Sunday, September 25, 2022

حقل غاز "كاريش" البحري الإسرائيلي: هل هو فرصة دبلوماسية أم سبب للحرب؟


 حقل غاز "كاريش" البحري الإسرائيلي: هل هو فرصة دبلوماسية أم سبب للحرب؟




بواسطة سايمون هندرسون, حنين غدار, ماثيو ليفيت, إيهود يعاري, ديفيد ماكوفسكي, ديفيد شينكر, أندرو جيه. تابلر

٢٠ سبتمبر ٢٠٢٢

 MEES map showing Israeli and Lebanese maritime border claims in the East Mediterranean.

تحليل موجز

يبحث سبعة خبراء الكيفية التي يمكن أن يؤدي فيها القرار الإسرائيلي المحفوف بالمخاطر حول بدء إنتاج الغاز إلى التأثير على موقف بيروت التفاوضي، والحسابات العسكرية لـ «حزب الله»، والعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وعوامل أخرى.


تم جمع هذا المرصد السياسي من قبل زميل معهد واشنطن سايمون هندرسون، ويتضمن أقساماً من زملائه حنين غدار، وماثيو ليفيت، وإيهود يعاري، وديفيد ماكوفسكي، وديفيد شينكر، وأندرو تابلر.


 


قبل نهاية أيلول/سبتمبر، من المقرر أن تبدأ إسرائيل الإنتاج في حقل "كاريش" للغاز الطبيعي قبالة ساحلها الشمالي. وأثار إعلان الحكومة الإسرائيلية تهديدات من «حزب الله» اللبناني، وتعليقات غامضة من بعض المسؤولين الإسرائيليين، واقتراحات بتسوية دبلوماسية محتملة تنسّقها الولايات المتحدة. ويُعَدّ حقل "كاريش" أصغر بكثير من حقلَي "لفياثان" و"تمار"، المنتجين حالياً في إسرائيل، لكنه أثار اهتماماً أكبر بكثير في الآونة الأخيرة لأنه يقع بالقرب من الخط الفاصل المتنازع عليه بين "المناطق الاقتصادية الخالصة" لكل من لبنان وإسرائيل - وهو الخلاف المحتدم الذي فاقمته بيروت مؤخراً بمطالبتها بمنطقة بحرية إضافية جنوب تلك التي ذكرتها في إعلانها السابق. ويقع "شمال كاريش"، وهو حقل منفصل من المقرر أن يبدأ بالإنتاج في العام المقبل، ضمن هذه المنطقة الإضافية المتنازع عليها.


Open imageiconMEES map showing Israeli and Lebanese maritime border claims in the East Mediterranean.

This map was originally published on the MEES website and is reprinted here with permission.

وفضلاً عن تعقيده المفاوضات البحرية الأوسع نطاقاً بين الدولتين، يُعد موقع "كاريش" حساساً أيضاً بسبب احتمال تعرضه لمخاطر الهجمات. وبخلاف جهازَي الإنتاج الخاصَين بحقلَي "لفياثان" و"تمار"، العميقين تحت الأمواج والمُتصلين بمنصات المعالجة قرب الشاطئ بواسطة خطوط أنابيب طويلة، فإن حقل "كاريش" مربوط بسفينة إنتاج وتخزين تطفو فوقه مباشرةً؛ وسيتم استخدام نفس هذه التدابير في حقل "شمال كاريش" في النهاية. ويقدّم ذلك هدفاً مغرياً لـ «حزب الله»، الذي أطلق ثلاث طائرات بدون طيار باتجاه السفينة في 2 تموز/يوليو (والتي سرعان ما أسقطتها إسرائيل). وتتزايد جميع هذه التوترات على خلفية تطورات أخرى حساسة وذات صلة، من بينها الانتخابات الوشيكة في إسرائيل والولايات المتحدة، وانتهاء فترة ولاية الرئيس اللبناني ميشال عون في تشرين الأول/أكتوبر، وأزمة الطاقة العالمية المستمرة والناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا.


ومهما حدث، يجب على جميع الأطراف أن تأخذ في الحسبان التحديات والجداول الزمنية المرتبطة باستخراج الغاز البحري. وعادةً ما يستغرق الأمر خمس سنوات من توقيع العقد الأولي قبل أن يتدفق الغاز فعلياً إلى العميل. ويجب أولاً إجراء مسح زلزالي للمنطقة، ثم يتعيّن إحضار جهاز حفر لاستكشاف مكامن النفط أو الغاز المحتملة. وفي المياه العميقة لشرق البحر المتوسط، تتطلب كل حفرة حوالي تسعين يوماً للتنقيب، ولا يمكن عادة تأكيد الاكتشافات الصالحة تجارياً حتى حوالي اليوم الخامس والثمانين أو نحو ذلك. بالإضافة إلى ذلك، تبلغ تكلفة كل حفرة حوالي 100 مليون دولار - والتي لن يتحمل عبئها حاملو التراخيص إلى أن يؤمّنوا [توقيع] اتفاقية مبيعات طويلة الأجل مع الحكومة السيادية (أي من خمسة عشر إلى عشرين عاماً).


حسابات لبنان

إن بيروت على عِلم بأن الفشل في التوصل إلى اتفاق سيؤدي إلى رد فعل داخلي عنيف، لأن اقتصاد لبنان لا يمكنه تحمُّل المزيد من التوترات مع المجتمع الدولي. وتأمل القيادة السياسية أن تفتح الموافقة على إبرام اتفاق، تتوسط فيه الولايات المتحدة بشأن الترسيم العام للحدود البحرية، أبواباً أخرى، مثل تسهيل نقل الغاز المصري (في الواقع، الإسرائيلي) إلى لبنان مع تخفيف مطالب "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" بتنفيذ الإصلاح. ونظراً إلى التهديد بفرض عقوبات إضافية على السياسيين الفاسدين والمنافع الموعودة التي ستوفرها إمدادات الغاز الجديدة للنخب الراسخة اقتصادياً، فإن الاتفاق مع إسرائيل لا يبدو سيئاً في هذه المرحلة.


ولدى «حزب الله» حساباته الخاصة في هذا الشأن، ولكنه قد يغضّ النظر عنها أيضاً. فبسبب المشاكل المالية الداخلية التي تشلّه، والتحديات القائمة في صفوف قواته المقاتلة، والهجمات الإسرائيلية المستمرة على منشآت أسلحته في سوريا، يدرك الحزب جيداً أن بدء حرب أخرى سيؤدي إلى خسائر أكثر من المكاسب - على الأقل في الوقت الحالي.


وإذا تم التوصل إلى اتفاق، يجب على جميع الأطراف أن تضع في اعتبارها أن قطاع الطاقة لا يزال أكثر المجالات فساداً وفشلاً في لبنان. وبالتالي، لن تؤدي أي تنازلات بشأن متطلبات الإصلاح إلا إلى تقوية هذا النظام الفاسد، وحتماً، "حزب الله" نفسه.


ماذا عن التحذير العسكري لـ «حزب الله»؟

في حزيران/يونيو، حذّر أمين عام «حزب الله»، حسن نصر الله، من أن قواته ستتخذ إجراءات لمنع إسرائيل من استخراج الغاز من حقل "كاريش" ما لم تقدّم تنازلات نحو التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحدود البحرية مع لبنان. وفهم مسؤولو الأمن الإسرائيليون هذا التهديد على أنه خروج مهم عن الخطوط الحمراء التقليدية لـ «حزب الله»، التي لن يقوم الحزب بموجبها بشن هجمات انتقامية إلا إذا قصفت إسرائيل الأراضي اللبنانية أو استهدفت عناصر «حزب الله».


ويشكل تهديد "كاريش" مجازفة يتخذها «حزب الله»، لأن العديد من المراقبين يعتقدون أن الحزب لا يريد خوض قتال شامل مع إسرائيل في وقتٍ يعاني فيه لبنان من أزمات سياسية ومالية حادة. ومع ذلك، فقد خلص نصر الله أيضاً على ما يبدو إلى أن التكاليف المحتملة لهذه المخاطرة تفوقها فوائد الادعاء بأن التنازلات الإسرائيلية بشأن "كاريش" والمسائل ذات الصلة أصبحت ممكنة بفضل تهديدات «حزب الله». وبعد تلقي الحزب الكثير من الانتقادات محلياً بسبب تدخله في الحرب السورية، فهو يرغب على الأرجح في إظهار أن أسلحته تُستخدم الآن في خدمة مصالح لبنان، وليس مصالح إيران أو سوريا.


رهان إسرائيل المالي والأمني ​​

على الرغم من التهديدات المتكررة لنصر الله، إلّا أنه لم يتم ردع إسرائيل عن المضي قدماً في خططها لإنتاج الغاز من حقل "كاريش"، مما أثار جولة خطيرة من سياسة حافة الهاوية التي قد تؤدي إلى تصعيد الأعمال العدائية المحلية أو حتى إلى حدوث مواجهة أكبر. فوفقاً لتقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، بعد أن أدلى نصر الله بهذه التصريحات العلنية الجادة ونقلَ تحذيرات إضافية من خلال وسطاء، قد يشعر أنه ملزم بالتصرف بناءً على تهديداته الصريحة. ومن جهتهم، ربما حاصر القادة الإسرائيليون أنفسهم في زاوية عبر إصرارهم علناً على أن المشروع لن يتأخر.


وفيما يتعلق بمفاوضات الحدود البحرية الأوسع نطاقاً، يبدو أن نصر الله يهدف إلى الاستقواء على إسرائيل لكي تتنازل بشكل كامل عن حقل "قانا" المحتمل للغاز، والذي يمتد عبر الحدود المقترحة. ولتعويض إسرائيل عن حصتها في الحقل (20-30 في المائة، وقيمتها حوالي 200-300 مليون دولار، وفقاً لبعض التقارير)، اقترحت الولايات المتحدة على ما يبدو أن تقوم شركة "قطر للطاقة" بشراء شركة "نوفاتك" (Novatek) الروسية، التي انسحبت مؤخراً من شراكتها مع شركة "توتال" (Total) الفرنسية وشركة "إيني" (Eni) الإيطالية في هذا البلوك. وهذا النوع من ترتيبات "التوحيد" سيسمح لبيروت بالادعاء بأنها لا تتعامل مباشرةً مع "العدو". وفي وقتٍ سابقٍ من هذا الأسبوع، أعلنت الحكومة اللبنانية أنها ستستحوذ على حصة "نوفاتك" البالغة 20 في المائة في "بلوك 9" (منطقة قانا) و"بلوك 4" (شمال بيروت).


