Menu

Featured Post

كيف نفهم انتصار الصدر؟

كيف نفهم انتصار الصدر؟   وسط تدنّي نسبة الاقتراع في الانتخابات العراقية، تمكّن الصدريون، من خلال قاعدتهم الناخبة الناش...

Sunday, May 20, 2018

كيف نفهم انتصار الصدر؟

كيف نفهم انتصار الصدر؟


كيف نفهم انتصار الصدر؟

 





أثارت النتائج الأولية للانتخابات النيابية العراقية في 12 أيار/مايو، والتي حلّ فيها ائتلاف مدعوم من الإمام الشيعي مقتدى الصدر في المرتبة الأولى، صدمةً في أوساط المؤسسة الحاكمة، وأحدثت تبدّلاً في التوقعات بشأن تشكيل الحكومة العتيدة. كان يُتوقَّع على نطاق واسع أن يفوز رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي بأكثرية المقاعد، لكن بسبب النتائج السيئة التي حققها ائتلاف النصر بزعامته في بغداد، التي تنتخب أكثر من خُمس النواب البالغ عددهم 329، يبدو أن النصر حل ثانياً بعد ائتلاف "سائرون" المدعوم من الصدر – ونظراً إلى عدم الانتهاء بعد من توزيع المقاعد، ليس واضحاً إذا كان ائتلاف النصر سيأتي أيضاً بعد تحالف الفتح برئاسة هادي العامري، وهو الائتلاف الأساسي المدعوم من إيران. يعود فوز الصدر، في شكل خاص، إلى إقبال قاعدته على التصويت مع العلم بأن نسبة الاقتراع كانت متدنّية في البلاد بصورة عامة.
في 17 أيار/مايو، نشرت هيئة الانتخابات في العراق مجموع الأصوات في كل محافظة فقط، ولم تكشف عن توزيع المقاعد، التي تُحدَّد وفقاً لصيغة حسابية شبه نسبية. ولا يزال هناك خلافٌ أيضاً حول تعداد الأصوات في كركوك، حيث اتّهم الناخبون العرب والتركمان الاتحاد الوطني الكردستاني، وهو الحزب الكردي الأساسي في المحافظة، بممارسة التزوير على نطاق واسع. بيد أن القادة السياسيين، ومنهم العبادي نفسه، توجّهوا بتهنئة علنية إلى الصدر لحلول ائتلافه في المرتبة الأولى. 
المفاجأة الأساسية كانت في بغداد، التي كانت أوضاعها جيدة، في بعض النواحي، في عهد العبادي. فقد شهد الوضع الأمني تحسناً كبيراً: في حين كانت العاصمة تتعرض باستمرار لهجمات إرهابية كثيفة قبل العام 2014، تراجعت وتيرة هذه الهجمات وأصبحت أكثر ندرة. وقد أتاح ذلك أيضاً عودة النشاط الاقتصادي. لكن خلال الحملة الانتخابية، نُظِّمت تظاهرات تصاعدية احتجاجاً على الخدمات العامة غير المناسبة في العاصمة، وبدأت هذه الاحتجاجات العفوية التي عمّت أنحاء بغداد بسلوك مسار تصاعدي في آذار/مارس، بمعزل عن الاحتجاجات التي كان الصدريون ينظّمونها في ميدان التحرير في العاصمة.
نظراً إلى حجم التدهور في الأوضاع الاقتصادية والأمنية جنوب البلاد – حيث اندلعت احتجاجات ضد الحكومة في الجنوب على مدار عام ونيف قبل الانتخابات، ولذلك لم يكن مفاجئاً حصول العبادي على نسبة متدنّية من الأصوات هناك – بذل العبادي جهوداً من أجل تحقيق نتائج جيدة في بغداد. وقد استخدم منصبه في موقع رئاسة الوزراء لإصدار مرسوم تنفيذي دراماتيكي في الأول من نيسان/أبريل نصَّ على إطلاق "مجهود وطني" تتولّى بموجبه الوزارات الحكومية استكمال تنفيذ مشاريع الخدمات التي لم ينتهِ المتعاقدون من إنجازها. على الرغم من أن هذه المبادرة طغت على دورة الأخبار المحلية لبضعة أيام بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده العبادي في ذلك التاريخ، إلا أنها اختفت في الأيام الثلاثين الأخيرة من الحملة، ما ساهم في تعزيز الانطباع لدى الرأي العام بأنه لن يفيَ بوعوده.
قد يكون السبب وراء النتيجة السيئة التي مُني بها العبادي، بطريقة مفاجئة، في بغداد، تراكُم مشاعر الغضب والإحباط لدى السكان جراء رداءة الخدمات الحكومية والآمال الخاطئة التي أحياها العبادي من خلال المرسوم الآنف الذكر. في بغداد، عادت خسائر العبادي في شكل أساسي بالمنافع على الصدر. وحلّ ائتلاف الفتح برئاسة العامري في المرتبة الثانية، وائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في المرتبة الثالثة، ما يؤشّر إلى صمود قواعدهما الناخبة، في حين أن الاحتجاجات المدعومة من الصدر وجّهت انتقادات لاذعة إلى الحكومة على خلفية غياب الإجراءات القضائية لمكافحة الفساد، والتلكؤ المستمر في الخدمات العامة.
بيد أن نجاح الصدر مردّه إلى آليات تعبئة القاعدة الشعبية وإدارة الائتلاف أكثر منه إلى أي زيادة كبيرة في الدعم بذاته. فعلى مستوى البلاد، تراجعت نسبة الاقتراع من 62 في المئة في العام 2014 إلى أقل من 45 في المئة في العام 2018. تُظهر نتائج بغداد الثمار التي حصدها الصدر من التحالف مع أحزاب علمانية تُعتبَر ضعيفة على صعيد البلاد ككل لكنها منظَّمة جيداً في العاصمة.
في العام 2014، بلغ مجموع المقترعين في بغداد 2821919 ناخباً، في حين أنه في العام 2018، وبعد فرز 95 في المئة من الأصوات، لا يزال مجموع المقترعين دون 1.8 مليون ناخب، أي أقل بنحو مليون صوت. لكن في حين نال ائتلاف "سائرون" برئاسة الصدر، 413638 صوتاً – بفارق كبير عن ائتلاف الفتح الذي حلّ في المرتبة الثانية مع 233298 صوتاً – لم تسجّل أصوات الصدريين زيادة كبيرة. ففي العام 2014، نالت قائمتان إسلاميتان تابعتان للصدريين، ائتلاف الأحرار وتجمع نخب، ما مجموعه 352815 صوتاً. وعلى نحو منفصل، حصلت القائمة العلمانية الأساسية، التحالف المدني الديمقراطي، على 112563 صوتاً. في الانتخابات الأخيرة، انقسم التحالف المدني الديمقراطي إلى ثلاث قوائم شاركت إحداها، الحزب الشيوعي العراقي، في الاحتجاجات التي قادها الصدريون، وترشّحت مع ائتلاف "سائرون". تُظهر النتائج الأولية أن الفصيلَين الآخرين في التحالف المدني الديمقراطي، نالا منفصلَين 61000 صوت، ما يعني أن ما تبقى من الأصوات العلمانية، وعددها 61000، صبّت في مصلحة ائتلاف "سائرون" – في حال افترضنا مستوى ثابتاً من المشاركة.
يبلغ مجموع أصوات الصدريين في العام 2014 والحصة التي حصلوا عليها، وفق التقديرات، من عدد الأصوات التي نالها التحالف المدني الديمقراطي، نحو 413000 صوت، ما يعني أن عدد الناخبين في بغداد الذين يدعمون الصدريين أو حلفاءهم العلمانيين ظلّ على حاله في الدورتَين الانتخابيتين. لكن نظراً إلى أن مجموع الأصوات في بغداد تراجع بمعدل نحو 36 في المئة، سيحصل الصدر على حصة أكبر بكثير من المقاعد التسعة التي نالها في العام 2014، من أصل 69 مقعداً مخصصاً لبغداد. وقد تكرر النمط نفسه في المحافظات ذات الأكثرية الشيعية، ولذلك يُتوقَّع أن يزيد عدد مقاعد كتلة الصدر من 34 مقعداً في برلمان 2014 إلى 55 في البرلمان الجديد.
إذاً بدلاً من أن ينطلق العبادي من موقع قوة مع أكثرية ناخبة إلى جانبه، سيجد نفسه مضطراً إلى تقديم تنازلات مهمة من أجل الفوز بولاية جديدة. في أحد السيناريوات، يمكن أن يُعاد انتخاب العبادي عبر تحالفه مع الصدر، شرط أن يكون مستعداً لتقديم التنازلات الملائمة. قبل الانتخابات، أعلن الصدر على الملأ عن تأييده لفوز العبادي بولاية ثانية، ويبدو أن الصدريين تعلّموا درساً من أخطائهم في العام 2016، عندما حاولوا استخدام الاحتجاجات الحاشدة من أجل فرض تغيير في التركيبة الحكومية، وانتهى الأمر بتكتّل الفصائل الشيعية الأخرى ضدهم. فمنذ انتهاء الانتخابات، يشدّد المتحدث باسم الصدر، صلاح العبيدي، على أنه لم تحقق أي كتلة الفوز بفارق كبير، ما يؤشّر إلى أن الصدريين يدركون أنه ليس بإمكانهم السيطرة على عملية تشكيل الحكومة. في حين طرح بعض الصدريين اسم محافظ ميسان، علي دواي لازم، لمنصب رئاسة الوزراء، قال العبيدي لشبكة "إن آر تي" في 15 أيار/مايو، إنهم يعتبرون لازم بمثابة نموذج عما يجب أن يكون عليه رئيس الوزراء – لناحية التركيز على احتياجات الشعب – ولا ينظرون إليه بالضرورة كمرشح سوف يتمسّك به ائتلاف "سائرون".
كذلك يصطف تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم إلى جانب العبادي، وفي حال الانضمام إلى الصدر، سوف يزيد عدد مقاعدهم مجتمعين عن مئة مقعد. نظراً إلى مقبولية العبادي في أوساط السنة، غالب الظن أنه سيتمكّن من جذب عدد كافٍ من الأحزاب السنية الصغيرة إلى ائتلافه للحصول على أكثرية برلمانية من 165 مقعداً. إنما على الأرجح أن الصدريين سيفرضون شرطاً أساسياً، وهو أن ينسحب العبادي من حزب الدعوة ويؤدّي دوره كرئيس وزراء غير حزبي. سبق أن عبّر الصدريون عن هذا المطلب في الماضي في إطار النداء الأوسع الذي أطلقوه من أجل تشكيل حكومة تكنوقراطية غير حزبية، وهم الآن في موقع يخوّلهم الإصرار على هذا المطلب.
في سيناريو ثانٍ، قد يتحوّل العبادي نحو العامري والمالكي لتشكيل أكثرية شيعية. لن يكون ذلك ممكناً إلا إذا حصل العبادي على عدد من المقاعد يفوق ما ناله العامري، فإذا حدث العكس، لن تكون هناك أسباب منطقية تدفعهما إلى إشراك العبادي. لقد توقّعت صحيفة "الأخبار" اللبنانية المقرَّبة من الشيعة وقناة "الشرقية" التلفزيونية السنية العراقي، أن يتفوق العبادي على العامري بفارق ضئيل، مع 51 مقعداً للأول مقابل 50 للثاني، وتقدُّم الصدر عليهما ببضعة مقاعد من خلال نيله 55 مقعداً. غير أنه للعبادي علاقات سيئة مع العامري والمالكي، ما قد يلقي بضغوط على أي تحالف محتمل. في حين يتراشق العبادي والمالكي بالكلام والاتهامات منذ حلول الأول مكان الثاني في منصب رئيس الوزراء في العام 2014، شهدت علاقة العبادي مع العامري تقلبات، لكنها انقطعت عندما لمّح العبادي في العلن، خلال الحملة، إلى أن أشخاصاً مقرّبين من العامري ضالعون في مقتل مسؤول أمني رفيع في نيسان/أبريل على خلفية قضية فساد. إذا ظهر أن العبادي ينظر في هذا الخيار، فقد يكون السبب فقط السعي إلى الحفاظ على ورقة ضاغطة في مواجهة الصدر.
في السيناريو الثالث، يُنشئ العامري والمالكي تحالفاً مدعوماً من إيران يُشكّل تكتلاً مع أحزاب كردية كبرى بغية إقصاء الصدر والعبادي على السواء. إنما يُتوقَّع أن يحصل العامري والمالكي معاً على 75 مقعداً فقط، أي أقل بكثير من الكتل التي يقودها الشيعة وتروّج لبرامج قومية. وحتى لو نجحا في استقطاب عمار الحكيم وكسب الدعم من الأحزاب الكردية الأساسية، سيظلّ ينقصهما نحو 40 صوتاً للحصول على أكثرية من المقاعد، ومن المستبعد أن يتمكّنا من حشد دعم كافٍ من القوائم العربية السنّية، التي لن تؤازر على الأرجح مرشحاً مدعوماً من إيران، من أجل التعويض عن الفارق.
سيولّد السيناريو الأكثر ترجيحاً، أي انتخاب العبادي لولاية جديدة بدعم من الصدر، دينامية سياسية مختلفة بالمقارنة مع ولاية العبادي الأولى، إنما لن يقود إلى مجموعة من السياسات مختلفة اختلافاً جذرياً. كما في السابق، سوف يفتقر العبادي إلى أكثرية ثابتة في البرلمان من شأنها تسهيل إقرار التشريعات. ونظراً إلى النزعة الشعبوية لحلفائه الجدد، سيصبح إقرار الموازنة والإصلاحات الاقتصادية ذات الصلة، أشدّ صعوبة.
* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.
كيرك سويل محلل للمخاطر السياسية وناشر الرسالة الإخبارية Inside Iraqi Politics التي تصدر كل أسبوعين. لمتابعته عبر تويتر uticarisk@

