً رئيسياً في فشل الاتفاق الثنائي الرامي إلى الحفاظ على وجود عسكري أمريكي صغير في البلاد. ويعتمد حدوث ذلك مرة أخرى على المسار القريب المدى للمشاعر القومية [لأعضاء] مجلس النواب، وقدرة إيران على استغلال هذا الشعور، وفحوى رد فعل واشنطن.
ما هو الدافع وراء الدعوة إلى طرد القوات الأمريكية؟
سيحدد عنصران رئيسيان ما إذا كانت مسودة مشروع القانون الحالي لمجلس النواب المتعلقة بسحب القوات الأمريكية ستكتسب زخماً أم لا. العنصر الأول هو النفوذ الإيراني. فمنظور الأمن القومي لطهران يفضّل عراقاً معزولاً، وضعيفاً مؤسسياً، ومرهوناً بالمساعدة الإيرانية - وهو هدف يعززه الدور الكبير الذي لعبته الميليشيات الشيعية أثناء الحرب ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية» وبعدها. وتقف في وجه هذا الهدف الإيراني مهمة عسكرية أمريكية تهدف إلى تعزيز مهنية قوات الأمن العراقية، بينما تعمل هذه المهمة أيضاً على تعزيز علاقة بغداد بواشنطن. وتبعاً لذلك، فحيث تؤدي العقوبات الأمريكية إلى تضييق الخناق على إيران، ستزداد مصلحة الجمهورية الإسلامية في إظهار قوتها في العراق. كما أن حدوث نزاع ثنائي مرير حول تصويت مجلس النواب سيلائم مشروع القانون بشكل جيد.
أمّا الدافع الثاني المحتمل فهو الشعور المتزايد بالوطنية والسيادة بين الطبقة السياسية العراقية (أبرزها مقتدى الصدر) والجمهور الأوسع. فهذا الاتجاه الشعبوي الواسع النطاق هو قوة فاعلة للغاية، كما أثبتت الأفعال الغوغائية في أيلول/سبتمبر 2018 في البصرة. ومع ذلك، لا يصبّ الشعب اهتمامه في الغالب على وجود القوات الأمريكية، بل على القضايا الاقتصادية المتصلة بحياتهم اليومية والفساد. وتمثل هذه القضايا منطقة الراحة السياسية لمقتدى الصدر، على الرغم من مواقفه العرضية المناهضة لـ "جميع القوات الأجنبية".
وفي المقابل، فإن تركيبة مجلس النواب تجعله أكثر عرضة للحماسة القومية التي تستهدف على وجه التحديد الوجود العسكري الأمريكي. فهناك 200 عضو من أصل 329 عضواً يشغلون مناصبهم للمرة الأولى، وحوالي 50 إلى 60 منهم ينتمون إلى شبكة ميليشيا «قوات الحشد الشعبي». ومثل هؤلاء الأعضاء مشحونون أصلاً بأحداثٍ مثل رحلة الرئيس الأمريكي ترامب إلى العراق في كانون الأول/ديسمبر، عندما زار "قاعدة الأسد الجوية" من دون أن يلتقي بأي مسؤول سياسي عراقي. وسرعان ما استغلت طهران هذا الحدث - حيث انعكس ذلك في 28 كانون الأول/ديسمبر، عندما شكّك السفير الإيراني أيرج مسجدي بشكل واضح في دوافع واشنطن في إبقاء القوات الأمريكية في العراق، ثم ادعى أن القوات الإيرانية قد غادرت بالفعل.
وحتى الآن، لم ينتقل الكثير من مشاعر الانسحاب المحمومة التي يتمتع بها مجلس النواب إلى الشعب، وهو ما قد يشكل كبحاً مؤقتاً للإجراءات التشريعية المثيرة. ومع ذلك، قد تفشل بسهولة عملية الكبح إذا اتخذت واشنطن المزيد من الخطوات "الاستفزازية"، أو إذا صممت إيران ووكلاؤها على ممارسة ضغوطاً أكبر في البرلمان.
ما الذي سيحدث بعد ذلك؟
السيناريو الأول: فشل مجلس النواب في إحراز أي تقدّم في مسودة مشروع القانون
الاحتمالات: النتيجة الأكثر ترجيحاً - في الوقت الحالي
الآثار: فائدة كبيرة
الرد: يجب على بغداد أن تساعد في تحقيق هذا السيناريو بينما تبقى واشنطن هادئة
إنّ مشروع القانون الذي يدعو إلى انسحاب الولايات المتحدة قد لا يبصر النور في حال تناول مجلس النواب قضايا ملحة أخرى تسترعي انتباهه (مثل البصرة، وهي إحدى المسائل الملحة العديدة التي ناقشها المدير السابق لمجلس الأمن القومي الأمريكي دوغلاس أوليفانت في مقال نشره في موقع "وور أون ذي روكس" في 16 كانون الثاني/يناير). ويبدو ذلك أمراً محتملاً في الوقت الحالي لأنه على عكس عام 2011، فإن القوات الأمريكية بعيدة عن الأنظار إلى حد كبير كما أنها أصبحت قضية هامشية بالنسبة للشعب. فلفترة من الوقت، شكّل التنديد بالقوات الأمريكية المسألة الوحيدة التي يمكن أن تجد فيها الكتلتان الشيعيتان الرئيسيتان - تحالف "سائرون" بزعامة الصدر وتحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري - أرضية مشتركة، إلاّ أنّ تركيزهما ينصبّ في مكان آخر بينما يعملان على شغل المقاعد القليلة الأخيرة للحكومة الجديدة.
كما أن العملية المرهقة جداً لمجلس النواب الخاصة بطرح مشروع القانون قد عرقلت بالمثل زخم الفصائل المعادية لأمريكا. فلم يتم بعد اقتراح أي مسودة مشروع قانون بصورة رسمية. وحتى لو تم تقديمها، فقد لا تصمد أمام اللجان البرلمانية ذات الصلة، التي تكون ملزمة بالتشاور مع الوزارات والمؤسسات المعنية.
ولا تزال إيران تميل بشدة إلى المضي قدماً في السيناريو الثاني أو الثالث، وهو الأمر بالنسبة لحلفائها في مجلس النواب. ومع ذلك، ينبغي على الرئيس برهم صالح ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي بذل مجهود هادئ بل مركز لتوجيه الأعضاء الرئيسيين لمجلس النواب بعيداً عن صياغة القانون المعني بشكل رسمي. إذ يعرف هذين الزعيميْن العراقييْن المتمرسيْن بشكل أفضل من معظم الآخرين بما ستخسره البلاد إذا ما تم إيقاف المهمة العسكرية الأمريكية بصورة مفاجئة.