ولا يزال المبعوث الأمريكي آموس (عاموس) هوكستين يعمل على إزالة العقبات الأخرى التي تحول دون التوصل إلى اتفاق شامل. وفي 20 أيلول/سبتمبر، ناقش الموضوع مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي ومدير وزارة الخارجية الإسرائيلي على هامش اجتماع "الجمعية العامة للأمم المتحدة" في نيويورك.


العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

يبدو أن توقيت مشروع "كاريش" يشكّل مسألة رئيسية بالنسبة لزعماء الولايات المتحدة وإسرائيل. ويعود ذلك جزئياً إلى حالة عدم اليقين بشأن ما ستسفر عنه الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في 1 تشرين الثاني/نوفمبر؛ وقد يُعتبر أي تقدم محرَز في القضايا البحرية قبل ذلك التاريخ، إنجازاً لرئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال، يائير لبيد. واللغز الآخر هو ما إذا كانت إيران ستمنح وكيلها «حزب الله» الضوء الأخضر للسماح بإبرام اتفاق لبناني في وقتٍ يسود فيه عدم يقين واسع النطاق في المنطقة. وفي الوقت الحالي، تدل الإشارات الإيجابية المختلفة المفعمة بالأمل والمتعلقة باحتمال التوصل إلى تسوية على أن واشنطن تحثّ بهدوء على ضبط النفس بشأن "كاريش" من أجل توفير الوقت اللازم لإنجاز ما تبقى من العملية الدبلوماسية خلال الشهر المقبل تقريباً أو نحو ذلك.


أهداف بايدن

حددت إدارة بايدن حل نزاع الحدود البحرية كـ "أولوية رئيسية" من شأنها تعزيز الاستقرار في المنطقة. ومع ذلك، فبينما قد يؤدي التوصل إلى اتفاق حول هذه الحدود إلى إزالة مصدر واحد للصراع بين إسرائيل و«حزب الله»، إلّا أنه من غير المرجح أن يخفف من حدة التوترات المتصاعدة بينهما على طول "الخط الأزرق"، أي الحدود البرية التي تمتد من الساحل إلى الحدود السورية. علاوةً على ذلك، يمكن أن تؤدي أي عقود خدمة وإيرادات ناتجة عن اتفاقية "المنطقة الاقتصادية الخالصة" إلى تسرب الأموال إلى «حزب الله» - في الواقع، يبدو أن مثل هذه التحويلات لا مفر منها ما لم تصر السلطات الدولية على الإشراف الكافي وعلى [إنشاء] صندوق "الثروة السيادي اللبناني" ("الصندوق السيادي اللبناني")، مما قد يشجع الشفافية في تحصيل وصرف الإيرادات ذات الصلة.


يبدو أن إدارة بايدن حريصة أيضاً على التوسط في إبرام صفقة بحرية في المستقبل القريب لأنها قد تؤثّر على نتيجة الانتخابات الإسرائيلية. وتحتدم حالياً المنافسة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي لبيد والزعيم السابق بنيامين نتنياهو، ويفضّل البيت الأبيض فوز لبيد من أجل تعزيز أهدافه المتمثلة في تحسين العلاقات مع الفلسطينيين والحفاظ على الوضع الراهن في الضفة الغربية. ومهما كانت البنود النهائية للاتفاقية البحرية مع لبنان، فمن شأن التوصل إلى اتفاق أن يعزز مصداقية لبيد في السياسة الخارجية وربما يساعده في صناديق الاقتراع.


المسألة السورية

بالإضافة إلى المحادثات البحرية، أمضت الولايات المتحدة أكثر من عام في إجراء مفاوضات مطولة للتوسط في صفقة مستوحاة من الأردن لتزويد لبنان بمزيد من الطاقة. ووفقاً لشروطها، سيتم نقل الكهرباء المولَّدة في الأردن من الغاز الإسرائيلي - إلى جانب كميات معينة من الغاز الإسرائيلي نفسه - عبر الأراضي السورية إلى لبنان.


وينبع الكثير من الجدل حول الخطة من واقع أن نظام الأسد في سوريا سيحصل وفقاً لبعض التقارير على 8 في المائة من نسبة الكهرباء والغاز التي تعبر أراضيه كشكل من أشكال الدفع العيني - على الرغم من استمرار حالة النظام كهدف للعقوبات بموجب "قانون قيصر الأمريكي"، و "الاتحاد الأوروبي" و "الجامعة العربية". ويضم شمال لبنان محطة واحدة فقط لتوليد الكهرباء متاخمة لـ "خط الغاز العربي" وتستطيع في الوقت نفسه استخدام الغاز كوقود للتشغيل، لذا تُعَدّ سوريا الطرف الوحيد القادر على توليد كمية الكهرباء التي تحتاجها بيروت حالياً. كما أن نظام الأسد حريص على هذا الترتيب لأن محطات التوليد الخاصة به غالباً ما تكون معطلة بسبب نقص المواد الأولية.


وتصف مصادر إسرائيلية الخطة كامتداد في مجال الطاقة لسياسة "حسن الجوار" التي تنتهجها بلادهم تجاه الشعب السوري خلال الحرب الأهلية في البلد المجاور. بعبارة أخرى، سعت القدس لإظهار أنها تتمنى التوفيق للمواطنين السوريين على الرغم من أن بلادهم لا تزال خاضعة لسيطرة القوات الإيرانية والقوات الوكيلة الأخرى.


الخاتمة

قد يكون قرار لبنان بالاستحواذ على حصة شركة "نوفاتك" البحرية جزءاً من تحرك متزامن نحو بلوغ اتفاق وشيك بشأن الحدود البحرية - أي اتفاق يسمح أيضاً بدخول قطر في اتحادات التراخيص. وعلى الرغم من التساؤلات حول طبيعة ومضمون أي اتفاق يشمل لبنان وإسرائيل (سواء بشكل مباشر أو، على الأرجح، بشكل غير مباشر)، يبدو أن الصفقة الناشئة أحرزت تقدماً، حيث تتضمن وفقاً لبعض التقارير، تنازلات إسرائيلية كبيرة على خط الحدود النهائي. ومع ذلك،  يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت أي اتفاقات على المدى القريب ستشكل أساساً لإحراز تقدم ثنائي أوسع نطاقاً بين إسرائيل ولبنان، أو ستنهار في غضون بضعة أشهر على غرار الإتفاقات السابقة.


عن المؤلفين

Simon Henderson

سايمون هندرسون

سايمون هندرسون هو زميل بيكر في معهد واشنطن ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في المعهد، ومتخصص في شؤون الطاقة والدول العربية المحافظة في الخليج الفارسي.

Hanin Ghaddar

حنين غدار

حنين غدار هي زميلة زائرة في زمالة "فريدمان" الافتتاحية في معهد واشنطن ومديرة تحرير سابقة للنسخة الانكليزية لموقع NOW الإخباري في لبنان.

Matthew Levitt

ماثيو ليفيت

ماثيو ليفيت هو زميل أقدم ومدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن.


إيهود يعاري

إيهود يعاري هو زميل ليفر الدولي في معهد واشنطن


ديفيد ماكوفسكي

ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.

David Schenker

ديفيد شينكر

ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.

Andrew J. Tabler

أندرو جيه. تابلر

أندرو جيه. تابلر هو زميل أقدم في برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن، يركز بحوثه على سوريا والمصالح الأمريكية في بلدان المشرق العربي.

Saturday, September 24, 2022

الفجوات الأمريكية – الصينية في سباق التكنولوجيا الحيوية

الفجوات الأمريكية – الصينية في سباق التكنولوجيا الحيوية

  

تحرير الجينات: 

الفجوات الأمريكية – الصينية في سباق التكنولوجيا الحيوية
الإثنين، 29 أغسطس، 2022
تحرير الجينات:

عرض: سالي يوسف

تحول قطاع التكنولوجيا الحيوية إلى أحد مجالات التنافس بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، لاسيما مع ما يحققه هذا القطاع من فوائد اقتصادية وتكنولوجية وطبية، فضلاً عما يسهم به في تأمين مصالح الأمن القومي للدول. ويأتي في هذا الإطار ما طرحته الكاتبة كارول كونتيز في تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية CSIS تحت عنوان "التحرير الهادف للجينات الوراثية". 

وتناول هذا التقرير التقدم التقني الحاصل في تحرير وتطوير الحمض النووي بشكلٍ هادف لإنتاج مكونات جديدة ذات سمات مرغوبة ومحددة، والتي يمكن من خلالها خلق جزيئات "مفيدة" تؤدي لإنتاج مواد جديدة يمكن استخدامها مثل، الأقمشة ذاتية الإصلاح أو البلاستيك غير المصنوع من المنتجات البترولية أو أجهزة الاستشعار الحيوية، كما يمكن استخدامها لإنتاج علاجات مخصصة للأمراض الجديدة أو القضاء على الأمراض الوراثية.

وتعتمد تلك التقنيات على استخدام خوارزميات الطب الدقيق والتعلم الآلي لتحسين استراتيجيات العلاج، وتحديد السبب الجيني وراء الأمراض أحادية الجينات والأمراض متعددة الجينيات وهي الأكثر تعقيداً، هذا بجانب علاج الأمراض الوراثية والأمراض السرطانية.

وأكدت الكاتبة أهمية أن يصبح للولايات المتحدة الأمريكية دور في تطوير التقنيات الحيوية الحاسمة وأنظمة التعلم الآلي، والتي تساهم بشكل كبير في فهم أسباب الأمراض الوراثية من خلال قطاع تجاري وأكاديمي معولم لسد الفجوة لديها في تحرير الحمض النووي لتصبح قطاعاً اقتصادياً مهماً يساهم في استمرار دورة الابتكار وتمكنها من تشكيل مستقبلها الاستراتيجي بشكلٍ إيجابي على المستويين الداخلي والخارجي.

عوائق أمريكية: 

تناولت كونتيز في تقريرها فشل البرامج الأمريكية الحالية في الاستفادة بشكل كامل من التقدم العلمي الحالي، مؤكدة أنه على الرغم من مكانة الولايات المتحدة كدولة رائدة في الاكتشاف والابتكار، فإنها تفتقر إلى وجود قواعد بيانات قوية ومنظمة من الجين البشري يمكن الاستعانة بها، وكذلك للخبرات الفنية اللازمة للحفاظ على ريادتها والمساهمة في ترجمة الاكتشافات العلمية المختلفة إلى تطبيقات متطورة. 