Wednesday, May 16, 2018

على مسار تصادمي

على مسار تصادمي
على مسار تصادمي

Image result for ‫يعقوب عميدرور - رئيس سابق لمجلس الأمن القومي‬‎


يعقوب عميدرور - رئيس سابق لمجلس الأمن القومي
•لن نبكي على رمي وثيقة العمل المشترك المسماة "الاتفاق الإيراني" في سلة مهملات التاريخ. ولادة هذا الاتفاق كانت خطيئة. لقد غيّرت الإدارة الأميركية في ظل حكم أوباما رأيها، وبدلاً من أن تحاول التوصل إلى تفكيك القدرة الإيرانية في مجال تخصيب اليورانيوم في إطار الاتفاق، وقّع الأميركيون اتفاقاً يقضي بأن تُخصب إيران كميات أقل وبأن تقبل نظام رقابة مشددة. لقد كان هذا اتفاقاً سيئاً للعالم ولإسرائيل، وسيئاته أكثر من حسناته.
•السؤال الكبير المطروح هو: ماذا بعد؟ وفي الأساس ماذا سيفعل الأوروبيون الذين قرروا البقاء ملتزمين بالاتفاق؟ تعترف دول أوروبا علناً، وبصورة مفصلة أكثر في أحاديث مغلقة بأن الاتفاق مليء بالفجوات، لكنها تفضله على واقع لا يوجد فيه اتفاق. ومن المحتمل أن الأوروبيين يريدون المحافظة على الإطار وإصلاح الفجوات، مثل: وقف التطوير والتجارب الصاروخية، وبالتأكيد فرض رقابة أفضل، بالأساس على المنشآت العسكرية. وبعد الكشف عن الأرشيف النووي الإيراني، ربما سيعيد الأوروبيون الإيرانيين إلى حجمهم، ويطالبونهم بالإجابة على الأسئلة التي تهربوا منها حتى الآن. ومن المحتمل أيضاً أن يعودوا إلى الرئيس ترامب لإقناعه مجدداً بإطار الاتفاق، لكن من الصعب رؤية نجاح مثل هذا المسعى الأوروبي من دون ضغط كبير جداً، لذا من المعقول أكثر أن تبقى الولايات المتحدة وحيدة.
المعضلة الداخلية - الإيرانية
•السؤال الأساسي هو ماذا سيفعل الإيرانيون؟ هل سيحافظون على الاتفاق ويتقيدون به بدقة متناهية، كي لا يعطوا الولايات المتحدة ذريعة لاتخاذ خطوات متشددة ضدهم؟ أم أنهم سيحاولون استغلال خروج الولايات المتحدة للدفع قدماً بخطوات في المجال النووي، لعلمهم بأن ليس لدى الأميركيين حالياً رغبة في توظيف جهود في الشرق الأوسط. القرار الإيراني سيتأثر أيضاً بنتائج المفاوضات مع كوريا الشمالية. وكلما أظهر الرئيس الأميركي تصميمه حيال بوينغ يانع، سيكون من الأسهل على الأوروبيين عرض مطالبهم على الإيرانيين. في الحالتين تعتمد المفاوضات على صدقية الرئيس وإصراره. 
•سيثير قرار الرئيس ترامب صراعاً داخلياً في إيران بسبب تأثير العقوبات. وسيدور الصراع بين مؤيدي الخط المتشدد، بزعامة الحرس الثوري، وبين مؤيدي الرئيس روحاني، الذين سيفضلون المحافظة على إطار مشترك للعمل مع أوروبا وعدم مفاقمة التحدي الاقتصادي الذي تجد إيران اليوم صعوبة في مواجهته. وتزداد الأمور تعقيداً في ضوء الضربات التي تعرّض لها الإيرانيون في سورية، والخجل الذي يشعرون به بعد الكشف عن نجاح الموساد في التسلل إلى قلب مكان مغلق وحساس جداً. يدرك الرئيس الإيراني الذي يقود الاقتصاد في بلاده حجم الأضرار التي يمكن أن تتسبب بها العقوبات الأميركية، وهو بالتأكيد سيحاول أن يلقي التهمة على الحرس الثوري، بحجة أن مفاقمة الصراع ضد إسرائيل في سورية والتدخل في اليمن والعراق هما اللذان أدّيا بين أمور أُخرى إلى قرار ترامب.
•في نهاية الأمر من السابق لأوانه معرفة إلى أين سيؤدي الخروج من الاتفاق. بالتأكيد سيكون هذا صعباً على إيران، لكن نظراً إلى أنه ليس في هذا القرار أي توجّه نحو تقليص التدخل الأميركي في الشرق الأوسط، فإن ما يبدو هو أنه لن يغيّر شيئاً جوهرياً، إلاّ إذا قدم الإيرانيون للرئيس ترامب ذريعة كي يعمل ضدهم بصورة أكثر عنفاً.
•هنا يدخل إلى الصورة الواسعة جهد طهران لبناء "آلة حرب إيرانية" في سورية،  نسخة عن قدرة حزب الله في لبنان، لكن بقيادة الحرس الثوري وسيطرته. لقد قررت إسرائيل عدم ارتكاب الأخطاء التي أتاحت بناء حزب الله كما هو عليه اليوم، تنظيم لا دولتي يملك 120 ألف صاروخ وقذيفة، وهذه كميات لا مثيل لها في أغلبية دول العالم.
•لقد تفاقم هذا الصراع على أرض سورية بعد سلسلة خطوات قام بها الطرفان، بدأت قبل وقت طويل من قرار ترامب: في شباط/فبراير من هذه السنة أطلقت إيران طائرة من دون طيار محملة بمواد ناسفة في اتجاه إسرائيل. وقد جرى اعتراض الطائرة، لكن الإيرانيين أوضحوا بعملهم هذا استعدادهم للمجازفة بالدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. وهاجم سلاح الجو الإسرائيلي مقر قيادة الطائرة من دون طيار في زمن وقوع الحادثة. وقبل بضعة أسابيع، وبحسب مصادر أجنبية، عمل سلاح الجو في المنطقة عينها في قلب سورية (T4)، وقتل عدداً من الإيرانيين بينهم شخص برتبة عالية. توعدت إيران بالرد، لكن منذ ذلك الحين ضرب سلاح الجو عدة أهداف  إيرانية، ويبدو أن الرد المخطط له تعرقل.
•الهجوم الذي وقع في الليلة التي تلت خطاب ترامب (من دون أن يكون له علاقة به) له علاقة بالاستعدادات الإيرانية الأخيرة للهجوم على إسرائيل. وقد أدى ضرب مخازن الصواريخ الإيرانية (كما يبدو، معظم) إلى ضعف الرد الذي جاء ليل الأربعاء الخميس إلى حدّ أن أغلبية الصواريخ التي أُطلقت على خط المواقع في هضبة الجولان اعترضها الجيش. وفي تقديري أن الإيرانيين لم يخططوا لرد ضعيف، لكنه كان كافياً ليزود الجيش الإسرائيلي بذريعة للتحرك بصورة واسعة ضد أغلبية البنية التحتية الإيرانية في سورية.
•في إطار هذا الصراع الطويل يجب أن نفهم أيضاً زيارة رئيس الحكومة إلى روسيا، في توقيت هو الأفضل، على الرغم من أن أحداً لم يخطط ذلك. وجود نتنياهو كضيف كبير في الساحة الحمراء هو بمثابة تلميح إلى إيران أنه على الرغم من علاقة موسكو الوثيقة بإيران، فإنها لن توقف إسرائيل عن العمل ضد التمدد الإيراني، ولو أنها لن تفعل العكس وتعمل على تهدئة إيران. إسرائيل تملك حرية العمل في سورية، وبعد تصريح الرئيس ترامب أصبحت تملك حرية أكبر من الماضي.
•هل من الممكن أن تتدهور هذه الأحداث إلى حرب مع إيران؟ الجواب هو نعم، على الرغم من عدم رغبة الطرفين في ذلك. من وجهة نظر إسرائيل، بناء آلة حرب إيرانية في سورية يمكن أن يصبح مسألة حساسة في المستقبل، لذا يجب منع بنائها الآن. وبالنسبة إلى الإيرانيين ما تفعله هو مرحلة مهمة في استراتيجيا هدفها تحقيق هيمنة إقليمية لإيران، وفي المستقبل البعيد وضع مظلة نووية فوقها.