السيناريو الثاني: تمرير مجلس النواب مشروع قانون أقل وطأة
الاحتمالات: أمر مستبعد
الآثار: غير مرغوب فيها إلى خطيرة
الرد: تتولى بغداد زمام القيادة، وتمارس واشنطن الدبلوماسية الصبورة وتتجنب ردود الفعل الانفعالية
يمكن أن يقر مجلس النواب تشريعاً أو يتخذ قراراً غير ملزم يُرشد الحكومة "بتشديد" الشروط التي يعمل بموجبها المستشارون الأمريكيون. وبصرف النظر عن اللهجة المشحونة، يمكن لمثل هذا القانون أن يطلب من الحكومة ببساطة القيام بما تفعله أصلاً (أي ضمان احترام القوات الأمريكية لسيادة بغداد والعمل بالتنسيق الكامل مع القوات العراقية). أمّا الاحتمال الأكثر إشكالية فهو الطلب من الحكومة الدخول في ترتيبات رسمية لتأمين الظروف نفسها، بما يتجاوز الرسائل المتبادلة من عام 2014 التي طلبت بغداد بموجبها من القوات الأمريكية العودة ومقاتلة تنظيم «الدولة الإسلامية». فمن شأن هذا التطور أن يتجنّب ضرورة الحصول على أصوات ثلثي أعضاء مجلس النواب للموافقة على "اتفاقية وضع القوات" [بين الولايات المتحدة والعراق].
لقد حاول رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تجنب هذا الخطر ذاته في عام 2011 من خلال سعيه الحصول على تصويت مسبق بين الزعماء السياسيين الرئيسين في العراق، إلاّ أنّ مسألة السيادة البالغة الحساسية المتمثلة في الحصانة القضائية للقوات الأمريكية قضت على مسودة الاتفاق. وفي الوقت الحالي، تتجنب إدارة ترامب بحكمة اتباع مثل هذا المسار، لكن يجب على بغداد أن تأخذ زمام المبادرة في درء التهديدات الأخرى - وتحديداً من خلال التأكيد على أن القوات الأمريكية لا تعمل في العراق سوى من خلال [موافقة] حكومتها السيادية، وعن طريق ردع النداءات الداعية إلى التفاوض على ترتيب أكثر رسمية، الذي يمكن أن يحدّ من [إمكانية استمرار] الولايات المتحدة في تعزيز قدرات القوات العراقية في مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي بدأ يظهر من جديد. كما يكمن التحدي في إقناع الزعماء الأمريكيين بتجاهل اللغة الاستفزازية المعادية لأمريكا المستخدمة في مجلس النواب العراقي والسماح لبغداد بقيادة زمام الأمور لتجنب صبّ الزيت على النار الشعبية.
السيناريو الثالث: تمرير مشروع قانون يقضي بطرد القوات الأمريكية
الاحتمالات: من غير المرجح في الوقت الحالي، ولكن من شبه المؤكد أن يعود إلى الواجهة مرة أخرى
الآثار: كارثية إذا بالغت واشنطن في رد فعلها
الرد: يبلّغ رئيس الوزراء العراقي مجلس النواب بأن الحكومة ليست في وضع يسمح لها بسن القانون لأسباب تتعلق بالأمن القومي، في حين يحثّ المستشارون الأمريكيون الرئيس ترامب على الامتناع عن الانتقام غير المجدي.
من المرجح أن يبرز هذا السيناريو الأسوأ احتمالاً نتيجة للضغط الأمريكي على إيران أكثر من بروزه بسبب الديناميكيات العراقية الداخلية - على الرغم من أنه يمكن أن يتحقق إذا ارتكبت واشنطن خطأً دبلوماسياً آخر من شأنه أن يستفز مجلس النواب. ويقيناً، أن هذه النتيجة لن تترك رئيس الوزراء مكبّل اليدين، لأن باستطاعة الحكومة تحدي دستورية القانون الجديد في المحكمة أو حث المؤسسة الأمنية على الادعاء بصورة شرعية بأنها لا تستطيع تنفيذ القانون. ومع ذلك، سيظل السيناريو الثالث يهدد المصالح الأمريكية العراقية من خلال إرساله إشارة سياسية استفزازية إلى واشنطن، حيث من المؤكد تقريباً أن يؤدي تمرير مشروع القانون الصاخب إلى دفع الرئيس ترامب إلى إصدار قرار، ربما عن طريق "تويتر، يقضي بالانسحاب الفوري للقوات الأمريكية والمساعدات التي تقدمها، تماماً كما فعل مع سوريا.
الخلاصة
سيختبر كل سيناريو من هذه السيناريوهات فطانة الزعماء الأمريكيين والعراقيين الملتزمين بشراكة أمنية دائمة، حيث يُعد حسن التعامل مع هذه السيناريوهات أمراً ضرورياً لضمان مصالح الأمن القومي للبلدين. فبالإضافة إلى تعزيز قدرة العراق على كبح عودة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية»، تحرص العلاقة مع وزارة الدفاع الأمريكية على ترسيخ انخراط مجموعة واسعة من الجهات الدولية الفاعلة في الجهد الأوسع نطاقاً لإعادة دمج البلاد في المجتمع الإقليمي. فمن شأن إخراج العراق من عزلته ومساعدته على استعادة الاستقرار، من خلال تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الأردن ومصر ودول الخليج، أن يمنح العراق الوسائل اللازمة لاستعادة السيادة الكاملة على شؤونه ومقاومة التدخل الإيراني. وفي حين أن العديد من الشخصيات العراقية التي كانت في موقع [بارز] على مسرح الأحداث السياسية في عام 2011 التي أنهت الوجود العسكري الأمريكي لا تزال تحتل مراكز هامة، إلّا أن هناك مجموعة مختلفة تماماً من صنّاع السياسة في واشنطن الذين من المقرر أن يكرروا - أو، على أمل، أن يتجنبوا - ذلك الخطأ.