وأبرزت الكاتبة الحاجة المُلحة لدى وزارة الدفاع الأمريكية لإجراء إصلاحات هيكلية للتكنولوجيات الناشئة في نهجها، لا سيما من خلال إنشاء مسارات وظيفية لموظفيها، وإلا فإنها ستستمر في الفشل في جهودها الساعية لدمج التقنيات الناشئة في مفاهيمها التشغيلية وميزانياتها وبرامجها، وبالتالي سيؤدي إلى تقلص القدرات الأمريكية، لا سيما بالمقارنة مع الصين، وقد تناولت الكاتبة بعض المعوقات التي تحد من الإمكانات الأمريكية في هذا القطاع الحيوي، ومنها:

1) صعوبة إنشاء قواعد بيانات يمكن استخدامها في التجارب والمشاريع التكنولوجية الهادفة لعدد من العوامل، منها، نظام الرعاية الصحية المجزأ وحقوق الخصوصية وحقوق الملكية.

2) الافتقار لإطار عمل سياسي مناسب يحمي بعض البيانات المهمة للمستهلكين التي تحصل عليها الشركات الخاصة مقابل تقديم خدمات "مجانية"، كما لا تتيح هذه الشركات أنواعاً أخرى من البيانات للمنظمات غير الربحية المسؤولة عن تطوير الشأن العام داخل البلد.

3) عدم وجود إمكانية لمشاركة بيانات العملاء المعنية بقطاع التكنولوجيا الحيوية مع دول الحلفاء مثل الاتحاد الأوروبي، والذي تخضع بياناته للوائح حماية البيانات العامة (GDPR).

4) سعي الكيانات الأمريكية بشكلٍ روتيني الحصول على خدمات التسلسل الجيني منخفضة التكلفة لصالح منشآتها، في الوقت الذي يمكن لشركات التكنولوجيا الحيوية الصينية في كثير من الأحيان توفيرها بفضل الإعانات الحكومية الصينية.

5) الرفض الشعبي الأمريكي لفكرة تحرير الجينات الوراثية (HHGE) أو إحداث تغييرات فيها واعتبار ذلك قضية أخلاقية وثقافية مثيرة للقلق، وفي ظل تباين استجابة الحكومات والمجتمعات المختلفة لهذه القضية، فإن بعض البرامج الوطنية الهادفة، بما في ذلك الأبحاث التي يُسمح بها بموجب معظم المعايير العلمية الموصي بها، تصبح مقيدة.

تنافس صيني: 

تناولت الكاتبة موقف الصين وظهورها كمنافس استراتيجي للولايات المتحدة في قطاع التكنولوجيا الحيوية، حيث تتمتع الحكومة الصينية بإمكانية كبيرة في الوصول لبيانات مواطنيها بسهولة، إذ استطاعت جمع وتوحيد قواعد البيانات الخاصة بسكانها البالغ عددهم 1.4 مليار فرد، خاصة أنها لا تعترف بحقوق الملكية لبيانات مواطنيها مقابل احتياجات الحكومة، كما لا تهتم بحقوق الملكية الفكرية الأجنبية. 

وفي الوقت الذي تقدم فيه الصين صورة استبدادية في التعامل مع بيانات مواطنيها وخصوصياتهم عكس سياسة الولايات المتحدة، إلا أنها تدمج جميع أنواع البيانات الشخصية في قواعد البيانات الحكومية لعدة أغراض، بما في ذلك نظام "الائتمان الاجتماعي". وأفادت الكاتبة أن الصين قامت أيضاً بجمع مجموعات كبيرة من بيانات الرعاية الصحية من الولايات المتحدة وأمن عدد من الدول حول العالم باستخدام كل من الوسائل القانونية وغير القانونية لتعزيز اكتشافاتها الطبية الجديدة وتطوير إمكانات الطب الدقيق واستخدامات الذكاء الاصطناعي لديها، إضافة إلى تطوير العلاجات التي قد يكون لها عائد تجاري كبير، مستشهدة بما ورد عن الاستخبارات الأمريكية أن اختبار ما قبل الولادة المستخدم في جميع أنحاء العالم أتاح للصين الوصول إلى الجين الوراثي الخاص بثمانية ملايين امرأة.

وأكدت الكاتبة أنه على الرغم من الرفض الشعبي لفكرة تحرير أو التلاعب في الجين البشري، فإن الصين تسمح بإجراء أبحاث عن الجينات الوراثية (HHGE) وهو الذي لا يُسمح به حالياً في أماكن البحث الرئيسية في الولايات المتحدة، مشيرة لواقعة معاقبة الصين للعلماء الذين قاموا بتعديل الجينات الوراثية للتوائم، في حالة مثيرة للجدل عام 2018.

وأشارت الكاتبة إلى أن كلاً من الصين والاتحاد الأوروبي لديهم أطر سياسات قائمة معنية بإنشاء قواعد بيانات قابلة للاستخدام في الأبحاث العلمية، وأشارت إلى أن الولايات المتحدة مستبعدة من قاعدة البيانات تلك، خاصة في الاتحاد الأوروبي بعد وضعها القانون العام لحماية البيانات (GDPR) الذي يمنع مشاركة البيانات مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وأكدت أنه بالرغم من السياسة المتساهلة للولايات المتحدة إلى حدٍ كبير فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فإن  الاتحاد الأوروبي والصين يقومان ببناء مجموعة شاملة من القواعد والمعايير على المستوى المحلي، تزيد من الاستبعاد المفروض ذاتياً في الولايات المتحدة بسبب فشلها في صياغة بيئة سياسية تسهل إنشاء قواعد بيانات تتسق مع القيم الوطنية.

كما أبرزت الكاتبة الجدل الدائر حول ما إذا كانت قضية التلاعب في الجينات أمر وراثي أم غير وراثي وإذا كان ينعكس ذلك في الحمض النووي الموجود داخل خلايا البويضة أو الحيوانات المنوية أو الجنين، وإذا كان يتم تمريرها إلى النسل فيما بعد، مشيرة إلى أن التعديلات الجينية غير المتوارثة، والمعروفة أيضاً باسم التعديلات على الخلايا الجسدية، تحمل وعداً هائلاً لعلاج الأمراض البشرية وتسمى عموماً "العلاج الجيني"، وهو الذي يُعد أمراً مناسباً، إذا استمر بما يتفق مع معايير البحث الطبي الصارمة لعلاج البشر، وأكدت أن مثل هذا التقدم في هذه المجالات سيفيد المرضى الذين يعانون الأمراض السرطانية، كما من المتوقع أن تكون هذه العلاجات مصدراً مهماً للربح وفرصة لتعزيز الابتكار لدى شركات الأدوية العالمية.

لكنها عادت وأثارت بعض المخاوف من تهرب مختلف الدول من الالتزام بالمعايير الطبية المنصوص عليها في الاتفاقيات حال فشل عمليات التفتيش الدورية أو التدابير التقنية الأخرى لضمان الالتزام بأي معايير بشكل موحد عالمياً، وأكدت أنه من غير المضمون أن تتخلى بلدان أخرى عن استخدام تقنيات التكنولوجيا الحيوية حال قررت الولايات المتحدة لأسبابها الخاصة التخلي عن استخدام هذه التكنولوجيا.

مقترحات أساسية:

على أساس ذلك السباق الأمريكي – الصيني في مجال التكنولوجيا الحيوية، ذكرت الكاتبة بعض المقترحات لسد تلك الفجوة في القدرات التكنولوجية الأمريكية الحالية، منها:

1) أهمية توافر استراتيجية لدى وزارة الدفاع الأمريكية حول التكنولوجيا الحيوية، بحيث تتضمن أولاً، إجراء إصلاحات هيكلية تُمكِّنها من دمج التقنيات المتطورة من القطاعين الأكاديمي والتجاري في مفاهيمها التشغيلية وبرامجها وميزانياتها بشكلٍ سريع، وثانياً، أن تسعى جاهدة لضمان صلابة وصحة القطاعين المدني والأكاديمي داخل الولايات المتحدة.

2) خلق بيئة تسهل إنشاء قواعد بيانات للمواطنين، مع الحفاظ على القيم الوطنية للدولة، هذا بجانب تغيير القوانين والحوافز التي تحول دون إتاحة البيانات المهمة والتي يتعذر الوصول إليها حالياً، وإنشاء نماذج تنظيمية جديدة للشراكات بين القطاعين العام والخاص لإدارة البيانات الحساسة، وتعيين جهة حاكمة رفيعة المستوى للفصل في المشكلات التي تم تحديدها حديثاً وحلها بشكل صحيح.

3) وضع معايير دولية لتحرير الجينات الوراثية (HHGE)، لتتمكن الأبحاث الأمريكية من المُضي قدماً في الاستخدامات المشروعة لتلك المعايير، ومقاومة الاستخدامات غير المشروعة من قبل الآخرين.

4) عقد اتفاقيات قانونية تنص على إمكانية مشاركة البيانات وتوسيع نطاق الاستفادة منها مع دول الحلفاء كالاتحاد الأوروبي.

5) تحتاج حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى تنفيذ سياسات جديدة تعمل على تطوير تقنيات التعلم الآلي والتكنولوجيا الحيوية، ولكن بطرق تتفق مع قيمها كدولة وهي القائمة على الحرية والمساواة والتنوع. 

6) توفير التدريب التقني للباحثين من الدول الأقل تقدماً مع تعزيز المعايير المتفق عليها بشأن الاستخدامات المناسبة للتكنولوجيا الحيوية لضمان الالتزام بالمعايير الصحيحة للعلاج الطبي، ويمكن للمنظمات الفنية ومنظمات المجتمع المدني أن تلعب بعد ذلك دوراً في رصد مدى تنفيذ الدول للمعايير.

7) طرح حزمة من السياسات والحوافز الخاصة بشركات القطاع الخاص مثل؛ براءات الاختراع وإتاحة اللجوء إلى قواعد بيانات كبيرة من بيانات المرضى المحمية وأيضاً حق "الملاذ الآمن" لحقوق الملكية الفكرية، وذلك لتحفيزهم على مشاركة هذه البيانات مع المنظمات غير الربحية التي تبني وتدير قواعد بيانات علوم الحياة.

وأشارت الكاتبة أيضاً إلى المنظمات غير الربحية على غرار البنك الحيوي في المملكة المتحدة والمعروف باسم "بنك بيوبنك" كأحد الخيارات التي ينبغي النظر فيها والتي تمتلك قاعدة بيانات للجينات الوراثية القابلة للاستخدام، مشيرة إلى أن هذه واحدة من أنجح مصادر البيانات الطبية ومخزون للجينات الوراثية، فهي تحتوي على حوالي 500000 جين وراثي، وتاريخ طبي واسع النطاق، وكلها متاحة على نطاق واسع للبحث، واقترحت الكاتبة إمكانية تأسيس مختبر وطني أو اتحاد من الجامعات البحثية الكبرى في الولايات المتحدة يمكنه إدارة إنشاء واستدامة قاعدة بيانات مماثلة للصحة العامة داخل الولايات المتحدة.

