Saturday, January 16, 2021

ماذا قد تكون ضربة إيرانية أزمة "الساعة الأولى" خلال فترة رئاسة بايدن

 ماذا قد تكون ضربة إيرانية أزمة "الساعة الأولى" خلال فترة رئاسة بايدن

 ماذا قد تكون ضربة إيرانية أزمة "الساعة الأولى" خلال فترة رئاسة بايدن

بواسطة مايكل نايتس

٠٨‏/٠١‏/٢٠٢١


  

Also published in Politico


عن المؤلفين

Michael Knights

مايكل نايتس

مايكل نايتس هو زميل في برنامج الزمالة "ليفر" في معهد واشنطن ومقره في بوسطن، ومتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج.

مقالات وشهادة

يبدو أن العالم منشغل باحتمال نشوب نزاع مسلّح وشيك في الشرق الأوسط حيث تقوم الميليشيات العراقية التي ترعاها إيران بتكثيف هجماتها الصاروخية على المواقع الأمريكية وتفجيراتها للقوافل على جوانب الطرق. وقد تنتظر طهران ووكلائها إلى ما بعد حفل تنصيب جو بايدن لاتخاذ أي إجراء، مما قد يترك الرئيس الأمريكي المنتخب ليقرر كيفية تحقيق التوازن بين سلامة الأفراد الأمريكيين وفرصة إعادة الانخراط.


في الثالث من كانون الثاني/يناير، أحيت القيادة الإيرانية الذكرى السنوية الأولى للضربة الجوية الأمريكية التي أودت بحياة قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإسلامي» اللواء قاسم سليماني والقائد البارز للميليشيا العراقية التابعة لإيران أبو مهدي المهندس. ويبدو أن العالم منشغل باحتمال نشوب نزاع مسلّح وشيك في الشرق الأوسط حيث تقوم الميليشيات العراقية التي ترعاها إيران بتكثيف كل من هجماتها الصاروخية على المواقع الأمريكية وتفجيراتها للقوافل على جوانب الطرق، في ظل تحليق القاذفات الأمريكية من طراز "بي 52" [في سماء الشرق الأوسط] وتموضع القوات التي تنفذ عمليات القصف الدقيق التابعة للبحرية الأمريكية في الخليج.


وتكهَّن عدد من المراقبين بأن اشتباك عنيف مع إيران سيكون آخر خطوات الرئيس دونالد ترامب وأكثرها زعزعة للاستقرار خلال فترة ولايته. ولكن بدلاً من ذلك هناك احتمال كبير بأن الانتقام لمقتل سليماني والمهندس قد يكون الأزمة الأولى التي ستواجه إدارة بايدن.  


وتتراكم الأدلة منذ بضعة أسابيع على حصول مواجهة ما بعد 20 كانون الثاني/يناير. ففي 16 كانون الأول/ديسمبر حذّر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من أن انتقام إيران سيكون "في المكان والزمان المناسبين"، وبالتالي ليس بالضرورة خلال فترة ولاية ترامب، الذي تعهد بالرد بقوة إذا تعرض الأمريكيون للأذى. وداخل العراق، حذّرت «كتائب حزب الله»، الميليشيا الرئيسية المدعومة من إيران، من شن هجمات انتقامية إلى حين مغادرة ترامب، وحتى أنه نُقل في صحيفة "الأخبار" اللبنانية عن محمد الهاشمي، مبعوث الحكومة العراقية الذي أُرسل إلى إيران، مناشدته طهران بالحفاظ على الهدوء "إلى حين استلام إدارة بايدن الرئاسة من ترامب".    


وقد تُقيّد إيران [تحركات] شركائها من الميليشيات إلى حين نهاية إدارة ترامب ولكن ربما ليس بعد ذلك بكثير. وفي الدوائر الداخلية للحكومة الأمريكية حيث يتمّ تقييم التهديدات، يبدو أن العملية الانتقالية في 20 كانون الثاني/يناير ستمثل نافذة تصعيد خطيرة (ومغفل عنها). ويمكن أن تتمثل أولى مهام جو بايدن بالردّ على هجوم قاتل يستهدف الأمريكيين في العراق أو سوريا أو منطقة الخليج. 


وعادة ما شكّلت العراق تحديات مبكرة للرؤساء الأمريكيين الجدد: [على سبيل المثال]، كان أول استخدام للقوة من قبل بيل كلينتون في العراق وتمثّل بتنفيذ ضربات صواريخ كروز في حزيران/يونيو 1993 انتقاماً من مساعي صدام حسين لاغتيال الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب قبل ذلك بشهرين. كما كان أول استخدام للقوة من قبل الرئيس جورج دبليو بوش في العراق أيضاً وتمثّل بموجة من الضربات الجوية في شباط/فبراير 2001 مما أزعج بوش لأنّها عطّلت رحلته الأولى خارج الولايات المتحدة (إلى المكسيك).


ويمكن أن تشكّل أزمة عسكرية أولى لرئيس جديد لحظة تأسيسية، لا سيما في ظل ترقب المنافسين في القوى العظمى والدول المارقة على حد سواء من أجل تقييم القائد الجديد. وسيحتاج بايدن إلى تقييم تداعيات التصرف أو عدمه: وسيرغب جزء من قاعدته السياسية في تمييز الإدارة الجديدة عن الإدارة القديمة، ومد اليد إلى إيران، في حين سيشدّد مؤيدو النهج التقليدي على مستوى السياسة الخارجية على ضرورة إظهار الصرامة والحزم، خاصة إذا ما قُتِل مواطن أمريكي.


أما النتيجة الأفضل للجميع، فهي أن تدرك إيران ووكلاؤها أن ضرب المصالح الأمريكية في عهد بايدن لن يكون، بأي حال من الأحوال، أكثر أماناً أو أقل أهمية من المخاطرة بمثل هذه الخطوة في عهد ترامب. ويجب أن يعبّر الرئيس المنتخب بوضوح قبل 20 كانون الثاني/يناير أنه سيكون مستعداً، في الدقيقة الأولى، واليوم الأول، للرد بحزم على أي تهديد للأمريكيين. وفي 20 كانون الثاني/يناير، يجب على الإدارة الأمريكية الجديدة أن تشير أيضاً بهدوء لإيران بأن يدها ممدودة، لكن ذلك الانتقام من ترامب لا يزال انتقام من أمريكا وسيضع عقبات إضافية على طريق تخفيف العقوبات.


ويواجه فريق بايدن القادم مشاكل في الوصول إلى المعلومات التي عادة ما يتم توفيرها أثناء فترة الانتقال. يجب أن تكون الأولوية المبكرة مراجعة الخيارات العسكرية التي تم إعدادها، من أجل تعريف الفريق والسماح له بطلب إضافات وإجراء عمليات حذف بأسرع وقت ممكن. ويدرك فريق الأمن القومي المتمرس لبايدن، ولا سيما المرشح لوزير الدفاع لويد أوستن، قائد سابق للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، أن اللحظات المشحونة بعد أي هجوم ليست الوقت المناسب لتسجيل نقاط أو اكتشاف أنك لا تملك الخيارات العسكرية التي تلبي التوقعات. 


وإذا هاجمت إيران أو الميليشيات المدعومة من إيران في العراق المصالح الأمريكية في مرحلة متأخرة جداً من رئاسة ترامب بحيث لا يستطيع الرد عليها، أو إذا هاجمت في وقت مبكر من رئاسة بايدن، فسيكون هناك توتر بين تحقيق الردع السريع وترسيخ المصداقية الأمريكية، من ناحية، والموازنة بعناية بين الحقائق والخيارات، من ناحية أخرى. وإذا كان الهجوم قوياً بما يكفي لقتل أمريكيين - الذين عادة ما يتمتعون بحماية جيدة - فربما يكون قد تم تلقّي إشارة التحرك من إيران، ولكن يمكن للإدارة الأمريكية القادمة أن تنتظر للتأكد من هذا الارتباط. وكان كلينتون قد انتظر 72 يوماً قبل أن يقرر ضرب جهاز المخابرات العراقي لدوره في محاولة اغتيال بوش الأب عام 1993.


وإذا ظهر دليل على دور إيراني، فعلى إدارة بايدن - على غرار إدارة كلينتون من قبل، ولكن يؤمل بشكل أسرع - ألا تتوانى عن اتخاذ الخطوة الصحيحة لردع الهجمات المستقبلية على الأمريكيين. وإلّا إذا اعتقدت إيران أن هذا هو الحال، فسوف تتردد في ضرب الأفراد الأمريكيين في المقام الأول.


وما يمكن ويجب على الولايات المتحدة أن تفعله على الفور هو الإشارة إلى التكلفة [التي يتحملها الجانب الآخر] لأي هجوم على الأمريكيين، والرد على شبكة إيران الموسعة والاحتفاظ بخيار شن المزيد من الضربات الموسّعة. وكلما وقعت هجمات بالصواريخ والقنابل ضد القوات الأمريكية في العراق هذا العام، كلما كانت الشبكة المسؤولة عن الهجمات واضحة تماماً لمجتمع المخابرات الأمريكية في غضون ساعات أو أيام، وهي: مزيج من الجماعات الطليعية الثلاث للشبكات العراقية - «كتائب حزب الله» و «عصائب أهل الحق» و «حركة حزب الله النجباء». وهذه الجماعات عرضة للضربات وهي تهاجم [القوات] الأمريكية أصلاً.


ويعمل شركاء الميليشيات الإيرانية بجد كل يوم لإخفاء إسناد الهجمات على أهداف أمريكية في العراق، مما يؤدي إلى انبثاق عدد محيّر من الفصائل المسلحة الجديدة مثل حركة "أصحاب الكهف" و "سرّية قاصم الجبارين". وفي 13 آذار/مارس، نجحت هذه التكتيكات في منع بريطانيا من الانضمام إلى ضربة أمريكية في العراق للانتقام على قيام الميليشيات بقتل أمريكيَيْن وبريطاني. وجلست الطائرات البريطانية مملوءة بالوقود ومسلحة على المدرج بينما تَجادل محامو الحكومة حول [الجماعة] التي يقع عليها اللوم بالفعل ومن التي يجب استهدافها. وفي النهاية، لم تتمكن إدارة ترامب من إقناع البريطانيين بأن «كتائب حزب الله» كانت الهدف الصحيح، ورفض المسؤولون البريطانيون السماح لطائراتهم بالإقلاع. وستعمل إدارة بايدن على تعزيز الردع إذا لا تسمح للمهاجمين المحتملين بلعب هذه الخدعة.


وعلى الرغم من أن حفل التنصيب في 20 كانون الثاني/يناير سيكون لحظة مفرحة لجو بايدن وفريقه، إلا أنه لحظة اختبار لرباطة جأشه أيضاً. وقد أظهر التاريخ أن إيران تجسّ نبض تصميم الإدارات الأمريكية وأنه يمكنها في الوقت نفسه وخز رئيس أمريكي في عينه والجلوس على طاولة المفاوضات. وتواجه إيران صعوبات في نهي وكلائها عن السعي إلى الانتقام، ولكنها قد ترى في استلام إدارة بايدن للسلطة اللحظة الآمنة الأولى للقيام بذلك. وسيكون كل طرف معتدٍ محتمل آخر في العالم في حالة انتظار وترقب. 


 


مايكل نايتس هو "زميل برنشتاين" في معهد واشنطن. وقد نُشر هذا المقال في الأصل على موقع "بوليتيكو" الإلكتروني.

الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية في الشرق الأوسط ليست بحاجة إلى نظريات بل إلى الممارسة

 الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية في الشرق الأوسط ليست بحاجة إلى نظريات بل إلى الممارسة

 الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية في الشرق الأوسط ليست بحاجة إلى نظريات بل إلى الممارسة

بواسطة تشارلز ثيبوت, بيير موركوس

٠٦‏/٠١‏/٢٠٢١

  



عن المؤلفين

Charles Thépaut

تشارلز ثيبوت

تشارلز ثيبوت هو دبلوماسي فرنسي وزميل زائر مقيم في معهد واشنطن.

بيير موركوس

بيير موركوس هو زميل زائر في "برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا" في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية".

تحليل موجز

تمثل ليبيا والعراق ومضيق هرمز ثلاث حالات اختبار حيث أن المزيد من الحزم والتعاون عبر الأطلسي يمكن أن يتلازمان، ولكن فقط إذا تلقت الدول الأوروبية دعماً أمريكياً حقيقياً لتكثيف جهودها العملياتية والمشاركة الدبلوماسية.


عادة ما اتبعت الدول الأوروبية أولويات مختلفة، إن لم تكن متباينة، في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فإلى جانب القدرات العسكرية غير المتكافئة والافتقار إلى الإرادة السياسية للانخراط في عمليات محفوفة بالمخاطر، لا سيما خارج تفويض من الأمم المتحدة، منع هذا الاختلاف إلى حد كبير ترسيخها موقف قوي وموحد في المنطقة. ومع ذلك، نظراً لتدهور العلاقات عبر الأطلسي في عهد الرئيس ترامب والإرهاق الأمريكي المتزايد من الأزمات التي لا تنتهي، يجب على الأوروبيين الآن تكثيف جهودهم الجماعية في منطقة يؤثر عدم استقرارها بشكل مباشر على مصالحهم الأمنية.


الخطوات الجماعية الأولى


على مدى السنوات القليلة الماضية، أدى صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" وصموده"، واستخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، والخطر المتزايد لانتشار الأسلحة النووية من إيران، والحوادث البحرية المستمرة في الخليج العربي إلى دفع فرنسا وألمانيا وغيرهما من الدول إلى تجديد مساهماتها الجيوسياسية في المنطقة. وقد ارتبطت مثل هذه المساعي بالحاجة إلى بناء دول أوروبية تتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية وتستطيع تولي مسؤولية مصالحها الأمنية.


في العراق وسوريا، شارك الأوروبيون في الرد العسكري الذي قادته الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وتضمنت هذه الحملة دولاً عادة ما كانت حذرة بشأن المشاركة العسكرية الأجنبية، مثل ألمانيا. كما أدّى "الاتحاد الأوروبي" دوراً فعالاً في تقديم المساعدة الإنسانية وتحقيق الاستقرار، والتي بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من مليار يورو في العراق وحده منذ عام 2014.