باربارا أ. ليف هي زميلة أقدم في معهد واشنطن. و بلال وهاب هو زميل "ناثان واستير ك. واغنر" في المعهد.

Friday, March 15, 2019

هل يمكن لمقاربة الأسد: التسريح، ونزع السلاح، وإعادة التأهيل أن تساهم في توطيد القوات شبه العسكرية السورية؟

هل يمكن لمقاربة الأسد: التسريح، ونزع السلاح، وإعادة التأهيل أن تساهم في توطيد القوات شبه العسكرية السورية؟

هل يمكن لمقاربة الأسد: التسريح، ونزع السلاح، وإعادة التأهيل أن تساهم في توطيد القوات شبه العسكرية السورية؟


متاح أيضاً في English
6 آذار/مارس 2019
بعد مرور ثماني سنوات على اندلاع النزاع، يبدو أن الرئيس السوري بشار الأسد خرج منتصرًا في المناطق الخاضعة لسيطرته ويبدو أنه ينوي توسيع رقعة نفوذه لتشمل مختلف أنحاء سوريا مجددًا. وقد قاد النظام دفة مساعيه الرامية إلى الدمج من خلال العمل على ضم ميليشيات موالية ومعارضة قاتلت إلى جانب قوات النظام إلى الجيش السوري. لكن يبدو أنّ الأسد يفضل مقاربة تقدمية ولو جزئية باتجاه التسريح ونزع السلاح وإعادة الدمج، وهي مقاربة قد تحفل بالتحديات في المستقبل. إذ قد لا تكون مقاربة مماثلة معدة بشكل مناسب للتعامل مع تحالفات الفصائل الموالية الإقليمية مع دول أخرى، ومن المرجح أن تواجه صعوبات بسبب التدريب الإيديولوجي إلى حدّ كبير الذي خضع له هؤلاء المقاتلون تحت إشراف إيران، فضلًا عن العدد الكبير من المقاتلين الأجانب الذين لا يزالون على الأراضي السورية.
ووفقًا لقائد رفيع الشأن في جماعة شبه عسكرية موالية للنظام تحدث إلى كاتب المقال، "فإن الحكومة السورية تقوم تدريجيًا بدمج جماعات شبه عسكرية موالية للنظام. ففي المرحلة الأولى، تُجبر الحكومة هؤلاء الأعضاء شبه العسكريين الذين يستوفون شروط التجنيد مثل العمر على الانضمام للجيش السوري،" في حين أن أولئك الذين "لا يستوفون شروط التجنيد يبقون داخل الجماعات التي ينتمون إليها ".
وقد ركّز باحثون من أمثال حايد حايد على عملية التجنيد الإجباري مشيرًا إلى أن تلك العملية يتم تطبيقها على الجماعات المسلحة، سواء المؤيدة للنظام أو تلك المعارضة له، حيث يتم تطبيقها على هؤلاء الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18-42 عام. وفى هذا الصدد، يتم استهداف الجماعات المعارضة للنظام من خلال سياسة التسوية التي تطبقها الحكومة في المناطق التي تم استعادتها من قبل النظام.
ويشرح المصدر أنّ الميليشيات التي يتمّ حلّها بشكل دائم هي تلك المتهمة بارتكاب مخالفات وبالابتزاز. فعلى سبيل المثال، فككتالحكومة السورية الميليشيا الخاصة "لواء صقور الصحراء"، بقيادة العقيد محمد جابر وشقيقه رجل الأعمال أيمن جابر. وتمّ حل جماعات أخرى كان جابر يموّلها أيضًا على غرار "مغاوير البحر".
في حالات أخرى، تشتتت جماعات بعدما انقطعت عنها الأموال اللازمة لدعم المقاتلين. ففي فبراير/ شباط 2018، نقلت خدمة الأخبار "سيريان أوبزيرفر" أنّ حوالي نصف القوات شبه العسكرية الطائفية التي تقاتل في صفوف قوات الرئيس بشار الأسد في منطقة الحولة والريف الشمالي لمحافظة حمص تركت جماعاتها للالتحاق بالجيش النظامي بعدما لم تقبض رواتبها لستة أشهر. كذلك، انضمت عناصر ميليشياوية من ميليشيا "جمعية البستان" إلى جيش النظام لأسباب مماثلة.
وتتمثل الطرق الأخرى المصممة لإنشاء قوات قتالية أكثر تماسكًا، في تشكيل وإدارة وحدات شبه عسكرية تحت إمرة كتائب الجيش السوري التي حافظت هويتها كوحدات متميزة. ويندرج ذلك على جماعات على غرار "درع القلمون" و"درع الساحل"، التي وضعت أيضًا تحت سلطة "الحرس الجمهوري"، وذلك بحسب مقال نشرته مدوّنة "ديوان" الصادرة عن "مؤسسة كارنيغي" العام الفائت. وقد سلّط المقال ذاته الضوء على إنشاء الفرقة 30 التابعة للحرس الجمهوري في 2017، والتي انضوت تحت رايتها جميع الميليشيات المحلية في منطقة حلب مع السماح لها بالاحتفاظ بهياكل التشغيل المستقلة الخاصة بها.
ومع ذلك، لا يزال هناك بعض الارتباك حول ما إذا كانت هذه الوحدات ستحتفظ بهياكل تشغيلية متميزة على الرغم من استيعابها الواضح في الجيش السوري. ففي عام 2017، أشار مجلس الشؤون الدولية الروسية التابع للحكومة الروسية في تقاريرها إلى أن جماعة درع القلمون قد تم دمجها بالفعل في الوحدة الخامسة التابعة للجيش السوري. وتؤكد البيانات المتناقضة حول وضع عملية الدمج للقوات شبه العسكري في الجيش السوري أن عملية الدمج هذه ما زالت قائمة وتعتمد بشكل كبير على مصالح النظام وداعميه.

غير أن المصدر السوري شبه العسكري قد ركّز أيضًا على قيود هذه السياسة حيث قال: "لا يملك الجيش السوري القدرة المالية لاستيعاب كافة الجماعات شبه العسكرية الموالية للنظام، ما يفسر استثناء بعض الفصائل على غرار "قوات الدفاع المحلية‘". وكان تمّ دمج "قوات الدفاع المحلية"– وهي جماعة شبه عسكرية دربتها إيران وموّلتها– رسميًا في الجهاز العسكري الحكومي وجرى التنسيق مع قيادتها العامة منذ العام 2017، غير أن مستندات نشرها الباحث أيمن جواد التميمي قد أظهرت أنّه كان من المقرر أن تبقى "قوات الدفاع المحلية" تحت القيادة الإيرانية إلى حين انتهاء الأزمة في سوريا. وبموجب هذا الترتيب، "ستبقى "قوات الدفاع المحلية" في المقاطعات تحت القيادة الإيرانية، على أن تقوم بالتنسيق مع القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة إلى حين انتهاء الحرب الأهلية في سوريا أو حتى إصدار قرار جديد".