كما أفادت الكاتبة بأهمية تنفيذ العديد من هذه الإصلاحات حتى في غياب الصين كمنافس استراتيجي، مؤكدة أنه مع وجود مثل هذا المنافس، فإن التأخير والخطأ في صياغة وتنفيذ هذه السياسات يمكن أن يكون خطيراً، حيث إن العديد من هذه التقنيات حالياً في مسار مقلق والوقت ينقضي لجعل هذا المسار أكثر ملاءمة للولايات المتحدة.

واختتمت الكاتبة تقريرها بأن جمع وتحليل مجموعات كبيرة من بيانات الحمض النووي من قبل مجموعات سكانية متنوعة يساعد في تعزيز الاكتشافات الطبية الجديدة والعلاجات التي يمكن أن تكون لها قيمة تجارية كبيرة، كما أنها تعزز تقنيات الذكاء الاصطناعي والطب الدقيق، وهو ما يستوجب على وزارة الدفاع الأمريكية العمل على تحسين قدراتها للاستفادة من أي تقدم في العلوم الدولية ودعم بنيتها التحتية في مجالات التكنولوجيا الحيوية المختلفة من خلال قاعدة بيانات قوية وجيدة التنظيم لتسهيل الوصول للمعلومات الصحية اللازمة.

المصدر:

Carol Kuntz, Genomes: The Era of Purposeful Manipulation Begins, The Center for Strategic and International Studies (CSIS), JULY 2022.

دوافع التعبئة الجزئية للجيش الروسي في حرب أوكرانيا

دوافع التعبئة الجزئية للجيش الروسي في حرب أوكرانيا

 

التصعيد المُخيف:

دوافع التعبئة الجزئية للجيش الروسي في حرب أوكرانيا
الخميس، 22 سبتمبر، 2022
التصعيد المُخيف:

حققت القوات الأوكرانية، في الأسابيع الماضية، تقدماً باستيلائها على المنطقة المحيطة بخاركيف في شمال شرق روسيا والتي تبلغ حوالي 3000 كم مربع. وعُد هذا التقدم الأوكراني بمنزلة تحول في مسار الحرب الروسية التي بدأت في 24 فبراير 2022. وتراوحت التقديرات الغربية في التعامل مع هذا التقدم بين وصفه بانتصار أوكراني أمام إخفاق روسي أو المبالغة في اعتباره بداية النهاية للوجود العسكري الروسي في أوكرانيا، فيما تخوفت اتجاهات أخرى من أن "الحالة اليائسة" للحرب الروسية قد تدفع الكرملين نحو خيارات أكثر يأساً، في إشارة إلى إمكانية التلويح باستخدام أسلحة غير تقليدية. 

وفي هذا الإطار، عكس إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 21 سبتمبر 2022، التعبئة العسكرية الجزئية لقوات الاحتياط، أن الحرب الجارية قد دخلت مرحلة جديدة تؤكد فيها موسكو عزمها ردع أية محاولات تقدم عسكري أوكراني. 

تقدم أوكراني:  

بعد انسحاب القوات الروسية من كييف وشمال أوكرانيا، تركّزت المواجهة مع القوات الأوكرانية في الأشهر الماضية على ثلاث جبهات، هي الشمال الشرقي في خاركيف، والشرق الأوكراني في الدونباس ودونيتسك، وجبهة الجنوب حيث تقع خيرسون وزاباروجيا، والتـي مازالت مفاعلاتها النووية مثار مخاوف دولية بسبب القصف المُتبادل بين القوات الروسية والأوكرانية.

وبدأت القوات الأوكرانية في تطوير هجومها في أواخر أغسطس 2022، بالتركيز على المحور الجنوبي، بيد أن القوات الروسية تمكنت من صد الهجوم الأوكراني على خيرسون. وأدى ذلك إلى تركيز الجهود الروسية على هذه الجبهة، تاركة الشمال الشرقي لقوات أقل تدريباً وعُتاداً، وهو ما خلق فجوات في خطوط الجبهة الروسية. 

ومنح هذا الأمر القوات الأوكرانية القدرة على القيام بمناورة سريعة بشن هجوم خاطف على الشمال الشرقي القريب من خاركيف، حيث تم تحرير عدد من البلدات والمدن مثل بالاكليا وكوبناسك وإيزيوم، والأخيرة مدينة محورية في حركة التجارة والنقل في شمال أوكرانيا وتُعد منفذاً لمنطقة دونباس الصناعية في شرق البلاد. 

خلل روسي: 

يمكن رصد عدد من الأسباب التي تُفسر تقدم القوات الأوكرانية في مواجهة نظيرتها الروسية في الحرب الجارية خلال الأشهر الماضية، على النحو التالي: 


1- الخلل في الخطوط القتالية الروسية: تعاني القوات الروسية الموجودة في أوكرانيا من نقص عددي، وحاولت موسكو تعويضه من خلال توظيف مقاتلي شركة "فاجنر" وقوات الانفصاليين، فضلاً عن تحفيز الرجال فوق سن الأربعين والسجناء للانضمام إلى القتال. وكانت هذه الفئات الأخيرة المسؤولة عن تأمين خاركيف، وهي بطبيعة الحال أقل تدريباً واستعداداً. وقد عبّر قرار القيادة الروسية بإعلان التعبئة العسكرية الجزئية، ودعوة ذوي الخبرة والتخصص العسكري للانضمام للقتال، عن سعيها لعلاج هذا القصور بما يساعد على تعزيز السيطرة الروسية في أوكرانيا.   

2- قصور أجهزة الاستطلاع الروسية: يبدو أن ثمة قصوراً واضحاً في تعرف الاستخبارات العسكرية الروسية على الأرض على نوايا القوات الأوكرانية التـي فتحت جبهتي الجنوب والشمال الشرقي في وقت واحد. فربما لم تستوعب الأجهزة المعنية الجاهزية التكتيكية للقوات الأوكرانية في الشمال بعد أن تم صد هجومها على خيرسون في الجنوب. ويرتبط بهذا وجود خلل في عمليات القيادة والسيطرة، فضلاً عن مواطن الضعف المتعلقة بخطوط الاتصال والدعم اللوجستي على الأقل في محور خاركيف. 

3- الدعم الغربي للقوات الأوكرانية: على مدار الأشهر الماضية، امتلكت القوات الأوكرانية ميزة نسبية تمثلت في وجود مدد بشري في مقاومة التدخل العسكري الروسـي، إلا أن هذه العناصر عانت من نقص التدريب، وسرعان ما تمكن الدعم الغربي من دعم عمليات هذه القوات. وليس من المُتصور تحقيق القوات الأوكرانية لهذا التقدم على محور خاركيف من دون دعم عسكري ولوجستي واستخباراتي غربي، حيث كان للصواريخ الأمريكية المُضادة للرادارات دور فعال في إرباك منظومة الاتصال الروسية، كما أن الأسلحة الألمانية المُضادة للطيران حيّدت من تدخل الطيران الروسي. وساعد تدفق المعلومات الاستخباراتية لصالح القوات الأوكرانية على تحديد مواقع خصمها الروسي وتحركاته بدقة. يُضاف إلى ذلك، عمليات التدريب والدعم بالذخيرة التي تقوم بها مختلف أطراف التحالف الغربي. 

دلالات استراتيجية: 

مكّنت العوامل السابقة القوات الأوكرانية من تنفيذ خطة خداع عملياتية، والتحرك سريعاً لضم المنطقة المحيطة بخاركيف. ويمكن رصد عدة دلالات استراتيجية لهذا التقدم الأوكراني، فيما يلي:  


1- عدم التماثل القتالي في الحرب: تعاني الحرب الروسية في أوكرانيا جوانب عدم التماثل القتالي بين قوات مركزية ممتدة على مساحة جغرافية واسعة، وقوات أوكرانية صغيرة نسبياً وغير مركزية وسريعة الحركة. وهذا ملمح مشترك عند انخراط القوى الكبرى في حروب من هذا النوع، على النحو الذي شهدناه في أنماط الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في العقود الأخيرة وخرجت منها بهزائم عسكرية مع طول أمد العمليات. 

2- شكوك حول الهجوم العسكري الأوكراني المُضاد: لا يوجد ما يؤشر على أن التقدم الأوكراني الأخير في بعض المناطق يمثل بداية لعملية هجوم عسكري مُضاد، فالهجوم كان على محور واحد وتم بشكل خاطف وسريع، وسبقه إخفاق أوكراني في اختراق محور خيرسون الجنوبي. وسيتطلب انتقال العمليات الأوكرانية إلى مرحلة الهجوم المُضاد ثبات القتال على الجبهات الثلاث أو على الأقل إحداث اختراق في خطوط السيطرة الروسية بطرد قواتها في الشرق، وهو الأمر الأكثر صعوبة؛ نظراً لتعميق موسكو وجودها العسكري والاستخباراتي في هذه المنطقة منذ عام 2014، والأمر ذاته ينطبق على الجنوب. كما أن القيام بهذه العملية المُنسقة سيتطلب زيادة الدعم الغربي للقوات الأوكرانية وجعلها قادرة على تهديد الداخل الروسي، وبالتالي خلق هدف سياسي قوي لتخلي موسكو عن طموحاتها في أوكرانيا.  

3- تردد الغرب في التصعيد العسكري ضد موسكو: على الرغم من أن الدعم الغربي كان حاسماً في تحقيق التقدم الأوكراني الأخير، فإن الغرب مازال مُتردداً في اتخاذ خطوات تصعيدية عسكرية جادة ضد موسكو. فعلى سبيل المثال، كانت صواريخ "الهايمرس" (بمدى 80 كم) التي تسلمتها كييف من الولايات المتحدة فعّالة في استهداف بعض المواقع الروسية داخل أوكرانيا، إلا أن توظيفها في تهديد الداخل الروسي انطلاقاً من المنطقة المُستولى عليها حديثاً سيكون قراراً سياسياً بيد واشنطن التي ترفض منذ بداية الحرب تقديم صواريخ طويلة المدى أو الاتجاه لفرض منطقة حظر جوي داخل أوكرانيا لاعتبارات مُتعلقة بقواعد المواجهة غير المباشرة مع موسكو والتي تضع "خطوطاً حمراء" لتجنب الوصول إلى سيناريو "حافة الهاوية النووية". كذلك، مازالت ألمانيا مُترددة في تقديم أسلحة هجومية برية لدعم القوات الأوكرانية، وتتفاوض برلين مع دول أوروبية أخرى مثل سلوفينيا لإمداد كييف بدبابات سوفييتية سابقة.