في ليبيا، أطلق الأوروبيون "عملية إيريني" العام الماضي بهدف أساسي هو التنفيذ غير المتحيز لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة. وبالاعتماد على الأصول البحرية والجوية والأقمار الصناعية التي توفرها بشكل أساسي إيطاليا وفرنسا واليونان وألمانيا، تستفيد هذه العملية من تفويض قوي، مما يسمح لها بتفتيش السفن التي قد تحمل مواد محظورة. وقد حققت بالفعل نتائج ملموسة، وكشفت عن الانتهاكات التركية والإماراتية للحظر. وتم تعزيز هذه الإجراءات من خلال فرض عقوبات أوروبية جديدة صدرت في أيلول/سبتمبر الماضي وتستهدف الشركات التي تزوّد الفصائل في شرق وغرب ليبيا.


وفيما يتعلق بإيران، حافظت الدول الأوروبية على وحدتها في هذا الموضوع منذ عام 2017، وذلك للحفاظ على «خطة العمل الشاملة المشتركة»  وسط أزمة انتشار وشيكة تفاقمت بسبب سياسة الضغط الأقصى الأمريكية. وتمشياً مع نهجها المتوازن، ورداً على التوترات المتزايدة مع إيران في الخليج، أطلقت فرنسا ودول أخرى عملية المراقبة البحرية الخاصة بها في كانون الثاني/يناير 2020. وهذه المهمة، التي تحمل إسم "التوعية البحرية الأوروبية في مضيق هرمز"، تختلف عن "التحالف الدولي لأمن وحماية حرية الملاحة البحرية".


"وجهان لعملة واحدة"


لا تزال المبادرات المذكورة أعلاه متواضعة، ويمكن أن تتعرقل أيضاً. فبعد فترة وجيزة من انتخاب جو بايدن، عادت الانقسامات إلى الظهور بين الأوروبيين حول مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية" وما قد تعنيه للعلاقة عبر الأطلسي. ووصفت وزيرة الدفاع الألمانية أنجريت كرامب-كارينباور هذه الفكرة بأنها "وهم"، موضحة بأن الأوروبيين لن يكونوا قادرين أبداً على "استبدال الدور الحاسم لأمريكا كمزود للأمن". ومع ذلك، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "اختلف بشدة" مع مثل هذه الآراء، مجادلاً بأن الولايات المتحدة لن تحترم الأوروبيين إلا إذا كانوا "يتمتعون بالسيادة فيما يتعلق بدفاعهم".


وكما لاحظ العديد من الخبراء، فإن الاختلافات الاستراتيجية الفعلية بين هذه البلدان أضيق مما توحي به المناقشات المفاهيمية. ففي مقال مشترك نُشر في صحيفة "واشنطن بوست"، في 16 تشرين الثاني/نوفمبر، شدد وزيرا الخارجية الفرنسي والألماني على أن تعزيز أوروبا بصورة أقوى وإقامة شراكة أكثر توازناً عبر الأطلسي هما "وجهان لعملة واحدة". وبالفعل، يمثل الشرق الأوسط العديد من التحديات الأمنية الفورية التي يحتاج الأوروبيون بشأنها إلى تعزيز جهودهم وإعادة تنسيقهم مع واشنطن.


إن الاتجاه السائد في أوروبا هو ميلها إلى الانتظار للولايات المتحدة لكي توضح سياسة معينة قبل الإقدام على أي خطوة. وما يحدث اليوم ليس استثناء لهذه القاعدة، حيث تعقد العديد من الحكومات آمالاً كبيرة على الرئيس المنتخب بايدن. لكن هذا الموقف الخامل خطير، رغم كونه يفسح المجال أمام إيران وروسيا وتركيا والجهات الفاعلة الأخرى لترسيخ وجودها على المسارح الإقليمية مثل سوريا، في وقت لم تصبح فيه بعد الإدارة الأمريكية الجديدة عاملةً بكامل طاقتها ومواجهتها تحديات كبيرة في الداخل.


وبالتالي فإن الكرة في ملعب أوروبا، وعليها تنظيم نفسها وإعداد مقترحات للتعامل بشكل متماسك مع إدارة بايدن. وعلى الصعيد الدبلوماسي، يحتاج "الاتحاد الأوروبي" إلى تطوير سياسة خارجية أكثر مرونة وتفاعلية. إن تغيير المطلب الحالي لـ "الاتحاد الأوروبي" بإجراء تصويت بالإجماع على قضايا السياسة الخارجية الحساسة ليس بالأمر الواقعي في المستقبل المنظور. ومع ذلك، لا يزال بإمكان الدول الأوروبية بصورة منفردةً إطلاق تحالف أصغر يكون مستعداً وقادراً على قيادة استجابة القارة للأزمة التالية. وعلى غرار المجموعة الخاصة بليبيا التي شكلها "الاتحاد الأوروبي" وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، قد يكون هذا التصدر فسحة فعالة للتنسيق مع واشنطن.


وعلى الصعيد العسكري، يجب على المسؤولين أن يحددوا بوضوح ما يمكن أن يشكل توازناً واقعياً وفعالاً بين الأصول الأوروبية والأمريكية. وكما تبيّن في ليبيا والساحل والشام، فإن العناصر التمكينية الأمريكية ضرورية للعمليات الأوروبية، لا سيما في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والتزود بالوقود في الجو ودعم الجسر الجوي. وسيظل هذا النوع من الدعم الأمريكي ضرورياً في المستقبل القريب. ومع ذلك، لا يزال يتعين على الأوروبيين زيادة استثماراتهم العسكرية، وتعزيز استعدادهم العملياتي (على سبيل المثال، من خلال مشاركة المعلومات المكثفة والتخطيط للطوارئ)، والبحث عن طرق لحشد مواردهم بشكل أفضل (كما فعل حلف "الناتو" بشكل فعال للغاية مع أسطوله المشترك من "طائرات الإنذار المبكر والتحكم" ("أواكس") عند محاربته تنظيم «الدولة الإسلامية»). يجب إعطاء الأولوية لهذه الأنشطة على الرغم من التداعيات الاقتصادية المستمرة لوباء "كوفيد-19".


ثلاث حالات اختبار


لاختبار هذا التعاون العابر للأطلسي بعد تصحيح توازنه، يجب على أوروبا اتخاذ الخطوات اللازمة لتجديد شراكتها مع واشنطن في ثلاث نقاط حساسة رئيسية خلال الأشهر القليلة المقبلة:


العراق. تتمثل الأولوية الرئيسية في تحمل مسؤولية أكبر في الحرب ضد فلول تنظيم «الدولة الإسلامية». ويُعتبر قرار الدنمارك بتولي قيادة مهمة تدريب بعثة "الناتو" في العراق وإرسال 285 فرداً عسكرياً دلالة مشجعة في هذا الصدد، لا سيما أنه من المتوقع الآن أن تتضمن المهمة بعض الأنشطة التدريبية التي نسقها سابقاً "التحالف العالمي ضد تنظيم «داعش»". وبسبب حيادها النسبي، تستطيع القوات الأوروبية المساعدة في الحفاظ على الدعم الدولي للعراق مع احتواء خطر التصعيد بين الميليشيات المدعومة من إيران والقوات الأمريكية. ومع ذلك، فإن هذه المشاركة الأوروبية المتزايدة ستتطلب بعض الدعم العسكري من الولايات المتحدة لكي تكون مستدامة وذات مصداقية (على سبيل المثال، حماية القوة، والجسر الجوي، والاستخبارات، والوصول إلى القواعد).


الخليج العربي ومضيق هرمز. على الأوروبيين اقتراح تنسيق أوثق بين مبادرات الأمن البحري الراهنة، على أن يبدأ ذلك من الولايات المتحدة ولكن يمتد أيضاً إلى اليابان والهند وأستراليا. وبغض النظر عن مدى اتساع اختيار إدارة بايدن لإعادة توجيه السياسة الأمريكية تجاه إيران، فمن المفترض أن يكون لدى أوروبا مساحة سياسية أكبر وحافز أكبر للدفع نحو إجراء حوار إقليمي شامل حول الأمن البحري - لا سيما عندما لم تتردد روسيا والجهات الفاعلة الأخرى في إطلاق مبادرات منافسة. وحيث أن الأمن البحري منفصل عن القضية النووية، فقد يشكل نقطة مجدية لإعادة بناء الثقة بين أوروبا وواشنطن، وبين حكومات الشرق الأوسط.


ليبيا. يجب على المسؤولين الأوروبيين تعزيز دعمهم لحظر الأسلحة من خلال تخصيص أصول إضافية لـ "عملية إيريني"، التي تحتاج إلى سفينتين إضافيتين لتنفيذ مهمتها بالكامل. في المقابل، يمكن أن تكون واشنطن أكثر علنيّةً في دعم هذه الجهود وتسهيل التنسيق بين الأصول الجوية الأوروبية و"القيادة الأمريكية في إفريقيا" ("أفريكوم")، لا سيما فيما يتعلق بإبلاغ الأمم المتحدة بانتهاكات الحظر براً أو جواً.


وعلى نطاق أوسع، تنظر الولايات المتحدة في مسألة تنفيذ انسحاب عسكري أوسع نطاقاً من الشرق الأوسط من أجل التركيز على المنافسة مع الصين. ولذلك، فإن إجراء مناقشة جادة عبر الأطلسي حول هذا التحوّل الاستراتيجي أمر ضروري وملح، بهدف صياغة نموذج أكثر ذكاءً وتوازناً للتعاون العسكري في المنطقة. وبالنسبة لبعض الأوروبيين، لا يزال تعزيز دور دفاعي وأمني أكثر استباقية للقارة يُعتبر ضاراً للشراكة عبر الأطلسي. وبناءً على ذلك، سيكون من الحكمة أن تشجع واشنطن صراحة اتباع نهج أوروبي أقوى وأكثر مصداقية من الناحية العسكرية تجاه الشرق الأوسط.


 


تشارلز ثيبوت، زميل زائر في معهد واشنطن، هو دبلوماسي فرنسي مخضرم خدم في الجزائر وسوريا والعراق وبلجيكا وألمانيا. وتشمل منشوراته الكتاب الأخير Le Monde Arabe en Morceaux: Des Printemps Arabes au Recul Americain (أرماند كولين، 2020). بيير موركوس هو زميل زائر في "برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا" في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية". وقدعُيّن سابقاً نائباً لرئيس "قسم الشؤون الاستراتيجية والأمن السيبراني" في السلك الدبلوماسي الفرنسي، حيث ركّز على قضايا الدفاع الأوروبية وتلك المتعلقة بـ "حلف شمال الأطلسي". الآراء الواردة في هذا المقال هي شخصية بحتة.

الخطاب الأول لخامنئي في عام 2021: إعادة التأكيد على الضعف الأمريكي، واعتماد إيران على ذاتها

 الخطاب الأول لخامنئي في عام 2021: إعادة التأكيد على الضعف الأمريكي، واعتماد إيران على ذاتها

 الخطاب الأول لخامنئي في عام 2021: إعادة التأكيد على الضعف الأمريكي، واعتماد إيران على ذاتها

بواسطة عومير كرمي

٠٨‏/٠١‏/٢٠٢١




 Iran's Supreme Leader Ali Khamenei delivers public remarks.

عن المؤلفين

عومير كرمي

عومير كرمي كان زميل عسكري زائر في معهد واشنطن في عام 2017 .

تحليل موجز

على الرغم من أن المرشد الأعلى الإيراني ترك المجال للرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي وخفَّف من خطابه الانتقامي، إلّا أن رسالته الرئيسية كانت أن إيران لا يمكنها الوثوق بواشنطن عندما يتعلق الأمر بالمسائل الاقتصادية، أو القضايا الأمنية، أو حتى لقاحات فيروس كورونا.


في كل عام، يُلقي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي خطاباً في ذكرى انتفاضة أهالي مدينة قُم ضدّ الشاه في عام 1978، وهو الأول في سلسلة من الخطابات لإحياء ذكرى أبرز اللحظات في تاريخ الثورة الإسلامية. وكما هو الحال مع خطاباته السنوية الرئيسية الأخرى، يستخدم خامنئي مثل هذه المناسبات لإبلاغ الجماهير المحلية والأجنبية حول مقاربته للأحداث الجارية. فعلى مدار العقد الماضي، ركّزت خطاباته في ذكرى انتفاضة قم على تفسير الكيفية التي يمكن فيها للأمة الإيرانية مقاومة الجبهة الغربية الموحَّدة ضدّها والتغلب على المصاعب الكبيرة في طريقها إلى "الاستقلال الوطني". وأعاد خطاب 8 كانون الثاني/يناير لهذا العام - الذي أُلقي عبر شاشات التلفزيون بسبب جائحة "كوفيد-19" المستمرة في البلاد - تأكيد هذه المواضيع التي يتمّ تناولها منذ فترة طويلة، متضمّناً تحديثات مختلفة تعكس التطورات الأخيرة داخل البلاد وخارجها.


الولايات المتحدة في موقف ضعيف


عندما تحْدِث الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة أو أوروبا، غالباً ما يستخدمها خامنئي لإثبات هشاشة المجتمع الغربي والأنظمة السياسية الغربية. لذا كان من المتوقَّع أن يسلّط الضوء على الأحداث الأخيرة في واشنطن كدليلٍ على انهيار الديمقراطية وحقوق الإنسان الأمريكية ("يمكننا أن نرى ما تحوّل إليه المعبود الكبير"). كما أعلن أنّ الولايات المتحدة حاولت البدء بحربٍ أهلية في إيران عام 2009، و"ابتلاها الله الآن بالمحنة نفسها في عام 2021".


ثم صوّب آية الله كلامه بتوجيهه نحو أولئك الذين يعتقدون أنّ المصالحة مع الولايات المتحدة ستحوّل إيران إلى "فردوس". وبعد تذكير المستمعين بما كانت إيران تبدو عليه قبل الثورة، عندما كانت تربطها علاقات جيدة بواشنطن، دعاهم إلى النظر في الحالة الراهنة للاقتصاد الأمريكي "المشلول". وفي المقابل، قال إن الجمهورية الإسلامية حققت نجاحات عديدة في الآونة الأخيرة من خلال مقاومة الضغط الخارجي.