لكنّ التحالف المستمر لمثل هذه الجماعات شبه العسكرية النافذة مع قوات خارجية بغية تحمّل التكاليف الكبيرة للنفقات العسكرية، لا يخلو من المخاطر. فقد كان لإيران على وجه الخصوص سجل حافل وناجح في إنشاء وتغذية وتمكين ميليشيات محلية في المنطقة يمكن الاعتماد عليها لاحقًا باعتبارها من الوكلاء الأقوياء والمتفانين. وكان هذا هو الحال مع كل من "حزب الله" في لبنان وجناح "وحدات الحشد الشعبي" العراقية الموالي لطهران.
وقد تباهى أحد قادة "حزب الله،" والذي تحدث إلى كاتب المقال في بيروت "قائلًا إنّ "إيران أنشأت مقاومة كـ "حزب الله" في سوريا وهذه القوة ستواصل عملياتها هناك"، رافضًا احتمال حلّ "قوات الدفاع المحلية" في يوم من الأيام وإخضاعها للقيادة المركزية في سوريا. ومع ذلك صرّح وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي علنًا في أغسطس/ آب من العام الفائت، أن "تواجد "حزب الله" في سوريا أتى بناءً على طلب الحكومة، وأن التنسيق بين الطرفين كان وثيقًا،" مما يوحي بمصلحة إيرانية في الاحتفاظ بصورتها كداعم أساسي للنظام يعمل تحت قيادة الجيش السوري.
وتكمن مشكلة أخرى في كيفية التعامل مع العدد الكبير من المقاتلين الأجانب الموالين للنظام الذين تمّ نشرهم في سوريا. وفي مقابلة مع الكاتب، قدّر الخبير السوري سمير الحسن أن تكون إيران نشرت أكثر من 34 ألف مقاتل أجنبي في سوريا اعتبارًا من 2018. ويشمل هذا الرقم "الفاطميون" الأفغان، و"الزينبيون" الباكستانيون، و"الحيدريون" العراقيون، إلى جانب "حزب الله".
وفي حين خفّض "حزب الله" انتشاره في سوريا بشكل ملحوظ وفق مصادر في الحزب، من الصعب تحديد عدد المقاتلين الأجانب الموالين للنظام الذين ما زالوا متواجدين على الأراضي السورية بدقة ومعرفة نوع النفوذ والسيطرة الذي يخططون له. فعلى سبيل المثال، يبدو أن "حزب الله" قد احتفظ بقواعد في مناطق استراتيجية على غرار محافظة حمص وحلب وجنوب سوريا– رغم الاتفاق الروسي على إبقاء النفوذ الإيراني بعيدًا عن الحدود الإسرائيلية.
ولا يكمن التهديد الذي يحيط بجهود الدمج التي يبذلها النظام في ولاء الجماعات لقوى خارجية فحسب، بل الأهم في ما أنتجه النزاع الطائفي والدعم الأجنبي من مقاتلين تشرّبوا عقائد إيديولوجية. وفي مقابلات سابقة مع أحد مدربي "حزب الله"، ركّز على أهمية التدريب الإيديولوجي الذي يقدمه الحزب إلى الميليشيات السورية الموالية للنظام. وبدورها قامت المنظمات المتطرفة، بدءًا من الميليشيات الإسلامية العادية وصولًا إلى "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، بغرس أفكار راديكالية في عقول مقاتلي المعارضة. وبالتالي، تمثل إعادة التأهيل الإيديولوجي والديني لتلك المليشيات - سواء تلك التي تؤيد النظام أو تلك المعارضة له - أحد أهم مكوّنات عملية الدمج هذه. ويبدو أنّ النظام يعي هذا الخطر، وفق ما صرّح به قائد الجماعة شبه العسكرية الذي أضاف أنّه على الجنود الذين أعيد دمجهم أن يلتحقوا ببرامج وصفوف إعادة توجيه سياسي خاصة بإيديولوجية "حزب البعث". زمع ذلك، ومع ذلك، فإن فعالية عملية "إعادة التوجيه" هذه لم تتضح بعد.
وفي نهاية المطاف، إذا كان الأسد يسعى لاستعادة السيطرة العسكرية الحقيقية على سوريا، يجب أن يعمل على تحديد عدد المقاتلين الأجانب في صفوف طرفي النزاع في أقرب وقت ممكن، ونزع سلاحهم ونقلهم إلى منشأة آمنة. وسيتوجب على النظام السوري أيضا تقييم الأشكال الأخرى للنفوذ الأجنبي - بما في ذلك التدريب الإيديولوجي والقيادة الأجنبية بعناية. وعلى الرغم من أن هذه العملية تتطلب بعض الموارد والنفوذ التي لا يمتلكها الأسد، إلا أن النظام لا ينبغي عليه سوى النظر إلى الغرب لرؤية تبعات عملية تسريح ونزع سلاح وإعادة دمج فاشلة على بلد ما. وتشكل دولة لبنان المجاورة تذكيرًا مؤلمًا بواقع أن تحقيق السلام على المدى الطويل يبقى بعيد المنال بعد مرور عقود على انتهاء النزاع، عندما يؤدى التشرذم الطائفي وعسكرة الدولة إلى استمرار كيانات شبه عسكرية داخل حدودها.