•إن تخلي الإيرانيين عن بناء قدرة عسكرية ضد إسرائيل هو تخل عن مكوّن مهم في استراتيجيتهم. وإذا لم يتراجع أحد الطرفين، فإن النتيحة ستُحسم في الحرب. هل ستقتصر ساحة المعركة العسكرية على سورية أم ستنزلق إلى لبنان وإلى مواجهة مع حزب الله، وربما أيضاً إلى تبادل ضربات بين إسرائيل وإيران نفسها؟ من الصعب التنبؤ لكن يجب أخذ ذلك في الحسبان. 

المؤسسة الأمنية تتوقع تراجع التوتر في الشمال وتستعد للتصعيد في غزة والضفة

المؤسسة الأمنية تتوقع تراجع التوتر في الشمال وتستعد للتصعيد في غزة والضفة
المؤسسة الأمنية تتوقع تراجع التوتر في الشمال وتستعد للتصعيد في غزة والضفة

Image result for ‫عاموس هرئيل - محلل عسكري‬‎


عاموس هرئيل - محلل عسكري
•بعد النتائج المرضية التي انتهت إليها حتى الآن الجولة الحالية من المواجهة مع إيران في سورية، ستحتاج المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى تركيز جهدها أيضاً على ما يحدث في المناطق [المحتلة]. إن الخطر الأساسي لحدوث تصعيد يخرج عن السيطرة هو المتعلق بخروج تظاهرات كبيرة منظمة على طول السياج الحدودي في قطاع غزة يومي الاثنين والثلاثاء. لكن أيضاً في الشمال، لا يشكل إحباط العملية الإيرانية والهجمات المكثفة لسلاح الجو نهاية الفصل، وفي هذه المرحلة لا يوجد ما يؤشر إلى أن إيران تدرس كبح توجهها نحو تمركز قدراتها العسكرية في سورية.
•قبل يوم أمس (يوم الجمعة)، جرت في قطاع غزة تظاهرات دعت إليها "حماس" للأسبوع السابع على التوالي. وقد  قُتل فلسطيني واحد وجُرح مئات، بعضهم بالنيران الحية، لكن من الواضح استمرار توجُّه الانخفاض في أعداد المصابين. كذلك برز رد على الظاهرة الأخيرة التي استخدمتها "حماس"، أي إرسال طائرات ورقية مشتعلة إلى حقول الكيبوتسات والموشافيم غربي غزة (في الإعلام أُطلق عليها اسم "إرهاب الطائرات الورقية" على الرغم من رفض ضباط الجيش هذه التسمية). وقد استعان الجيش بمتطوعين استخدموا طائرات صغيرة وسريعة. وخلال دقائق معدودة كان يمكن رؤية كيف تعترض الطائرة الصغيرة الطائرة الورقية المشتعلة من خلال الاصطدام بها، بالقرب من كيبوتس ناحل – عوز.
•اتخذت الأمور منحى عبثياً عندما حاول ناشطون من اليمين إطلاق طائرات ورقية مشتعلة بالقرب من غزة، وهو ما أدى إلى اشتعال حقل في الجانب الإسرائيلي عن طريق الخطأ. 
•لكن تبدو الاستعدادات العسكرية مدروسة أكثر ومنظمة أكثر، كلما انضافت محاولة أُخرى لمواجهة مع أسلوب عمل فلسطيني جديد: تظاهرات شعبية مدنية ظاهرياً، يقترب تحت غطائها عشرات الشبان وأعضاء من الذراع العسكرية لحركة "حماس" إلى السياج في محاولة للمسّ به واجتيازه. إن إلقاء نظرة من موقع القناصة الموجود جنوبي حاجز كرني يُظهر المهمة المعقدة. بين السياج الشائك الذي وضعه الجيش غربي الجدار، داخل أراضي غزة، وبين السياج نفسه، تفصل بضعة عشرات من الأمتار فقط. واقتحام الجماهير منطقة الفصل يمكن أن يحدث خلال دقائق، وقد استُخدمت في نهاية الأسبوع الماضية عبوات مرتجلة وقنابل يدوية.
•وضع الجيش في كل نقطة احتكاك قادة ألوية وكتائب يعطون موافقتهم الشخصية على إطلاق نار القناصة. أحياناً عندما يكون المقصود قناصة دائمين وأفراد وحدات من الشرطة، يقرر القناصة بأنفسهم عدم إطلاق النار لأنهم ليسوا متأكدين من أنهم سيصيبون فقط قدم المتظاهر، بحسب التوجيهات. وبحسب الناطقين بلسان الجيش لا تُستخدم على طول السياج ذخيرة جديدة أكثر فتكاً. والجزء الأساسي من حوادث القتل كان سببه انحراف الرصاصة نحو الأعلى أو شظايا من الأرض.
•بدءاً من اليوم (الأحد) سينتشر على طول القطاع نحو 11 كتيبة، أكثر بثلاث مرات من الحجم العادي للقوات، استعداداً للتظاهرات المتوقعة. ويتوقع الجيش مشاركة 100 ألف متظاهر، كما يتوقع محاولات عنف من جانب الجمهور أكثر من الماضي، واختراق السياج. هذه المرة لن يكون الحدث من صنع "حماس" فقط. فافتتاح السفارة الأميركية في القدس غداً وذكرى يوم النكبة يوم الثلاثاء سيعطيان الاحتجاج طابعاً فلسطينياً عاماً يمكن أن يجذب إليه مؤيدي فصائل أُخرى. وكان سلاح الجو قد فجّر مساء نفقاً حفرته "حماس" بالقرب من معبر إيرز على الحدود الشمالية للقطاع، وهذا هو النفق السادس الذي يدمره الجيش في قطاع غزة خلال النصف سنة الأخيرة.
•ستجري تظاهرات أيضاً في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية، مع أنه لا تظهر حتى الآن حماسة جماهيرية، ففي الضفة الغربية ساد هدوء شبه كامل طوال الأسابيع التي شهدت تظاهرات في القطاع. لكن ضرورة إظهار سيطرة "فتح" على الشارع يمكن أن تدفع أنصار الحركة إلى الخروج في الأيام المقبلة. وقد سجلت نهاية الأسبوع محاولتي دهس في الضفة، وأُصيب جندي إسرائيلي بجروح طفيفة. وسوف يصار إلى زيادة القوات الإسرائيلية بلواء إضافي.

•التطورات ما بعد 15 أيار/مايو مرتبطة قبل كل شيء بعدد الإصابات في غزة خلال تظاهرات اليومين المقبلين. فور انتهاء موجة التظاهرات الحالية يبدأ شهر رمضان، وخلال السنوات التسع الأخيرة انتهى شهر الصوم بعدد مصابين أكبر من العادة. في الشمال، من المتوقع استمرار المعركة مع إيران، لكن بقوة ووتيرة أقل من الوتيرة المكثفة التي شهدها الشهر الأخير. لكن المشكلات الأمنية لإسرائيل لن تختفي مع  أن الجيش نجح حتى الآن في الاختبار المهم بالنسبة إليه، أي القيام بمهماته ومنع نشوب حرب شاملة.

بعيداً عن سياسة "جز العشب": استراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط

بعيداً عن سياسة "جز العشب": استراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط
المرصد السياسي 2961

بعيداً عن سياسة "جز العشب": استراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط

 ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠١٨
"في 18 نيسان/أبريل، خاطب كل من تشاك فرايليك وجيمس جيفري منتدى سياسي في معهد واشنطن. وفرايليك هو زميل أقدم في "برنامج الأمن الدولي" في "مركز بيلفر" ونائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي سابقاً. وجيفري هو زميل "فيليب سولوندز" المتميز في المعهد ونائب سابق لمستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش. ةفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم".
تشاك فرايليك
يبرز التغيير الأكثر جذريةً في الظروف الاستراتيجية لإسرائيل في أنها لم تعد تواجه التهديد الوجودي الذي واجهته في العقود الماضية. وقد قال دافيد بن غوريون ذات مرة إنه حين يبلغ عدد السكان اليهود في إسرائيل 5 ملايين نسمة، يكون وجود هذا البلد مضموناً. واليوم، يبلغ عددهم 6.5 مليون نسمة. والسؤال لم يعد ما إذا كانت إسرائيل ستصمد، ولكن، أي إسرائيل ستصمد؟
هناك ما يدعو إلى التفاؤل. أولاً، ترغب الدول العربية في بناء علاقات مع إسرائيل، فقد دخل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التاريخ من خلال اعترافه بحق الدولة في الوجود. إضافة إلى ذلك، لا توجد قوة عظمى معادية لإسرائيل. ولا تزال البلاد معزولة دبلوماسياً إلى حد ما، لكن علاقاتها الخارجية لم تكن أقوى من أي وقت مضى. وانخفض التهديد المحتمل من أسلحة الدمار الشامل مع تأجيل العمل ببرنامج إيران النووي - على الأقل في الوقت الحالي.
ومع ذلك، تواجه إسرائيل تهديدات استراتيجية خطيرة. إذ يحيطها من كل جانب دول فاشلة، أو دول تمر بأزمات، أو دول معرضة للخطر. كما أنها تواجه عدداً من الخصوم بقيادة إيران، التي تُعتبر الخصم الأكثر تقدماً الذي واجهته على الإطلاق. وتشكل الجبهة الداخلية أضعف نقطة تواجهها إسرائيل، وهذا هو بالضبط ما قررت إيران ووكلاؤها استهدافه من خلال خوض حرب استنزاف.
كيف يجب أن تتعامل إسرائيل مع هذا الخصم؟ ستشكّل سوريا التي يسيطر عليها الإيرانيون أسوأ النتائج المحتملة بالنسبة إلى إسرائيل، حيث يمكن أن تنشب الحرب مع الجمهورية الإسلامية على الجبهة الشمالية في أي وقت - وهو احتمال مقلق بالنظر إلى أن طهران قد تكون الخصم الأول الذي لا تستطيع إسرائيل هزيمته على الفور.
وفي السياق نفسه، تطرح الخصائص الديموغرافية مشكلةً رئيسية أخرى. ففي الضفة الغربية وإسرائيل مجتمعتين، يشكل المسلمون 40 في المائة من السكان. وعلى الرغم من أن الحركة الصهيونية لم تحدد مطلقاً النسبة المئوية المطلوبة لبناء دولة يهودية، إلا أنه لا يمكن اعتبار الـ 60 في المائة نسبة مرتفعة بما يكفي لاستحقاق هذه التسمية. فإسرائيل اليوم تُحافظ بشكل أساسي على احتلال عسكري.
ويشكّل نزع الشرعية عن إسرائيل في الخارج مشكلةً رئيسية أخرى. ففي الغرب، لم يعد الكثير من الشباب يؤمنون بالمبررات التي سمعوها لوجود إسرائيل، ناهيك عن الفكرة بأن الدولة هي نموذجاً للنجاح. كما أدّت التغيرات في التركيبة السكانية الأمريكية إلى تحوّل العلاقة الثنائية نحو الأسوأ.
وفي هذا الإطار، تحتاج إسرائيل أيضاً إلى الاعتراف بأنه في حين لا يزال الجيش أساس أمنها، فإن فائدة القوة قد تضاءلت. فليس هناك حل عسكري للقضية الفلسطينية. ولن تؤدي أي ضربة عسكرية على برنامج إيران النووي سوى إلى تأخير تقدمه لبضع سنوات (على الرغم من أن إسرائيل ستتخذ هذه الخطوة لو اقتضى الأمر). وفي الحقيقة، لم تحل البلاد مشاكلها قط بواسطة القوة العسكرية، بل إنها ببساطة أحسنت إدارتها. فبعد أن تعبت الأردن ومصر من الصراع، أقامت علاقات سلام مع إسرائيل. كما أجرت سوريا ذات مرة محادثات سلام متقدمة مع عدوها في الجولان. ومن الناحية النظرية، قد يتعب الفلسطينيون يوماً ما من الصراع، لكن هذا يبدو مستبعداً.
وفي ضوء هذه التحديات، تبرز عدّة توصيات لسياسة الأمن الإسرائيلية. أولاً، يتعين على الدولة إمّا التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين أو الانفصال بصفة انفرادية. ومن غير المحتمل التوصل إلى اتفاق في أي وقت قريب. وفي العالم العربي، غالباً ما يتم صياغة الصراع كمعركة يتم خوضها من أجل الحقوق. لذلك، ليس هناك مجال كبير للتوصل إلى تسوية. لذا، يتعين على إسرائيل أن توضح أنها تسعى بنشاط إلى تحقيق السلام، وأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، يقع اللوم على التعنُّت الفلسطيني. وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في السنوات القليلة المقبلة، يتعين على إسرائيل أن تسعى إلى انفصال أحادي الجانب.
ثانياً، يتعين على إسرائيل تغيير نظامها الانتخابي، الذي هو مصدر العديد من مشاكلها الإستراتيجية. فقد كانت المؤسسات الانتخابية القائمة تخدم البلاد بشكل جيد، لكنها اليوم تثير إشكالية عميقة.
ثالثاً، على إسرائيل أن تجعل علاقتها مع الولايات المتحدة محورية في ما يتعلق بسياستها في مجال الأمن القومي. وعلى الرغم من أن التحالف يحدّ أحياناً من حرية المناورة الإسرائيلية، إلّا أنّه من غير الواضح ما إذا كانت البلاد ستصمد بدون دعم أمريكي - على أقل تقدير، ستكون أكثر فقراً وضعفاً. ومن الناحية العملية، يدل منح الأولويات لهذه العلاقة على التوافق مع المصالح الأمريكية كلما كان ذلك ممكناً. فيمكن لاتفاق أمني مع واشنطن أن يحفّز الجمهور الإسرائيلي على تقديم تنازلات مهمة من أجل إبرام اتفاق سلام مع الفلسطينيين. وعلاوةً على ذلك، إذا اكتسبت إيران القدرة النووية، فسيؤدي التحالف الأمريكي-الإسرائيلي دوراً مهماً في إدارة شرق أوسطٍ ينتشر فيه السلاح النووي.
وفي الماضي، كان النظام الأمني الإقليمي الذي ضم الدول العربية والولايات المتحدة وإسرائيل غير وارد، بل كانت إسرائيل بحاجة إلى الولايات المتحدة لكي تمنحها ميزةً عسكرية نوعية على الدول العربية المجاورة. ولكن في الآونة الأخيرة، أصبح من الممكن تصور مثل هذا النظام، حتى لو لم يتطرق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى ذلك بشكل صريح.
وأخيراً، يتعين على الإسرائيليين أن يتبنوا تفكيراً مختلفاً بشكل أساسي فيما يتعلق بأمنهم. إذ ما زال الكثيرون منهم ينظرون إلى وطنهم على أنه دولة ضعيفة ومحصورة لا يزال بقاؤها على المحك. والحقيقة هي أن إسرائيل ليست ضعيفةً أو في خطر وجودي وشيك، لذلك يمكنها أن تتصرف بضبط أكبر للنفس إذا اختارت ذلك، مع تركيز أكبر على الدفاع والدبلوماسية. ومع ذلك، ستأتي ظروف تحتاج فيها إلى اتباع استراتيجية الهجوم، وقد يكون ذلك في المستقبل القريب جداً على الجبهة الشمالية.
جيمس جيفري
تصف "استراتيجية الأمن القومي" للرئيس ترامب و"استراتيجية البنتاجون للدفاع الوطني لعام 2018" النهج الذي تتبعه الإدارة الأمريكية بشأن قضيتين أساسيتين هما: نظام الأمن الدولي الذي ورثته بزعامة الولايات المتحدة و"التحديات الأربعة ونصف التحدي" التي تواجهها أمريكا من قبل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية والتطرف الإسلامي العنيف. وحالياً، هناك ثمانية بلدان لديها القدرة على استكمال هذا النظام الذي تقوده الولايات المتحدة كمنتجين في الشؤون الأمنية، وهي" بريطانيا وفرنسا وألمانيا والهند وإسرائيل واليابان والمملكة العربية السعودية وتركيا. وقد واجهت هذه الدول تاريخياً تحديات أمنية خطيرة على حدودها. وفي المقابل، تهدف روسيا والصين إلى تفكيك هذا النظام العالمي والدخول في بيئة أمنية شبيهة بالقرن التاسع عشر.
وفي حين يمكن تحدي النظام، غير أن الولايات المتحدة نفسها نادراً ما تواجه تحديات مباشرة. وفي هذا الصدد، يتمحور دور واشنطن في دعم النظام الأمني، مع أنه من الصعب إقناع الشعب الأمريكي والحكومات الحليفة بذلك. لذا، يكمن الحل في إعادة التأكيد على الطريقة التي خدم بها هذا النظام الذي تقوده الولايات المتحدة أفضل المصالح الدولية - وبالتحديد من خلال تسهيل تحقيق السلام والازدهار الاستثنائي منذ عام 1945، في مجال التجارة، والتدفق الحر للناس والأفكار، والأمن الجماعي.
والسؤال هو، كيف تندرج إسرائيل في هذه الاستراتيجية؟ من الناحية التاريخية، لطالما شدّدت البلاد على علاقتها الأمنية الثنائية الفريدة مع الولايات المتحدة. ولفترة طويلة، كانت المستهلك الأمني والدبلوماسي، على الرغم من أنها كانت قادرة على الدفاع عن نفسها. ولم تعتبر نفسها جهةً فاعلة رئيسية في أي نظام أمني عالمي، ويرجع ذلك إلى حد ما إلى عدم انتمائها لحلف "الناتو"، وأيضاً بسبب علاقتها المعقدة مع الأمم المتحدة. ومن جانبها، دعمت الولايات المتحدة إسرائيل ليس لإنقاذ البلاد فحسب، بل للحفاظ على منطق نظام الأمن العالمي أيضاً.
وقد تغيّر موقف إسرائيل في هذا النظام بشكل كبير. وأصبحت البلاد الآن مزوِّداً رئيسياً للأمن في المنطقة. وتشارك عسكرياً في ثلاثة من البلدان المجاورة - اثنتين بإذن منهما، بينما تعمل في الثالثة (سوريا) ضد مصالح نظامٍ عدوّ. كما أنّها في مواجهة عسكرية يسودها التوتر مع لبنان. وعلى نطاق أوسع، تلعب قدرات الردع العسكرية والنووية الخاصة بها دوراً رئيسياً في إبطاء أنشطة انتشار الأسلحة في المنطقة.
وعلى الرغم من تراجع أهمية الولايات المتحدة بالنسبة إلى أمن إسرائيل، إلّا أنّ النظام الأمني الذي تقوده أمريكا يشكل أهمية مركزية لإسرائيل. والمشكلة الرئيسية التي تواجه إسرائيل هي إيران. وفي حين كانت سوريا دولةً مستقلة متحالفة مع الجمهورية الإسلامية، إلّا أنّها تعتمد الآن بالكامل على طهران ولم تعد قادرة على التصرّف بشكل مستقل. وتواجه إسرائيل تهديداً أساسياً من هذا التحالف الشمالي، وقد أظهر نظام الأمن الأمريكي عجزه عن العمل بفعالية ضده.
وردّاً على ذلك، يجب أن تقوم واشنطن ببناء نظام أمن إقليمي تشارك فيه إسرائيل وتؤدي فيه الولايات المتحدة دوراً قيادياً. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تعلن الإدارة الأمريكية أنّها ستتعامل مع أيّ هجوم على إسرائيل على أنّه هجوم مباشر على الولايات المتحدة. وفي غضون ذلك، يمكن لإسرائيل التنسيق مع دول أخرى ضد التوسّع الإيراني - ليس مع الولايات المتحدة فحسب، بل مع قوى إقليمية أخرى أيضاً. وبما أنّ صانعي السياسة الأمريكيين غير متأكّدين تماماً مما يجب القيام به في سوريا وفي الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً، فعلى إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين التنسيق في ما بينهم على الأرجح لجذب واشنطن إلى نظام أمن إقليمي.

أعد هذا الملخص صامويل نورثروب.

الاستعداد لمواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا

الاستعداد لمواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا
صفحات رأي ومقالات