على إيران أن تعتمد على قدراتها الخاصة وليس على الإغاثة الغربية


في خطاب ألقاه في 23 تشرين الثاني/نوفمبر، شدد خامنئي على أنه لا ينبغي للإيرانيين أن يأملوا في الحصول على مساعدة خارجية أو تغيير سياسات الحكومات الغربية. وبدلاً من ذلك، أصدر تعليماته للمسؤولين لتحسين قدرة الجمهورية الإسلامية على مواجهة الصعوبات بمفردها. وجدد هذا الموقف في 8 كانون الثاني/يناير، بإشارته إلى أن على طهران إعداد اقتصادها لأي سيناريو سواء تم رفع العقوبات أم تشديدها. كما قال إن تصرفات النظام جعلت العقوبات غير فعالة تدريجياً.


وانعكس نهج الاعتماد على الذات الذي يتّبعه خامنئي والذي اتّسم بالقدر الأكبر من التطرف وجنون الارتياب عندما أعلن أنّ إيران لن تستورد لقاحات فيروس كورونا من الولايات المتحدة أو بريطانيا، مشككاً في مصداقيتها وفعاليتها. فزعمَ أنّه "لو يعلمون كيف يُصنَع اللقاح، لكانوا قد استهلكوه بأنفسهم حتى لا يشهدوا هذا العدد الكبير من الوفيات". ثم ألمح إلى أن الغرب قد يحاول استخدام دول أخرى كأساس للاختبار. كما شكك في جهود فرنسا في مجال اللقاحات، مشيراً إلى تورط البلاد في فضيحة الدم الملوث في التسعينيات. وبدلاً من ذلك، قال إنه يتعين على إيران شراء اللقاحات من دول جديرة بالثقة أو الاعتماد على البديل المطوّر محلياً، والذي لا يزال قيد الاختبار.


إلّا أنّ هذا الانفعال الذي ينمّ عن جنون الارتياب الطبي - والذي انعكس على النحو نفسه في خطاب النوروز الذي ألقاه في آذار/مارس 2020 في بداية الجائحة - قد يتبيّن أنه مميت لأعدادٍ لا تُحصى من الإيرانيين. وبعد ساعات من خطابه في 8 كانون الثاني/يناير، أعلنت "جمعية الهلال الأحمر" الإيراني إلغاء شحنة من 150 ألف جرعة من لقاح فايزر.


على الولايات المتحدة رفع العقوبات قبل عودتها إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة»


وفقاً لخامنئي، فإن النظام ليس "في عجلة من أمره" فيما يتعلق بعودة واشنطن إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة». وقال إنه إذا رفعت واشنطن عقوباتها، فستعود إيران إلى الامتثال الكامل لهذه «الخطة»، لكن إذا لم يتم رفع العقوبات مسبقاً، فإن عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي "قد تكون ضارة" لإيران. ثم أشاد بـ «المجلس» والحكومة لقرارهما "المنطقي والحكيم" في وقت سابق من هذا الأسبوع باستئناف تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة، قائلاً: "عندما لا يمتثلون لأي من التزاماتهم في «خطة العمل الشاملة المشتركة»، فإنه من غير المنطقي أن تلتزم إيران بكل التزاماتها "(لتفسيرات هذا الموضوع وغيره من القضايا التقنية، راجع البحث الخاص لمعهد واشنطن بعنوان "إيران النووية: قائمة مصطلحات"). كما ذكّر خامنئي جمهوره بأن الولايات المتحدة ستحتاج إلى تعويض إيران عن الأضرار التي تكبدتها منذ انسحاب الرئيس ترامب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» عام 2018.


وجود إيران في المنطقة وقدراتها الصاروخية غير قابلة للتفاوض


كرر خامنئي الفكرة القائلة بأن أي محادثات مستقبلية مع الغرب يجب أن تقتصر على القضية النووية. وفي رأيه أن واشنطن هي التي تحاول زعزعة استقرار المنطقة، في حين أن طهران هي جهة فاعلة تُحقِّق الاستقرار و"يتحتم عليها" تعزيز أصدقائها في المنطقة. ومن ثم، فقد وعد باستمرار الوجود الإيراني في المنطقة.


وبالمثل، وصفَ خامنئي برنامج الصواريخ والجهود العسكرية الإيرانية الأخرى بأنها قدرات "دفاعية"، مدّعياً أنّ الغرب يريد أن "يجرّد [إيران] من قدرتها الدفاعية" لكي "يجرؤ الأعداء على قصف مدننا" مثلما فعل صدام حسين في العقود الماضية. وقال إنه من خلال قيام إيران بتحسين ترسانتها الصاروخية وأنظمتها الأخرى، يمكنها ردع أعدائها وإجبارهم على أخذ قدرات النظام في الاعتبار.


أخيراً، شكر خامنئي الشعبين الإيراني والعراقي على إحياء الذكرى السنوية الأولى لمقتل اللواء قاسم سليماني، مدعياً أن أفعالهم كانت مظهراً من مظاهر الحراك الشعبي الأوسع الداعم لسياسات النظام. كما أشاد بشخصيتين أخريين رحلتا مؤخراً - العالم النووي محسن فخري زاده، الذي قُتل في كمين في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ورجل الدين المتشدد محمد تقي مصباح يزدي، الذي توفي في وقت سابق من هذا الأسبوع - قائلاً إنهما تركا إرثاً قيّماً يجب الحفاظ عليه وتوسيعه. ومع ذلك، فعلى الرغم من الدعوات السابقة إلى الثأر لسليماني وفخري زاده، لم يعتمد خامنئي نبرة انتقامية في خطاب قُم - مما قد يشير إلى أنّ طهران تنتظر لرؤية الكيفية التي ستحدد فيها الإدارة الأمريكية الجديدة سياستها وسلوكها الإقليميَين تجاه إيران و«خطة العمل الشاملة المشتركة».


 


عومير كرمي، هو زميل زائر سابق في معهد واشنطن، قاد سابقاً الجهود التحليلية والبحثية لـ "جيش الدفاع الإسرائيلي" المتعلقة بالشرق الأوسط.

مشروع قانون إيراني جديد يهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على سياسة الانتقام لسليماني وتدمير إسرائيل

 مشروع قانون إيراني جديد يهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على سياسة الانتقام لسليماني وتدمير إسرائيل

 مشروع قانون إيراني جديد يهدف إلى إضفاء الطابع الرسمي على سياسة الانتقام لسليماني وتدمير إسرائيل

بواسطة فرزين نديمي

١٣‏/٠١‏/٢٠٢١




  

عن المؤلفين

Farzin Nadimi

فرزين نديمي

فرزين نديمي هو محلل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج ومقره في واشنطن.

تحليل موجز

في 30 كانون الأول/ديسمبر، قدّم السياسيون المتشددون في إيران مشروع قانون برلماني جديد يحدّد رد البلاد على حادثة اغتيال قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني. وفضلاً عن حظره إجراء أي مفاوضات حول القوة العسكرية الإيرانية أو الطموحات الإقليمية، سيلزم التشريع الحكومة بالعمل على طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وتدمير إسرائيل في غضون عشرين عاماً.


في 30 كانون الأول/ديسمبر، قدّم السياسيون المتشددون في إيران مشروع قانون برلماني جديد يحدّد رد البلاد على حادثة اغتيال قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني بواسطة طائرة أمريكية بدون طيار قبل عام. وإذ تمحور القانون حول إرشادات المرشد الأعلى علي خامنئي التي أطلقها في 21 تموز/يوليو للانتقام لمقتل سليماني، تضمن التشريع أربعة أهداف رئيسية: (1) "الثأر الشديد والحاسم" من خلال إضعاف الولايات المتحدة وطردها من المنطقة؛ و(2) التصدي لأفعال إسرائيل والمضي قدماً في تحقيق هدف سليماني المتمثل بتدميرها؛ و(3) مواجهة "الإرهاب" الاقتصادي الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد إيران؛ و(4) اعتماد سياسة خارجية "مشرفة" (بمعنى التحدي).


وإذا تمّ تمرير القانون، فسيحظى ضمنياً بدعم كامل من المرشد الأعلى، وبالتالي سيضطر فريق الرئيس حسن روحاني والحكومات المستقبلية إلى التقيد به. وقد ينشئ الذراع التنفيذي مجالاً للمناورة من خلال صياغة أنظمة مختلفة لتحديد كيفية تطبيق القانون فعلياً، لكن "المجلس" قد يتدخل في أي مرحلة لعكس أي تغييرات غير مرغوب بها.


طرد الولايات المتحدة


كما توضح المادة 1، من شأن مشروع القانون أن يلزم الحكومة والقوات المسلحة رسمياً على اتخاذ تدابير ناشطة تهدف إلى إرغام "القيادة المركزية الأمريكية" على الخروج من المنطقة التي حددتها إيران بـ "منطقة الخليج الفارسي وغرب آسيا". كما ستحمّل الدول المضيفة نفس القدر من المسؤولية عن أي أنشطة عسكرية وجمع المعلومات الاستخباراتية التي تقوم بها الولايات المتحدة انطلاقاً من أراضيها وتتعارض مع أي مصالح إيرانية. فضلاً عن ذلك، تنص المادة على أن أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران سيؤدي إلى رد عسكري متناسب أو أقوى يستهدف البلد الذي نُفذ فيه (المادة 1.2). وبالمثل ، تنص المادة 4 على أن القوات المسلحة الإيرانية ملزمة بالرد بشكل متناسب على أي عمل يستهدف قتل مواطنين إيرانيين. وفي محاولة لخلق خلافات بين الولايات المتحدة والدول المضيفة، يَعِد مشروع القانون بـ "تعاون دفاعي" غير محدد مقابل ثمن متفق عليه مع أي بلد يتوقف عن استضافة القوات الأمريكية.


وفيما يتعلق بالتمويل، تسمح المادة 1.4 لـ «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» بمكافأة أي فرد أو جماعة تشارك في استهداف القوات الأمريكية في المنطقة. وسيتمّ تمويل هذه المكافآت جزئياً من الإيرادات المتأتية من الصادرات التي ترعاها الدولة إلى العراق. وتشمل الصادرات الإيرانية إلى العراق الكهرباء والغاز الطبيعي، وقد بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 12 مليار دولار في عام 2020. وبالتالي، فإن نسبة 1 في المائة التي خصصها مشروع القانون لـ «فيلق القدس» تناهز حوالي 80 مليون دولار، على افتراض أن ما لا يقل عن ثلثي الصادرات إلى العراق يجري بين الحكومتين. وتعتبر هذه الهيكلية شكلاً أكثر رسمية مما فعله «فيلق القدس» في السنوات الأخيرة لتمويل عملياته ووكلائه في العراق، سواء من خلال سحب مبالغ من الأصول المحتفظة في العراق أو من خلال العمليات التجارية التي يقوم بها عبر الحدود.


وسيمنح مشروع القانون أيضاً «فيلق القدس» نسبة 30 في المائة من الرسوم الجمركية التي يتمّ جمعها من استيراد أي منتجات أمريكية الصنع أو موسومة بعلامة تجارية أمريكية عند موانئ الدخول الإيرانية (المادة 1.5). (وتجدر الإشارة إلى أنه يُحظر استيراد المنتجات والخدمات الأمريكية إلا إذا حظيت باستثناء "المجلس الأعلى للأمن القومي" بموجب المادة 1.8). وخلال النصف الأول من عام 2020، انخفضت الصادرات الأمريكية إلى إيران إلى حوالي 20 مليون دولار، لكن من المتوقع أن يرتفع هذا المبلغ بشكل كبير إذا تم رفع العقوبات. وبموجب نظام العقوبات الحالي، يُحظر تصدير السلع والخدمات من الولايات المتحدة إلى إيران، باستثناء الأدوية والأجهزة الطبية والسلع الزراعية.


وينص مشروع القانون على إقامة اتحاد نقدي بين دول "محور المقاومة" خلال عامين لتسهيل تدفق الأموال والسلع بين هذه الدول الأعضاء (المادة 1.10)، والتي تشمل حالياً قطاع غزة والعراق ولبنان وسوريا والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن. ويمكن اعتبار هذا البند مخالفاً لمشاريع القوانين السابقة التي سعت إلى تطبيق المعايير الدولية التي أوصت بها "مجموعة العمل المالي"، وكانت قد واجهت مقاومة شديدة من خامنئي وأعضاء متشددين في البرلمان. وفي خطوة أخرى لتشجيع العلاقات التجارية مع الدول الصديقة وإفشال العقوبات، يوجه مشروع القانون وزارة الخارجية إلى إعطاء الأولوية للتجارة مع الصين والعراق وروسيا وسوريا وفنزويلا (المادة 1.11)، بدلاً من الدول الغربية. 


ويحظر مشروع القانون أيضاً أي "تعاون فعال" بين المواطنين الإيرانيين والحكومة الأمريكية والمنظمات الأخرى، باستثناء الأنشطة الثقافية والتعليمية المصرح بها والتي من شأنها تعزيز مصالح النظام. وبموجب قانون "مكافحة الأنشطة الإرهابية الأمريكية المتهورة في المنطقة" الصادر في 13 آب/أغسطس 2017، سيتم محاكمة الأفراد المتهمين بمثل هذه الأعمال بتهم التجسس. وعند تعذر اعتقال المتهمين في إيران، ستدرجهم الحكومة على لائحة الإرهاب (المادة 1.6). ويمكن أن يسهل هذا البند استهداف المنشقين الإيرانيين في دول أخرى وكذلك الموظفين الأمريكيين-الإيرانيين مزدوجي الجنسية الذين يعملون لصالح الحكومة الأمريكية أو المنظمات غير الحكومية. 


وفيما يتعلق باحتمال إجراء مفاوضات مع واشنطن، سيحظر مشروع القانون بل وسيجرّم أي محادثات تتعلق بالقوة العسكرية للنظام (بما في ذلك الصواريخ)، أو دوره في المنطقة، أو علاقاته مع ما يسمى بمحور المقاومة. وفي الواقع، يحظر مشروع القانون على الحكومة تقديم تنازلات في أي موضوع آخر غير البرنامج النووي (المادة 2). ولتحقيق مزيد من الحد من سلطة الحكومة، يمنع مشروع القانون إجراء أي مفاوضات مع الأمريكيين أو بحضورهم ما لم تعمد الإدارة الأمريكية إلى (1) الاعتذار رسمياً عن الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» في عام 2018 ومقتل سليماني، و(2) الموافقة على تعويض إيران عن الأضرار التي تكبدتها نتيجة لذلك الانسحاب (المادة 3). وإذا عادت إيران إلى التزاماتها الأساسية بموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة»، فعليها القيام بذلك تدريجياً ضمن خطوات، ويجب أن يصادق "المجلس" على كل منها بشكل منفصل (المادة 3).   