"حزب الله" يتضرر من العقوبات الأمريكية

"حزب الله" يتضرر من العقوبات الأمريكية
المرصد السياسي 3090

"حزب الله" يتضرر من العقوبات الأمريكية

 7 آذار/مارس 2019
لا ينفك "حزب الله" يكرر مزاعمه بأن العقوبات الخارجية لن تؤثر على إمكانياته، ولكن الأدلة تشير إلى أن التنظيم يمر بأزمة مالية خطيرة. فقد بدأ قادته باتباع تدابير تقشفية جديدة وقاسية فيما تعتقد المصادر المقربة من الحزب أن هذه التدابير ستشتد صرامةً مع الوقت، علمًا بأنها فاجأت العديد من أعضاء "حزب الله" وأتباعه، بما في ذلك المقاتلون العاديون الذين لم تطلهم إلى حدٍّ كبير تخفيضات الميزانية في السابق. وأبرز ما في الأمر هو أن حملة التقشف هذه تزعزع صورة "الأب الحارس" التي يتمتع بها الحزب بين أبناء الطائفة الشيعية. وإذ أن "حزب الله" اليوم يبحث عن مصادر تمويل جديدة، ثمة طرق عديدة لإيقافه.
ما الذي تغير؟
بدأ تطبيق التدابير التقشفية خلال الأشهر القليلة الماضية، وقد نسبها "حزب الله" إلى العقوبات الأمريكية على إيران التي تعتبر الراعي الرئيسي للتنظيم. وعلى حد قول الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله في 14 آب/أغسطس، سيواجه "حزب الله" مشكلة مالية "طالما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجود في الحكم". وفي حين طمأن نصر الله المستمعين إلى أن الحزب سيبقى صامدًا بفضل بنيته التحتية الصلبة، عجز المسؤولون حتى الآن عن الوفاء بهذه الوعود.
فمع انخفاض عدد المعارك في معظم الأراضي السورية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، أعاد "حزب الله" العديد من عناصره إلى بلادهم فيما بقيت القوات القتالية واللوجستية متمركزةً في دمشق ودير الزور وجنوب سوريا. وما فعله الحزب تحديدًا هو إعادة نشر العديد من مقاتليه الجدد الذين جنّدهم خلال الحرب بموجب عقود مؤقتة ولم يعد مضطرًا لدفع أجورهم بما أنهم عادوا إلى ديارهم.
في الوقت نفسه، أفاد تقرير صادر في كانون الثاني/يناير على موقع "سكاي نيوز عربية" بأن الموظفين في مؤسسات "حزب الله" الإعلامية والتربوية والطبية والعسكرية يشتكون من تخفيضات حادة في الرواتب والأجور، وقيل إن بعضهم لم يتقاضَ إلا ستين في المائة من راتبه ذلك الشهر. هذا ويتوقع الموظفون تخفيضات إضافية في المستقبل الوشيك.
فضلاً عن ذلك، بدأ المقاتلون وعائلاتهم يتذمرون هم أيضًا من الرواتب المقتطعة – وهذا تطور لم يسبق حدوثه – حيث أفيد أن المقاتلين المتزوجين لا يتقاضون إلا نصف راتبهم (الذي يتراوح عادةً بين 600 و1200 دولار شهريًا) فيما المقاتلون العازبون يقبضون 200 دولار في  الشهر لا أكثر.
وفي ما يتعلق بالقطاعات الأخرى، اقتبست وسائل الإعلام المحلية عن مصادر "حزب الله" قولها إن الموظفين في مؤسسات الحزب الدينية لم يتقاضوا رواتبهم منذ ثلاثة أشهر. أضف إلى أن الحزب أقفل نحو ألف مكتب وشقة سكنية تابعة له في لبنان وقام بدمج العديد من مؤسساته وأوقف كافة عمليات التوظيف. هذا وقد تراجعت ميزانية خدماته الاجتماعية علاوةً على الخفض الذي شهدته عام 2013.
التفكير على المدى البعيد
مع أن إيران لم تقطع إمداداتها المالية عن "حزب الله" حتى اليوم، إلا أن التنظيم يدرك أن استمرار العقوبات و/أو تغير الظروف الإقليمية قد يضطرّه إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة مع الوقت. فإذا نشبت مثلاً حربٌ جديدة مع إسرائيل، قد لا تتمكن طهران من إرسال الشاحنات المحمّلة بالنقود إلى لبنان كما سبق أن فعلت خلال حرب 2006. وعلى النحو نفسه، قد لا تكون الدول الأخرى مستعدة لتمويل مشاريع إعادة الإعمار مرة أخرى بعد الحرب بما أن "حزب الله" يسيطر اليوم على الحكومة.
كما أن "حزب الله" يعلم أن لطهران نشاطات مكلفة أخرى خارج لبنان، ومعظمها يشمل عناصر من "حزب الله". فأنشطتهم في سوريا تدخل اليوم مرحلة جديدة تقوم على ترسيخ وجودهم العسكري والسياسي في البلاد عبر مبادرات "القوة اللينة" وشراء مساحات شاسعة من الأراضي وتجنيد الرجال السنة في الجنوب ودير الزور وإنشاء مشاريع اجتماعية وثقافية لغرس عقيدتهم في نفوس الشباب السوري. وإذ تتطلب كل هذه المبادرات إجراء تغييرات في الميزانية، يبدو قادة "حزب الله" مصممين على إجراء التخفيضات اللازمة في لبنان (حيث يعتبرون أن الشيعة قادرين على تحمل هذه التضحيات) بهدف توطيد وجودهم في سوريا (حيث نفوذهم أضعف).
مصادر تمويل جديدة
أخذ "حزب الله" يبحث عن مصادر تمويل بديلة لمعالجة أزمته المالية والحؤول دون تفاقمها نتيجة العقوبات، وهي التالية:
  • بعد أن شق "حزب الله" طرقات جديدة إلى داخل المؤسسات العامة في أعقاب الانتخابات النيابية التي جرت العام الفائت، يسعى اليوم إلى استخدام مختلف الموارد العامة لتهدئة مخاوف ومشاكل مجتمعه. فحين تشكلت أخيرًا الحكومة في كانون الثاني/يناير من هذا العام، أصبحت وزارة الصحة تحت سيطرته المباشرة، والجدير بالذكر هو أن ميزانية هذه الوزارة هي رابع أكبر ميزانية في لبنان وتقدَّر بـ338 مليون دولار سنويًا. وبخلاف الوزارات الرئيسية الأخرى، توزّع هذه الوزارة غالبية أموالها مباشرةً على المواطنين عوضًا عن دفعهم على شكل رواتب لموظفيها، ما يتيح لـ"حزب الله" تحويل مبالغ طائلة إلى أتباعه المتضررين من سياسته التقشفية الداخلية وأيضًا استخدام الوزارة لإدخال الأدوية الإيرانية إلى لبنان.