الاستعداد لمواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا

 "أمريكان انترست"
30 نيسان/أبريل 2018
تسير إسرائيل وإيران نحو تصادم في المستقبل القريب. وبالفعل، يبدو أن صداماً مسلحاً قد يتوسّع إلى ما هو أبعد من الأراضي السورية أمراً محتّماً تقريباً. وعلى وجه الخصوص ، إن «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني مصمم على تحويل سوريا إلى منصة حرب مستقبلية ضد إسرائيل، التي أقسم قادتها على منع ما يصفونه غالباً بتضييق الخناق على إسرائيل.   
وبالفعل، شهدت السنوات الخمس الماضية سلسلةً من الصدامات المباشرة بين القوتين. وشملت هذه أكثر من 120 غارة نفّذها "سلاح الجو الإسرائيلي" على شحنات أسلحة متجهة إلى «حزب الله»، وجهود إيرانية للتحريض على حوادث عبر الحدود على طول مرتفعات الجولان، بالإضافةً إلى استهداف إسرائيل لمرافق تصنيع الأسلحة التي أنشأتها إيران. وفي أوائل عام 2018، تصاعدت وتيرة هذه الصدامات لتشمل ضربات جوية إسرائيلية على منشآت إيرانية لتصنيع طائرات بدون طيار في عمق الصحراء السورية في قاعدة "التياس" الجوية (T-4)، ومحاولة إيرانية أولى لشن هجوم باستخدام طائرة مسلّحة بدون طيار على إسرائيل.    
وكانت إيران قد تعهدت علناً بانتقام قاسٍ رداً على الضربة الإسرائيلية في كانون الثاني/يناير التي أسفرت عن مقتل ثمانية ضباط إيرانيين، من بينهم قائد وحدة الطائرات بدون طيار العقيد مهدي دهقان. وفي غضون ذلك، هدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على نحو غامض بأن أي مواجهة في سوريا قد تدفع إسرائيل إلى استهداف الأراضي الإيرانية. كما قدّم إنذاراً نهائياً من نوع ما إلى بشار الأسد، أشار فيه إلى أن إذعان الرئيس السوري المستمر لإقامة قواعد عسكرية إيرانية في جميع أنحاء بلاده سترغم إسرائيل على وضع حد لسياستها المتمثلة بعدم التدخل في الحرب السورية. ومثل هذا التغيير من شأنه أن يسفر عن توجيه ضربات عسكرية مباشرة ضد النظام، الذي كان الحفاظ عليه هدف طهران الرئيسي في المنطقة. وبالطبع، سيحمل مثل هذا التغيير في سياسة إسرائيل خطر التسبب بتدخل روسي لمنع تنحية الأسد من منصبه. وفي سياق مرتبط، سبق أن ألمحت موسكو إلى أنها قد تزوّد سوريا بنظام الدفاع الجوي المتقدم "أس-300" - المجهّز على الأرجح بأفراد عسكريين روس - الأمر الذي من شأنه أن يعقّد غارات "سلاح الجو الإسرائيلي" على البلاد. وفي الأسابيع الأخيرة، لم تُبدِ إسرائيل أو إيران أي نية لإعادة تقييم موقفهما، كما أن خطابهما القتالي أصبح حدثاً يومياً تقريباً.           
وفي هذا الصدد، ولا يزال يتعيّن على القوى الخارجية بذل جهود حثيثة لوقف التصعيد. فالولايات المتحدة تدعم العمليات الاستباقية الإسرائيلية ضد القوات الإيرانية في سوريا، في حين اقتصرت روسيا على تقديم المشورة لكلا الطرفين للامتناع عن توسيع نطاق الصدامات. وعلى الرغم من أن الرئيس فلاديمير بوتين على اتصال وثيق مع كل من نتنياهو والرئيس حسن روحاني، إلّا أنّه لم يعرض أبداً الوساطة بين الجانبين. فضلاً عن ذلك، لم يصدر أي توجيهات إلى طيّاريه، المتمركزين بشكل رئيسي قرب اللاذقية، للتدخل في الضربات الإسرائيلية أو وقف إيران من توسيع بنيتها التحتية العسكرية في سوريا. ويعتقد بوتين على ما يبدو أنه ما زال بإمكانه استغلال المنافسة الإسرائيلية - الإيرانية لمصلحته الخاصة.    
ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في آذار/مارس 2011، كانت إسرائيل وإيران على طرفي نقيض من الصراع. وعلى الرغم من الشكوك العميقة التي تعتري إسرائيل حول عدد كبير من جماعات المتمردين السنّة التي تقوم بالانتفاضة ضد الأسد، إلّا أنّها تتوق لرؤية سقوط الأسد. ومن هذا المنطلق، فمن شأن الإطاحة بنظام الأسد أن تحرّم إيران مما أسماه المرشد الأعلى علي خامنئي "الحلقة الذهبية في سلسلة المقاومة" ضد إسرائيل. فخسارة إيران لسوريا - عقب استثمار ما لا يقل عن 20 مليار دولار لدعم النظام - قد تقلّص قوة وكيلها القوي «حزب الله» وتجعله جهة فاعلة معزولة في لبنان ومفصولة عن مصادر دعمها وعتادها القائمة في سوريا. وبالتالي، ستُمنع إيران من تنفيذ خطتها في المنطقة، الرامية إلى إحاطة إسرائيل بحلفاء إيران، وبناء ممرات برية تمتد من حدودها على طول الطريق إلى الغرب حتى البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، اختارت القيادة الإسرائيلية - مع دعم مستمر من جنرالات "جيش الدفاع الإسرائيلي" - عدم اتخاذ أي خطوات من أجل تسريع انهيار نظام الأسد، مستندةً غالباً وبشكل ضمني على حجة " الشيطان الذي نعرفه".    
ومع ذلك، وضع نتنياهو مجموعةً من الخطوط الحمراء، هي: نقل أسلحة جديدة و"مغيرة للّعبة" عبر سوريا إلى «حزب الله»، وبالتحديد صواريخ دقيقة التوجيه؛ وأي محاولة لفتح جبهة جديدة للعمليات الإرهابية على طول الخط الفاصل في الجولان، حيث تعتزم إسرائيل الحفاظ على الهدوء. لكن إسرائيل لم تتخذ أي خطوات للحدّ من قوة الأسد أو تهديد أصول النظام بعيداً عن انتشار إيران و «حزب الله» في سوريا خارج هذه الخطوط الحمراء. وقد رفض كل من مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي وهيئة الأركان العامة لـ "جيش الدفاع الإسرائيلي" مراراً الاقتراحات بتجهيز بعض فصائل المتمردين غير الجهاديين بالأسلحة التي هم بأمسّ الحاجة إليها لمحاربة فلول الجيش السوري والميليشيات المدعومة من إيران، والتي يبلغ قوامها حوالي 40 ألف عنصر. ويأتي ذلك على الرغم من نداءات قادة المتمردين بالحصول على صواريخ مضادة للدبابات ومضادة للطائرات ومدافع الهاون الثقيلة والمدفعية الخفيفة. بيد، كان لدى عدد قليل من مسؤولي الأمن الإسرائيليين شعور في وقت مبكر بأنه من خلال تقديم مساعدة عسكرية متواضعة إلى جماعات من المتمردين، يتم التدقيق من خلفية أفرادها، في محافظتي القنيطرة ودرعا، سيكون بإمكانهم مساعدة هؤلاء المقاتلين على التغلب على الوحدات المستنزفة التابعة لـ"الفيلق الأول" في الجيش السوري المتمركز على مقربة من الحدود السورية مع إسرائيل والأردن ودمشق شمالاً. وكانت وحدات الجيش السوري الخمس المنتشرة تقليدياً في هذه المنطقة قد تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح وواجهت انشقاقات وإخفاق في التجنيد. وبالنسبة للمسؤولين الإسرائيليين الذين فضلوا تسليح المتمردين، تمثلت الفكرة في تشجيعهم على الاستيلاء على هذه الرقعة وتمسكهم بهذا الخط على طول الطرق الجنوبية المؤدية نحو العاصمة السورية، وهي مناطق تضمّ معاقل الأسد في الكسوة وقطنا وكناكر. ومن شأن وجود خط تمرد قوي في هذه المنطقة أن يخفف الضغط عن ألوية المتمردين النشطة في قطاعات أخرى محيطة بدمشق وإرغام الأسد على تقسيم قواته الضعيفة للغاية. وأشار البعض إلى أن استيلاء المتمردين على جنوب سوريا سيسفر عن إقامة منطقة عازلة واسعة بين إسرائيل والقوات المدعومة من إيران. لكن مثل هذه الخطة لم تتبلور قط بسبب رفض نتنياهو الانغماس في المستنقع السوري وتعريض الإسرائيليين إلى نيران انتقامية من عبر الحدود.
ومن خلال استعادة الأحداث الماضية والتأمل فيها، يمكن أن يُعزى هذا التردد من قبل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى حرب لبنان الأولى عام 1982 حين فشلت إسرائيل في تسهيل تغيير النظام في بيروت ثم اضطرت لاحقاً إلى التنازل عن الحزام الأمني القائم على طول الحدود والتخلي عن "جيش لبنان الجنوبي" - الميليشيا المحلية التي كانت عاملة هناك. وانطلاقاً من تلك التجربة، استوعب معظم المسؤولين الإسرائيليين الدرس الذي مفاده بأنه لا بدّ من تجنب المغامرات خارج حدود إسرائيل، فضلاً عن التشكك في فعالية الاستثمار في ميليشيات أجنبية وكيلة.    
وأياً كانت [أسباب] معارضة الضباط الإسرائيليين لتمويل المتمردين السوريين بشكل فعلي، فقد حافظوا على حوار مستمر مع عدد من هذه الجماعات. وغالباً ما تمثلت تقييماتهم بأن هذه الجماعات متشرذمة للغاية، وتميل نحو الإيديولوجيا الجهادية بدرجات متفاوتة. وكانت المحصلة النهائية بالنسبة لإسرائيل بأنه حتى في الحالات التي انضمت فيها جماعات المتمردين من مختلف المدن إلى تحالفات على غرار "الجبهة الجنوبية"، لم تضمن نجاح الاستثمار.  