دعم الفلسطينيين و "جبهة المقاومة"


تُكلف المادة 5 من مشروع القانون الحكومة الإيرانية رسمياً بتدمير "النظام الصهيوني المعتدي" بحلول عام 2041. وتشمل هذه المبادرة الجريئة خرق الحصار المفروض على غزة بإرسال البضائع الأساسية إلى سكان القطاع عبر الخطوط البحرية، وذلك في موعد لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ. بالإضافة إلى ذلك، سيُطلب من الحكومة أن تعمل بنشاط على تعزيز حق "عودة اللاجئين الفلسطينيين"، وحق "العودة إلى القدس"، و "تحرير الجولان"، و "الحج السنوي إلى القدس".


وبالمثل، تكلّف المادة 6 الحكومة تقديم المعونة الإنسانية لـ "الشعب الثوري" في اليمن، والمساعدة في كسر الحصار المفروض على المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون عن طريق إرسال "السلع الأساسية والأدوية والوقود" بصورة مباشرة. وسيتم إرسال هذه الشحنات كل ثلاثة أشهر على الأقل تبدأ في موعد أقصاه آذار/مارس 2021. ويصف مشروع القانون أي محاولة لمنع وصول هذه الشحنات إلى وجهتها بأنها "عمل حربي ضد الجمهورية الإسلامية".


كما ينص مشروع القانون على حق الإقامة الدائمة للمهاجرين وطالبي اللجوء، مما يمنحهم حقوقاً مساوية لحقوق المواطنين (المادة 13). وسيتم تسريع طلبات الحصول على الجنسية من المهاجرين واللاجئين الذين يخدمون في القوات المسلحة الإيرانية والذين "شاركوا بشكل مباشر في العمليات العسكرية". وتهدف هذه الأحكام بشكل أساسي إلى تشجيع المواطنين الأفغان والباكستانيين وغيرهم من المواطنين الذين جندهم «فيلق القدس» للخدمة في وحداته التي تعمل بالوكالة. وأخيراً، يكلّف مشروع القانون ميليشيا "الباسيج" بتسهيل التواصل مع "أي جبهة شعبية في جميع أنحاء العالم تعمل على مواجهة الولايات المتحدة" (المادة 14).


الخاتمة


من المتوقع أن أن يتم تمرير مشروع القانون الجديد بأكمله في "المجلس" والمصادقة عليه من قبل "مجلس صيانة الدستور"، ويُعد مشروع القانون الجديد مثالاً جيداً على نوايا إيران الإرهابية، والمناهضة للولايات المتحدة، والمعادية لإسرائيل. وعلى الرغم من أن التشريع لا يشير إلى أي جديد بشأن أنشطة الحكومة أو أهدافها، إلا أنه يثبت ويكرّس رسمياً توجه سياسة طهران العدائية بعبارات واضحة لا يمكن إنكارها. ومن ثم، يجب محاسبة النظام على مضمون مشروع القانون إذا ما أصبح قانوناً. وفيما يتعلق بالعراق، يجب أن تذكّر الولايات المتحدة شركاءها المحليين - وفقاً للتشريعات الإيرانية - بأن أي أموال تجنيها طهران من التجارة مع الدول المجاورة ستموّل جزئياً المساعي الرامية إلى قتل الأمريكيين.   


 


فرزين نديمي هو زميل مشارك في معهد واشنطن، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج.


  

 

Tuesday, January 12, 2021

الأيام الأخيرة والمضطربة لترامب تُدخل الشرق الأوسط في حالة تأهب قصوى

الأيام الأخيرة والمضطربة لترامب تُدخل الشرق الأوسط في حالة تأهب قصوى

 هآرتس"، 11/1/2021

الأيام الأخيرة والمضطربة لترامب تُدخل الشرق الأوسط في حالة تأهب قصوى



عاموس هرئيل - محلل عسكري
  • الأسبوع القادم سيكون أسبوعاً غير هادىء في الشرق الأوسط. بقي أسبوع فقط على دخول الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير. لكن خلال هذه الفترة لا تزال إيران تتخوف من ضربة عسكرية أميركية ضدها بأوامر من الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب. لكن مثل هذا السيناريو لا يبدو معقولاً في نظر إسرائيل، مع ذلك المؤسسة الأمنية في إسرائيل قلقة من إمكانية تقدير خاطئ يؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية غير مخطَّط لها يمكن أن تنعكس على إسرائيل أيضاً.
  • القلق في طهران واضح منذ عدة أيام على خلفية أيام ترامب الأخيرة. وهذا يؤثر أيضاً في شركاء إيران ووكلائها، بينهم حزب الله والميليشيات الشيعية التي تعمل في العراق وسورية. يبدو أن مستوى القلق لدى الإيرانيين ارتفع أكثر بعد اقتحام مبنى الكونغرس في يوم الأربعاء الماضي، والذي فاقم سلوك ترامب وحشره في الزاوية وأثار مجدداً محاولات إقصائه عن منصبه.
  • قبل وقوع الأحداث في الكونغرس، انتشرت في الصحف الأميركية سيناريوهات بشأن عملية أخيرة محتملة يقوم بها ترامب في الشرق الأوسط. بعد الاقتحام العنيف لمبنى الكابيتول من مؤيدي ترامب، قالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أنها تحدثت مع قائد القوات المشتركة الجنرال ماري ميلي للتأكد من أن "الرئيس غير المستقر"، بحسب كلامها، لن يبادر إلى شن هجوم نووي في الأيام الأخيرة لولايته.
  • الولايات المتحدة من جهتها تتخوف من أفعال انتقامية إيرانية على خلفية الذكرى الأولى للاغتيال الأميركي للجنرال قاسم سليماني - قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، والذي قُتل في العراق في مطلع كانون الثاني/يناير من السنة الماضية. حتى الآن لم تُسجَّل محاولات إيرانية للرد، لكن الأميركيين أحضروا طائرات ضخمة من قاذفات بي-52 من قواعدها في الولايات المتحدة إلى الخليج الفارسي، كما حركوا قواتهم البحرية في المنطقة، على ما يبدو من أجل الردع.
  • الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة على درجة عالية من التأهب الدفاعي. وقد نُشرت، من بين أمور أُخرى، بطارية دفاع جوي وصواريخ باتريوت في إيلات، ويظهر وجود استثنائي للطائرات الحربية في سماء الدولة، وفي كل القطاعات، خلال جزء كبير من ساعات اليوم. في لبنان اشتكى سكان بيروت من تحليق طائرات حربية إسرائيلية في سماء العاصمة بيروت. يبدو أن إسرائيل تستعد لكبح هجوم محتمل ضدها بواسطة صواريخ وقذائف مدفعية ومسيّرات من جهة التنظيمات التي تعمل بتوجيهات من الإيرانيين. حالة التأهب تتعلق بكل الساحات: سورية، ولبنان في الشمال، والعراق في الشرق، واليمن في الجنوب. في الخلفية يستمر الجهد الإيراني لنشر وسائل قتالية في سورية وتهريب سلاح إلى حزب الله في لبنان. وكما ورد في تقرير لـ"هآرتس" في الأيام العشرة الأخيرة وقعت ثلاث هجمات جوية نُسبت إلى إسرائيل ضد أهداف تابعة لإيران وحزب الله ونظام الأسد في سورية.
  • التأهب الإسرائيلي يتعلق أيضاً بعمليات انتقامية محتملة لإيران. طهران تتهم إسرائيل بالمساعدة في اغتيال سليماني بالإضافة إلى اغتيال رئيس مشروعها النووي العسكري البروفيسور محسن فخري زادة بالقرب من طهران في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. حالة التأهب مرتبطة أيضاً بسيناريو حدوث تقدير خاطىء بين إيران والولايات المتحدة.
  • مصادر أمنية في إسرائيل ذكرت للصحيفة أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على صلة دائمة بالبنتاغون وبقائد القوات العسكرية في الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة. وبحسب كلامهم، يبدو أن الأميركيين لا ينوون شن عملية هجومية ضد إيران في هذه الأيام، وعلى الرغم من الظروف السياسية الحساسة في واشنطن، ليس من المعقول أن يُترجَم سلوك الرئيس ترامب بعمليات عسكرية في الشرق الأوسط. وشددوا أيضاً على أن ليس لدى إسرائيل نية للمبادرة إلى شن عملية هجومية واسعة ضد إيران في أراضيها في هذه الأيام.
  • أضافت المصادر أن التخوف الأساسي في إسرائيل يتعلق بسيناريو وقوع سلسلة من سوء فهم متبادَل تؤدي إلى مواجهة، في الأساس على خلفية الخوف الإيراني من عملية غير متوقعة من ترامب. إسرائيل تخوفت من تطورات كهذه أيضاً في فترات في الماضي شهدت تصعيداً تدريجياً. ولقد تبين لاحقاً أن سلسلة الأحداث التي أدت إلى شن عملية "الجرف الصامد" في قطاع غزة في صيف 2014 تعود إلى قراءة خاطئة متبادلة لأفعال الخصم من جانب إسرائيل ومن جانب "حماس، وإلى تفسير خاطئ لتحركات موضعية بأنها تدل على نية  الطرف الثاني شن  حرب.

 

المحافظة على "العلاقات الخاصة" مع إدارة بايدن في ظل أزمة داخلية في إسرائيل

المحافظة على "العلاقات الخاصة" مع إدارة بايدن في ظل أزمة داخلية في إسرائيل
الموقع الإلكتروني للمعهد، 3/1/2021
المحافظة على "العلاقات الخاصة" مع إدارة بايدن في ظل أزمة داخلية في إسرائيل




باحثو معهد هرتسليا للسياسات والاستراتيجيا بإشراف مدير المعهد عاموس غلعاد
  • دخول إسرائيل في معركة انتخابية رابعة خلال عامين يكشف تدهوراً وضرراً مستمراً للمناعة الوطنية. إسرائيل تغرق في أزمة صحية واقتصادية - اجتماعية حادة، وهي في حالة شلل سياسي مستمر، وتعمل من دون ميزانية تستشرف المستقبل، ومن دون خطة عمل منتظمة، ومن دون استراتيجيا وسلّم أولويات.
  • هذه التطورات تنعكس سلباً على صورة قوة إسرائيل وعلى مكانتها الإقليمية والدولية، وضررها على المستويات السياسية - الأمنية، وخصوصاً في فترة تبدُّل الإدارة في الولايات المتحدة، يمكن أن يكون فادحاً. في الأشهر الحساسة المقبلة التي ستبلور إدارة بايدن خلالها سياستها وتصوغها، بما فيها في الشرق الأوسط، ستكون إسرائيل في دوامة داخلية ومشغولة بنفسها وبمشكلاتها الداخلية. وهو ما سيجعل من الصعب عليها، من جهة التأثير في العمليات في واشنطن، ومن جهة ثانية الحصول على الانتباه  المطلوب من الإدارة الجديدة. 
  • المطروح على جدول الأعمال عدد من القضايا الجوهرية في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وعلاقتها بإسرائيل، والتي تنطوي على احتمال نشوء توترات بين الحليفتين.

التحدي النووي الإيراني

  • يبدو أن سياسة بايدن في الشرق الأوسط ستتأثر أكثر من أي شيء آخر بمقاربته إزاء إيران، التي تبدو كالنقطة المحورية التي ستحدد عمق تدخّل الولايات المتحدة وتشكل علاقاتها مع حلفائها في المنطقة.
  • تحليل تصريحات الرئيس وطاقمه للأمن القومي يعزز الانطباع أن الإدارة الجديدة مهتمة بالعودة إلى الاتفاق النووي من خلال رفع العقوبات، ومن دون الإصرار على إصلاح العيوب الخطيرة: فترة انتهاء القيود (بدءاً من نحو 7 سنوات)، التي يمكن أن تفتح لطهران الطريق لتبوؤ مكانة دولة على عتبة السلاح النووي مع شرعية دولية، بحث وتطوير أجهزة طرد مركزية من شأنها أن تقصّر كثيراً الوقت لحدوث خرق إيراني والحصول على مواد انشطارية على درجة عسكرية وغياب تفويضات رقابة على مشروع السلاح النووي.
  • يبدو أنه من خلال العودة إلى الاتفاق النووي ستسعى الإدارة لوضع القضية الإيرانية جانباً، والتفرغ لموضوعات "مشتعلة" أكثر بالنسبة إليها، مثل معالجة الأمراض الاجتماعية - الاقتصادية الداخلية، والتنافس بين الدول العظمى، وخصوصاً في مواجهة الصين، وترميم مكانة الولايات المتحدة في المنظومة الدولية. طهران من جهتها متحمسة لأن تزيل عن عنقها عبء العقوبات التي تدمر اقتصادها، وتوضح أنها مستعدة للعودة بصورة كاملة إلى الاتفاق، ومن أجل تحقيق ذلك ليس مطلوباً حتى إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة.
  • على الرغم مما يصوَّر كمجال اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة - مدعوم من الدول الأوروبية ومن روسيا والصين – فإن عملية العودة إلى الاتفاق النووي يمكن أن تواجه سلسلة عقبات، وأن تتعرقل. من بين هذه العقبات يمكن أن نحصي توتراً غير مخطَّط له- مثلاً في العراق في الذكرى السنوية لاغتيال قائد فيلق القدس سليماني؛ خلافات محتملة بشأن جدولة العودة إلى الاتفاق - بين الخضوع لشروطه وبين رفع العقوبات - وبشأن الخط الأساسي المطلوب للعودة إلى علاقات معقدة، مثل المعرفة التي تراكمت في مجال البحث والتطوير؛ الشجارات الداخلية بين المحافظين وحكومة روحاني من المتوقع أن تشتد قبيل الانتخابات في حزيران/يونيو، ويمكن أن تؤدي إلى تشدد إيران  في شروطها؛ تأثيرات العملية في علاقات الإدارة مع الدول العربية وإسرائيل وغيرها.
  • في ضوء هذه التعقيدات، يمكن أن تطول عمليات جس النبض والاتصالات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية وبين إيران، وبناء على ذلك من المتوقع أن تزود إسرائيل بالوقت للتأثير في مواقف وخطوات إدارة بايدن بشأن القضية.