4- ارتدادات قطع إمدادات الطاقة الروسية: يرتبط الدعم الغربي، والأوروبي تحديداً، بتداعيات سياسات الطاقة "العقابية" لموسكو تجاه الغرب، خاصةً بعد قطع إمدادات الغاز عبر خط "نورد ستريم 1". وقد يؤدي الشتاء القادم وما يحمله من المزيد من الضغوط الاقتصادية والأعباء التضخمية على موازنات الدول الغربية، إلى تقليص الدعم العسكري والاقتصادي لكييف، خصوصاً في حال تصاعد التأثير الشعبوي اليميني الأقرب إلى وجهة النظر الروسية. 

تعبئة موسكو:

ظهرت ردة فعل موسكو على التقدم العسكري الأوكراني في التصريحات التي أدلى بها الرئيس بوتين يوم 16 سبتمبر 2022، مشيراً إلى أن جزءاً من القوات الروسية هو الذي يقاتل في أوكرانيا، وهدد "برد عنيف" في حالة استمرار الهجمات الأوكرانية. ويبدو أن هذه التصريحات كانت موجهة في جزء منها للداخل الروسي، لاسيما بعد انتقادات اليمين القومي للقيادة العسكرية واتهامها بالتخاذل في مواجهة التقدم الأوكراني. كما يسعى بوتين إلى تأكيد قدرة بلاده على تحقيق أهدافها الاستراتيجية حتى في حالة "التراجع التكتيكي".

وبدأت موسكو بالفعل في اتخاذ خطوات تصعيد عسكري من خلال الاستمرار في استهداف مواقع في الداخل الأوكراني، والضغط على "جيوب المقاومة" في الشرق، وصولاً إلى إعلان الرئيس بوتين التعبئة العامة العسكرية الجزئية اعتباراً من يوم 21 سبتمبر 2022، وهو التطور الخطير الذي انطوى على العديد من الدلالات والدوافع، وأبرزها الآتي:


1- تصعيد عسكري روسي: هذه أول مرة تعلن فيها موسكو التعبئة العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يؤكد نية روسيا في تبني المزيد من الإجراءات التصعيدية في حربها ضد أوكرانيا وحلفائها من الدول الغربية.

2- سد العجز في القوات الروسية: تشير بعض التقديرات إلى أن القوات الروسية في أوكرانيا عانت في الفترة الأخيرة من خسائر بشرية، وهو ما يدفع موسكو إلى تعويض هذا النقص عبر الدفع بمزيد من القوات الإضافية. إذ يتضمن قرار التعبئة الجزئية استدعاء 300 ألف من قوات الاحتياط الروسية، وبالتالي سينطبق على من لديه خلفية عسكرية. وعلى الرغم من ردود الفعل الغربية التي اعتبرت هذه الخطوة الروسية دليل "ضعف"، فإنها تبدو واقعية في ظل جمود خطوط الجبهة العسكرية وتهديد الضغط الغربي لأهداف موسكو الاستراتيجية في أوكرانيا.   

3- وقف الدعم الغربي لكييف: يُدرك بوتين أن الدول الغربية وحلف "الناتو" زادت من دعمها العسكري لأوكرانيا، وهو ما ظهرت نتائجه في الهجمات المُضادة التي شنتها القوات الأوكرانية خلال الفترة الأخيرة. كما لوح الرئيس الروسي، في خطابه يوم 21 سبتمبر الجاري، إلى ما تمتلكه بلاده من أسلحة دمار شامل، مشيراً في هذا الصدد أيضاً إلى تعرض روسيا لتهديدات نووية. وبالتالي يسعى بوتين إلى ردع الغرب والتهديد بسياسة "الأرض المحروقة" في حالة استمرار الدعم المُقدم لكييف.

4- دعم الاستفتاءات في المناطق الانفصالية: اتجهت روسيا أيضاً لتغيير قواعد المواجهة مع أوكرانيا من خلال دفع الانفصاليين الروس في دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزاباروجيا لإجراء استفتاءات حول الانضمام للاتحاد الروسـي في الفترة ما بين 23 و27 سبتمبر 2022. ويعني إجراء مثل هذه الاستفتاءات أن موسكو لم تعد مُهتمة بالتفاوض حول إنهاء الحرب الأوكرانية، وأنها قادرة على تثبيت وجودها في هذه المناطق اعتماداً على الأقليات الروسية فيها، وأيضاً بقوة السلاح. وفي هذا الإطار، شدد بوتين يوم 21 سبتمبر الجاري على ضمان إجراء الاستفتاءات في المناطق الأوكرانية التي تريد الانضمام إلى روسيا.

الخلاصة أنه لا تلوح في الأفق حالياً نهاية الحرب الروسية – الأوكرانية، بل إن كل المؤشرات تُرجح اتجاهها نحو مزيد من التصعيد في ظل إعلان موسكو التعبئة العسكرية الجزئية في مواجهة دعم الدول الغربية لكييف، وإصرار هذه الدول على الاستمرار في هذا الدعم العسكري والضغط على بوتين حتى مع تهديد الأخير باستخدام ما لديه من أسلحة دمار شامل، وهو ما يُنذر بسيناريو مُخيف في الفترة المُقبلة، ولا يبدو أن أياً من الأطراف قادر على تحمل تبعاته.

Friday, May 6, 2022

يتعين على الحكومة عدم تضييع رافعة استراتيجية مثل "جي ستريت" من أجل تحقيق أهدافها

 معاريف"، 27/4/2022

يتعين على الحكومة عدم تضييع رافعة استراتيجية مثل "جي ستريت" من أجل تحقيق أهدافها


آفي جيل - مدير عام سابق لوزارة الخارجية، وزميل باحث في معهد سياسة الشعب اليهودي
 
    • اللوبي اليهودي "جي ستريت"، المتماهي مع الحزب الديمقراطي، كان موضع عدم اكتراث من جانب الحكومات الإسرائيلية أعواماً طويلة. وعندما قرر شمعون بيرس الخروج عن الخط المعتاد والاجتماع بممثلي المنظمة في مركز الرئاسة الإسرائيلية، لم تتأخر الانتقادات في الظهور. ولم يتبدد الموقف المتحفظ لإسرائيل الرسمية بمرور الأعوام. لكن اليوم، وفيما يتعلق بالقضية النووية الإيرانية، فإنه من الممكن أن تكون منظمة "جي ستريت" حليفاً فاعلاً بصورة خاصة.
    • يُظهر الاستطلاع الأخير الذي أجراه "المعهد الانتخابي اليهودي" أنه على رأس قائمة الموضوعات التي تستقطب اهتمام اليهود في الولايات المتحدة يوجد موضوع البيئة (29%)، بينما يحتل موضوعا إسرائيل (4%) وإيران (3%) أسفل القائمة. هذه الصورة يجب أن تثير القلق لدى السياسيين في إسرائيل. وحتى لو قررت إسرائيل الدفع قدماً بإصلاحات عميقة من أجل ترميم علاقاتها بالشتات، فإن المهمة ستستغرق سنوات.
    • التهديد الذي تمثله إيران لن ينتظر نضوج عملية ترميم كهذه. مع اتفاق نووي أو من دونه، إسرائيل بحاجة منذ الآن إلى مساعدة كبيرة من الولايات المتحدة، سواء على صعيد العتاد العسكري، أو من أجل الصراعات على الساحة السياسية. ويتعين على الحكومة الإسرائيلية فحص كل الإمكانات من أجل تحقيق ما تريده من واشنطن.
    • العنصر الفوري القادر على المساعدة من أجل تحقيق هذه المهمة هو يهود الولايات المتحدة. لكن في الأعوام الأخيرة، تحول التعاون بين إسرائيل وبين يهود أميركا إلى مشكلة. سِجِلّ المواجهة الصعبة التي دارت بين نتنياهو وأوباما بشأن المسألة الإيرانية لم ينسَه يهود أميركا. لقد شكلت هذه المواجهة صدمة تسببت بتعميق الشرخ مع إسرائيل، وألحقت الضرر بعمل المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة.
    • كما تسببت هذه القضية بتقسيم الجالية اليهودية، وأدى سلوك نتنياهو إلى مفاقمة هذا الشرخ. لقد شعر اليهود، ناخبو الحزب الديمقراطي (الذين يشكلون نحو 70% من الجالية)، بأن نتنياهو يتجاهلهم، وأن أنصاره يعتبرون أن الإنجيليين أكثر ولاءً منهم لإسرائيل. لم يغِب تأثير هذه الصدمة عن حكومة بينت - لبيد، التي تتصرف بحذر مبالَغ فيه، انطلاقاً من رغبة إيجابية بحد ذاتها في ترميم العلاقات مع يهود أميركا - كي لا تبدو كأنها تضعهم بين المطرقة والسندان. الباندول انتقل من قطب متطرف إلى قطب معاكس، وهذا أيضاً ينطوي على خطر.
    • بينت ولبيد وغانتس لن يكرروا تصريحات، مثل تصريحات سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة داني دانون، من حزب الليكود، حين قال: ("يتعين على الزعامة اليهودية الأميركية الاختيار بين تأييد الاتفاق النووي مع إيران، أو تأييد إسرائيل")، لكن لا يزال هناك مجال للتعبير عن حاجات إسرائيل والعمل بالحساسية المطلوبة.
    • ضمن هذا الإطار، فإن اللوبي اليهودي "جي ستريت"، بصورة خاصة، يمكن أن يكون فعالاً. اللوبي الذي يتماهى مع خط الحزب الديمقراطي أيّد سياسة أوباما، وبعده بايدن، اللذين سعيا للتوصل إلى اتفاق مع إيران. ولا يستطيع أحد اتهام "جي ستريت" بعدم الولاء للرئيس بايدن، وفي حال وُقّع الاتفاق، فإن المنظمة ستتجند من أجل الدفع قدماً بخطوات تضمن رقابة أكبر على تطبيقه، من خلال تعزيز قوة إسرائيل، وإذا لم يوقَّع الاتفاق – فإنها ستدفع قدماً بخطوات صارمة لمنع حصول إيران على سلاح نووي، ولجم مساعيها التخريبية.
    • إجراء حوار مع "جي ستريت" ومؤيدي اللوبي من ناخبي الحزب الديمقراطي، هو السبيل الناجع للبدء مجدداً بإثارة اهتمام اليهود في الولايات المتحدة بالتحديات التي تواجهها إسرائيل. عندما يتعاظم تهديد حقيقي للأمن القومي لإسرائيل على الشعب اليهودي عموماً، من واجب الحكومة الإسرائيلية عدم الانجرار إلى مجاملات لا لزوم لها من أجل إسماع صوتها. وفي الوقت عينه، يجب عدم تضييع فرصة استخدام رافعة استراتيجية، مثل "جي ستريت"، من أجل تحقيق أهدافها.