ومع ذلك، وفي محاولتها الحفاظ على الهدوء في جبهة الجولان وتجنّب تدفق اللاجئين، قامت إسرائيل منذ عام 2013 بشكل تدريجي بتطوير برنامج مساعدات إنسانية للقرى القريبة من الحدود التي تخضع لسيطرة المتمردين. وقد تم توسيع البرنامج ببطء بحيث أصبح يطال الآن ما يقرب  300 ألف شخص من سكان القنيطرة، وبدرجة أقل، محافظة درعا. وينطوي هذا البرنامج - الذي يُعد أكثر كافة الجهود الإنسانية المماثلة في سوريا نجاحاً - على تقديم العلاج الطبي للآلاف في المستشفيات داخل إسرائيل إضافةً إلى عمليات تسليم كبيرة عبر الحدود لمواد غذائية ووقود وملابس وغيرها من الإمدادات. وفي حزيران/يونيو 2016، تمّ دمج هذا البرنامج تحت رعاية وحدة خاصة باسم عملية "حسن الجوار" التي بدورها تشكّل جزءاً من "الفرقة الإقليمية 420" المسؤولة عن الحدود. ويتم دخول السوريين الذين يسعون للحصول على الرعاية الطبية وكذلك تسليم المساعدات عبر الحدود أثناء الليل ويتولى تنسيقها مسؤولون في الاستخبارات الإسرائيلية مع مجموعة من قادة الثوار وزعماء المجتمعات في الجانب الآخر.    
وقد ساعد هذا الجهد على الحفاظ على الهدوء على الجانب الإسرائيلي من الحدود، حتى خلال فترات القتال العنيف القريب جداً من الخطوط الأمامية. لكن في غياب مساعدة عسكرية كبيرة، أثبت المتمردون عدم قدرتهم على تحقيق النصر في أي معارك هامة ضد الجيش السوري خلال السنوات الأربع الماضية، كما لم تتغير السيطرة على جنوب سوريا خلال الفترة نفسها. فعاصمتا المحافظة - القنيطرة ودرعا - تخضعان لنفوذ الأسد، في حين أن المناطق الريفية منقسمة. أما الأجزاء الغربية المتاخمة للجولان الإسرائيلي، فقد أصبحت منطقة نفوذ إسرائيلية بحكم الأمر الواقع حيث يتجنب الجيش السوري والميليشيات الحليفة له شنّ أي هجمات كبيرة، بينما لا تسيّر القوات الجوية الروسية طائراتها. ويبقى الجيب الصغير الذي يسيطر عليه تنظيم «الدولة الإسلامية» في القطاع الواقع أقصى جنوب حدود الجولان، على طول القسم الغربي من نهر اليرموك، معزولاً إلى حدّ كبير ولا يشكل بعد تهديداً حقيقياً لإسرائيل أو فصائل المتمردين المجاورة.   
كما أن سياسة الحذر التي تنتهجها إسرائيل، إلى حدّ ما، جاءت نتيجة التفاهم في القدس حيث تمسّك الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما برفضه اعتماد أي توصيات من قبل بعض كبار مستشاريه بتكثيف الدعم لجماعات المتمردين واعتماد موقف صارم معادٍ للأسد. فقد شعر الإسرائيليون في ذلك الوقت أنه من دون قيادة أمريكية، يتعذّر تحقيق الهدف المتمثل بالإطاحة بنظام الأسد. كما كان الإسرائيليون على دراية بمساعدة الأردن الفاترة للمتمردين من القبائل في منطقة حوران، التي تربطها علاقات تقليدية بالعائلة الملكية الهاشمية. علاوةً على ذلك، كان التمويل من دول الخليج لمجموعة من ائتلافات المتمردين يميل إلى إعطاء الأولوية إلى أولئك الناشطين في وسط وشمال سوريا، في حين أن التمويل المتواضع المقدّم إلى فصائل المتمردين جنوب دمشق كان منسقاً بشكل سيئ وكثيراً ما كان يقابله إقدام السعودية والإمارات وقطر على دعم فصائل متنافسة.        
ومهما كانت الأسباب الجذرية، تعاني إسرائيل الآن من فشل استراتيجي رئيسي ذو تداعيات بعيدة المدى. فبدلاً من مشاهدة نهاية نظام الأسد، عليها التعامل مع وجود قوة جوية روسية هائلة مجاورة، وتجاوز إيراني مطرد باتجاه حدودها.   
وبحلول منتصف عام 2012، تمكّن الجنرال الإيراني حسين حمداني من إقناع الأسد، الذي كان ينظر في ذلك الحين في الذهاب إلى المنفى، بالبقاء في منصبه ومواصلة القتال. وخلال المرحلة الأولى، ساعدت إيران الأسد في الدفاع عن دمشق وبعض أجزاء أخرى من "سوريا المفيدة" عن طريق تشغيل جسر جوي [سهّل] جلب معدات وذخائر عسكرية، من خلال إدخال وحدات «حزب الله» إلى ساحة المعركة، وعن طريق نشر ميليشيات مجندة - تم تشكيلها على عجل - مؤلفة من موالين محليين ومقاتلين أجانب من العراق وأفغانستان وباكستان. وفي مرحلة ما، تولّى قائد «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» قاسم سليماني قيادة 4 آلاف عنصر من «الحرس الثوري» في المعركة على [استرداد] شرق حلب، لكنه اضطر في النهاية إلى إعادتهم إلى إيران بسبب إصرار خامنئي، الذي أشار إلى عدم تقبله جيداً عدد الضحايا الإيرانيين الذين سقطوا في سوريا. وبعد ذلك، في عام 2015، جاءت الضربة المحكمة: قيام سليماني بالتوقيع على اتفاق مع بوتين، ووصول القوة الجوية الروسية إلى الساحة منذ أيلول/سبتمبر 2015 الأمر الذي مكّن إيران شيئاً فشيئاً من ضمان سيطرة الأسد على أكثر من 60 في المائة من البلاد.   
ولم تنجح إيران في جعل نظام الأسد مستقراً وفي تهدئة جزء كبير من أراضيه فحسب، بل اكتسبت أيضاً درجةً كبيرةً من النفوذ على عملية صنع القرار في دمشق، وأصبحت جهة فاعلة مهيمنة في الحرب، وبدأت ترسّخ وجودها العسكرية في سوريا. وقد حققت هذين الهدفين الأخيرين من خلال الحصول على قواعد ونشر منشآت متقدمة، وإقامة ميليشيات لا تعد ولا تحصى خارج إطار "الجيش العربي السوري" وقواته المساعدة غير النظامية، وإقامة مصانع لإنتاج الصواريخ وأنظمة التوجيه الدقيقة والذخيرة.  
ولا تواجه إسرائيل نظام الأسد المحمي - والحليف الأساسي لإيران و «حزب الله» - فحسب، بل أيضاً بروز قوة عسكرية إيرانية في الجوار. وباختصار، فتح الحذر الإسرائيلي الباب أمام [مواجهة] مغامرات مستقبلية في النهاية. وقد قابل التراخي الإسرائيلي تدابير استباقية إيرانية، وتجد إسرائيل نفسها الآن تحصي خسائرها حتى في ظل انحسار حدّة الحرب السورية. وعلى وجه الخصوص، أصبح رعاة النظام الإيرانيون يعتبرون مرتفعات الجولان، التي حافظ الأسد الأب والابن على هدوئها لعقود من الزمن، جبهةً جديدةً لقوات المقاومة. فضلاً عن ذلك، هناك خمس قواعد جوية سورية على الأقل تأوي بالفعل وحدات إيرانية، إضافةً إلى طائراتها بدون طيار وصواريخها وقدراتها الاستخباراتية. كما يتزايد بشكل مطرد عدد عناصر الميليشيات - الشيعية وغيرها - المتوافرة في خدمة إيران في سوريا، وتحظى كذلك بتدريبات ومعدات أفضل.  
وتنطوي الخطة المستقبلية المتوخاة من قبل سليماني على [إقامة] جسر بري واحد على الأقل، وربما اثنين، عبر الأراضي العراقية، يمكن من خلالهما نقل التعزيزات ومواكب الإمدادات [للعناصر التي تدعمها إيران في سوريا ولبنان]. وسبق أن أعلن عدد كبير من قادة الميليشيات الرئيسية التابعة لـ «وحدات الحشد الشعبي» العراقية عن رغبتهم في الانضمام إلى المعركة ضد إسرائيل في الجولان. بالإضافة إلى ذلك، بمجرد قيام إيران بتحديث جيشها قديم العهد، قد تنظر في نشر طائرات مقاتلة ووحدات بحرية (مثل الغواصات) في سوريا. ويُضاف ذلك بالطبع إلى ترسانة إيران المذهلة من الصواريخ بعيدة المدى القادرة على ضرب إسرائيل، فضلاً عن شبكتها الإرهابية العالمية الهائلة - الهادئة حالياً - والتي يمكن تفعيلها في وقت قصير للغاية.    
إن إيران ليست في عجلة من أمرها لخوض أي مواجهة. ويبدو أن سليماني ورئيسه خامنئي وضباطه قد تخلوا في الوقت الحالي عن خططهم السابقة لنشر «حزب الله» وميليشيات أخرى على مقربة من حدود الجولان. وكانت الأمور التي أدت إلى إعادة هذا التقييم هي سلسلة من الضربات الجوية الإسرائيلية الدقيقة ضدّ الجماعات التي ترعاها إيران والتي أعدّت الأسس لتنفيذ هجمات إرهابية انطلاقاً من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوري بالقرب من القنيطرة، والتي شملت زرع عبوات ناسفة وإطلاق صواريخ كاتيوشا. وفي عام 2015، قُتل القادة العسكريون المكلفون بهذه المهمة، بمن فيهم اللبنانيان سمير القنطار وجهاد مغنية، بالإضافةً إلى الجنرال المسؤول في «الحرس الثوري الإسلامي» محمد علي الأهدادي، على يد "جيش الدفاع الإسرائيلي". وفي وقت لاحق من العام نفسه، قتل "الجيش الإسرائيلي" ثلاثة عملاء كانوا في طريقهم نحو السياج الحدودي، مما دفع إيران إلى تعليق القيام بمثل هذه المحاولات. ولا تزال إيران ووكلاؤها يحتفظون بحوالي ستة مواقع بين منحدرات جبل حرمون والطريق السريع دمشق - درعا، لكنهم امتنعوا عن استفزاز إسرائيل بشكل أكبر.            
ومنذ آب/أغسطس 2015، ركّزت إيران عوضاً عن ذلك على حملتها الطويلة الأمد من أجل تعزيز قدراتها الهجومية داخل الأراضي السورية. ومن مقرها في مطار دمشق، المعروف بـ"البيت الزجاجي"، تسيطر القوات الإيرانية، التي يقودها حالياً قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين كنعاني على معسكر الكسوة جنوب العاصمة، من بين مواقع أخرى، حيث يتمّ الإشراف على العمليات الأكثر قرباً إلى الحدود الإسرائيلية. ومن هذا المقر، يأمل الإيرانيون، عندما تسنح الفرصة، توجيه ضربة على المتمردين في درعا، بهدف الاستيلاء على المحافظة بأكملها ومحاصرة فصائل المتمردين في محافظة القنيطرة في جيب متاخم للحدود الإسرائيلية.     