التنافس على التفوق النوعي وقوة الجيش الإسرائيلي

  • مع عدم وجود ميزانية، ومن دون سلّم أولويات وتخطيط بعيد الأجل للحكومة، بقي الجيش الإسرائيلي من دون قدرة على تنفيذ الخطة المتعددة السنوات، والدفع قدماً بعمليات التسلح للسنوات المقبلة. هذه العمليات حيوية، من بين أمور أُخرى، في إطار المواجهة مع مساعي إيران للتمركز العسكري على الحدود وتسليح حزب الله بصواريخ دقيقة، وإزاء سيناريوهات إطلاق صواريخ ضد إسرائيل من جبهات بعيدة، مثل اليمن والعراق - كما حذّر الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي مؤخراً. معقولية سيناريوهات من هذا النوع يمكن أن تزيد في ظل تهديدات إيران بالانتقام لاغتيال عالم الذرّة فخري زادة، والذي نُسب إلى إسرائيل.
  • مدماك مركزي في التخطيط لتعاظُم قوة الجيش الإسرائيلي يعتمد على مساعدة أميركية مستقبلية، بينما التأخر في اتخاذ قرارات إسرائيلية بشأن تزود إسرائيل بقدرات ومنصات أميركية متطورة يمكن أن يثير الاستغراب في واشنطن، وخصوصاً على خلفية صفقات الأسلحة الضخمة الأخيرة بين الولايات المتحدة ودول عربية، والتي تعكس "خرقاً للحواجز" في تزويد منظومات سلاح متطورة لدول المنطقة، مثل طائرات أف-35 ومسيّرات مسلحة تؤدي إلى تآكل التفوق النوعي العسكري لإسرائيل.

التنافس بين الدول العظمى (الصين وروسيا)

  • الهجمة السيبرانية غير المسبوقة ضد الولايات المتحدة، التي جرى الكشف عنها مؤخراً ومن المتوقع أن تزداد التوترات وتعكر أكثر فأكثر العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا - التي تحمّلها الإدارة الأميركية وخبراء السايبر المسؤولية عن الهجوم. في هذه الظروف من المتوقع أن تزيد حساسية إدارة بايدن إزاء العلاقة الروسية - الإسرائيلية، بينما تُسمع منذ وقت في واشنطن أصوات تدّعي أن العلاقات الوثيقة بين موسكو والقدس تأتي على حساب المصالح الأميركية.
  • هجمات السايبر من المتوقع أن تفاقم مخاوف الولايات المتحدة من المس بتفوقها التكنولوجي، وخصوصاً إزاء الصين. تواصل الإدارة الأميركية التوضيح لإسرائيل علناً أنها قلقة من مستوى رقابتها على الاستثمارات الصينية في مجالات التكنولوجيا. ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية حذّر مؤخراً مرة أُخرى من أن الولايات المتحدة قلقة من تسلل الصين إلى صناعة الهاي تك في إسرائيل، ومن شراء تكنولوجيا مزدوجة الاستعمال تعرّض الولايات المتحدة للخطر.

وجود الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

وعلاقات إسرائيل مع دول عربية

  • بينما تسعى إدارة بايدن لتقليص وجود الولايات المتحدة وتدخّلها في "حروب لا يمكن الانتصار فيها"، ثمة مصلحة عميقة لإسرائيل في المحافظة على وجود أميركي واسع في الشرق الأوسط ودعم قوي من الولايات المتحدة لدول أساسية تشكل مرساة للاستقرار في المنطقة ولأمن إسرائيل، مثل الأردن ومصر. إلى جانب المحافظة على الساحة الفلسطينية التي يبدو أن استقرارها آخذ بالتدهور، سواء في الضفة الغربية أو في غزة.
  • في المقابل، تشهد عملية التطبيع التي تكشف عن إنجازات مهمة لإسرائيل، وقبولها في المنطقة يمكن أن يشهد تباطؤاً في حال عرقل بايدن تحقيق الوعود التي قدمها ترامب في إطار العملية، أو تراجع عنها.

ما يجب عمله إزاء إدارة بايدن؟

  • هذه القضايا الاستراتيجية وغيرها التي في جزء منها تنطوي على فجوات تفرض على إسرائيل أن تبني بنية تحتية متينة لحوار عميق ومكثف معها، بهدف أن تكون جزءاً من عملية صوغ السياسة الأميركية والتأثير فيها.
  • إن هذا هو الهدف المركزي الذي تواجهه إسرائيل في الوقت الحالي، والذي يمكن أن يكون له تأثير كبير في أمنها الوطني، وتبدو ظروف الاستهلال لتحقيقه إشكالية جراء: فترة أزمة داخلية متعددة الأبعاد ودوامة سياسية؛ عدم وجود قنوات تواصل وخبرة وعلاقات مع واشنطن على خلفية تبدّل السفراء والتوتر في علاقات إسرائيل مع بايدن، الذي يُعتبر صديقاً حقيقياً لإسرائيل حتى قبل أن يتسلم منصبه.
  • مصادر مقربة من الرئيس المنتخب ادّعت في وسائل الإعلام أن اغتيال العالِم النووي الإيراني فخري زادة، والذي نُسب إلى إسرائيل، هدفه منع بايدن من العودة إلى المسار الدبلوماسي إزاء إيران. المقابلة التي أعطاها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لمعهد محافظ في واشنطن والتي حذّر فيها من العودة إلى الاتفاق النووي" الرديء"، ومنحه تصاريح في اللحظة الأخيرة للبناء في الضفة، والتلكؤ في الاعتراف بفوز بايدن في الانتخابات وغيرها - كل ذلك أثار غضباً في معسكر بايدن. تجلى ذلك في مقال الرأي البارز في "الواشنطن بوست" بقلم المحلل المخضرم جاكسون ديهل.
  • في مثل هذه الظروف، بايدن الذي سبق أن اكتوى، عندما كان نائباً للرئيس، بخطاب نتنياهو في الكونغرس في سنة 2015 بهدف إحباط الاتفاق النووي الذي حققه أوباما - يمكن "أن يغلق الباب" أمام محاولات إسرائيل التأثير في سياسة الولايات المتحدة حيال المسألة الإيرانية خصوصاً وفي الشرق الأوسط عموماً.
  • يتعين على المنظومة السياسية في إسرائيل أن تسارع إلى وضع أسس حوار هادىء وبنّاء مع إدارة بايدن ، وأن تبني الثقة معها، بقيادة رئيس الحكومة، وعليها الامتناع من إقحام العلاقات مع بايدن والخلافات معه في المعركة الانتخابية؛ والامتناع من القيام بخطوات أحادية الجانب في الأسابيع التي بقيت من ولاية ترامب، الأمر الذي قد يعتبره بايدن محاولة لحشره مسبقاً.
  • المطلوب من إسرائيل مواصلة تطوير آليات الرقابة على استثمارات صينية حساسة والتصرف حيال الولايات المتحدة بتنسيق وشفافية كاملة في كل ما يتعلق بعلاقتها بالصين وروسيا. وذلك كي تؤكد أن إسرائيل تتقيد بالمعايير الأميركية، وكي تستطيع الإدارة الجديدة أن تحدد أن نشاطات الصين في إسرائيل وعلاقة إسرائيل بروسيا لا تعرّضان مصالح الولايات المتحدة للخطر.
  • في ظل الأفق السوداوي في الشرق الأوسط والحاجة إلى الاستعداد معاً لمواجهة الأزمات والتحديات التي تنتظرنا لا يمكن أن نعرّض للخطر الحوار الحيوي مع إدارة بايدن ومكانة إسرائيل كموضوع إجماع لدى الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة. ليس لإسرائيل بديل من الاعتماد على أميركا، والتوجه إلى مواجهة إعلامية مع الإدارة الجديدة (لاعتبارات سياسية داخلية) سيكون خطأ استراتيجياً، وقد تكون له تداعيات خطِرة على أمن إسرائيل ومكانتها وقوتها.

 

Sunday, January 3, 2021

بوتين و"شارلي إيبدو" وحرية التعبير

 بوتين و"شارلي إيبدو" وحرية التعبير

 بوتين و"شارلي إيبدو" وحرية التعبير

بواسطة آنا بورشفسكايا

٢٣‏/١٢‏/٢٠٢٠


 

Also published in "ذي ناشيونال إنترست"


عن المؤلفين

Anna Borshchevskaya

آنا بورشفسكايا

آنا بورشفسكايا هي زميلة "آيرا وينر" في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط.

مقالات وشهادة

في أعقاب الهجمات الإرهابية التي هزت فرنسا مؤخراً بسبب نشر المجلة الفرنسية "شارلي إيبدو" رسوم كاريكاتورية للنبي محمد، ادعى بوتين أن التعددية الثقافية الغربية قد فشلت. ومع استمرار الكرملين في تقويض القيم والمؤسسات والتأثير الغربي، في الوقت الذي يعبر عن وجهات نظر مشوّهة حول مكافحة الإرهاب، من الأفضل لليبراليين الاستمرار في الدفاع عن الليبرالية.


في المؤتمر الصحفي السنوي الذي عقده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الشهر، زعم أن التعددية الثقافية الغربية قد فشلت. وأدلى بهذا التعليق رداً على سؤال حول التهديدات الأمنية المحدقة بروسيا بعد الهجمات الإرهابية التي هزت فرنسا مؤخراً بسبب نشر المجلة الفرنسية الساخرة "شارلي إيبدو" رسوم كاريكاتورية للنبي محمد. وادّعى بوتين أن "حرية الإنسان تنتهي عندما تبدأ حرية شخص آخر. إنها صيغة عالمية"، وأضاف أن أولئك الذين "يتصرفون بشكل طائش، ويهينون حقوق ومشاعر الأشخاص المتدينين، يجب أن يتذكروا دائماً أنه سيكون هناك رد فعل عنيف لا مفر منه".


وفي الوقت نفسه، صرح بوتين أن روسيا "لم تسمح مطلقاً و[لا] تسمح بمثل هذا السلوك العدواني تجاه أشخاص لديهم معتقدات دينية مختلفة". ولكن، من ناحية أخرى، اتضح أن روسيا في عهد بوتين، قادرة على قمع المعارضة المحلية، واستخدام الكنيسة الأرثودوكسية الروسية كأداة سياسية، ورد اعتبار جوزيف ستالين والاتحاد السوفيتي، وإساءة معاملة المسلمين المقيمين فيها، ومساعدة الديكتاتور السوري بشار الأسد على ارتكاب إحدى أسوأ الفظائع الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية ضد شعبه المسلم؛ ومع ذلك يدّعي أن روسيا بلد يحترم الآخرين.


وكانت الأحداث التي ألهمت بوتين للإدلاء بتعليقات مماثلة قد بدأت في تشرين الأول/أكتوبر في فرنسا مع الجريمة الشنيعة التي تمثلت بقطع رأس مدرس التاريخ سامويل باتي بسبب عرضه رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد خلال درس عن حرية التعبير؛ وأعقبت تلك الحادثة شن عدة هجمات وحشية أخرى في كنسية في نيس. ودافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن التقليد الفرنسي القائم على العلمانية، وبصورة أوسع، دافع عن الليبرالية وحرية التعبير.


وبينما كانت فرنسا في فترة حداد، ألقى المستبدون الذين يستغلون الدين أو التهديدات الخارجية بشكل متهكم لضرب الحريات وحقوق الفرد، باللائمة على الضحية - فرنسا نفسها. ولكن في حين انصبّ الاهتمام إلى حد كبير على القادة المسلمين مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، استرعى ردّ فعل الكرملين انتباه عدد أقل [من المتتبّعين]، علماً بأنه ردّ فعل جدير بالاهتمام. وقد لا يزال البعض يعتقد أن بوتين، على الرغم من كل أخطائه، يدرك خطر الإرهاب ويمكن أن يكون شريكاً للآخرين. غير أن ردّ الكرملين أظهر عكس ذلك. فقد أكّد السكرتير الصحفي للرئيس الروسي ديمتري بيسكوف أنه من المستحيل أن تتواجد في روسيا مجلة مثل "شارلي إيبدو"، "لأن روسيا هي أيضاً دولة مسلمة جزئياً".


ولا يوافق الجميع على مبررات الكرملين. فقد نشر ميخائيل خودوركوفسكي، ملياردير سابق وناشط حالي معارض لبوتين يعيش في لندن، على صفحته على "فيسبوك" صورة كاريكاتورية لماكرون من صحيفة إيرانية وعلّق قائلاً "لسبب ما لم يقتحم الفرنسيون مكتب التحرير في طهران ويحطمونه ولا حتى السفارة الإيرانية في باريس [ردّاً على ذلك]. هل يمكن ألا تكون الرسوم الكاريكاتورية هي المشكلة؟". من جهته، صرّح نيكولاي أسكوف، رئيس تحرير النسخة الروسية من مجلة "فوربس"، لإذاعة "صدى موسكفي" الليبرالية، "أنا أدعم من دون شك «شارلي إيبدو»، وأعتقد أن إحدى القيم الرئيسية التي رسمت معالم المجتمع الحديث هي حرية الصحافة". أما صحيفة "نوفايا غازيتا"، فقد نشرت تعليقًا محايدًا يركّز على الوقائع المحيطة بجريمة قتل باتي، والتي وصفتها بالصادمة والمروّعة؛ وفي وقت سابق من هذا العام، نشرت "نوفايا غازيتا" عدداً خاصاً في الذكرى السنوية الخامسة للهجمات الإرهابية التي تعرضت لها "شارلي إيبدو" وكتبت أن الرقابة (بما في ذلك الرقابة الذاتية) تؤذي الجميع.


غير أن حدة الرقابة والقمع يتزايدان في روسيا. ومن جانبها، أثارت "شارلي إيبدو" غضب الكرملين، والروس عموماً من قبل، حين سخرت من تحطم طائرة ركاب روسية فوق سيناء في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2015، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها وعددهم 224 شخصاً. ووصف بيسكوف الرسوم الكاريكاتورية بـ "التجديف البحت". وفي ذلك الحين، استمرت المجلة في التهكم على تحطم طائرة عسكرية روسية فوق البحر الأسود في كانون الأول/ديسمبر 2016، حيث توفّي جميع ركابها، بمن فيهم 64 عضواً من "جوقة الجيش الأحمر" المشهورة عالمياً. وجاء في إحدى تعليقات الرسوم الكاريكاتورية العنوان التالي: "الخبر السيئ هو أن بوتين لم يكن على متن الطائرة".      