معهد سياسة الشعب اليهودي

https://stringfixer.com › JPPI
 
 

هآرتس : أربعة تهديدات خطيرة لإسرائيل ، وتقريباً كلمة واحدة عن إيران

هآرتس : أربعة تهديدات خطيرة لإسرائيل ، وتقريباً كلمة واحدة عن إيران

 

هآرتس : أربعة تهديدات خطيرة لإسرائيل ، وتقريباً كلمة واحدة عن إيران

هآرتس 4/5/2022 – بقلم: عاموس هرئيل

 من النادر أن تنجح الصحف في تكريس وقت أو تفكير لما ينتظرنا خلف الأفق على بعد بضعة أسابيع في الساحة الأمنية – الاستراتيجية. إن تغطية عشوائية لعناوين الصحف في السنة الماضية ستكشف خلطة التهديدات العادية: إيران، و”حزب الله”، وبدرجة متواترة أكثر الإرهاب الفلسطيني؛ من إطلاق الصواريخ من غزة وحتى هجمات لمخربين أفراد من الضفة الغربية. في الحقيقة، يجب على إسرائيل أن تنظر أكثر لما وراء ذلك. هذه أربع من المشكلات الحادة التي تواجهها دون أي كلمة “تقريباً” عن إيران.

عرب أكثر من اليهود

في السنتين الأخيرتين، أجرت هيئتان أمنيتان على الأقل فحصاً غير رسمي لمسألة حساسة، وهي الديمغرافيا الإسرائيلية – الفلسطينية. الاختباران اللذان استندا إلى جمع وتحليل بيانات من جهات مختلفة تعمل في الإحصاء توصلا إلى استنتاج متشابه: في وقت معين حول سنة 2020 حدثت نقطة الانقلاب. منذ ذلك الحين، وللمرة الأولى منذ عشرات السنين، أصبح عدد العرب بين البحر والنهر أقل من اليهود. إن تنوع المجموعات العرقية ذات المكانة القانونية المختلفة، بين البحر والنهر، يعد معاً أكثر بقليل من 14 مليون نسمة. عندما نجمعها معاً من جانب اليهود ومن الجانب الآخر العرب ذوي المواطنة الإسرائيلية والفلسطينيين الذين يحملون بطاقات الهوية الإسرائيلية في شرقي القدس وفلسطينيين من الضفة وفلسطينيين من القطاع، فإن الرقم تقريباً متساو مع أفضلية عددية بسيطة للجانب العربي.

هذه نقطة انقلاب مهمة؛ لأن هذه التوجهات قد تستمر طوال الوقت، وربما تزداد الفجوة قليلاً بسبب الفروق في الولادات بين القطاعات المختلفة (رغم تقليص آخر متوقع في الولادة في أوساط العرب). على المدى الأبعد، سيزيد إدراك هذه الحقيقة في المجتمع الدولي أيضاً. في هذه الظروف، ستجد إسرائيل صعوبة أكبر في تعزيز احتلال أبدي في مناطق واسعة في الضفة، حيث جزء من الفلسطينيين هناك يقع تحت سيطرتها الكاملة، وجزء آخر تحت سيطرة فعلية جزئية (حواجز واعتقالات ومحاكمات)، وجميعهم محرومون من الحق في التصويت للمؤسسات المنتخبة في إسرائيل.

الادعاء بأن الأمر يتعلق بوضع مؤقت إنما ينبع من ظروف أمنية غير قابلة للحل في هذه الأثناء، ويُنظر إليه بتشكك متزايد في الغرب. في الوقت نفسه، تشير الاستطلاعات التي أجريت في أوساط الفلسطينيين في المناطق في السنوات الأخيرة إلى تأييد متزايد لفكرة الدولة الواحدة. المزيد من الفلسطينيين، بالأساس أبناء الجيل الشاب، يتخلون عن تأييد فكرة الدولتين لافتراض حل الأمور من تلقاء نفسها لصالحهم في نهاية المطاف. الأفضلية الديمغرافية ستخلق في النهاية ضغطاً دولياً غير محتمل على إسرائيل، الأمر الذي سيجبرها على التنازل والاتحاد مع الأكثرية العربية.

 رأى رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، على مدى سنين، أن إحباط إقامة دولة فلسطينية هو أحد أهدافه الأساسية. اتبع نتنياهو كل تكتيك يخطر بالبال للتأجيل. ولعب في صالحه عدم مرونة القيادة الفلسطينية رغم أن من يترأس الفصيل القومي، رئيس السلطة محمود عباس، هو كما يبدو أكثر زعماء هذه الحركة طوال حياتها اعتدالاً. تحت ضغط كبير من الرئيس باراك أوباما، اعترف نتنياهو بحل الدولتين (في خطاب بار إيلان في 2009)، ووافق على تجميد مؤقت للبناء في المستوطنات. فعلياً، مرت السنين وبدأت الهزة في العالم العربي، وفقد أوباما الثقة والاهتمام باحتمالية حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. نتنياهو الذي لم يؤمن بذلك من البداية، عاد ليعبر عن مواقفه الأصلية، ومنذ العام 2017 حظي بدعم كبير متحمس من وريث أوباما، ترامب.

البناء في المستوطنات، الذي لم يتوقف ولو للحظة حتى في فترة التجميد، عاد بكامل الزخم. قبل فترة قصيرة، ذهب اثنان من رؤساء الإدارة المدنية السابقين إلى جولة شاملة في الضفة الغربية بعد فترة طويلة من الهدنة. كان استنتاجهما واضحاً، وهو أن بناء ممنهجاً للمستوطنين في السنوات الأخيرة، في بؤر استيطانية وفي مزارع زراعية وفي توسيع المستوطنات القائمة، يخلق هناك واقعاً جديداً يحول فكرة الفصل بين المجموعتين السكانيتين تقريباً إلى أمر غير قابل للتطبيق. في المقابل، يبدو أن هناك جهوداً فلسطينية مضادة للبناء في مناطق “ج”، التي هي حسب اتفاقات أوسلو خاضعة لسيطرة أمنية ومدنية إسرائيلية. يملي الطرفان حقائق على الأرض، واقعاً يخرج الهواء من بالون حل الدولتين بالتدريج.

لم يكتف نتنياهو بذلك؛ فقد ادعى اليمين في إسرائيل على مدى سنين بأنه يمكن الفصل بين النزاع مع الفلسطينيين (مع الحفاظ على الوضع القائم) وبين علاقات إسرائيل مع العالم، حتى مع العالم العربي. في المقابل، ادعى اليسار بأن وضع إسرائيل الدولي بدون الانسحاب من “المناطق” [الضفة الغربية] سيزداد خطورة ولن يكون بالإمكان شق طرق دبلوماسية جديدة نحو دول صديقة في المنطقة. التحالف مع ترامب ساعد نتنياهو في إبطال هذه المعادلة، واتفاقات إبراهيم وخطوات أخرى أنتجت تطبيعاً وتحسيناً في العلاقات مع أربع دول عربية هي الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.

  رأى رئيس الحكومة من الليكود ومؤيديه في ذلك دليلاً دامغاً لتبرير ادعاءاته. حسب رأيهم، حتى العرب لم يعودوا يهتمون بالاحتلال وهم على استعداد، مع حث مناسب من الأمريكيين، لغض النظر عن استمراره لصالح تحالف استراتيجي وتكنولوجي مع إسرائيل إزاء تهديد إيران المتزايد. في الوقت الذي كانت فيه العلاقات القريبة مع ترامب في ذروتها، وقبل أن يهاجم الرئيس الأمريكي السابق نتنياهو في مقابلة مريرة مع الصحافي براك ربيد، اعتقد نتنياهو أنه نجح في إدخال الدولة الفلسطينية في تجميد عميق.

 استمرت هذه السياسة وبدرجة كبيرة أيضاً في الحكومة الحالية، تحت إدارة جديدة. الادعاء في هذه المرة مختلف تقريباً؛ فهذه حكومة توحد الوسط واليمين واليسار (حتى حزب عربي مسلم) تحت هدف واحد، وهو إبعاد نتنياهو عن سدة الحكم. ولأن الفروق بين الأحزاب كبيرة جداً حول القضية الفلسطينية، ولأن الفلسطينيين أصلاً لا يظهرون أي استعداد للتنازل، فإن المفاوضات السياسية لم تعد ذات صلة، لذلك يجب مواصلة الوضع القائم.

تحمل الخلفية رواسب الانتفاضة الثانية، التجربة الأكثر تكويناً بالنسبة للرأي العام في العقود الأخيرة. رعب الموت الذي أبقته العمليات الانتحارية هنا، مهما تم إبعاده، رسخ في أوساط الإسرائيليين شكوكاً عميقة تجاه الفلسطينيين وخوفاً من الانسحاب. الحكمة التقليدية، لدى اليمين وحتى لدى بعض الوسط السياسي، هي أن كل أرض أعيدت للعرب في الضفة الغربية وغزة وحتى في لبنان، استخدمت بعد ذلك منصة لإطلاق الصواريخ أو إرسال المخربين الانتحاريين.

هكذا ولد شرك 2022 كامل تقريباً مثل الذي اخترعه الكاتب جوزيف هيلر قبل ستين سنة تقريباً. إذا هدأت الساحة الفلسطينية نسبياً، وخفت العمليات، فلن يكون هناك ضغط سياسي في إسرائيل للتقدم من أجل فحص حل سياسي (المستوطنات تزداد في هذه الأثناء). ورغم كل ذلك، إذا حدث تصعيد فمن المحظور التنازل؛ لأن كل مفاوضات في هذه الظروف تعني خضوعاً مهيناً للإرهاب. في هذا الوضع، الذي استمر لسنوات، لا أحد يوجه بالضبط قادة الجيش كيف يتصرفون. ويتوقع أن يدركوا بدون كلمات، وبالتأكيد بدون وثائق، وجهة سعي المستوى السياسي. هكذا يدار واقع، حتى من أيام أريئيل شارون كرئيس حكومة في بداية سنوات الألفين، التي يعلن فيها الجيش الإسرائيلي من جهة بأن البؤر الاستيطانية غير القانونية لأنها بنيت على أراض فلسطينية خاصة، ويهتم من جهة أخرى بتوفير الحماية وعوامل الأمن لها خوفاً من أن يتضرر سكانها (شارون زاد على ذلك واعتاد على الالتقاء مع رؤساء المستوطنين في الليل كي يخطط بالتفصيل لبناء بؤر استيطانية جديدة، التي تنصل منها في الصباح أمام الأمريكيين).