  • أصبح لـ"حزب الله" من خلال حلفائه السياسيين نفوذٌ في كلٍّ من وزارة الأشغال العامة والنقل ووزارة الزراعة ووزارة الطاقة والمياه، وبات بوسعه الاستعانة بها لتمويل مشاريع وأعمال تجارية خاصة به.
  • أفيد أن مسؤولي "حزب الله" أبلغوا حلفاءهم في "حركة أمل" أنهم سيتولّون تعيين نصف الوظائف الحكومية المخصصة دستوريًا للشيعة، بعد أن اعتادت "حركة أمل" الاستفادة من هذه الحظوة للحفاظ على قاعدة شعبيتها الخاصة، ولكن لم يعد بإمكان "حزب الله" التخلي عن هذا الكسب المفاجئ بل من المحتمل أن يعطي تلك المناصب لأتباعه ومقاتليه.
  • يحث "حزب الله" اللبنانيين من الطائفة الشيعية أكثر فأكثر على دفع "الخمس" أي الضريبة الدينية التي تشكل خمس ما يملكه الفرد من أموال. وبما أن التنظيم مرتبط بالعديد من السلطات الدينية التي تجبي هذه الضريبة، من الممكن أن يستفيد منها إلى حدٍّ كبير.
  • ما ساعد "حزب الله" أيضًا هو ارتفاع حجم التهريب عبر الحدود اللبنانية السورية وعبر مرفأ بيروت، سيما وأنه يسيطر على كلا جانبَي الحدود وعلى المرافئ.
  • أعطى "حزب الله" مؤخرًا موافقته على المساعدات التي تعهد بها مؤتمر "سيدر" المنعقد في نيسان/أبريل الماضي برعاية فرنسية والتي بلغت قيمتها 11 مليار دولار، بعد أن كان معترضًا على الفكرة طوال أشهر لأنها ستضع لبنان تحت مجهر المجتمع الدولي (لمعرفة المزيد حول الوضع الراهن لهذه المساعدات، يرجى الاطلاع على الفقرة الختامية من مقالة "بوليس واتش" هذه). لكن التنظيم يطالب بتوجيه الأموال إلى ميزانيات الوزارات بدل الشراكات بين القطاعين العام والخاص – وهي الآلية المفضلة عمومًا للاستثمارات الأجنبية، وآلية مهّدت لها الحكومة السابقة عبر إقرار "قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص" سنة 2017. فإذا نُفّذ طلب "حزب الله"، سيسهل عليه الوصول إلى أموال "سيدر" عن طريق الوزارات الخدماتية العديدة التي يسيطر عليها حلفاؤه.
الشركات الشيعية المشروعة لا تستحق العقاب
بسبب الأنشطة المتعددة غير المشروعة التي يمارسها "حزب الله" في لبنان والخارج، أصبح شيعة لبنان بأسرهم مصنّفين "مصدر خطر كبير". وبات الخيار الأسهل أمام الكثير من المستثمرين الذين يفكرون في عقد الصفقات في ذلك البلد هو تفادي أي شراكة مع شركات مملوكة من مواطنين شيعة، وهذا يؤدي بشكل مجحف إلى تهميش رجال أعمال مشروعين.
من هذا المنطلق، يجب على الحكومة الأمريكية التركيز على إطلاع المؤسسات الدولية والمواطنين اللبنانيين على الجهات والأنشطة المستهدفة بالعقوبات على "حزب الله". ولطالما كرر المسؤولون في وزارة الخزينة الأمريكية أن القصد من العقوبات ليس معاقبة المجتمع الشيعي بأسره، ولكن لم تُبذل أي مساعٍ جدية للتواصل مع الشركات الشيعية. فإذا حصلت مثل هذه المناقشات لساعدت واشنطن على فهم وقع العقوبات بشكل أفضل ووضع الاستراتيجيات المناسبة لتفادي الأضرار الجانبية الجسيمة.
ولكن العقوبات تركت في الوقت نفسه نتائج واعدة حتى الآن. فرجال الأعمال المعارضون لـ"حزب الله" يريدون حماية استثماراتهم، والأهم من ذلك هو أن الكثير من رجال الأعمال الشيعة يتوقون إلى قطع أي صلة بين مصالحهم والشركات المقربة من "حزب الله" ويبحثون عن التوجيهات والمعلومات المتعلقة بالطريقة الفضلى لفعل ذلك.
أما "حزب الله" من جهته فيلوم الولايات المتحدة على مشاكله المالية ويطلب من مناصريه أن يقاوموا ويثابروا، فهو يقرّ بعمق المشكلة إنما يعتبرها في الظاهر مؤقتة. على سبيل المثال، ذكر أحد كبار القادة في مقابلة أجريت معه في كانون الثاني/يناير أن التنظيم فقد أكثر من أربعين في المائة من مناصريه الشيعة قائلاً: "نعلم أن هذه النسبة سترتفع، ولكننا لسنا قلقين. فالذين تركونا ليس لديهم ملجأ آخر، وسيعودون إلينا حين تنتهي الأزمة".
وبالفعل لا يتوفر حاليًا أي بديل أمام الشيعة المحبطين، وهذا ما جعل الكثيرين منهم يشعرون بأنهم معزولون ويتعرضون لعقاب جماعي. ولكن يمكن قلب الأمور إذا أعطتهم الولايات المتحدة وغيرها من الأطراف الفاعلة بدائل ملموسة على غرار تحسين قدرتهم على الحصول على القروض والوظائف.
ماذا عن أموال "سيدر"؟
إلى حين توفر مثل هذه البدائل، يجب على واشنطن أن تحرص في ما يخص الأموال التي تعهد بها مؤتمر "سيدر" أن يتلقاها لبنان من البنك الدولي أو المملكة العربية السعودية أو غيرهما من الجهات المانحة الرئيسية عبر عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا عبر موازنات الوزارات اللبنانية. وبذلك لن يتمكن "حزب الله" من التحكم بكيفية إنفاق هذه الأموال أو عرقلة الإصلاحات المرتبطة بها.
حاليًا يخطط البنك الدولي لإصدار ورقة سياسات تحدد شروط صرف هذه الأموال. ولكن بحسب منظمة "هيا بنا" اللبنانية غير الحكومية – التي تملك خبرة طويلة في مراقبة العلاقة بين لبنان والجهات المانحة – تفتقر المنظمات الدولية إلى المعلومات اللازمة لتفادي أي صفقات غير مقصودة مع مؤسسات تابعة لـ"حزب الله". ولهذا من الضروري أن تنخرط الولايات المتحدة في حوار جازم مع البنك الدولي في أقرب وقت ممكن لتحرص على ألا تصبح تلك المليارات مصدر تمويل آخر لـ"حزب الله".
حنين غدار هي زميلة زائرة من مؤسسة فريدمين في برنامج غيدولد للسياسة العربية التابع لمعهد واشنطن.