ومن بين العدد الكبير من السياسيين الروس الذين انتقدوا مجلة "شارلي إيبدو" آنذاك، برز الرجل القوي رمضان قديروف الذي نصبه بوتين لإدارة جمهورية الشيشان، والذي كان حكمه تعسفياً وأشرف على أسلمة المجتمع الشيشاني. وقال قديروف في ذلك الوقت عن مجلة شارلي إيبدو، "لقد قلتها من قبل وسأكررها الآن - إن السياسة التحريرية للمجلة غير أخلاقية وغير إنسانية. وهذا الأمر لا يتعلق بحرية التعبير - لا بشكل مباشر أو غير مباشر". بدوره، حذر بوتين أيضاً الفنانين الروس خلال الشهر نفسه من الإساءة إلى المشاعر الدينية، قائلاً: "ثمة خط رفيع جداً يفصل بين التهريج الخطير وحرية التعبير"، مضيفاً أن الفن يجب أن يتجنب "تقسيم المجتمع". وبالطبع، لم يحدد قط أين يقع هذا "الخط الرفيع" لكن رسالته كانت واضحة بما يكفي - الفن مسموح طالما أنه لا يشكل تحديات.  


ومن هذا المنطلق، ليس من المستغرب أن يكون بوتين قد دافع في مؤتمره الصحفي لهذا العام أيضاً عن قديروف، فبرأيه "لا يدافع رمضان قديروف عن مصالح الشيشان والشعب الشيشاني فحسب، بل عن مصالح الأمة بأسرها أيضاً، ولهذا السبب كان أحد أهداف ما يسمى بمعارضينا في الخارج"، في إشارة إلى العقوبات الأمريكية ضد قديروف.


إن ادعاء بوتين بأنه يقف كحصن منيع في وجه الغرب اللاأخلاقي والمنحط هو موضوع بدأ بالترويج له منذ فترة طويلة، إلى جانب اتهاماته المتواصلة للغرب بمحاولة إضعاف روسيا، والتي تترافق مع تسريع وتيرة كبح الحريات في روسيا وتوفير الدعم للقادة المستبدين في الخارج. لكن في وقت سابق من هذا الشهر، كلّف بوتين وزير الخارجية الروسي بإثارة قضية الدفاع عن مشاعر الأشخاص المتدينين عبر المنظمات الدولية. وبالتالي، [يمكن] المراهنة بأمان بأن تعليقات موسكو تعكس اهتماماً أعمق من مجرد تعليق عابر على الأحداث الراهنة.


من ناحية أخرى، ستبقى مشاكل الإرهاب والتطرف التي تواجه فرنسا في الواجهة خلال المستقبل المنظور. وسيكون من الأفضل أن يتذكر المسؤولون الغربيون أن فلاديمير بوتين، الشخص المهذب، لن يلعب دوراً مفيداً في هذه الجهود. وفي الوقت الذي يسعى فيه بوتين إلى تقويض النفوذ الغربي، إلى جانب القيم والمؤسسات الليبرالية، فمن الأفضل أن يدافع الليبراليون عن الليبرالية.


 


آنا بورشيفسكايا هي زميلة أقدم في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط.

استمرار الحراك السياسي الإسرائيلي: التداعيات المترتبة على نتنياهو والسياسة الأمريكية

استمرار الحراك السياسي الإسرائيلي: التداعيات المترتبة على نتنياهو والسياسة الأمريكية

 تحليل السياسات 

المرصد السياسي 3410

استمرار الحراك السياسي الإسرائيلي: التداعيات المترتبة على نتنياهو والسياسة الأمريكية

بواسطة ديفيد ماكوفسكي

٢٥‏/١٢‏/٢٠٢٠


 

عن المؤلفين


ديفيد ماكوفسكي

ديفيد ماكوفسكي هو زميل زيغلر المميز ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن.

تحليل موجز

تتجه إسرائيل نحو انتخاباتها الرابعة خلال عامين لأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع بيني غانتس أثبتا عدم قدرتهما على الحفاظ على التماسك الكبير لائتلافهما. ومن الأفضل أن يعمل نتنياهو على إبلاغ الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن بأنه يريد إبقاء العلاقات مع الولايات المتحدة على مستوى عالٍ. ويعني ذلك طمأنة المسؤولين الأمريكيين بأنه لن تكون هناك مفاجآت سياسية في الأسابيع المقبلة، وأن الحملة الانتخابية لن تتسبب ببداية سيّئة للعلاقات الثنائية.


تتجه إسرائيل نحو انتخاباتها الرابعة خلال عامين لأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع بيني غانتس أثبتا عدم قدرتهما على الحفاظ على التماسك الكبير لائتلافهما. وبموجب القانون، فإن الحكومة التي لا تستطيع وضع ميزانية بحلول نهاية السنة التقويمية تتجه تلقائياً إلى الانتخابات بعد تسعين يوماً - 23 آذار/مارس في هذه الحالة. وقد هُزِم التصويت في "الكنيست" لتأجيل هذه الآلية بفارق ضئيل في جلسة للبرلمان الإسرائيلي عُقدت في وقت متأخر من ليل 21 كانون الأول/ديسمبر، مما يمثل انتكاسة لنتنياهو والتفكك المحتمل للحزب الوسطي "أزرق-أبيض" برئاسة غانتس.


ما الذي أدّى إلى الانهيار؟


دخلَ غانتس إلى الحكومة في أيار/مايو في ظل ظروف وطنية ملحّة، من بينها ثلاث جولات غير حاسمة من الانتخابات والوباء المستشري. ومع ذلك، أدت التدابير التي اتخذها لتوحيد الجهود مع نتنياهو إلى انقسام ائتلاف "أزرق أبيض"، الذي استند تشكيله في عام 2019 على الإطاحة برئيس الوزراء العالق في المأزق.


علاوة على ذلك، أثبت الائتلاف الكبير الناتج عن ذلك أنه أحد أكثر الائتلافات انقساماً في التاريخ الحديث، مع انزعاج نتنياهو الواضح من مشاركة السلطة مع غانتس في رئاسة الوزراء الدورية. وبالنظر إلى التفاوت التشريعي بين معسكره ("حزب الليكود" بالإضافة إلى الأحزاب الأرثودكسية المتطرفة الموالية له، بإجمالي 52 مقعداً في الكنيست) ومعسكر غانتس (ائتلاف "أزرق-أبيض" بالإضافة إلى أحزاب وسطية صغيرة متنوعة، بإجمالي 19 مقعداً)، لم يتخلَّ نتنياهو قط عن احتمال إنقاذ نفسه من اتفاق التناوب وفرض عزلٍ برلمانيٍّ عن محاكامته المتعلقة بالفساد.


ومن المفارقات أن الامتناع عن إقرار الميزانية من أجل الحث على إجراء انتخابات كانت تحديداً استراتيجية نتنياهو حتّى الشهر الحالي. وتغيرت هذه الحسابات على ما يبدو قبل أسبوعَين، عندما انشقّ عضو "الكنيست" جدعون ساعر الذي يتمتع بشعبية كبيرة عن "حزب الليكود" ليبدأ حزباً جديداً ويتحدى نتنياهو، مما أدى إلى انخفاض في أرقام الاستطلاعات لرئيس الوزراء. ولكن بدلاً من تغيير المسار وتقديم الميزانية، ضاعف نتنياهو أساليب الضغط التي يمارسها. فبعد رؤيته أرقام الاستطلاعات المتدنية لغانتس، اعتقد على ما يبدو أنّ بإمكانه انتزاع تنازلات من شريكه في الائتلاف لتجنب الانتخابات التي قد تعرّض كلا الساسييْن للخطر. ومع ذلك، بالغ نتنياهو قليلاً، وحاول تقييد صلاحيات وزير العدل (آفي نيسنكورن، المسؤول من قبل ائتلاف "أزرق-أبيض") واحتكار الترشيحات القانونية والقضائية المستقبلية. وقد وضع ذلك غانتس في موقف صعب للغاية بالنظر إلى التزام حزبه باستقلال القضاء. كما نشر نتنياهو كلمة مفادها أن غانتس سيتنازل عن هذا المبدأ من أجل ضمان تناوبه على رئاسة الوزراء في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل كما تم الاتفاق عليه مسبقاً، مما دفع ثلاثة أعضاء متأرجحين من ائتلاف "أزرق-أبيض" إلى اختيار انتخابات جديدة بدلاً من ذلك.


ويرجع الضعف المستمر لمكانة غانتس منذ أيار/مايو في جزء كبير منه إلى نتنياهو، الذي أبقى شريكه في الائتلاف على هامش الإنجازات الشعبية مثل "اتفاقات أبراهام" ولقاح "كوفيد-19". ونتيجة لذلك، كان غانتس ضعيف جداً من الناحية السياسية لكي يتفادى الانهيار حتى داخل حزبه - فقد لا يتمكن هو ووزير الخارجية غابي أشكنازي من الحفاظ على تماسك ائتلاف "أزرق-أبيض" في الحملة الانتخابية في آذار/مارس. وبعد فوزه بأكثر من 30 مقعداً في الانتخابات السابقة، تعكس استفتاءات الرأي العام حالياً على حصول الحزب ما بين 5-9 مقاعد، ويتطلع بعض نواب الحزب إلى الانضمام إلى قوائم انتخابية أخرى.


وقد يكون التوجّه نحو الانتخابات أمراً سيئاً لنتنياهو أيضاً. وعلى الرغم من أن سجله الحافل في مقاومة التوقعات واحتلاله الصدارة أمر لا يمكن استبعاده أبداً، إلّا أنه من المرجح أن تجري الانتخابات في آذار/مارس في وقتٍ لا يزال فيه الاقتصاد ضعيفاً، ولم يتم بعد الشعور بفوائد التطعيم الشامل بشكل كامل، واحتفاظ ساعر على الأقل ببعض زخمه السياسي الحالي (على سبيل المثال، في 23 كانون الأول/ديسمبر، انشق الوزير زئيف إلكين من "حزب الليكود" وانضم إلى معسكر ساعر).


هل يشكّل ساعر خطراً على نتنياهو؟


كسياسي مخضرم من "حزب الليكود"، عادة ما احتل ساعر المرتبة الأولى في استطلاعات الرأي الأولية للحزب في الانتخابات العديدة الماضية. وبسبب قرارات نتنياهو، الذي يميل إلى اعتبار الشخصيات الشعبية الأخرى في"حزب الليكود" بمثابة تهديدات، انسحب ساعر من الحياة السياسية في عام 2015. ومع ذلك، عاد إلى المسرح السياسي في عام 2019 ليشكل تحدياً أولياً ضد نتنياهو، وعلى الرغم من أنه فاز بنسبة 28٪ فقط من أصوات الحزب آنذاك، إلّا أنه كان العضو الوحيد في "حزب الليكود" الذي كانت لديه الشجاعة السياسية لخوض الانتخابات ضد رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ البلاد.


ويمثل ساعر العودة إلى "حزب الليكود" القديم، حين دافعت شخصيات بارزة مثل مناحيم بيغن وموشيه آرنس ودان مريدور عن استقلالية المؤسسات العامة في إسرائيل. ويُعرِّف ساعر هويته السياسية على أنه "مَمْلَخْتي"، ويُقصد بها بشكل فضفاض "دعم مؤسسات الدولة". وفي المناخ السياسي الحالي - حيث يرى العديد من الإسرائيليين أن المعركة المركزية في البلاد هي بين المؤيدين لنتنياهو والمعارضين له - تشكّل الهوية التي اختارها ساعر وسيلة للدفاع عن استقلالية القضاء ضد جهود نتنياهو الرامية إلى ممارسة المزيد من النفوذ السياسي على النظام القضائي.


ويساعد ذلك في تفسير سبب إظهار استطلاعات الرأي المبكرة، أنّ ساعر، وهو سياسيٌّ يميل إلى اليمين، يحصد الأصوات على حساب "حزب الليكود" اليميني وائتلاف "أزرق-أبيض" الوسطي. ومن المتوقع حالياً أن يفوز حزبه المُنشق "الأمل الجديد" بـ 16 مقعداً بينما انخفض التأييد لـ "حزب الليكود" إلى 26 مقعداً، ويمكن أن تزداد عدد المقاعد التي قد يحصل عليها ساعر إذا أضاف شخصيات رئيسية إلى قائمته الانتخابية.


ويشبه أداء حزبَين آخرَين أداء ساعر في حيازة الأصوات في استفتاءات الرأي العام، وهما: حزب "يمينا" (اليمين)، برئاسة نفتالي بينيت الذي تحوّل من حليف مقرّب لنتنياهو إلى خصمٍه، والحزب الوسطي "ييش عتيد" (هناك مستقبل)، برئاسة يائير لبيد. وقد استمرّ كلا الرجلين في التصويب على تعامل نتنياهو مع الوباء وتداعياته الاقتصادية، ومن المتوقع الآن أن يفوز حزباهما بحوالي 15  مقعداً لكل حزب.


وفي ظل هذا المشهد المتغيّر، يمكن لتجمُّع من الأحزاب الوسطية واليمينية المتوسطة الحجم حيازة الأعداد اللازمة لاستبدال رئيس الوزراء. وفي أول مؤتمر صحفي عقده نتنياهو مع انهيار الحكومة، اعتبر بأنّ أي منافسين يمينيين سيعتمدون على الوسط كسبيلٍهم الوحيد للوصول إلى السلطة، مما يعني أنهم سيحتاجون إلى تشكيل ائتلاف معه. (وحتى الآن، اقترب ساعر فقط من القول بأنه لن يشغل أي منصب تحت قيادة نتنياهو). ونظراً لتاريخ نتنياهو ومهاراته السياسية، فيمكن للمرء أن يتوقع منه بأن يبحث عن مسائل فاصلة لتقسيم المعارضة - على سبيل المثال، أثناء تصويت "الكنيست" على تأجيل الانتخابات، استمال نتنياهو فصيل إسلامي في "القائمة المشتركة" بزعامة العرب لتأييد موقفه للمرة الأولى.


وحتى لو تكاتفت الأحزاب متوسطة الحجم مع بعضها البعض بعد الانتخابات، فإن تراجع ائتلاف "أزرق-أبيض" وزواله المحتمل يعني أنه لن يكون هناك حزب وسطي كبير سيقف نداً لند مع نتنياهو خلال الحملة الانتخابية. وبوجود نتنياهو بالإضافة إلى بينيت وساعر من اليمين ولبيد في الوسط فقط، من المرجح أن يكون رئيس الوزراء القادم من ذوي الميول اليمينية.