للفلسطينيين طرق خاصة بهم للإمساك بعنقنا وتذكيرنا بوجودهم. وتدل على ذلك موجة العمليات الأخيرة التي بدأت في منتصف آذار الماضي. الخطاب المتطرف الذي ألقاه رئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، الأسبوع الماضي، جسد درجة انعدام تقديرات إسرائيل عن اعتدال حماس الظاهر. في الخلفية، تستمر جهود متطرفين فلسطينيين وإسرائيليين لإعطاء المواجهات بعداً دينياً قوياً بقدر الإمكان. سلوك الجيش الإسرائيلي العقلاني والشرطة، أثبت في الشهر الماضي أنه يمكن أحياناً وقف التصعيد العنيف، لكننا ما نزال في أيدي من اعتادوا أن يسموا في الجيش العريف الاستراتيجي، وخطأ لجندي أو قائد صغير على الحاجز، الذي من شأنه أحياناً إشعال المنطقة.

       عندما تنسحب الدولة

التوتر في “المناطق” [الضفة الربية] وجه الاهتمام مؤخراً إلى هناك، لكن من الجدير التذكر كيف بدأت الموجة الحالية. المخربون الذين نفذوا العمليات في بئر السبع والخضيرة كانوا عرباً من مواطني إسرائيل، يؤيدون داعش، اثنان منهم قضيا عقوبة في السجن بسبب العلاقة مع هذا التنظيم المتطرف. هذه العمليات التي ظهر بعدها مقلدون من الضفة تعكس جزءاً من مشكلة أوسع بكثير، وهي الانسحاب المتواصل للدولة من كل نشاط، ومن الأعمال الشرطية، ومروراً بجباية الضرائب، وحتى العمل اليومي للوزارات الحكومية في البلدات العربية. تداعيات السياسة طويلة الأمد، العمل وعدم العمل، ظهرت في السنوات الأخيرة على صعيدين، وهما العنف الوطني الشديد في المدن المختلطة في فترة عملية “حارس الأسوار: في آذار الماضي، وفي ارتفاع حاد في عدد عمليات القتل على خلفية جنائية بين العرب أنفسهم. الحكومة الجديدة، نقول لصالحها، تهتم بذلك أكثر من سابقتها.

تبذل الشرطة الآن، بتوجيه من وزارة الأمن الداخلي، جهوداً واضحة لمصادرة السلاح غير القانوني، وتحاول للمرة الأولى مواجهة عصابات الجريمة المنظمة في المجتمع العربي. منذ بداية السنة الحالية، يظهر هناك انخفاض 40 في المئة في عدد عمليات القتل، بعد ذروة بلغت 136 عملية قتل في السنة الماضية. رداً على الضغط الذي استخدمه بينيت، زاد “الشاباك” تدخله في جمع المعلومات الاستخبارية عن الجريمة الخطيرة في الوسط العربي، في الوقت الذي يمس فيه بالخط الفاصل بين الأحداث القومية والجنائية ويركز على مكافحة انتشار السلاح.

في الأسبوع الماضي، تركز الاهتمام العام، للحظة، على ما يحدث في مدينة رهط البدوية في النقب. قبيلتان اشتبكتا في نزاع كان موضوعه جزئياً جباية الخاوة من مشاريع تجارية، وعصابات مسلحة أطلقت النار لساعات على بعضها في أرجاء المدينة. قبل ذلك بفترة قصيرة، قام مسلحون بتخريب مولدات شركة الكهرباء قرب المدينة وعطلوا تزويد المنطقة بالطاقة. في الوقت نفسه، قام شخص بتخريب خطوط السكة الحديدية في منطقة “كريات غات”. نحن بحاجة فقط إلى تخيل العاصفة التي قد تثور وكيف سترد الدولة لو تضرر التموين أو حركة القطارات جراء إطلاق الصواريخ من غزة أو من هجوم سايبر إيراني.

 

ما يحدث في البلدات العربية لم يقتصر على امتناع متعمد عن قيام الشرطة بالعمل الذي بدأ بعد أحداث تشرين الأول 2000 التي قتل فيها 13 عربياً في مواجهات مع الشرطة، ففشل الحكومة أكبر وينعكس تقريباً على كل مجالات الحياة، من التعليم وحتى التشغيل. وبادرت حكومة نتنياهو بالتحديد إلى إجراء تغيير مرحب به في السياسة في 2015 عندما خصصت 30 مليار شيكل لبرنامج يمتد لست سنوات لمساعدة الوسط العربي. المأساة أن جزءاً كبيراً من الأموال لم يصل إلى أهدافه الأصلية؛ لأن منظمات الجريمة فرضت رعباً على السلطات والمجالس وأخذت مبالغ كبيرة لجيوبها دون أن تخرج هذه المشاريع إلى حيز التنفيذ.

في مرحلة متأخرة أكثر، ساهمت الحرب الضروس التي أعلنها نتنياهو على سلطات إنفاذ القانون في إطار جهوده للتهرب من محاكمته الجنائية، في إضعاف الشرطة والنيابة العامة، وصعبت على إنفاذ القانون في البلدات العربية. تسلم بينيت قيادة مشلولة تقريباً في الشرطة وفي مصلحة السجون، في الوقت الذي كان فيه رؤساء هذه الأجسام متورطين في تحقيقات دراماتيكية حول الكارثة في جبل ميرون (الشرطة) والهرب من سجن جلبوع (مصلحة السجون). هذا أحد أسباب بقاء نفس الفقاعات الكبيرة من عدم وجود سيادة للقانون في البلدات العربية، وبقيت هذه مشكلة لن تستطيع أي حكومة تجاهلها، سواء لأن الجريمة ستنزلق نحو البلدات المختلطة واليهودية أو لأنها ستترجم إلى عنف قومي في حالة حدوث اشتعال آخر بين إسرائيل والفلسطينيين.

لقد قام بينيت ويئير لبيد بالتحديد بخطوة إلى الأمام بقرارهما ضم “راعم” إلى الائتلاف. الشراكة مع “راعم” وتصريحات رئيس القائمة، عضو الكنيست منصور عباس، تعرض للمرة الأولى في نظر كثيرين مثالاً ممكناً لحياة مشتركة. إذا انهار الائتلاف قريباً فمن المحتمل أن يكون لذلك تأثير سلبي على العلاقة بين اليهود والعرب داخل الخط الأخضر، عندما يراكم المتطرفون في الوسط العربي زخماً جديداً.

دافعية انتقائية

  يبذل الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة جهوداً دعائية وتسويقية كبيرة مخصصة للإثبات بأن زيادة ميزانية الدفاع تترجم لتحسين واضح في قدراته في مجالات، مثل استخدام النيران وجمع المعلومات والمهاجمة بالسايبر. الخطة متعددة السنوات “تنوفا”، التي قادها رئيس الأركان افيف كوخافي، أطلقت عمليات طموحة، بعيدة المدى، من شأنها أن تعطي الجيش أفضلية واضحة على العدو في حالة حدوث حرب مع “حزب الله” أو حماس. ولكن الخطة لا تحل مشكلتين من المشاكل الأساسية التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي: الانهيار التدريجي في نموذج التجنيد القائم، والحرج المفاهيمي بخصوص استخدام القوات البرية في مواجهة مستقبلية، التي ستحدث في معظمها في مناطق مأهولة مكتظة.

أزمة الطاقة البشرية -حسب رأيي- هي التهديد الأساسي للجيش الإسرائيلي، إذا لم يكن لأمن إسرائيل بشكل عام. ففي الواقع، لا يتجند للجيش إلا نحو نصف أبناء 18 سنة في إسرائيل، والوضع لدى الأبناء اليهود أفضل، ولكنه 70 في المئة فقط، وليس فائدة من الحديث عن المساواة في توزيع العبء. المشكلة أقل سياسية مما نتخيل. في الغالب، هي لا تنبع مباشرة من الإحباط إزاء نسبة كبيرة للأصوليين الذين لا يتجندون (15 في المئة من الملزمين بالتجنيد) أو التحفظات من القيام بنشاطات شرطية في “المناطق” [الضفة الغربية]. هي ترتبط أكثر بالتغييرات في المجتمع الإسرائيلي وبطبيعة المتجندين.

بفضل عدد من الأعمال السحرية المعاونة، يعرف الجيش الإسرائيلي كيف يظهر لنا حدوث زيادة في الدافعية للخدمة القتالية في السنوات الأخيرة. ولكن يبدو أنه استنتاج يرجع أساساً إلى التغيرات في طريقة وموعد طرح الأسئلة على المجندين. فعلياً، سجل أيضاً ارتفاع كبير في عدد الحاصلين على الإعفاء النفسي من الخدمة، حتى 12 في المئة من الشباب في الدورات الأخيرة. وهذه الظاهرة قد تزداد خطورة على خلفية تداعيات نفسية جراء أزمة كورونا على الشباب.

في الذكرى الـ73 لقيام إسرائيل: ميزان استراتيجي مرحلي

 عهد السياسات والاستراتيجيا في جامعة ريخمان برئاسة رئيس المعهد عاموس جلعاد، 2/5/2022

في الذكرى الـ73 لقيام إسرائيل: ميزان استراتيجي مرحلي
باحثون من معهد السياسات والاستراتيجيا في جامعة ريخمان برئاسة رئيس المعهد عاموس جلعاد

 


  • عشية الذكرى الـ 73 لقيام إسرائيل تواجه الدولة سلسلة تحديات معقدة تتبلور في تهديد استراتيجي عام، في طليعته إيران (البرنامج النووي والتوسع الإقليمي)، والمشكلة الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة)، والأزمة العالمية بأبعادها التاريخية وتداعياتها المباشرة على الشرق الأوسط. إلى جانب ذلك تعيش إسرائيل مرحلة استقرار، وتعكس قوة استراتيجية على الساحتين الدولية والإقليمية من خلال ترسيخ الردع والتفوق العسكري.