ومع ذلك، فإن القيام بهجوم بتوجيه إيراني نحو الجنوب سوف يتطلب موافقةً روسيةً نظراً لإعلان موسكو عام 2017 - التي انضمت إليها كل من واشنطن وعمّان - عن نطاق للحد من التصعيد في هذه المنطقة. ومن شأن أي هجوم أن يشكّل انتهاكاً لهذا الاتفاق، وربما يتطلب أيضاً دعماً جوياً روسياً من أجل اقتلاع المتمردين من معاقلهم. ولم يتردد بوتين في الماضي في الاستهزاء بترتيبات تجنب النزاع هذه، لكنه لم يوافق حتى الآن سوى على شن ضربات متقطعة نفذتها الطائرات الروسية حول درعا، حيث كان كلا الجانبين يستعدان منذ أشهر لمواجهة حتمية.
وستواجه إسرائيل معضلةً صعبةً بمجرد بدء الهجوم الذي تقوده إيران على درعا. ومن شأن إرسال القوات الجوية واستخدام صواريخ أرضية لوقف التقدم أن يجبرا الأسد ورعاته الإيرانيين على الانتقام، مما يزيد من خطر حدوث تصعيد عام. ومن ناحية أخرى، فإن التمسّك بالسياسة الإسرائيلية الحالية القائمة على عدم التدخل في سوريا من شأنه أن يمكّن الإيرانيين من تعزيز هيمنتهم على قمم التلال على طول الحدود، التي يُمْكن أن يهدّدوا منها [هضبة] الجولان الإسرائيلية بصواريخ قصيرة المدى وقذائف الهاون. فضلاً عن ذلك، من شأن الاستيلاء على محافظة درعا أن يضع القوات الوكيلة لإيران على الحدود مع الأردن. ومن جهتهم، يعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن سليماني قد يخطط لتخريب النظام الهاشمي في عمّان، على أمل أن ينضم الأردن في النهاية بطريقة أو بأخرى إلى محور المقاومة. ومن المهم أن نتذكر أنه طوال عقود من الزمن، اعتبرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن التدخل الأجنبي في الدولة المجاورة لها إلى الشرق يشكل مبرراً للحرب. ولا شك في أن مشاركة القوات الجوية الروسية في مثل هذا الهجوم على درعا من شأنه أن يزيد من تعقيد حسابات إسرائيل. وقد نجح حتى الآن الخط الساخن بين "سلاح الجو الإسرائيلي" وقاعدة حميميم الجوية التي يديرها الروس في سوريا، في منع أي صدام بين الطيارين الروس والإسرائيليين، كما أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية المتقدمة في سوريا لم توجه راداراتها على الطائرات الإسرائيلية، حتى حين هاجمت هذه الأخيرة مستودعات إيرانية بالقرب من الوحدات العسكرية الروسية. وبالطبع، ستتوخى إسرائيل أقصى درجات الحذر إذا ما واجهت خطر خوض معركة مع الروس. وقد ثبت حتى الآن، أن بوتين غير راغب في التورط في مناوشات مع إسرائيل بشأن سوريا، رغم أنه عبّر في بعض الأحيان عن انزعاجه من الهجمات الجوية الإسرائيلية. 
وفي ضوء التوتر المتزايد حالياً بين إسرائيل وإيران، ما هي التدابير التي يمكن اتخاذها لمنع المواجهة أو على الأقل الحدّ من نطاقها؟
لقد فشلت الاتصالات بين إسرائيل وإيران عبر مجموعة متنوعة من "قنوات المسار الثاني"، التي تم تنظيمها سراً خلال السنوات الماضية، في تحقيق أي احتمال [للتوصل] إلى تفاهمات ضمنية على المدى القريب. كما أن الرسائل المتبادلة عن طريق دبلوماسيين أوروبيين قد أدت مرة أخرى إلى طريق مسدود. فالممثلون الإيرانيون يرفضون ببساطة النظر في فرض أي قيود على أنشطتهم في سوريا أو التخفيف من حدة دعواتهم إلى تدمير "النظام الصهيوني". 
والأمر سيان بالنسبة للمحاولات القليلة العقيمة التي قامت بها بعض الدول العربية والأوروبية من أجل إقامة قناة تواصل بين إسرائيل ونظام الأسد. وقد تميل سوريا في مرحلة ما في المستقبل إلى الحد من الهيمنة الإيرانية على أراضيها، لكن في الوقت الراهن لا تشعر الحكومة في دمشق بأنها تتمتع بالحرية لوقف بناء البنية التحتية العسكرية الإيرانية. كما أن تحذير نتنياهو بأن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرةً إلى اتخاذ خطوة مباشرة ضد الأسد، لم يكن له الأثر المنشود على سلوك الرئيس السوري. 
وقد يكون الحوار مع بوتين خياراً واعداً على نحو أكبر، فقد أخبر الرئيس الروسي محاورين غربيين بصورة غير علنية بأنه لا يرغب في أن تصبح سوريا "مستعمرةً فارسية" وأنه ليس لديه نية في مراقبة اندلاع حرب بين إيران وإسرائيل. ومع ذلك، يستمر الكرملين بمطالبة الميليشيات التي ترعاها إيران بمواصلة تدمير ما تبقى من معاقل المتمردين، لا سيما في محافظة إدلب وبعض الجيوب الأصغر حجماً. وبالتالي، قد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يكون بوتين على استعداد لفرض سيطرته على حلفائه الإيرانيين.   
أما السبيل الأكثر منطقية لمواجهة توسّع إيران في سوريا فيتمثل في إنجاز مجموعة شاملة من التفاهمات بين موسكو وواشنطن حول كيفية رسم معالم مستقبل سوريا. ولكن للأسف، في ظل الظروف القائمة، لا يبدو أن مثل هذا الاتفاق ممكناً في المستقبل المنظور. لذلك، يمكن إعطاء مزيد من التفصيل لاتفاق الحد من التصعيد الذي توصل إليها الطرفان عام 2017 فيما يتعلق بجنوب سوريا ليضمن وقفاً منتظماً لإطلاق النار في المناطق الواقعة بين دمشق والحدود مع إسرائيل والأردن. وفي المقابل، من شأن اتفاق محسّن للحد من التصعيد أن يمنع هجوماً ضدّ المتمردين في محافظتي درعا ومن ثم القنيطرة. ومن المحتمل أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى السماح للمتمردين بتعزيز قدراتهم الدفاعية. وبما أن الولايات المتحدة وروسيا تفضلان تجنّب قيام مواجهة بين إسرائيل وإيران وما يرافق ذلك من مخاطر، فإن التفاهمات المفصّلة بشأن الجنوب قد تحتوي على بند حظر الدخول إلى منطقة تواجد القوات غير السورية، مثل «حزب الله»، مما يقلل من خطر حدوث ثوران على طول الحدود. كما أن الحدّ من استحواذ «الحرس الثوري» الإيراني على شبكة من القواعد في سوريا يتطلب إحباط محاولات الأسد ومرشديه من الاستيلاء على مناطق شرق نهر الفرات - أي ما يقرب من ربع الأراضي السورية - الخاضعة حالياً لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة من خلال وجود 2000 جندي أمريكي. وكانت السيطرة على هذه المنطقة قد منعت إيران من تفعيل الممرين البريين المخطط لهما باتجاه سوريا. وكان أحد الممرات ليمر عبر محافظة الأنبار غربي العراق والآخر عبر الطرق بين كركوك وسنجار. ويطمح «الحرس الثوري» الإيراني إلى اكتساب القدرة على إرسال المزيد من العناصر الميليشياوية والإمدادات إلى سوريا عبر أراضي صديقة على طول هذه الطرق من أجل تسريع وتيرة التعزيزات العسكرية داخل البلاد. فقد علّمتهم التجربة أن الاعتماد على النقل الجوي مُعرض إلى حد ما للضربات الجوية الإسرائيلية.           
ومن أجل الحفاظ على المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات خارج نطاق القوات التي ترعاها إيران، يجب على الولايات المتحدة مواصلة الاضطلاع بدورها هناك لكي تبقى «قوات سوريا الديمقراطية»، المؤلفة بشكل رئيسي من محاربي «وحدات حماية الشعب» الكردية، واثقةً من وجود غطاء جوي ومساعدة وتدريب أمريكي متواصل. إلّا أن مثل هذا الترتيب لا يمنع بالضرورة حدوث انخفاض في عدد القوات الأمريكية على الأرض.  
يجب على العناصر الأخرى للاستراتيجية التي ترمي إلى عرقلة مساعي إيران لتحويل سوريا إلى منصة عسكرية لغرض شنّ حملة مستقبلية ضدّ إسرائيل، أن تتضمن تقوية المجتمع الدرزي - الذي تجمعه روابط تقليدية مع الأردن وإسرائيل - من أجل مقاومة أي محاولة إيرانية لاختراق محافظة السويداء الواقعة في الشمال الشرقي لمحافظة درعا. إن الوضع المعقد للدروز خلال الحرب الأهلية يتخطى نطاق هذا المقال، لكن علاقات الدروز المتأرجحة مع نظام الأسد لا تشير بأي حال إلى ميل نحو الترحيب بـ «الحرس الثوري الإسلامي» أو أي وجود شيعي آخر في وسطهم. إن حرمان إيران من محاولة استخدام قواعد الصواريخ المتوسطة المدى في جبل الدروز يجب أن يُعتبر مكوّناً أساسياً وضرورياً لسياسة ترمي إلى إحباط المخطط الإيراني.      
وإذا وضعنا الولايات المتحدة وإسرائيل جانباً، فلدى عدد قليل من الجهات الفاعلة الإقليمية مصلحة في منع تولي إيران السيطرة الفعلية على سوريا. فتركيا والسعودية والإمارات ومصر والأردن تتشارك الكراهية نفسها لما سمّي بـ"الهلال الشيعي"، الذي تُعتبر سوريا مركز ثقله. ويمكن إقناع كل من هذه الدول بالمساهمة بطرق مختلفة في جهود تهدف إلى "وقف إيران". وسواء كان ذلك عبر توفير الأموال أو تقديم المساعدة العسكرية أو العون في إعادة الاعمار، يمكن لهذه الدول أن تساعد في ردع الأسد عن الاستسلام الكامل لرغبات إيران وتعزيز سيطرة المتمردين في جنوب سوريا والمناطق الواقعة شرقي الفرات.   
ولكنّ الأهم من هذا كله، ومن أجل منع اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وإيران، التي يمكن أن تتوسّع بسهولة لتطال لبنان وغزة، يتعين على الولايات المتحدة أن تقدم دعمها لحملة إسرائيلية مستمرة لتدمير - عند الضرورة والإمكان - المنشآت الإيرانية في سوريا ورفع تكاليف جهود «الحرس الثوري» الإيراني بشكل مستمر إلى الحدّ الذي يدفع بكل من طهران ودمشق إلى إعادة النظر في إمكانية تطبيق مشروع سليماني.  

إهود يعاري هو زميل "ليفر" الدولي في المعهد ومعلق لشؤون الشرق الأوسط في "القناة الثانية" في التلفزيون الاسرائيلي.

المقاومة الإسلامية التابعة لـ «حزب الله» اللبناني في سوريا

المقاومة الإسلامية التابعة لـ «حزب الله» اللبناني في سوريا
المرصد السياسي 2962

المقاومة الإسلامية التابعة لـ «حزب الله» اللبناني في سوريا

 26 نيسان/أبريل 2018
انتشرت جماعات الميليشيات الشيعية في ساحة الحرب السورية منذ عام 2012. وفي حين لا تشكّل جميع هذه الميليشيات امتدادات لـ «حزب الله» اللبناني، غير أن عدداً منها يتّبع نهج «حزب الله» وحصل على مساعدات واسعة من الجماعة. وتصنِّف هذه المنظمات نفسها على أنها "المقاومة الإسلامية في سوريا" أو "«حزب الله» في سوريا"، ويجب اعتبارها بالفعل جزءاً لا يتجزأ من «حزب الله» اللبناني.
الخلفية
في الفترة 2012-2013، بدأ «حزب الله» اللبناني بتدريب جماعات مختلفة من المقاتلين الشيعة السوريين، والعديد من هذه الجماعات أُقيم في البداية على شكل ميليشيات طائفية محلية. وقد مارس البعض منها عملياته في دمشق والبعض الآخر في حمص وما زال آخرون في قرى شيعية بالقرب من حلب. ومع ذلك، فمع تطوّر هذه المنظمات، امتدت حملات التجنيد التي قامت بها إلى ما هو أبعد من مناطقها الأصلية.
وبحلول عام 2014-2015، تشكّلت على ما يبدو منظمة جامعة تضم جماعات فرعية مرتبطة فيما بينها وتروج لزعمائها، وشعاراتها، ولافتاتها. وغالباً ما كانت هذه الجماعات تردّد اللغة الأيديولوجية نفسها التي يستخدمها «حزب الله» اللبناني، وتبجّل الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وتقاتل إلى جانب قادة «حزب الله» أو تحت قيادتهم. وإلى جانب رمزياتها الخاصة،  استخدمت جميع هذه الجماعات تقريباً رايةً أو شارة تضمّ شعار «حزب الله» اللبناني، ولقب "المقاومة الإسلامية في سوريا"، وشعار "لبيك يا زينب!"، في إشارة إلى حفيدة النبي محمد وإلى المقام الذي يحمل اسمها بالقرب من دمشق. وكان الدفاع عن الضريح ضد الجهاديين السنّة نقطة حوار أساسية في تجنيد جهاديين شيعة سوريين وأجانب.
وفيما يلي بعض الأمثلة البارزة للجماعات السورية على غرار «حزب الله»:
  • "قوات الرضا" ("لواء الإمام الرضا"). هي إحدى أوائل هذه الجماعات التي تشكّلت، وغالباً ما تجنّد المقاتلين من القرى الشيعية في منطقة حمص. وقد نشرت قواتها في جميع أنحاء سوريا.
  • "الغالبون": "سرايا المقاومة الإسلامية في سوريا". هي جماعة غامضة مكونة أساساً من السوريين المعتنقين للمذهبين الشيعي والعلوي، وغيرهم من الشيعة السوريين. وتصبّ جماعة "الغالبون" الكثير من اهتمامها على تجنيد المقاتلين من مناطق المرتفعات القريبة من الساحل، حتى وإن كانت قد استدرجت عناصر من جميع أنحاء سوريا. وفي عام 2015، قاتلت هذه الميليشيا في الجولان ودرعا. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت خطاباتها تتسم بالهدوء النسبي، غير أنها لا تزال نشطة.
  • "لواء الإمام الباقر" ("لواء الباقر"). تأسست هذه الجماعة بين عامي 2013 و2015، ويتألف أعضاؤها وقادتها من القبائل السورية المعتنقة للمذهب الشيعي. وقد حاول "لواء الباقر" أيضاً تجنيد مقاتلين من قبيلة "البقارة" الكبيرة في سوريا. وفي نيسان/أبريل 2018، أعلنت الجهاد ضد الولايات المتحدة وحلفائها السوريين.
ومن بعض النواحي، تعكس الجهود التي يبذلها «حزب الله» اللبناني لرعاية هذه الجماعات النامية في سوريا، النشاط السابق للحزب في العراق. [فعلى سبيل المثال] أُرسل القائد في «حزب الله» اللبناني علي موسى دقدوق - الذي تم احتجازه من قبل القوات الأمريكية في البصرة عام 2007 - إلى العراق لتدريب مقاتلين، وتنظيم هجمات، وتقديم توجيه أيديولوجي للمسلّحين المدعومين من إيران الذين شكلّوا فيما بعد الميليشيا الشيعية العراقية القوية حالياً «عصائب أهل الحق». ومن الناحية الهيكلية والأيديولوجية، تُعتبر «عصائب أهل الحق» استنساخاً لـ «حزب الله» اللبناني، على الرغم من أنّها استقلّت عنه بعض الشئ في النهاية.
وبالمقارنة مع جماعات مثل «عصائب أهل الحق»، لن تؤدّي على الأرجح تجليات «حزب الله» اللبناني في سوريا إلى النوع نفسه من التحركات المستقلّة. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى القرب الجغرافي للقاعدة اللبنانية لـ «حزب الله»، والوجود المكثّف لـ «حزب الله» في سوريا، والروابط الاجتماعية الوثيقة في كثير من الحالات بين «حزب الله» اللبناني والمجتمعات الشيعية السورية. وبالتالي، فإنّ «حزب الله» اللبناني في وضع جيّد يسمح له الحفاظ على السيطرة المباشرة على الجوانب الاستراتيجية والتكتيكية لجماعاته السورية المستنسخة. وبالنسبة إلى «حزب الله» اللبناني، توفر سوريا المزيد من العمق الإستراتيجي والموارد البشرية، التي تشمل قوات محلية للمساعدة في تأمين مناطق «حزب الله» في لبنان فضلاً عن قوة عسكرية مضافة للتصدي لأعداء إقليميين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية السنية.
«حزب الله» باسم آخر
تُشكّل "قوات الرضا" مثالاً رئيسياً على سيطرة «حزب الله» اللبناني على وحدة "المقاومة الإسلامية في سوريا". وبالفعل، تُظهر روابط عديدة بين الاثنين كيف أنّ "قوات الرضا"، التي تروّج لعلاقة وثيقة مع «حزب الله»، هي جهة فاعلة أقل استقلالاً وأكثر من مجرد فرع ملحق بالمنظمة اللبنانية.
ووفقاً لسيرته الذاتية الرسمية في «حزب الله»، قُتل حمزة إبراهيم حيدر في 29 حزيران/يونيو 2013، أثناء قيادته هجوماً في "الخالدية" - حيّ في حمص متاخم للمدينة القديمة. وقد استفاد هذا التقدّم من مقاتلي «حزب الله» إلى جانب شخصيات من "قوات الرضا" الناشئة. أما بالنسبة إلى حيدر، فإنّ علاقته بكلتا الجماعتين واضحة جداً. فقد كان قائد جماعة النخبة "فوج الرضوان" التابعة لـ «حزب الله»، بالإضافة إلى "قوات الرضا"، التي أثنت على زعيمها الذي سقط في إحدى المعارك من خلال نشر إعلان عن شهادته، وإشارتها إلى أنّه "أشرف على تأسيس الميليشيا وتدريبها".
وهناك تداخل إضافي واضح بين «حزب الله» اللبناني و"قوات الرضا" تَمثل بأشخاص مثل علي فوزي طه (المعروف أيضاً باسم الحاج جواد)، وهو قائد في «حزب الله» اللبناني من مدينة صور جنوب لبنان. وقد ورد اسمه في المنشورات شبه الرسمية على "الفيسبوك" من قبل مؤيدي الجماعتين على أنه "قائد" في "قوات الرضا". وأشادت منشورات عديدة لـ"قوات الرضا" على مواقع التواصل الاجتماعي بِطَه "لاستشهاده" في نيسان/أبريل 2016.
ولعل أكثر ما يلفت النظر هو العلاقة بين علي محمد بيز (المعروف أيضاً بأبو حسن بلال) و"قوات الرضا". وقد قُتل بيز في محافظة حمص في أيار/مايو 2017، وكان قائداً في «حزب الله» اللبناني يسكن في ضاحية بيروت الجنوبية. وبرز بيز أيضاً بدوره القتالي والقيادي واللوجستي في جميع أنحاء سوريا. ووفقاً لسيرة ذاتية نُشرت على أحد مواقع التواصل الاجتماعي الذي يديره ابنه، وصُف قائد «حزب الله» اللبناني الذي قتل في إحدى المعارك بأنه "أحد أهم قادة المقاومة في سوريا"، بالإضافة إلى كونه أحد "مؤسسي" "قوات الرضا"، وقائد الوحدات المتخصصة داخل الجماعة. وتم نشر صور جنازة بيز على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بـ"قوات الرضا" التي صنفته على أنه "قائد شهيد".
التجنيد المباشر في سوريا
إلى جانب الدعم الذي يوفّره «حزب الله» اللبناني للنسخ السورية من تشكيلته، قام الحزب بتجنيد مقاتلين لصفوفه مباشرة من المجتمعات اللبنانية-السورية والسورية الشيعية، ومعظمهم من الشيعة الاثني عشرية الذين يقيمون بالقرب من الحدود، حول المناطق المحيطة بالمدينتين السوريتين حمص والقصير. وهذا يبدو منطقياً نظراً لقرب المنطقة الجغرافي من معقل «حزب الله» في وادي البقاع اللبناني، والروابط العشائرية، فضلاً عن الأعداد الكبيرة من الشيعة الذين يعيشون على جانبي الحدود.
وفي هذا الإطار، تجسّد قرية "زيتا" السورية - على الجانب الآخر من بلدة "القصر" اللبنانية - التجنيد الذي يقوم به «حزب الله» في المناطق الحدودية. وعلى الرغم من أنها تقع على الجانب السوري، إلاّ أنّ معظم سكان "زيتا" هم من الشيعة اللبنانيين ولديهم روابط عائلية وثيقة مع لبنان. وفي أعقاب سلسلة من عمليات الخطف والقتل الطائفية بين عامي 2012 و2013، شكّل سكان القرية ميليشيات مخصصة كإجراء للتصدّي لمثل تلك العمليات. وبعد أن استولت عليها قوات التمرد السورية في عام 2012، قامت قوات «حزب الله» في عام 2013 باستعادة "زيتا" إلى جانب بعض القرى الشيعية المجاورة، حيث كانت تتمتّع سابقاً بنفوذ قوي فيها. ثم قام «حزب الله» بتسليح سكان هذه القرى وتدريبهم ليصبحوا جماعات دفاعية قبل ضمّهم إلى صفوفه في النهاية.
ونذكر أيضاً أحد سكان "زيتا" السابقين، وهو شيعي لبناني -سوري يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً يُدعى مهدي عبد الله إدريس (الملقب أبو صلاح)، كان يقاتل ضمن "فوج الرضوان"، جماعة النخبة التابعة لـ «حزب الله» والتي تنتمي إلى شعبة تحمل الإسم نفسه المذكور سابقاً. وقد قُتل إدريس في تموز/يوليو 2016 بينما كان يقاتل في "هريرة"، وهي بلدة تقع في منطقة القلمون الجبلية شمال دمشق. ووفقاً لسيرة استشهاده الذاتية شبه الرسمية، كان إدريس قد "شارك في جميع معارك المقاومة في سوريا منذ بداية الأزمة". ومن بين "شهداء" «حزب الله» الآخرين القادمين من المنطقة الحدودية وائل حسين زعيتر (الذي قُتل عام 2017) وعلي ديب زعيتر (الذي قُتل عام 2015)، وكلاهما من "حاويك"، وهي بلدة أخرى ذات أغلبية شيعية تقع في شمال "زيتا".
ويجدر بالذكر أيضاً، حسن ملحم أسد الذي نشأ من قلب محافظة حمص، وهو شيعي سوري من قرية "الربوة"، بالقرب من مدينة حمص. وقد أُدرج أسد كـ "قائد"، مما يدل على أنّ دمج المقاتلين السوريين في صفوف «حزب الله» يزداد بشكل كبير. وفي صور نُشرت للقائد الذي سقط في إحدى المعارك، تظهر رايات لـ "المقاومة الإسلامية في سوريا" أثناء ما يمكن أن يكون محاضرة لمجندين سوريين. وقد تم دفن ملحم أسد، الذي قُتل في 12 أيار/مايو 2017، وهو ملفوف بأعلام سورية وأخرى تابعة لـ «حزب الله». كما أصدر المكتب العسكري المركزي لـ «حزب الله» شريط فيديو لعمليته الاستشهادية.
التداعيات السياسية
في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الأمريكية فرض عقوبات على الأفراد المرتبطين بالشبكات التابعة لـ «حزب الله» اللبناني، يجب أن تلقي النظر بصورة أكثر على ما يبدو أنها جماعات مستقلة أو نمت محلياً على غرار «حزب الله» في سوريا. وفي الواقع، إن عدداً من هذه الكيانات هي ليست فروع أو جماعات مستقلة مرتبطة بـ «حزب الله» اللبناني فحسب، بل هي عناصر أساسية منه. ونتيجة لذلك، ينبغي النظر إلى الحوادث المحتملة التي ينخرط فيها أفراد أمريكيين بطريقة أو بأخرى مع جماعات تعمل تحت مظلة "المقاومة الإسلامية في سوريا" أو «حزب الله» السوري على أنها تعمل كجزء من «حزب الله» اللبناني.

فيليب سميث هو زميل "سوريف" في معهد واشنطن ومؤلف دراسة "الجهاد الشيعي في سوريا وآثاره الإقليمية".