ويمكن للمرء أيضاً أن يتوقع من الجمهور أن يولي اهتماماً أقل لبعض الأحزاب اليمينية المتطرفة ذات الآراء السياسية الأكثر تشدداً من مواقف "حزب الليكود" بشأن القضايا الفلسطينية، خاصة مع قيام نتنياهو بترويج اتفاقيات التطبيع التي أبرمتها حكومته مع أربع دول عربية. وفي الواقع، قد يسعى هو ووزرائه إلى زيارة هذه البلدان - الإمارات والبحرين والسودان والمغرب - خلال موسم الحملة الانتخابية ودعوة شخصياتها المرموقة إلى القدس. وبالمثل، تُفيد بعض التقارير أن مصر تنظر فيما إذا كانت ستوجّه دعوة لنتنياهو للقيام بزيارته الرسمية الأولى إلى القاهرة، وذلك جزئياً على أمل تجنب التدقيق من قبل الكونغرس الأمريكي في ظل إدارة بايدن. ومع ذلك، قد تغيّر الدول العربية نظرتها إلى مثل هذه الرحلات الآن حيث توشك حملة انتخابات إسرائيلية على البدء.


ماذا يعني ذلك بالنسبة لعلاقات بايدن مع نتنياهو؟


تستمهل الانتخابات الإسرائيلية الرابعة جهود إدارة بايدن لتصنيف سياساته المستقبلية تجاه إسرائيل. وعلى الرغم من أنّ هذه المهلة قد تكون مؤاتية نظراً إلى تعدد الأمور الملحّة على جدول أعمال بايدن، إلا أنها قد تعقّد الأمور أيضاً.


ومن جهتها، سعت الولايات المتحدة إلى استعادة العلاقات مع الفلسطينيين منذ تعليقها في عام 2017. وإذا سرّع فريق بايدن هذا المسْعى، فسترغب إسرائيل في المشاركة فيه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ستؤدي الانتخابات الإسرائيلية المقبلة إلى إبطاء سير الأمور؟


وهناك عامل آخر من المحتمل أن يزيد الأمور تعقيداً وهو ما يمثله بايدن لنتنياهو على المستوى الشخصي مقابل المستوى السياسي. وقد أشاد كلا الزعيمين علناً بصداقتهما الشخصية، وسيكون لكل منهما مصلحة في تجنب العلاقات الدبلوماسية الباردة نوعاً ما التي كانت سارية في بداية إدارة أوباما في عام 2009. ولنتنياهو أيضاً مصلحة في الإظهار للناخبين أنه يستطيع العمل مع رئيس أمريكي ديمقراطي - طالما أنه يفهم أن بايدن ليس ترامب ولا أوباما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.


ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، كان تركيز نتنياهو خلال معظم الانتخابات [السابقة] على تجنب أن يكون مطوّقاً من قبل اليمين. لذلك، يتساءل المرء عما إذا كان سيدلي بتصريحات حول إيران أو ضم المستوطنات خلال الحملة الانتخابية، أو حتى إذا كان سيوافق على النشاط الاستيطاني خارج الجدار الأمني ​​في الضفة الغربية، والتي يمكن أن يثير أي منها رد فعل من قبل إدارة بايدن. والآن على الأقل، لا يواجه نتنياهو أي ضغط حقيقي من ساعر وبينيت بشأن هذه القضايا - من المرجح أن تركز الحملات الانتخابية لهذين السياسييْن على التعافي الاقتصادي من "كوفيد-19" واستقلال المؤسسات الإسرائيلية.


ومهما كانت خطط نتنياهو، من الأفضل أن يُبلغ بايدن بهدوء قبل "يوم تنصيب" الرئيس الأمريكي بأنه يريد إبقاء العلاقات مع الولايات المتحدة على مستوى عالٍ. ويعني ذلك طمأنة المسؤولين الأمريكيين بأنه لن تكون هناك مفاجآت سياسية في الأسابيع المقبلة، وأن الحملة الانتخابية لن تتسبب ببداية سيّئة للعلاقات الثنائية.


 


ديفيد ماكوفسكي هو زميل "زيغلر" المميز في معهد واشنطن، ومنتج برنامج البث الصوتي "نقاط القرار"، وهو المؤلف المشارك مع دينيس روس للكتاب "كن قوياً وذو شجاعة جيدة: كيف عمل قادة إسرائيل الأكثر أهمية على تحديد مصيرها".


  

كيف يمكن أن تحظى سياسة بايدن تجاه إيران بفرصة للنجاح

كيف يمكن أن تحظى سياسة بايدن تجاه إيران بفرصة للنجاح

 تحليل السياسات 

كيف يمكن أن تحظى سياسة بايدن تجاه إيران بفرصة للنجاح

بواسطة دينس روس

٢٦‏/١٢‏/٢٠٢٠


  


Also published in "بلومبيرغ"


عن المؤلفين

Dennis Ross

دينس روس

السفير دينس روس هو مستشار وزميل "وليام ديفيدسون" المميز في معهد واشنطن والمساعد الخاص السابق للرئيس أوباما.

أوضح الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن أن هدفه هو امتثال إيران للاتفاق النووي، ولكن هل يمكن للغضب الناجم عن مقتل العالم النووي محسن فخري زاده أن يستبعد الدبلوماسية على المدى القريب؟ ولا تزال إيران تعاني من وطأة العقوبات الاقتصادية، ولا ينبغي أن يأتي تخفيف العقوبات من دون تقديم طهران تنازلات بشأن الاتفاق النووي.


لن تكون علاقة الولايات المتحدة بإيران سهلة أبداً. وحتى استعداد الرئيس المنتخب جو بايدن للانضمام ثانية إلى الاتفاق النووي الإيراني، الذي يُعرف أيضاً باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، لن يجدي نفعاً كبيراً. فقد أوضح أن هدفه هو امتثال إيران، ولكن هل يمكن للغضب الناجم عن مقتل العالم النووي محسن فخري زاده والفرصة الضئيلة قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران/يونيو أن يستبعدا الدبلوماسية على المدى القريب؟ من المرجح أن لا يحصل ذلك، لأن المرشد الأعلى علي خامنئي يعلم أن إيران بحاجة إلى تخفيف العقوبات، لكنه سيضغط على الولايات المتحدة لتخفيفها قبل قيام إيران بأي خطوة. ويمكن للإيرانيين العودة إلى الامتثال لاتفاق عام 2015 من خلال احترام القيود المفروضة على عدد أجهزة الطرد المركزي الخاصة بهم، والمستوى الذي يمكنهم التخصيب إليه، وكمية اليورانيوم منخفض التخصيب الذي يمكنهم تكديسه، وتفكيك سلسلتين من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة المثبتة، وما شابه ذلك. ومن جانبها، بإمكان الولايات المتحدة تعليق العقوبات مرة أخرى، مما يوفر الإغاثة الاقتصادية للإيرانيين الذين هم بأمس الحاجة إليها. ولكن، مع ذلك سيستغرق الأمر من أربعة إلى ستة أشهر لكي تعود إيران إلى الامتثال للاتفاق النووي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ستقوم الإدارة الأمريكية الجديدة بتخفيف العقوبات، حتى مع استمرار إيران في انتهاك الحدود المنصوص عليها في «خطة العمل الشاملة المشتركة»؟ إن الإيرانيين لا يصرّون على الاستمرار في هذا التصرف فحسب، بل يطالبون أيضاً بالتعويض عن تكلفة العقوبات التي فرضتها عليهم إدارة دونالد ترامب، مدّعين - بشكل مبرر بعض الشيء - أنهم استمروا في الوفاء بالتزاماتهم بموجب أحكام «خطة العمل الشاملة المشتركة» لمدة عام كامل بعد أن توقف ترامب عن احترام الالتزامات الأمريكية بموجب بنود الخطة.


وحتى إذا رفضت الإدارة الأمريكية الجديدة تقديم تعويضات لكنها عرضت تخفيف العقوبات على الفور في ضوء الخطوات الأولية التي بدأت إيران باتخاذها للامتثال مجدداً لأحكام «خطة العمل الشاملة المشتركة»، فمن المرجح أن تصدر اعتراضات شديدة اللهجة من أعضاء الكونغرس الجمهوريين المعارضين لهذه الخطة، إذ أنهم سيعتبرون أي خطوات تحد من نفوذ الولايات المتحدة على أنها خطأ جوهري في حين لا تزال إيران غير ملتزمة بالخطة ولا تغيّر أياً من سلوكياتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط. ومن المفارقات، أن ذلك سيخلق على الأرجح مشكلة لكل من الرئيس المنتخب، الذي يريد استعادة الشراكة بين الحزبين [الديمقراطي والجمهوري] في السياسة الخارجية، ولإيران، التي يريد قادتها ضماناً بأن أي اتفاق لن يتم عكسه في عام 2024 إذا أسفرت الانتخابات الأمريكية عن إدارة مختلفة.


سيتعين على إدارة بايدن التوفيق بين عدد من التضاربات إذا كانت سياستها تجاه إيران تريد أن تحظى بأي فرصة للنجاح. أولاً، تريد الدول الأوروبية أن تعود الولايات المتحدة إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة»، في حين من المرجح أن يعارض معظم الجمهوريين في الكونغرس أي عودة إلى الاتفاق النووي الذي لا يتعامل مع بنود انقضاء الوقت أو الصواريخ الباليستية أو إثارة المشاكل الإيرانية في الشرق الأوسط.


ثانياً، ستشعر الإدارة الأمريكية الجديدة بالحاجة الملحة إلى إعادة فرض القيود على برنامج إيران النووي حتى عندما تتناول القضايا الأخرى، ولكنها لا تريد أن تجعل التفاهمات بشأن البرنامج النووي رهناً بالتقدم بشأن مسألة الصواريخ الباليستية أو التحديات الإقليمية.


ثالثاً، يدرك الرئيس المنتخب أن إسرائيل والسعودية والإمارات تريد تطمينات بشأن خطوات الولايات المتحدة تجاه إيران، وإلّا ستتصرف بطرق قد تعقّد الاستراتيجية الأمريكية. لكن هذه الدول تشكك في «خطة العمل الشاملة المشتركة» وتخشى أن تتخلى الولايات المتحدة عن نفوذها قبل الأوان، وتشعر بالقلق من أن مصالح إدارة بايدن في عملية التفاوض ستؤدي إلى غض الطرف عن تهديدات إيران لجيرانها.


وأخيراً، حتى في الوقت الذي تسعى فيه إدارة بايدن إلى الحفاظ على نفوذها على إيران وتُظهر التكاليف الباهظة لسلوك طهران السيئ، فإنها تريد أيضاً أن تكون قادرة على تقديم الحوافز لتحسين سلوك إيران تجاه الدول المجاورة لها في المنطقة.


ورغم صعوبة التوفيق بين هذه الأهداف المتضاربة، إلا أن ذلك ممكن. ولكنه يتطلب التفكير بشروط أكثر محدودية. وعلى وجه التحديد لأنه لن يكون من السهل للغاية الانضمام من جديد إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة»، فيجب على إدارة بايدن أن تجعل من الضرورة فضيلة: على الولايات المتحدة أن تواصل إعلان استعدادها للانضمام مجدداً إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة» والتفاوض على اتفاقية لاحقة - وهو أمر يُطمئن الأوروبيين ويبعث رسالة مفادها أن إدارة بايدن تحترم الاتفاقيات متعددة الأطراف - ولكن عليها أن توضح أيضاً أن الفهم المحدود الذي يحد من الموقف النووي الإيراني الحالي لا يحتاج إلى الانتظار، وأنه بالإمكان تخفيف العقوبات بصورة محدودة مقابل مثل هذه الخطوات. على سبيل المثال، أفادت "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" أن إيران لديها 12 ضعف كمية اليورانيوم منخفض التخصيب مما هو مسموح به بموجب شروط «خطة العمل الشاملة المشتركة»؛ يمكن للإدارة الأمريكية أن تسعى إلى خفض [اليورانيوم الإيراني المخصب] من 2400 كيلوغرام إلى 1000 كيلوغرام وتفكيك سلسلتين من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي تم تركيبها. وفي المقابل، يمكن للولايات المتحدة إلغاء تجميد الوصول إلى بعض الحسابات التي تحتفظ باحتياطيات العملة الأجنبية الإيرانية مع استمرار العقوبات.


إن حسنات هذا الاتفاق المتمثل بـ "الأقل مقابل الأقل" هي أنه يقلّص زمن تجاوز إيران للعتبة النووية من أجل تطوير مواد انشطارية صالحة لصنع الأسلحة، ويحافظ على النفوذ الأمريكي، ولا يتطلب من الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تبنّي «خطة العمل الشاملة المشتركة»، وهو رمز يجدون أنه يمثل مشكلة، كما يسمح بكسب الوقت لفعل ما أوضح بايدن أنه يريد القيام به - أي التفاوض على اتفاقية تخلف «خطة العمل الشاملة المشتركة» التي تمدد أحكامها مع التصدي في الوقت نفسه أيضاً للموقف العدواني لإيران في المنطقة. لكن قبل تبني مثل هذا الموقف، يجب على بايدن التشاور مع الكونغرس والحلفاء الأوروبيين والإسرائيليين والسعوديين والإماراتيين. وبينما يفضل الأوروبيون العودة إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة»، فإنهم سيدعمون أي خطوة أمريكية تحد من التهديد النووي الإيراني بالطرق الدبلوماسية حتى لو عرضت اتفاقاً أكثر محدودية في البداية. وسيرغب الكونغرس الأمريكي وأصدقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في فهم الأهداف الأمريكية وكيف ستسعى إلى الحفاظ على نفوذها.


وللإيرانيين بالطبع، رأيٌ في ما هو ممكن. فعلى الرغم من التحدي الكلامي، يعلم خامنئي أن الإيرانيين بحاجة إلى الارتياح من وطأة العقوبات، وسيبحثون عن سبيلٍ لتحقيق ذلك. يجب ألا يحققوا ذلك مجاناً.


 


دينيس روس، المساعد الخاص السابق للرئيس باراك أوباما، هو مستشار وزميل "ويليام ديفيدسون" المتميز في معهد واشنطن.