الساحة الفلسطينية: قابلة للانفجار تكتيكياً واستراتيجياً

  • استعدت إسرائيل لمواجهة سيناريو تصعيدي في شهر رمضان، فعملت مسبقاً على تحييد مراكز الاحتكاك في القدس (الشيخ جراح والحرم القدسي الشريف)، وسمحت بدخول واسع النطاق للمصلين المسلمين إلى المسجد الأقصى، وبالاحتفالات برمضان في بوابة نابلس، ومنعت العقوبات الجماعية من خلال المحافظة على التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية.
  • في المقابل، قامت "حماس" بجهد تحريضي واسع النطاق بهدف تصعيد الوضع في القدس والضفة الغربية ووسط العرب في إسرائيل، وعملت على جعل إسرائيل تدفع الثمن على صعيد الوعي على الساحتين الدولية والإقليمية. وكان الهدف من تحرك "حماس" تعزيز قيادتها على الساحتين الفلسطينية والإقليمية كمدافعة عن "المقدسات الإسلامية"، وتعزيز موقعها للاستيلاء على الزعامة السياسية في "اليوم التالي" بعد أبو مازن.
  • في هذه المرحلة، نجحت إسرائيل في منع التدهور إلى تصعيد واسع النطاق في الضفة الغربية وفي قطاع غزة (على الرغم من إطلاق الصواريخ من القطاع ومن لبنان)، وفي عدم تحويل الانتباه الدولي من الساحة الأوكرانية إلى الشرق الأوسط. في المقابل، لم تجعل إسرائيل "حماس" تدفع الثمن على الرغم من أن الأخيرة هي التي قادت التصعيد من وراء الكواليس، فخاضت معركة لجم واحتواء تكتيكية في مواجهة استراتيجيا "حماس" الشاملة.
  • على الصعيد الإقليمي، باءت محاولات التنسيق الاستراتيجي المسبق مع الأردن بالفشل، وأدت إلى نشوب أزمة علاقات ثنائية بين الدولتين بسبب سلوك إسرائيل في القدس، وطالب الأردن بتعزيز دور الوقف والتشدد في تطبيق الوضع القائم. مع ذلك، وعلى الصعيد الإقليمي الواسع النطاق، وعلى الرغم من ارتفاع حجم التحريض والانتقادات العلنية ضد إسرائيل، فإن هذا لم يؤد إلى تصدع التعاون الاسترتيجي والأمني الجاري.

هل هناك عودة إلى الاتفاق النووي؟

  • قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين أمام مجلس الشيوخ إن إيران تستطيع أن تطور قنبلة نووية خلال أسابيع معدودة إذا قررت أن تفعل ذلك. وفي توضيح أصدره البيت الأبيض جرى التشديد على أن الحجة التي عُرضت تتعلق بالوقت الذي تستطيع خلاله إيران تخصيب المادة الانشطارية المطلوبة من أجل إنتاج قنبلة، بدءاً من اللحظة التي تقرر فيها تطوير سلاح نووي وليس إنتاج قنبلة فعلاً. وشدد بلينكين على أن الحل الدبلوماسي ما زال هو المفضل، ولم يستخدم لغة تهديدية ضد إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
  • في هذه المرحلة، لم تتقدم المفاوضات بسبب مسألتين مركزيتين هما: عدم استعداد الولايات المتحدة إزالة الحرس الثوري الإيراني عن قائمة التنظيمات الإرهابية في ظل الانتقادات السياسية والأمنية، والتخوف من تداعيات القرار على الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر، وضغط حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الوسط على واشنطن وعلى البيت الأبيض؛ مطالبة إيران بضمانات أميركية بأن الولايات المتحدة لن تنسحب من الاتفاق الجديد في حال تغيرت السلطة في واشنطن.
  • بالنسبة إلى إيران، فإن العودة إلى الاتفاق النووي ستؤدي إلى تحرير الأموال المجمدة في الحسابات المصرفية في الخارج (حوالي 100 مليار دولار)، وإلى انخراطها كلاعب مهم في سوق النفط والغاز في فترة أزمة عالمية وارتفاع أسعار. مع ذلك، فإن عدم الثقة والشكوك المتبادلة بين الطرفين، بالإضافة إلى ظروف سياسية داخلية، كلها أمور يمكن أن تؤدي إلى فشل بلورة الصفقة.
  • الاستراتيجيا الإيرانية شاملة وثابتة، فإلى جانب الاستمرار في التوظيف في تطوير المعرفة والقدرات النووية، تعمل طهران على تعزيز نفوذها الإقليمي، سواء بواسطة مواصلة تمركزها الإقليمي في العراق وفي سورية ولبنان أو من خلال إجراء حوار استراتيجي لتحسين العلاقات الثنائية مع السعودية وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الإمارات. في المقابل لا تتخوف طهران من استخدام الضغط على دول الخليج بواسطة قوات وكلائها في اليمن، أو الضغط على الولايات المتحدة من العراق، بل هي تسعى إلى تصديع اتفاقات أبراهام، وإضعاف المنظومة الموالية لأميركا في المنطقة، والدفع نحو انسحاب القوات الأميركية، وبالتالي ترسيخ نفوذها الإقليمي واستخدام ضغط عام على إسرائيل من خلال إبعاد التهديدات عن حدودها.
  • في المقابل تتحرك إسرائيل من خلال المعركة بين الحروب لمنع التمركز الإيراني في المنطقة، والمحافظة على حرية تحركها العملاني من خلال آلية منع الاحتكاك مع الروس، وتعزيز العلاقات الاستراتيجية-الأمنية مع المعسكر السني الموالي لأميركا بهدف استخدام ضغط معاكس على طهران. وفي هذا الإطار فإن عودة الحرارة إلى العلاقات مع تركيا لها أهمية استراتيجية، في المدى البعيد، في المعركة في مواجهة إيران، وفي إضعاف الاعتماد الأيديولوجي والاقتصادي لـ "حماس".

...

توصيات لإسرائيل

  • التصعيد على الساحة الفلسطينية خلال شهر رمضان يؤكد من جديد الحاجة إلى مناقشة الاستراتيجيا الإسرائيلية إزاء "حماس". فالمبادرات الإسرائيلية الواسعة النطاق التي أُعطيت لغزة بعد عملية "حارس الأسوار"، من دون المطالبة في المقابل بتنازلات من جانب "حماس"، سمحت للحركة بتوجيه "الإرهاب" والتحريض نحو الضفة الغربية وإسرائيل، مع المحافظة على مساعي إعادة إعمار القطاع، وعلى المساعدة في مقابل تهدئة أمنية. كذلك نجحت "حماس" في حمل العصا من الطرفين، وتطبيق استراتيجيا تؤدي إلى موضعتها في الساحة الفلسطينية بصفتها "المدافع عن القدس"، بالإضافة إلى تعزيز قوتها وبناها التحتية في غزة، في مقابل الحفاظ على الهدوء الأمني.
  • يتعين على إسرائيل بلورة استراتيجيا شاملة هدفها إضعاف "حماس"، وتعزيز السلطة الفلسطينية. وفي هذا الإطار، يجب أن تدفع "حماس" ثمن أفعالها التدميرية، إلى جانب تعزيز السلطة الفلسطينية أمنياً واقتصادياً. ومن شأن عدم وجود استراتيجيا إسرائيلية شاملة، باستثناء السياسة الحالية لـ"إدارة النزاع" بواسطة سياسة "الجزرة والعصا"، تقليص القدرة الإسرائيلية على العمل في المجال العملاني وفي مجال الرد، الأمر الذي يساعد "حماس" على الساحة الفلسطينية.
  • يشكل الأردن رصيداً استراتيجياً في عقيدة الأمن القومي لإسرائيل، وزعزعة الاستقرار فيه ستنعكس بصورة مباشرة على الأمن الإسرائيلي على المستوى الاستراتيجي، وعلى الصعيد التكتيكي-العملاني (حدود، و"إرهاب"، وتمركز قدرات نارية لقوى وكلاء إيران). على هذا الصعيد يجب انتهاج سياسة إسرائيلية حكيمة من خلال تعميق الأرصدة الإسرائيلية في أمن المملكة، وذلك على الرغم من الخطاب الهجومي لعمّان بشأن كل ما له علاقة بالمسجد الأقصى والوضع القائم في القدس.
  • مستقبل الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وبين إيران لم يُحسم بعد، لكن في أي سيناريو سيكون على إسرائيل مواجهة تهديد معقد ومتعدد الأبعاد. إذ تفرض الاستراتيجيا الإقليمية لإيران والتطورات المحتملة لبرنامجها النووي على إسرائيل توطيد التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الأمنية مع المعسكر السني في المنطقة. وفي هذا النطاق المطلوب من إسرائيل التوظيف في بناء قوة خاصة بمساعدة أميركية من أجل تعزيز قدراتها المستقلة لمواجهة التهديدات الناشئة في الدائرتين الثالثة والأولى.
  • بالإضافة إلى ذلك لا تزال المعركة بين الحروب تشكل أداة فعالة لإخراج إيران من الساحة السورية، والمس بعمليات بناء حزب الله لقوته، وتعزيز قوة الردع الإسرائيلية في المنطقة. حتى الآن يبدو أن التنسيق الاستراتيجي مع موسكو لم يتضرر، وما زال الجيش الإسرائيلي يحتفط بحرية التحرك العملاني، لكن مع ذلك يتعين على إسرائيل أن تستعد لمواجهة انعكاسات الصراع العالمي على السياسة الروسية في الشرق الأوسط، وخصوصاً حرية عمل الجيش الإسرائيلي.
  • تعزز تطورات المعركة في أوكرانيا المخاوف من اندلاع مواجهة مباشرة بين الغرب وروسيا. ذلك بأن حدود المعركة تتوسع، ويحاول كل جانب بلورة منظومة تحالفات استراتيجية لتشديد /أو كسر الحصار على روسيا. في السياق الشرق الأوسطي تنعكس الأزمة في العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية والإمارات على قدرة واشنطن على بلورة ائتلاف إقليمي ضد روسيا.
  • - تقضي المصلحة الأمنية الإسرائيلية بقاء دول الخليج ومصر والأردن تحت الدعم الأميركي، في ضوء التداعيات الاستراتيجية الخطرة، في المدى البعيد، على أمن إسرائيل في حال حدوث تغيير، ولإسرائيل دور في التوسط بين واشنطن وبين المعسكر السني وتبديد التوترات. وهذا الدور يعزز أيضاً مكانة القدس وأرصدتها في واشنطن وفي دول المنطقة.
  • تقدم المعركة في أوكرانيا دروساً على المستوى العسكري – التنظيمي، وعلى المستوى العملاني –التكتيكي، منها: أهمية وجود استخبارات ذات دلالة ونوعية، والحاجة إلى تعزيز التفوق الجوي، وقدرة فعلية على المناورة، ونيران دقيقة وفتاكة، والدفع من المستوى الاستراتيجي إلى المستوى التكتيكي، إلى جانب تعزيز الدفاع المتعدد الأبعاد، والقدرة على الصمود وامتصاص الضربات، وترسيخ شرعية دولية وداخلية.
  • إن هذه الدروس يجب تعميقها في حال حدوث معركة على الجبهة الشمالية، أو معركة متعددة الجبهات قد تدخل فيها إسرائيل.