Thursday, February 28, 2019

المشهد الانتخابي: تحالفات الدقيقة التسعين!

المشهد الانتخابي: تحالفات الدقيقة التسعين!
تستقبل لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، يومي الأربعاء والخميس من هذا الأسبوع، قوائم المرشحين للانتخابات البرلمانية الـ 21، التي ستجري يوم 9 نيسان المقبل. وعلى الرغم من أن قوائم كبرى قد حددت شكلها، إلا أن تطورات الدقيقة التسعين ما تزال واردة لتحالفات برلمانية، إما لغرض الهروب من خطر عدم اجتياز نسبة الحسم 25ر3%، أو من أجل ضمان حضور برلماني يؤخذ بحجمه في التركيبة المقبلة للكنيست.
ومشهد كهذا لا نذكره على مدى السنوات السابقة، وهذا انعكاس لحالة التخبط في الحلبة السياسية، وقلق أحزاب من خطر عدم اجتياز نسبة الحسم، أو من تردي وضعها في استطلاعات الرأي العام. وحتى إغلاق هذا العدد، فإن القائمة الوحيدة، التي معالمها واضحة، هي قائمة حزب الليكود، التي تشكلت في الانتخابات الداخلية التي جرت يوم الخامس من شباط، ولم تأت بجديد، فنجوم الحزب السياسيون ضمنوا مقاعدهم البرلمانية، لكن مع تغيير في المواقع، ما سينعكس على وظائفهم في الحكومة والكنيست.
في حين أن الحزب الثاني وفق تصنيف استطلاعات الرأي، وهو "مناعة لإسرائيل"، بزعامة قائد أركان الجيش الأسبق بيني غانتس، قد يبادر إلى توسيع قائمته بشخصيات أخرى، بعد أن ضم إليه الحزب الجديد، الذي أقامه سلفه في منصبه العسكري موشيه يعلون، وحلّ ثانيا معه، ويوم الأحد الأخير ضم إليه رئيس اتحاد النقابات العامة، "الهستدروت"، آفي نيسانكورن، ليكون رابع رئيس لاتحاد النقابات، يستغل منصبه ليقفز على ما هو منصب سياسي كبير.
ومثل نيسانكورن فعل حاييم رامون في العام 1995، حينما عاد وزيرا للحكومة. وعمير بيرتس، الذي فضّل الكنيست على منصبه في العام 2005، في أعقاب قانون يلزمه بالاختيار بين عضوية الكنيست ورئاسة النقابات، والآن نيسانكورن، الذي كان سلفه عوفر عيني غادر منصبه إلى "القطب الآخر"، إلى عالم الاقتصاد، ليصبح بين ليلة وضحاها في قائمة الأثرياء الـ 500 التي صدرت في العامين الماضيين.
كذلك فإن غانتس قد يعزز قائمته بأحزاب تواجه خطر عدم اجتياز نسبة الحسم، مثل حزب "الحركة" بزعامة تسيبي ليفني، التي من الصعب رؤيتها تضمن مقعدها البرلماني في حال خاضت الانتخابات بقائمة منفردة. ومثلها أيضا النائبة أورلي ليفي- أبكسيس، المنشقة عن حزب "يسرائيل بيتينو"، والتي شكلت حزب "جيشر" (جسر) على اسم حزب أقامه والدها، حينما انشق عن حزبه الليكود لبضعة سنوات. وقد كانت استطلاعات الرأي تمنحها ما بين 5 إلى 7 مقاعد، أما الآن، فإنها تصارع لاجتياز نسبة الحسم، التي تضمن 4 مقاعد.
ومن الأحزاب التي تصارع هي أيضا نسبة الحسم، حزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة أفيغدور ليبرمان، الضاغط الأكبر قبل سنوات لرفع نسبة الحسم، حينما كان يتمثل في الكنيست بـ 11 و15 مقعدا. أما اليوم، فهو يتأرجح ما بين 4 و5 مقاعد؛ إذ أن الجمهور الذي كان يرتكز عليه، وهم المهاجرون الروس في العقود الثلاثة الأخيرة، خرج كما يبدو من خانته، خاصة وأن ليبرمان لم يقدم شيئا لهذا الجمهور، على صعيد سلسلة من القوانين التي تحد من الإكراه الديني، وغيرها من الأمور.
كذلك، فإن قطاع المستوطنين، واليمين الاستيطاني الأشد تطرفا، ما زال يواجه احتمال حرق عشرات آلاف الأصوات. وقد بدأت هذه الحالة، حينما قرر زعيم تحالف "البيت اليهودي" نفتالي بينيت، وشريكته وزيرة العدل أييليت شاكيد، الانشقاق عن هذا التحالف، الواقع تحت سيطرة التيار الديني الصهيوني، وشكلا قائمة "اليمين الجديد".

وفي نهاية الأسبوع الماضي، تم الإعلان عن تحالف بين حزب "هئيحود هلئيومي" (الاتحاد القومي)، الشريك في تحالف "البيت اليهودي"، وبين حزب المفدال الديني، الذي هو صاحب تسمية "البيت اليهودي"، ليشكلا هذا التحالف من جديد، وتحت الاسم ذاته: "البيت اليهودي". لكن هذا التحالف لم ينه حالة الانشقاق في معسكر المستوطنين، إذ إن القائمة التي خاضت الانتخابات في العام 2015، وحرقت 125 ألف صوت، وكانت بعيدة عن نسبة الحسم بأقل من 12 ألف صوت، ما زالت عازمة على خوض الانتخابات. ويجري الحديث هنا عن تحالف بين الحزب المنبثق عن حركة "كاخ" الإرهابية، وحركة إيلي يشاي، المنشق عن حزب شاس. وكانت التقديرات تشير إلى احتمال ضم هذا التحالف إلى قائمة "البيت اليهودي".

لكن حتى كتابة هذه السطور فإن تحالفا كهذا لم يتم، ويمكن الاعتقاد أنه في حال لم يتم حتى الدقيقة التسعين، فإن هذا يعود إلى رفض تحالف "البيت اليهودي" ضم الحزب المنبثق عن حركة "كاخ" الإرهابية، كي لا يكون هذا عائقا أمام انضمام كتلة "البيت اليهودي" للحكومة المقبلة، كما جرى في العام 2009؛ إذ أن التحالف في حينه كان بين "هئيحود هليئومي" وحركة "كاخ"، ما أبقى التحالف خارج الحكومة، طيلة الولاية البرلمانية التي استمرت أربع سنوات.
وفي الجهة الأخرى، إن صح التعبير، فإن حزب العمل، الذي انفرد بالحكم في العقود الثلاثة الأولى لإسرائيل، تتنبأ له استطلاعات الرأي أن لا يقترب من حاجز المقاعد الـ 10، وتتنبأ له حصوله على ما بين 7 إلى 8 مقاعد. في حين أن انتخابات الحزب الداخلية أظهرت أنه باستثناء شخص النائب عمير بيرتس، فإن جميع المرشحين في المقاعد الأمامية، المضمونة في الكنيست، أو لها احتمال الدخول، هم من الأسماء الجديدة، التي انتسبت للحزب لغرض الترشح للكنيست، وليست ممن نمت في صفوف الحزب. ومن أبرز الأسماء التي لن تعود إلى الكنيست، في حال لم يتم أي تعديل على القائمة، النائب إيتان كابل، من آخر وجوه حزب العمل، الذي مرّ على عضويته في الكنيست 23 عاما.
والحال يسوء أيضا في حزب ميرتس، الذي تتنبأ له استطلاعات الرأي 5 مقاعد، ما يعني أبعد بمقعد واحد عن نسبة الحسم. إلا أن الانتخابات الداخلية في الحزب أفرزت نتائج قد تضع الحزب أمام مأزق نسبة الحسم. فقد تم إعادة انتخاب رئيسة الحزب تمار زاندبرغ، والنائب القديم إيلان غيلئون، والنائبة ميخال روزين، في حين أن المقعد الرابع كان من نصيب النائب العربي الحالي عيساوي فريج. أما المقعد الخامس، فكان من نصيب مرشح عربي آخر، هو علي صلالحة، ابن الطائفة العربية الدرزية، من قرية بيت جن، إلا أن ميرتس لا تحصل من العرب إلا على بضعة آلاف قليلة من الأصوات، وجاء هذا الترشح على حساب الشخصية القوية في الحزب موسي راز، صاحب المواقف السياسية الأكثر وضوحا من غيره، في كل الكتلة البرلمانية، وهو في حالة صدام مع رئيسة الحزب زاندبرغ، التي يرى بها راز أنها تشد ميرتس إلى خانة هي أقرب إلى الوسط. كما أن الحزب لم ينجح في انتخاب مرشحة من المهاجرين الأثيوبيين، إذ حلت سادسة، وهذا قد لا يكون مكانا مضمونا لحزب ميرتس.
أما عن القائمة المشتركة، فإنه حتى إغلاق هذا العدد كانت الاتصالات في ذروتها، بعد اجتماع ضم المركّبات الأربعة يوم الأحد. وما تزال الاحتمالات واردة لخوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة، أو بأكثر. 

منافسة الجنرالات

يمكن القول إن منافسة رئيس هيئة الأركان بيني غانتس على رأس الحزب الذي شكّله، "مناعة لإسرائيل"، ومعه ثانيا رئيس هيئة الأركان الأسبق موشيه يعلون، وقد تكون هناك شخصيات عسكرية أخرى، أفرزت تنافسا غير معلن على الجنرالات.
وقد انعكست هذه المنافسة في تركيبة قائمة الليكود، إذ أفرزت الانتخابات الداخلية في الليكود أن حل في المكان السابع، المنتسب حديثا للحزب، الجنرال احتياط يوآف غالانت، الذي كان مرشحا لتولي رئاسة الأركان قبل سنوات قليلة.
وقد دخل غالانت إلى الكنيست في العام 2015، ضمن قائمة حزب "كولانو"، وتولى وزارة البناء والإسكان. إلا أن غالانت انفصل عن حزب "كولانو" وانضم إلى الليكود، وسط توقعات أولية بأن لا يحصل على مكان متقدم. كذلك فإن هذا الأمر انعكس على نتيجة رئيس جهاز الأمن العام الأسبق، آفي ديختر، الذي حلّ في قائمة الليكود في المكان الـ 11، بعد أن حلّ في انتخابات 2015 في المكان الـ 24.
وأجواء هذه المنافسة انعكست على أداء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يتولى منصب وزير الدفاع، ويسعى في الأسابيع الأخيرة، إلى إضفاء طابع عسكري على شخصيته، رغم أنه كان جنديا عاديا، ضمن وحدة النخبة العسكرية "دورية رئاسة الأركان".
وقد سعى نتنياهو إلى إظهار مشاهد للجيش في حملته الدعائية، ما دعا المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، إلى إصدار أمر يمنع إظهار جنود في الدعاية الانتخابية، تبعه قرار صادر عن رئيس لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، القاضي حنان ميلتسر، يحظر على حزب الليكود نشر صور لجنود الاحتلال ضمن الدعاية الانتخابية للحزب ورئيسه بنيامين نتنياهو. ولم يترك نتنياهو هذه القضية جانبا، بل نشر شريط فيديو يتباهى فيه بقوة جيش الاحتلال، وقال فيه إنه يظهر في الشريط وحده "لأن هناك من قرر حظر نشر صور جنود، وأنا لا أفهم طبيعة هذا الحظر"، وقد قال هذا بلهجة استخفاف.
كذلك بادر نتنياهو في نهايات شهر كانون الثاني، وأيضا في الأسبوع الماضي، للمجاهرة بأن جيشه شن عدوانا على سورية، خلافا لموقف الجيش الذي يفضل الاستمرار في سياسة الضبابية، فيما يتعلق بالهجمات على سورية.
وإرادة الجيش ظهرت في مقال للمحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، الذي قال إن الجيش "بذل جهدا في الأيام الأخيرة من أجل إعادة فرض ستار الضبابية على السياسة الهجومية الإسرائيلية في سورية". ويقول هرئيل إن ضباطا كبار في جيش الاحتلال رفضوا الإجابة على أسئلة حول الهجوم الأخير على سورية، على الرغم من تصريحات نتنياهو.
وفي الملخص، يمكن القول إن إسرائيل تتجه إلى حملة انتخابات، تنتظرها محطات عديدة من الأمور التي قد تنعكس على توجهات الناخبين، مثل قرار مرتقب للمستشار القانوني للحكومة بشأن ملفات نتنياهو. وقد تصدر قرارات أخرى تتعلق بالوزير حاييم كاتس وبالنائب دافيد بيطان من حزب الليكود بقضايا فساد، وقرار آخر متعلق بوزير الداخلية آرييه درعي، الزعيم السياسي لحزب شاس.
وإلى جانب كل هذا هناك الجانب العسكري، فقد تقع تطورات إما في مواجهة قطاع غزة، أو أمام سورية ولبنان، تقود إلى تصعيد عسكري سيؤثر حتماً على الأجواء الانتخابية.