تحركات الغواصات على أعتاب إيران: التداعيات العسكرية والقانونية

  تحركات الغواصات على أعتاب إيران: التداعيات العسكرية والقانونية

 تحليل السياسات 

  تحركات الغواصات على أعتاب إيران: التداعيات العسكرية والقانونية

بواسطة فرزين نديمي

٢٩‏/١٢‏/٢٠٢٠


  

عن المؤلفين

Farzin Nadimi

فرزين نديمي

فرزين نديمي هو محلل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج ومقره في واشنطن.

تحليل موجز

عبرت مؤخراً غواصة الصواريخ الأمريكية "يو إس إس جورجيا" الخليج العربي، بينما عبرت الغواصة الإسرائيلية "دولفين 2" قناة السويس إلى البحر الأحمر، ربما متجهة إلى المياه القريبة من إيران أو حتى الخليج العربي نفسه. ومن المرجح أن تحاول إيران اتخاذ إجراءات متعددة من أجل منع السفينة الإسرائيلية من دخول مضيق هرمز. وقد يكون الهدف من عمليات الانتشار غير المعتادة للبحرية الأمريكية والإسرائيلية هو ردع الهجمات الإيرانية في الخليج.


في 21 كانون الأول/ديسمبر، عبرت غواصة الصواريخ الموجهة الأمريكية "يو إس إس جورجيا" SSGN 729)) التي تعمل بالطاقة النووية مضيق هرمز ودخلت المياه الضحلة للخليج العربي. وهذه السفينة الضخمة هي واحدة من أربع غواصات فقط تابعة للبحرية الأمريكية جرى تحويلها لتحمل 154 صاروخاً تقليدياً جوالاً للهجوم البري من طراز "توماهوك" - حوالي نصف قدرة الضربة الصاروخية التكتيكية لقوة بحرية كاملة، بمدى يتراوح من 1300 إلى 2500 كيلومتر. ويمكن لـ "جورجيا" أيضاً حمل ستة وستين جندياً من قوات SEAL (قوات العمليات الخاصة الرئيسية للبحرية الأمريكية) ونشرهم خفية للعمليات السرية. ومن خلال تقديم جمع استخباراتي قوي وقدرات اتصالات آمنة على مستوى قيادة فرقة العمل (القوة الاستراتيجية)، عادةً ما يتم تكليف غواصات صواريخ كروز الأربعة التابعة للبحرية الأمريكية بالمهام الأكثر صعوبة.   


ووفقاً لبيان صادر عن "القيادة المركزية الأمريكية" في 22 كانون الأول/ديسمبر، تُظهر هذه الخطوة "التزام أمريكا تجاه شركائها في المنطقة والأمن البحري مع إبقاء مجموعة كاملة من القدرات على استعداد للدفاع في حال بروز أي تهديد في أي وقت كان". وظاهرياً، إنها رسالة ردع للقادة في إيران، تحذّرهم من عدم الإيعاز بشنّ هجمات ضد الأفراد أو الأصول الأمريكية في المنطقة مع اقتراب الذكرى السنوية لاغتيال الجنرال قاسم سليماني. وبعد وقت قصير من قيام القوات الأمريكية باستهداف سليماني وقتله في 3 كانون الثاني/يناير الماضي، أطلقت القوات الإيرانية صواريخ باليستية على "قاعدة الأسد الجوية" في العراق، مما تسبب في حدوث أضرار مادية لمنشآت أمريكية وإصابة عدد من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية. ومع ذلك، يواصل المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولون آخرون إطلاق وعود علنية بشأن الانتقام لاغتيال سليماني، وتتزامن الذكرى السنوية لمقتل قائد «فيلق القدس» السابق مع انتقال رئاسي أمريكي مشحون، مما يثير مخاوف من أن الانتقام قد يأتي عاجلاً وليس آجلاً.      


الخطوة الإسرائيلية: هل هي تكميلية أم مصادفة؟


في اليوم نفسه الذي دخلت فيه الغواصة "جورجيا" إلى الخليج العربي، ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن غواصة هجومية إسرائيلية عبرت قناة السويس إلى البحر الأحمر في خطوة نادرة للغاية، ربما متجهة إلى المياه القريبة من إيران أو حتى الخليج العربي نفسه. ولا يمكن استبعاد السيناريو الأخير بالكامل في ضوء التطبيع الأخير للعلاقات الدبلوماسية والأمنية بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين. ومع ذلك، فإن أي محاولة إسرائيلية علنية لعبور مضيق هرمز من شأنها أن تؤدي بشكل شبه حتمي إلى خوض مواجهة مع القوات الإيرانية.    


ويمكن أن تبقى الغواصة الإسرائيلية المتطورة "دولفين 2" تحت الماء لفترة تصل إلى ثلاثين يوماً بفضل محركات الدفع المستقل الهوائية. وقد ذكرت بعض التقارير أيضاً أنها يمكن أن تحمل صواريخ كروز بمدى غير مؤكد يبلغ حوالي 1500 كيلومتر، مسلحة برؤوس حربية تقليدية أو نووية. ومن الناحية النظرية، إذاً، يمكن أن تهدّد السفينة أهدافاً برية بالقرب من الساحل الإيراني أثناء وقوفها في البحر العربي، أو حتى منشآت ناتانز وأصفهان النووية الحساسة إذا خاطرت بالإبحار إلى مسافة أبعد شمالاً إلى خليج عُمان.  


واختارت إسرائيل إرسال غواصتها عبر قناة السويس، الأمر الذي يتطلب عبوراً على سطح الماء لتجنب الإبحار حول أفريقيا. وربما تمّ تنسيق توقيت هذه الرحلة مع عبور الغواصة "جورجيا"، ولكن على الأرجح من دون إضفاء الطابع السري للغاية لعمليات الغواصات الأمريكية. والاحتمال الآخر هو أن توقيت إسرائيل لهذه الخطوة يتزامن مع تغيير حراسة البحرية الإيرانية في خليج عدن. وكانت "قوة المهام 70" الإيرانية قد عادت بالفعل إلى إيران، بينما انطلقت "قوة المهام 71" لتوها في 19 كانون الأول/ديسمبر لتحل محلها، تاركة خليج عدن وشمال البحر العربي دون أصول بحرية إيرانية نشطة لبضعة أيام.


وتتمثل إحدى المهام المعلنة لقوات البحرية الإيرانية في مراقبة الأنشطة العدائية المحتملة في هذه الممرات المائية ومضيق باب المندب. وتتكون "قوة المهام 71" من سفينتين رئيسيتين - الفرقاطة "البرز" وسفينة الدعم الحاملة لطائرات الهليكوبتر "خارج" (أكبر سفينة في الأسطول الإيراني) - وكانت قد أبحرت من بندر عباس إلى خليج عدن للقيام بمهام مكافحة القرصنة وجمع المعلومات الاستخبارية.


السوابق والمخاطر البحرية الأمريكية


لدى البحرية الأمريكية تقليد طويل الأمد في عدم الكشف عن مكان وجود غواصاتها، ولكن يُعتقد أن الإبحار إلى الخليج العربي من قبل غواصات تحمل صواريخ كروز تعمل بالطاقة النووية (من فئة SSGN) نادرة بشكل خاص. وتعمل غواصات الهجوم السريع الأصغر حجماً (من فئة SSN) التابعة للبحرية الأمريكية بشكل متكرر في الخليج وهي قادرة تماماً على إجراء عمليات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع  وغيرها من المهام في المنطقة. ومع ذلك، يُعتقد أن المساحات الضيقة في الخليج ومضيق هرمز غير ملائمة لعمليات الغواصات الكبيرة بسبب أعماقها الضحلة نسبياً، والتيارات المائية القوية، والعديد من خطوط الأنابيب تحت الماء، والمرافق البحرية، وطرق الشحن المزدحمة للغاية، وتقنيات الكشف الحديثة.


وبالفعل، أثبتت مخاطر الاصطدام أنها كبيرة. ففي كانون الثاني/يناير 2007، اصطدمت الغواصة الهجومية من فئة لوس أنجلوس "يو إس إس نيوبورت نيوز (SSN-750)" بناقلة عملاقة يابانية أثناء مغادرتها لمضيق هرمز وهي تحت الماء. وبعد ذلك بعامين، اصطدمت السفينة "يو إس إس هارتفورد (SSN-768)" من فئة لوس أنجلوس بسفينة دعم برمائية أثناء قيامها بعبور المضيق وهي تحت الماء ليلاً.


الإجراءات المضادة المحتملة التي قد تقوم بها إيران


يُعتقد أن "بحرية جمهورية إيران الإسلامية" تَعتبر غواصاتها الثلاث الروسية الصنع من فئة "كيلو" وغواصتها الأصلية من فئة "فاتح" (كلاهما تعملان بالديزل والكهرباء) كخط دفاعها الأول ضد غواصات العدو (قد تلعب "سافيز، وهي سفينة استخبارات/ترسانة راسية بشكل دائم شمال مضيق باب المندب، دوراً أيضاً). وعند الجمع بين موارد "بحرية جمهورية إيران الإسلامية" و"قوات البحرية التابعة لـ «الحرس الثوري الإسلامي»" الإيراني، وشبكاتها الحالية من أجهزة الاستشعار، بإمكان إيران اكتشاف أنشطة الغواصات المشبوهة في المياه القريبة - خاصة في الأعماق الأكثر ضحالة التي توفر القليل من الحواجز الحرارية الصوتية أو لا توفر أي حواجز حرارية (على سبيل المثال، الخط الحراري) للغواصات للاختباء تحت تلك المياه. وفي الوقت نفسه، فإن الدفاعات الجوية الإيرانية قادرة على اعتراض بعض صواريخ كروز على الأقل تلك التي تُطلق على منشآتها الحساسة.


وإلى جانب نشر غواصات مزودة بأجهزة سونار (أجهزة سبر بالصدى) لتحديد مواقع التهديدات تحت الماء، يُعتقد أيضاً أن إيران أجرت تحسينات صغيرة على قدراتها المضادة للغواصات في السنوات الأخيرة. وتشمل هذه حفنة من طائرات الهليكوبتر من طراز "S-61 (SH-3D) Sea King" التي يمكن أن تَنشر أجهزة السونار النشطة والطوربيدات المربوطة. ويمكن للقوات الإيرانية أيضاً نشر ألغام أرضية مضادة للغواصات في سواحل الخليج العربي، في حين لدى "قوات البحرية التابعة لـ «الحرس الثوري»" أسطول من زوارق الطوربيد السريعة الصغيرة (على الرغم من أن قدرتها على الحرب المضادة للغواصات لا تزال غير مُثْبتة). وفي 25 كانون الأول/ديسمبر، خلال جولة للتحصينات بالقرب من مضيق هرمز، كرر قائد "قوات البحرية التابعة لـ «الحرس الثوري»" علي رضا تنكسيري استعداد قواته لمواجهة أي تهديد.


الجوانب القانونية لعبور الغواصات


خرجت الغواصة "جورجيا"عن الممارسات البحرية الأمريكية المعتادة في مضيق هرمز من خلال عبورها له أثناء ظهورها على سطح الماء وخلال ساعات النهار، برفقة طرادَيْن من صواريخ موجهة للدفاع الجوي وطائرة هليكوبتر مراقبة. وهناك فرق قانوني بين عبور مضيق دولي أثناء الظهور على سطح الماء مقابل التواجد تحت الماء. وأصرت الولايات المتحدة على حق "المرور العابر" في مضيق هرمز، وهو تعريف يسمح بالعمليات العادية مثل إطلاق مروحيات محمولة على متن السفن وإبقاء الغواصات تحت الماء. لكن إيران لا تعتبر مضيق هرمز مضيقاً دولياً، وبالتالي تصر على مبدأ "المرور البريء" الذي لا يسمح بمثل هذه العمليات.


وفي الماضي، مارست البحرية الأمريكية بشكل متكرر حقها في المرور العابر بإرسالها غواصات عبر مضيق هرمز وهي تحت الماء. ربما كان المقصود من عبور "جورجيا" على سطح الماء هي أن تبدو أكثر تحدياً وأن ترسل تحذيراً إلى إيران. ومع هذا، فقد تفسر طهران ذلك على أنها علامة ضعف - أي تنازلات بحكم الأمر الواقع لإصرار إيران الطويل الأمد على "المرور البريء".


الخاتمة


كما حذر خامنئي في خطاب ألقاه في 16 كانون الأول/ديسمبر، لا تزال طهران مصممة على توجيه ضربة مؤلمة بما يكفي لإرغام القوات الأمريكية على الرحيل النهائي من الشرق الأوسط. لذلك، اتخذت وزارة الدفاع الأمريكية خطوات لتحسين موقفها الرادع المحلي، مثل المناورة بمجموعة حاملة الطائرات الهجومية الوحيدة المتبقية في المنطقة، وإصدار الأوامر لإقلاع القاذفات الإستراتيجية من طراز "بي 52" وطيرانها مباشرة من الولايات المتحدة إلى الخليج العربي في 10 كانون الأول/ديسمبر، وإرسالها الآن واحدة من أكثر غواصات صواريخ كروز متعددة الاستخدامات إلى الخليج. ومع ذلك، على السلطات الأمريكية أن تكون حذرة للغاية في كيفية تنفيذ مثل هذه التحركات الرادعة لكي لا تسيء إيران تفسيرها على أنها علامات ضعف.


بالإضافة إلى ذلك، في حال اقتراب الغواصة الإسرائيلية من المياه الإيرانية، وهو أمر بعيد الاحتمال، من المحتمل أن تردّ إيران بطريقة دراماتيكية. وقد اختارت إسرائيل التخلي عن أي عنصر من عناصر المفاجأة من خلال الاستغناء عن الرحلة الطويلة حول أفريقيا وإرسال غواصتها عبر قناة السويس وهي عائمة، ربما لأنها أرادت وجود رادع في البحر العربي عاجلاً وليس آجلاً. ومهما كانت الحالة، من المرجح أن تحاول إيران اتخاذ إجراءات متعددة من أجل منع السفينة الإسرائيلية من دخول مضيق هرمز، مثل الإعلان عن أن هذا الإجراء سيتجاوز خط أحمر، ورفض السماح للسفينة بالمرور البريء، وإجراء تدريبات عسكرية في المنطقة، وزيادة دورياتها لتحديد موقع الغواصة واعتراضها. وعلى الرغم من أن طهران قد تمتنع عن اتخاذ إجراءات من شأنها إشعال فتيل حرب دامية، إلا أن مثل هذه المواجهات تترافق مع خطر كبير بالتصعيد.    


 


فرزين نديمي هو زميل مشارك في معهد واشنطن، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج.